الكتاب الرابع

(٤-١) تلك القوة الحاكمة بداخلنا، حيثما كانت في توافُقٍ مع الطبيعة، تتخذ موقفًا مرنًا مع الظروف وتُكيِّف نفسها دائمًا بسهولةٍ ويُسرٍ مع ما يَعرِض لها من أحداث،١ فهي لا تتطلب مادةً معينةً لعملها، بل تتجه إلى غرضها بأسلوبٍ تكيفي فتحول أي عقبةٍ في طريقها إلى مادةٍ لاستعمالها. إنها أَشبَه بنارٍ تُسيطِر على أي شيءٍ يسقط في جوفها. قد تنطفئ الجَذوة النحيلة إثر ذلك، أمَّا النار المضطرمة فتتملَّك المادة التي تُركَم عليها، وتلتهمها وتَنزُو فوقها بفضل هذه المادة نفسها.

(٤-٢) لا تفعل شيئًا من غير هدف، أو من غير وفاقٍ مع مبادئ الفن؛ فن الحياة.

(٤-٣) إنهم يبحثون عن منتجعاتٍ لهم؛ في الريف، على البحر، على التلال، وأنت بصفةٍ خاصةٍ عُرضةٌ لهذه الرغبة المشبوبة، ولكن هذا من شيم الطَّغَام؛ فما زال بإمكانك كلما شِئتَ ملاذًا أن تطلُبه في نفسك التي بين جنبَيك؛ فليس في العالم موضعٌ أكثر هدوءًا ولا أبعد عن الاضطراب مما يجد المرء حين يخلو إلى نفسه، وبخاصةً إذا كانت نفسه ثَريةً بالخواطر التي إذا أَظلَّته غَمرَته بالسكينة التامة والفورية،٢ ولستُ أعني بالسكينة إلا الحياة التي يحكمها العقل ويُحسن قِيادها.

فلتمنح نفسك دائمًا هذا الاستجمام، ولتُجدِّد نفسك. ولتكن المبادئ العقلية التي سوف تعود إليها هناك وجيزةً وأساسيةً وكافيةً لأن تذهب بكل أَلمِكَ في الحال وتُعيدكَ إلى أموركَ المُستأنَفَة خاليًا من السخط عليها أو التبرُّم بها.

فعَلامَ أنت ساخطٌ؟ على اللؤم البشري؟ تَذكَّرْ أن الكائنات العاقلة قد خُلِقَت من أجل بعضها البعض، وأن الصفح جزءٌ من العدل، وأن الناس تفعل الشر عن غير عمد، واذكُرْ كم من الناس قد قَضَوا حياتهم في عداوةٍ وشكٍّ وبغضاء وحربٍ معلنة، ثم لَفَّتهم الأكفان وصاروا رمادًا، وكُفَّ عن لَجَاجتك.

أم تُراك ساخطًا على ما قُسِم لك من نصيبٍ في «الكل»؟ إذن فاذكر أنك مضطرٌّ إلى أن تختار؛ فإما عنايةٌ مُدبِّرة وإما ذرَّاتٌ عَمياءُ تلتقي كيفما اتفَق وتفترق. واذكُر البينات الكثيرة على أن العالم نوعٌ من المجتمع السياسي وكُفَّ عن لَجَاجتك، أم لعلك ما تزال واقعًا في قبضة الحاجات الجسدية؟ إذن فاذكُرْ أن العقل ما إن يسُلَّ نفسه ويكتشف قواه الخاصة حتى ينفصل بذاته عن حركة النفس الجسدية سواءٌ أكانت هذه الحركة هادئةً أم عنيفة. واذكر أيضًا كل ما سمعتَه وتَبيَّنتَه عن الألم واللذة، وكُف عن لَجَاجتك.

أم لعلك إذن تتحرق إلى شيءٍ من المجد، فاذكُرْ كم هو سريعُ النسيان هذا العالم، واذكر الفجوة الزمنية السابقة للحاضر واللاحقة عليه، وكم هو فارغٌ ذلك الإطراء الذي تجده من الآخرِينَ وكم هم مُتقلِّبون وعديمو الرأي أولئك الذين يتظاهرون بتأييدك، وكم هي ضيقةٌ تلك المساحةُ التي يجول فيها مَجدُك. الأرض برُّمتها مجرَّد نقطةٍ في الفضاء؛ فما أَهونَ ذلك الرُّكنَ الذي تقطنه وما أَقلَّهم وأهونهم أولئك الذي تَرتقِب منهم ها هنا التمجيد والمدح.

لن يبقى سوى هذا؛ حصنك الصغير الذي بين جنبَيك، فأْوِ إليه … حيث لا كرب، على الأقل، ولا وَصَب. كن سيد نفسك، وانظر إلى الأشياء كرجلٍ، كإنسانٍ، كمواطنٍ، ككائنٍ فانٍ. وبَينَ أَسرعِ الأفكار تلبيةً وإسعافًا لك اتجِهْ إلى هاتَين؛ الأولى: أن الأشياء لا يمكنها أن تمس العقل؛ إنها خارجيةٌ وخاملة، والاضطرابات لا تأتي إلا من رأيك الداخلي. والثانية: أن جميع تلك الأشياء التي تراها حولك ما تكاد تَنظُر إليها حتى تتغير ثم تزول. واعتبر دائمًا بكل ما شَهِدتَه بنفسك وقد تغيَّر وزال، العالم هو التغيُّر … والحياة هي الرأي.

(٤-٤) ما دام الجزء المفكر مشتركًا بيننا، فالعقل مشتركٌ أيضًا، وهو ما يجعلنا كائناتٍ عاقلة. ومشتركٌ بيننا أيضًا الآمر الذي يملي علينا ما نفعل وما لا نفعل. وإذا صح ذلك فبيننا أيضًا قانونٌ مشترك؛ ومن ثَمَّ فنحن مواطنون، نستظل معًا بدستور واحد. إذا صح ذلك فالعالم كله كأنه دولةٌ واحدةٌ وإلَّا فكيف يمكن للمرء أن يقول إن الجنس البشري كله يشارك في دستور عام؟ من هناك إذن، من هذه المدينة؛ الدولة المشتركة، نستمد عقلنا نفسه، قانونَنا، وإلَّا فمن أين نستمد؟ فكما أن الشطر الترابي مني مستمدٌّ من ترابٍ ما، والمائي من عنصره، والنفس الهوائي من مصدرٍ ما، والحار الناري من مصدره الخاص (فلا شيء يأتي من لا شيء، ولا يعود إلى لا شيء) كذلك العقل لديه أيضًا مَصدرُه.

(٤-٥) الموتُ، شأنه شأن الميلاد، سرٌّ من أسرار الطبيعة؛ تضامٌّ، ثم انحلالٌ، للعناصر نفسها. لا عار في الأمر بكل تأكيد؛ فلا شيء فيه مُناقضٌ لطبيعة الكائن العاقل، أو مُناقضٌ لمبدأ تكوينه.٣

(٤-٦) من الطبيعي، والضروري، أن تأتي مثل هذه الأفعال من مثل هؤلاء الناس، وإلا فهل تُؤمِّل في التين ألا يعود ينتج أَنفحتُه؟ تَذكَّر على كل حالٍ أن كليكما سوف يموت وشيكًا جدًّا، ولن يعود يُذكر بعد ذلك حتى اسمَاكُما.

(٤-٧) أَزِل الحكم، تكن قد أزلتَ فكرة «لقد تضرَّرتُ». أَزِل فكرة «لقد تَضرَّرتُ» بنا يكون الضرر نَفسُه قد أُزيل.٤

(٤-٨) ما لا يجعل المرء أسوأ لا يمكن أن يجعل حياته أسوأ؛ فليس بوُسعِه أن يضيره لا من داخل ولا من خارج.

(٤-٩) كان من المُفيد للطبيعة أن يكون (الشيء) هكذا؛ ومن ثَمَّ كان من الضروري.

(٤-١٠) «كل ما يحدث في العالم فهو حق.» تأمَّلْ هذا القول بعناية ولسوف تجد أنه حق. لستُ أعني بالحق هنا مسار الأسباب، بل أعني به «العدل» — وكأن قاضيًا ما يُحصِّص لكل شيءٍ استحقاقه.٥ ضع هذا إذن نُصبَ عينَيك كلما شَرعتَ في عملٍ، أيًّا كان، وأيما شيءٍ تُؤدِّيه فَأَدِّه أداء رجلٍ صالحٍ بالمعنى الدقيق للرجل الصالح، والزَمْ ذلك في كل فعل.

(٤-١١) لا تحكم على الأمور كما يحكم عليها من آذاك، أو كما يريدك أن تحكم، بل انظر إلى الأشياء كما هي عليه في الحقيقة.

(٤-١٢) كن دائمًا على استعداد للعمل بهذين المَبدأَين؛ أولًا: ألَّا تفعل إلا ما يملي عليك العقل الحاكم والمُشرِّع أن تفعله لخير الإنسانية. ثانيًا: أن تُغيِّر موقفك إذا كان هناك في الحقيقة من يُصحِّح لك رأيًا ما ويُرشِدك إلى ما هو أَقوَم. على أن ينبع هذا التحوُّل عن اقتناعٍ بالعدل أو بالخَيرِ العام، وأن تُعدِّل مَسارَك وفقًا لذلك وليسَ لمجرَّد اللذة أو الشعبية.

(٤-١٣) هل تملك عقلًا؟

– «نعم.»

– ولماذا لا تستعمله إذن؟ فإذا كان هذا يُؤدِّي وظيفته فماذا عساك تطلُب أكثر من ذلك؟

(٤-١٤) لقد وُجِدَت كجزءٍ من الكل. ولسوف تتلاشى في ذلك الذي أتى بك، أو بالأحرى سوف تُسترد مرةً ثانية، بالتحوُّل العنصري، إلى المبدأ المُولِّد (للعالم).

(٤-١٥) حبَّاتُ بخورٍ كثيرةٌ على نفس المذبح. إحداها تسقط أولًا، الأخرى لاحقًا … لا فرق.٦

(٤-١٦) خلال عَشرة أيامٍ سوف تبدو إلهًا لأولئك الذين تبدو لهم الآن بهيمةً أو قردًا، إذا ما عُدتَ إلى مبادئك وإلى عبادة العقل.

(٤-١٧) لا تتصرَّف كما لو كنتَ سوف تُعمَّر آلاف السنين. الموت يَترصَّدك؛ فما دمت تعيش، وما دام بإمكانك … كُن خَيِّرًا.

(٤-١٨) ما أهنأَ بالَه ذلك الذي لا يتطلع إلى ما يقوله جيرانه وما يفعلون وما يُفكِّرون، بل ينصرف إلى أفعاله هو لِيجعلَها عادلةً مُوقَّرةً مُشربةً بالخير. لا تَلتفِت إذن إلى الشخصيات السوداء عن يمينك وشمالك، بل امضِ أمامَكَ سعيًا في الطريقِ المستقيمِ لا تَنحرِفْ عنه.

(٤-١٩) لا يُدرِك المُتلهِّف على المَجدِ وبقاء الذِّكر أن كل واحدٍ من مُخلِّدي ذكره سوف يموت هو نفسه عاجلًا جدًّا، وكذلك سيكون حال الأخلاف جميعًا إلى أن تنطفئَ ذِكراه تمامًا في انتقالها عَبرَ أُناسٍ يُعجبون ببلاهةٍ ويَفنَون. وحتى لو افترضنا خلود من يُذكِّرونك وخلود ذكراك فماذا يجديك من ذلك؟ وليست أعني مجرد جدواه للموتى بل للأحياء أيضًا؛ ما جدوى المديح (إلا أن يكون ذا نفعٍ إجرائيٍّ مُعيَّن)؟ لكأنِّي بك ترفض هِبةَ الطبيعة التي أودَعَتكَ إيَّاها والتي لا تَعتمِد على أقوال الآخرِين، وتَتشبَّث بشيءٍ آخر …٧
(٤-٢٠) كلُّ ما هو جميلٌ على أي نحوٍ من الأنحاء إنما هو جميلٌ «في ذاته»، يَذخَر جماله في لُبِّه وصميمه وليس المديح جزءًا منه؛ فالمديح لا يجعل الشيء أفضل مما هو ولا أسوأ،٨ يسري ذلك على ما درج الناس على اعتباره جميلًا؛ كالأشياء المادية والأعمال الفنية. الجميل حقًّا هو في غنًى عما سواه … شأنه في ذلك شأن القانون، وشأن الحقيقة، أو الإحسان أو التواضُع. فهل مثل هذه الأشياء تجمُل بالمدح أو تَذوِي بالدم؟ هل ينتقص من قيمة الزمردة ألَّا تُزجِي لها المديح؟ أو ينتقص من الذهب أو العاج أو الأُرجوان أو القيثار أو الخنجر أو الزهرة أو الشجيرة؟

(٤-٢١) لعلك تسأل: إذا كانت الأرواح خالدةً فكيف يمكن للهواء أن يستوعبها جميعًا منذ بداية الزمان؟ حسنٌ … فكيف تستوعب الأرض كل تلك الأجسادِ التي تُدفن بها منذ تلك البداية السحيقة؟ فمثلما هو الحال هنا على الأرض؛ إذ تتحول الأجسام بعد مُقامها على الأرض، طال أو قصر، وتتحلل فتترك مكانًا لغيرها، كذلك الشأن بالنسبة للأرواح المرتحلة إلى الهواء؛ تبقى رَدحًا من الزمن ثم تَتغيَّر وتندثر وتتخذ طبيعةً ناريةً إذ يتلقاها المبدأ المولِّد للعالم، بذلك تترك مكانًا للمُقيمِين اللاحقِين، هذا هو الجواب عن مسألةِ خلودِ الأرواح.

ينبغي ألَّا نقتصر على النظر إلى الأجساد التي تُدفن هكذا بل نتأمَّل أيضًا كم من الحيوانات تُؤكَل كل يوم، نأكلها نحن وتأكلها المخلوقات الأخرى؛ مقاديرُ ضخمةٌ تُستهلَك وتُدفَن، بمعنًى ما، في أجساد آكليها. ومع ذلك فهناك مكانٌ لها؛ لأنها تتحول إلى دمٍ وإلى عُنصُرَي الهواء والنار.

كيف نتحقق من صدق هذه المسألة؟ بالتمييز بين ما هو ماديٌّ وما هو صوريٌّ سببي.٩

(٤-٢٢) لا تَتخبَّطْ هنا وهناك، ولكن في كل حركةٍ من حركاتك كن عادلًا، وفي كل خَطرةٍ من خطراتِك التزِم مَلَكة الرأي والفهم.

(٤-٢٣) أيها العالم، كل شيء يلائمني إذا لاءَمك، وكل ما هو في أوانه بالنسبة إليك فهو كذلك عندي، لا متقدم لديَّ ولا متأخر. أيتها الطبيعة، كل ما تَجلبه مواسمُكِ فهو ثمرةٌ لي: كل شيءٍ منكِ يأتي وفيكِ يعيش وإليكِ يعود. يقول الشاعر:١٠ «عزيزتي مدينة كيكروبس Cecrops»،١١ ألا تقول أنت: «عزيزتي مدينة زيوس»؟١٢
(٤-٢٤) يقول ديمقريطس «إذا شِئتَ أن تعيش سعيدًا فلا تعمل إلا أقلَّ القليل.» ولكن أليس من الأفضل أن تقول «لا تَعملْ إلا ما هو ضروري» إِلَّا ما يتطلبه عقل كائنٍ اجتماعيٍّ بالطبيعة وكيفما يتطلبه؟ فمِن شأن هذا أن يَجلِب السكينة الناجمة عن الفعل الصحيح وعن الفعل القليل أيضًا. الحق أن أكثرَ ما نقُول وما نفعل هو غيرُ ضروري. فإذا اطَّرَحتَ الزائد فسوف يكون لديك وقتٌ أكثرُ وعسرٌ أقل؛ لذا ففي كل حالةٍ على المرء أن يسأل نفسه: «هل هذا شيءٌ ضروري؟» وعليه ألَّا يَطَّرِح غير الضروري من الأفعال فحَسبُ بل من الأفكار أيضًا؛ حتى لا تحمله الأفكار الزائدة على أعمالٍ لا لُزوم لها.١٣

(٤-٢٥) جَرِّبْ أيضًا كيف تُوافِقكَ حياةُ الإنسان الصالح، حياة ذلك القانع بنصيبه المقسوم من «الكل»، وبأفعاله العادلة ومُيولِه الخَيِّرة.

(٤-٢٦) أَرأيتَ إلى ذلك؟ فانظر إلى هذا أيضًا: لا تُرهِقْ نفسك، كن بسيطًا دائمًا. هل أساء إليك أحد؟ إنما إلى نفسه أساء، هل أَلَمَّ بك شيءٌ؟ حسنٌ، كل ما أَلَمَّ بك كان مُقدَّرًا لك من «الكل» منذ البداية ومنسوجًا لك. وباختصار، الحياة قصيرة؛ اغتَنمِ اللحظة الحاضرة بالعقل والعدل. كن صاحيًا في استرخائك.

(٤-٢٧) إمَّا عالَمٌ مُنظَّمٌ وإمَّا خليطٌ من العناصر المضطربة. غير أنه عالَم. وإلَّا فكيف يمكن أن يبقى داخلكَ نظامٌ مُعيَّن بينما الاضطراب يَعُم «الكل». وهذه أيضًا: أن جميع الأشياء، رغم انفصالها وتمايُزها، يتخلل بعضها بعضًا ويَستجيبُ بعضها لبعض.١٤
(٤-٢٨) شخصيةٌ سوداء، مُخنَّث، عنيد، وَحشي، صِبياني، غبي، مُحتال، فَظ، مُرتزِق، مُستبِد.١٥

(٤-٢٩) إذا كان غريبًا في العالم من لا يعرف مكوناته، فليس أقل غربةً من لا يعرف ماجَرَيَاته. إنه هاربٌ إذا تملص من المبدأ الاجتماعي، أعمى إذا غَضَّ عين العقل، شحَّاذٌ إذا اعتمد على الآخرِين ولم يَذخَر في نفسه كل ما يحتاج في الحياة، ورمٌ في الكون إذا انسحب وفصل نفسه عن مبدأ طبيعتنا المشتركة بتبرُّمه بنصيبه (إذ إن الطبيعة هي التي تجيء بنصيبك مثلما تجيءُ بكَ)، إنه منشقٌّ خارجٌ على المجتمع إذا سل رُوحَه من روح الكائنات العاقلة جميعًا، والتي هي وحدة.

(٤-٣٠) هذا فيلسوفٌ لا يملك لباسًا،١٦ وآخر لا يملك كتابًا، وهذا نصف عريان يقول «ولكني ملتزمٌ بالعقل.» أما أنا فأقول: إنني أفتقر إلى الغذاء التربوي والتعليمي، ولكني لا أَحِيد عن العقل.

(٤-٣١) أَحِبَّ الفن الذي تَعلَّمتَه، أيًّا كان، وارضَ به، واقضِ ما تبقَّى من حياتك كإنسانٍ نَذَر نفسه للآلهة بكل قلبه واحتسب عندها كل ما لديه، ولا تجعل من نفسك طاغيةً على أي إنسانٍ ولا عبدًا له.

(٤-٣٢) تأمل مثلًا عصر فيسباسيانوس،١٧ فسوف ترى الأشياء نفسها؛ ناس تتزوج، وتُنجب أطفالًا، ويُدركها المرض، وتموت، وتُقاتل، وتُعيد، وتُتاجر، وتُفلح الأرض، وتُجامل، وتتدافع، وتشك وتتآمر، وتتمنى موت الآخرِين، وتَتذمَّر على نصيبها المقسوم، وتقع في الحب، وتَكنِز المال، وتتوق إلى منصب القنصل والملك، والآن انقَضَت حياتهم وزالت.
ثم عَرِّج على زمن ترايانوس،١٨ سترى أيضًا الأشياء نفسها، والحياة انقضت أيضًا.
وانظر كذلك في الأزمنة الأخرى، والأمم كلها في الحقيقة، وسترى حيواتٍ كثيرةً من الكدح تنتهي بسقوطٍ سريعٍ وتحلل إلى العناصر،١٩ وأهم من كل شيء أن تستعرض في ذهنك أولئك الذين رأيتهم بنفسك في صراعاتٍ فارغة، لا يسلكون وفقًا لفطرتهم الطبيعية ولا يتمسكون بها ولا يَرضَون عنها. وعليك في هذا المقام أن تأخذ كُلَّ شيءٍ بقيمته وحجمه، فبذلك لن تبتئس إذا عَبَرتَ على التَّوافِه ولم تُعرها وقتًا أطول مما تستحق.

(٤-٣٣) الألفاظ التي كانت شائعةً قديمًا هي الآن مهجورة، كذلك أيضًا أسماء الذين كانوا مشاهير ذات يومٍ هي بمعنًى ما مهجورة؛ كاميللوس، كايسو، فوليسوس، دينتاتوس، وبعدها بقليل سكيبيو وكاتو، ثم أوغسطس أيضًا، ثم هادريان وأنطونينوس. كل الأشياء تتلاشى وسرعان ما تتحول إلى أسطورةٍ سرعان أيضًا ما يَلُفُّها النسيان. هذا بالنسبة للذين تألَّقُوا على نحوٍ مُدهش. أمَّا البقية فما يكادون يَلفِظُون أنفاسهم الأخيرة حتى يختفون عن العين والفكر؛ فماذا تكون الذكرى الخالدة إذن؟ لا شيء؟

وإلى أين إذن ينبغي على المرء أن يَسعَى؟ إلى هنا فقط؛ فكرٍ صائب وفعلٍ للخير العام، وقولٍ لا يعرف الكذب، وتقبُّلٍ لكل ما يجري كشيءٍ ضروري وعاديٍّ ونابعٍ من مبدأٍ ومصدرٍ من الصنف نفسه.

(٤-٣٤) أَسلِمْ نَفسَكَ طواعيةً إلى كلوثو Clotho،٢٠ إحدى إلهات القدَر، ودعها تَغزِل خيطَ عُمرِكَ على أي شكلٍ شاءت.

(٤-٣٥) الكل زائل، الذاكر والمذكور معًا.

(٤-٣٦) تأمَّلْ دائمًا كل ما يأتي به التغيُّر، ورُضْ نفسك على فكرة أن طبيعة «الكل» لا تُولَع بشيءٍ قَدْر وَلَعَها بتغيير كل شكلٍ من الوجود إلى شكلٍ آخر، شبيهٍ ولكن جديد. كلُّ ما يوجد هو بمعنًى ما بذرةٌ لما يأتي بعده؛ فإذا كان مفهوم «البذرة» عندك محصورًا فيما يُوضع في الأرض، أو في الرحم، فذاك لعمري تفكيرٌ مُغرِقٌ في السُّوقيَّة.

(٤-٣٧) ستموت وشيكًا وما زِلتَ لا تتمتع بوضوح الفكر وصفاء النفس، ولم تتحرر بعدُ من الخوف من الأذى الخارجي، وما زِلتَ غير ودودٍ تجاهَ الجميع، وغيرَ مُوقنٍ بأن العدل هو مِلاكُ الحكمة.

(٤-٣٨) انظر إلى عقولهم المُوجِّهة، حتى أولئك الذين يُعَدُّون حكماءَ، انظر أيَّ الأشياء يجتنبونها ويَفرَقون منها، وأيَّ الأشياء يلتمسونها ويَسعَون إليها.

(٤-٣٩) لا أذى لك يَقبَع في عقل غيرك، ولا حتى في أي تبدُّلٍ أو تغيُّر لغطائك الجسدي، أين إذن يقبع الأذى؟ في ذلك الجزء منك الذي يضطلع بتكوينِ الأحكام عن الأذى. كف عن الحكم بأن بِكَ إذن تكون قد سَلِمتَ منه.٢١ ولو أن أقرب شيءٍ منه، وهو جسدك، تَعرَّض لسكينٍ أو كيٍّ، أو تُرك ليتقيح أو يموت؛ فإن المَلَكة التي تحكم هذه الأحكام ينبغي أن تظل هادئة؛ أي ينبغي ألا تعتبره خيرًا ولا شرًّا ذلك الذي يمكن أن يصيب الأشرار والأخيار على حدٍّ سواء؛ ذلك لأن ما يمكن أن يُصِيبَ الإنسان بغض النظر عن مدى إذعانه للطبيعة ليس بحد ذاته مُتَّفقًا مع الطبيعة أو مضادًا لها.٢٢

(٤-٤٠) انظر دائمًا إلى العالم على أنه كائنٌ حيٌّ واحدٌ، يتكون من مادةٍ واحدة وروحٍ واحدة. انظر كيف يذوب الكل في هذا الوعي الواحد، كيف تخضع كل أفعاله لنزوعٍ واحد، كيف تتعاون الأشياء جميعًا في كل ما يحدث، انظر أيضًا الغزل الدائم لخيط الشبكة ونسيجها.

(٤-٤١) أنت روحٌ ضئيلةٌ هنا وهناك … حاملةً جثة. (كما اعتاد إبكتيتوس أن يقول).

(٤-٤٢) التغيُّر: لا شيء في العملية شيء في ذاته، ولا شيء في النتيجة خيرٌ في ذاته.

(٤-٤٣) الزمن أشبه بنهرٍ من الأحداث الجارية وتَيارٍ عنيف،٢٣ فما يكاد شيءٌ يَعِنُّ حتى ينجرف بعيدًا (إلى الماضي) ويحل غيره محله، فما يلبث أن يَنجرِف بِدَورِه.

(٤-٤٤) كل ما يحدث فهو معتادٌ ومألوفٌ كالزهر في الربيع والفاكهة في الصيف، كذلك أيضًا المرض والموت، الافتراء والتآمُر؛ وكُل ما يَسُر الحمقى أو يُؤلِمُهم.

(٤-٤٥) في سلاسل الأشياء فإن اللاحق يكون دائمًا مرتبطًا بما سبقه، لا مجرد إحصاءٍ بسيطٍ لأشياء منفصلةٍ ومجرد تعاقبٍ ضروري، بل ارتباطٍ عقلي، ومثلما أن الأشياء الموجودة مترابطةٌ بينها بانسجام، كذلك عمليات الصيرورة لا تَعرِضُ مجرد تتابُعٍ، بل انسجامًا صَميمًا مُدهِشًا.

(٤-٤٦) تذَكَّر دائمًا قول هيراقليطس: «موتُ التراب هو أن يصبح ماءً، وموتُ الماء ميلاد الهواء، وموت الهواء هو النار، وعَودٌ على بَدء.» تذكر أيضًا تصوُّرَه عن الإنسان الذي نَسِي طريقه إلى داره، وقوله إن الناس في خصامٍ مع ألصق رفيق؛ «العقل» الذي يحكم العالم، وأن الأشياء التي يُصادفونها كل يومٍ تبدو لهم غريبة. وتذكَّرْ أننا ينبغي ألَّا نعمل أو نتحدث كما لو كنا نيامًا، وأن النوم يَجلِب الوهم القولي والفعلي، وأننا ينبغي ألَّا نَحذُوَ حَذْوَ الأطفال مع آبائهم؛ فنقبل ببساطةٍ كُلَّ ما يُقال لنا.

(٤-٤٧) كما لو أن إلهًا أخبرك أنك ستموت غدًا أو بعد غدٍ على الأكثر فلم تُعلِّق أهميةً على فرق يومٍ واحد (ما لم تكن مُفرطًا في الهلع، فما أضيق الفرق)؛ كذلك ينبغي عليك ألَّا تَتصوَّر فارقًا يُذكر بين أن تموت بعد سنينَ طويلةٍ وأن تموت غدًا.

(٤-٤٨) اذكُر دائما كم من الأطباء ماتوا بعد أن عقدوا الحاجبَين فوق مرضاهم، كم من المُنجِّمِين ماتوا بعد أن تَنبئوا بموت غيرهم بخُيلاءَ عظيمة، وكم من الفلاسفة بعد مداولاتٍ لا نهاية لها عن الموت أو الخلود، وكم من الطغاة بعد أن تسلَّطوا على حياة الناس بغطرسةٍ وحشيةٍ كما لو كانوا هم أنفسهم مُخلَّدِين في الأرض، واذكُر أيضًا كم مُدنٍ بأسرها قد زالت؛ هيليكي،٢٤ بومبي، هيركيولانيوم،٢٥ وغيرها مما لا يُحصَى. وأضف إلى الإحصاء كل أولئك الذين عرفتَهم، واحدًا تلو الآخر، يمشي أحدهم في جنازة الآخر، ثم ما يلبث أن تَلُفَّه الأكفان بدوره ويُشيِّعَه آخَرُ،٢٦ وكل ذلك في زمنٍ وجيز. وصفوة القول أنِ انظُرْ دائمًا كم هي قصيرةٌ رخيصةٌ حياة الإنسان، بالأمس كان بَذرةً وغدًا مومياء أو رمادًا.

عليك إذن أن تقضي هذه الكسرة الضئيلة من الزمان في انسجامٍ مع الطبيعة، وغادرها راضيًا، مثلما تسقط زيتونةٌ حين تَبلُغ النُّضج، مُبارِكةً الأرض التي حَملَتها، وشاكرةً للشجرة التي مَنحَتها النماء.

(٤-٤٩) كن مثل رأس الأرض في البحر تَتكسَّر عليه الأمواج بلا انقطاعٍ وهو ثابتٌ وطيدٌ يخمد من حوله جَيَشان الماء،٢٧ أفتقول «ما أتعس حالي إذا أصابني هذا»؟ لا بل قل: «ما أسعدني إذ أصابني هذا الأمر وما زِلتُ خاليًا من الحزن والأسى، لم يُحطِّمني الحاضر ولم يُخِفني المستقبل.» فقد ينزل مثل هذا المصاب بأي إنسانٍ ولكن ليس كل إنسانٍ بقادرٍ على أن يحتمله من غير ألم. لماذا إذن تبتئس بالمُصاب أكثر مما تستبشر بقدرتك على احتماله؟!٢٨

وهل تُسمِّيه مُصابًا للإنسان، على كل حال، ذلك الذي لا يَشذُّ عن طبيعة الإنسان؟ أو تسميه شذوذًا عن طبيعة الإنسان ذلك الذي لا يتعارض مع أهداف طبيعته؟ حَسنٌ إذن. لقد تَعلَّمتَ ما هي هذه الأهداف، هل ثمة من شيءٍ في هذا المُصاب يمنعك من أن تكون عادلًا وشهمًا ومعتدلًا وحصيفًا وصادقًا وشريفًا وحرًّا، أو غير ذلك من الصفات التي تُحقِّق في اجتماعها طبيعة الإنسان الحقة؟ تذكر إذن في كل حدثٍ مُنغِّصٍ هذا المبدأ: «ليس هذا بالحظ السيء، بل احتمال هذا بنبالةٍ وكرمٍ هو حظٌ سعيد.»

(٤-٥٠) ثَمَّةَ طريقةٌ سوقيةٌ على أنها مُسعِفةٌ لك في أن تضع الموت في حجمه الصحيح؛ وهي أن تستعرض في ذِهنِك قائمةً بأولئك الذين تَشبَّثوا بالحياة فترةً طويلة. ماذا ربحوا من ذلك أكثر مما ربح من مات مبكرًا؟ من المُؤكَّد أنهم يَرقُدون الآن جميعًا في قبورهم؛ كايديكيانوس، فابيوس، يوليانوس، ليبيدوس،٢٩ وأمثالهم جميعًا من الذين ساروا في جنازاتٍ كثيرةٍ ثم جاءت جنازة كل منهم، ما أقصر المسافة بين الميلاد والموت، انظر أي عناءٍ نحتمله في هذه المسافة، وأي صحبةٍ تكتنفنا فيها ومع أي صنفٍ من الناس، وفي أي جسدٍ واهنٍ نقطعها بجهدٍ جهيد، ليست الحياة إذن بالشيء الثمين، انظر إلى هولِ فجوة الماضي من ورائك وإلى اللانهاية الأخرى من أمامك. ما الفرق من هذا المنظور بين رضيعٍ عاش ثلاثة أيامٍ ونستور٣٠ عاش ثلاثة أجيال؟
(٤-٥١) اسلك دائمًا الطريق القصير، وطريق الطبيعة قصير،٣١ وابتَغِ ما هو أقوم وأسلم في كل قولك وعملك؛ فمثل هذا العزم كفيلٌ بأن يُحرِّر المرء من العناء والجهد والاضطرار إلى التحايُل والرياء.٣٢
١  الاتجاه إلى الهدف ﺑ «تحفُّظ» وبطريقةٍ تكيُّفيةٍ تمتص الصدمات وتُداوِر العقبات وتُحوِّل العائق إلى حافزٍ والموقف الصعب إلى تدريبٍ جديدٍ على ممارسة الفضيلة؛ مبدأٌ رُواقيٌّ يُوصي به ماركوس في غير موضعٍ من التأمُّلات؛ فالاستهداف المُتصلِّب غير المشروط الذي يتغافل حدود الممكن هو عدوانٌ على العقل وتواطؤٌ مع الفشل وتضخيم لصدمة الإخفاق.
٢  «قلعة الذات»؛ من أشهر الثيمات التي تُؤثَر عن ماركوس أوريليوس؛ فالعقل الخالي من الانفعالات والمُزوَّد بالمبادئ هو حصنٌ منيعٌ بوُسعِ المرء أن يلجأ إليه وقتما يشاء التماسًا للأمن والسكينة، والاستجمام والتجدُّد.
٣  لون من ألوان التعزِّي تجاه الموت؛ فالموت فعلٌ طبيعي ينبغي أن يتلقاه المرء بابتهاج وتسليم، تحوُّل للعناصر مُوافِقٌ للطبيعة، ولا ضير البتَّة، ولا عار، في أي شيءٍ موافقٍ للطبيعة.
٤  الفكرة المحورية ﻟ «العلاج المعرفي»: أن الضرر أو الأذى هو مسألة إدراكٍ ليس إلا، أي مسألة حكمٍ عقلي، اطرَحِ الحكم تكون قد أَزلْتَ الأذى … صَحِّح الأحكام الخاطئة تكون قد داوَيتَ الانفعالات المريضة.
٥  النصيب المقسوم لكل امرئ هو نصيبٌ عادل ينبغي أن يقبله برضا وسرور.
٦  لا فارقَ في طول الحياة بِحدِّ ذاته، لا فرق بين أن تموت اليوم وأن تموت في أرذل العمر.
٧  بقية الفِقرة مفقودةٌ من النص.
٨  قيمة الشيء كامنةٌ فيه ولا تأتيه من خارج. فلتفعل الجميل لأنه جميلٌ لا لأنه شعبيٌّ يَرُوج ويُروِّج لك.
٩  ضربٌ من التحليل الذي يُوصِي به نفسه مرارًا في «التأمُّلات»: في كل شيءٍ أو حدثٍ أو فعلٍ هناك محتوًى خامل (مادة) ومبدأٌ سببيٌّ نَشِط.
١٠  الشاعر المقصود هنا هو أرسطوفانيس.
١١  كيكروبس ملكٌ أسطوريٌّ يعُدُّه الأَثينيُّون المُؤسِّسَ الأَوَّل لمدينتهم.
١٢  «مدينة زيوس» عند ماركوس هي العالم، وفيها تعبيرٌ مُحكَمٌ عن الانتماء الكوزموبوليتاني عند ماركوس والرُّواقيِّين.
١٣  يقول العقاد في معنًى قريب:
تَعَلَّمْ كَيْفَ تَسْتَغْنَى
إذَا مَا شِئْتَ أَنْ تَغْنَى
فَمَنْ يَجْهَلُ مَا يُلْقَى
فَقَدْ يَجْهَلُ مَا يُجْنَى
١٤  إشارة إلى نظرية «المداخلة» Total Compenetration الرواية التي تقول بأن الأشياء تتمازج ويتداخل بعضها في بعض بحيث يحتوي كل جزء، بمعنًى ما، على جميع الأجزاء الأخرى …
١٥  الإشارة هنا غير واضحة، والمشار إليه غير مُحدَّد؛ مما يدل على أن ماركوس كان يكتب «لنفسه» حقًّا!
١٦  ربما يقصد هنا الفلاسفة الكلبيِّين، وكانوا مُغالِين في التقشُّف والقسوة على النفس.
١٧  إمبراطور حكم من عام ٦٩م إلى ٧٩م.
١٨  إمبراطور حكم من عام ٩٨م إلى ١١٧م.
١٩  يقول المعري:
نَزُولُ كَمَا زَالَ أَجْدَادُنَا
وَيَبْقَى الْوُجودُ عَلَى مَا تَرَى
نَهَارٌ يُضِيءُ وَلَيْلٌ يَجِيءُ
وَنَجْمٌ يَغُورُ وَنَجْمٌ يُرَى
٢٠  كلوثو، أو «الغازلة»، هي إحدى ربَّات القدر الثلاث. وقد دأب ماركوس على استخدام لفظة «القدر»، «العناية»، «الله»، «الطبيعة»، على التعاوُض كمَصدرٍ لنصيب الإنسان في الحياة.
٢١  تنويعة أخرى على إحدى الثيمات الكبرى في «التأملات»: أن أيَّ أذًى ظاهريٍّ هو مسألة حكم أو رأي (ولذا فإن أَزلتَ الحكم تكون قد أَزلتَ الأذى).
٢٢  يُؤثَر عن الفيلسوف الرُّواقي بوسيدونيوس قوله حين اشتدت عليه آلام المرض: «على رِسلِك أيها المرض! فمهما تكن وطأتك على جسمي فلن تنال من نفسي شيئًا ولن أُقِرَّ بأنك شرٌّ من الشرور.»
٢٣  ربما يكون التشبيه مُستمدًّا من هيراقليطس القائل: «كل شيء في حالة تَدفُّق، إنك لا تنزل النهر الواحِد مرتَين».
٢٤  مدينةٌ يونانيةٌ في منطقة آخايا القديمة في جنوب اليونان خُسِف بها في أعماق البحر فجأة عام ٣٧٣ق.م.
٢٥  بومبي وهيركيولانيوم مدينتان رومانيتان في كمبانيا، دفنهما ثورة بركان فيزوفيوس في ٢٤ أغسطس عام ٧٩م.
٢٦  يقول المتنبي:
يُدَفِّنُ بَعْضُنَا بَعْضًا وَتَمْشِي
أَوَاخِرُنَا عَلَى هَامِ الْأَوَالِي
٢٧  ربما تأثَّر ماركوس في هذا التشبيه بوصف هوميروس في الإلياذة لمقاومة الآخيِّين لهجوم هكتور على سفنهم. وقد اقتبس فرجيليوس نفس الصورة في الإلياذة.
٢٨  يقول المعري:
لَا أَسْتَقِيلُ زَمَانَي عَثْرَةً أَبَدًا
مَا شَاءَ فَلْيَأْتِ إِنَّ الشَّهْدَ كَالصَّابِ
٢٩  أشخاصٌ يُفترَض أنهم كانوا مُعمَّرين، ولكن لم يَتَسنَّ لأحدٍ من الباحثِين التعرُّف عليهم بشيءٍ من اليقين.
٣٠  ملك بيلوس وحكيم الإغريق في رحب طروادة كما جاء في «الإلياذة»، وقد حكم ثلاثة أجيال من الناس (الأوديسة: ٣-٢٤٥).
٣١  استبصارٌ موفَّق من ماركوس، يستبق ما صار يُعرف ﺑ «مبدأ الاقتصاد» law of parsimony أو «نصل أوكام» الذي يهيب بنا أن نقتصد في المبادئ المُفسِّرة، وبين أي نظريتَين أو رأيَين، ومع افتراض تساوي بقية الأمور، أن نأخذ بأكثرهما «اقتصادًا». وهو مبدأٌ تبيَّنَت فائدته الكبرى وجدواه الحقيقية سواءٌ في الممارسة الفلسفية أو العلمية. إنه مبدأ يُشير علينا بأن نتوقع من الطبيعة أنها تستخدم أقصر (أبسط) الطرق الممكنة للوصول إلى أيَّة غايةٍ لها.
٣٢  ربما يقصد أنه يضع عن المرء عبء الأمل الواسع والطموح المُفرِط اللذَين يُجهِدانه ويُلجئانه إلى المُصانَعة والتحايُل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠