الكتاب الخامس

(٥-١) في الصباح، عندما تجد نفسك غير راغبٍ في القيام، قل لنفسك: «إنني أصحو من نومي لكي أؤدِّي عملي كإنسان، أما زلتُ كارهًا أن أذهب لكي أؤدِّي ما خُلِقتُ من أجله وما وُجِدتُ في العالم لكي أُؤدِّيه؟ أم تُراني خُلِقتُ لكي أَلُفَّ نفسي بالأَغطية وأبقى دافئًا؟

– «ولكن هذا أهنأ وألذ.»

– أَتُراكَ إذن خُلِقتَ لكي تنعم باللذة من دون أي شيءٍ من العمل والكد؟ ألا تَنظُر إلى الأشياء من حولك؛ النَّبتِ، والطيرِ، والنملِ، والعناكبِ، والنحل؛١ كيف تسعى سويًّا، كلٌّ في عمله الخاص؛ لكي تحفظ نظام العالم، بينما تُعرِض أنت عن عملك ككائنٍ إنساني، ولا تخِفُّ إلى أداء ما تقتضيه طبيعتك ذاتها؟

– «ولكن المرء بحاجةٍ إلى الراحة أيضًا.»

– حقًّا إنه لَبِحاجةٍ إلى الراحة، غير أن الطبيعة وَضعَت حدودًا للراحة، مثلما وَضعَت حدودًا للطعام والشراب، بينما أنت تتجاوز هذه الحدود، تتجاوز حاجتَك. أمَّا في الأعمال المنوطة بك فأنت تُقصِّر عن الحد وتقف دون الحد الأدنى من قدراتك. إنك إذن كارهٌ لنفسك؛ فلو كنتَ تُحبها لأَحببتَ طبيعتَك وإملاءاتِها.

– «ولكن أولئك المُحبِّين لصنائعهم يُرهقون أنفسهم في أدائها فلا يغتسلون ولا يطعمون.»

– ولكن اعتبارك لطبيعتِك أدنى من اعتبار الحدَّاد لحِرفة الحِدادة، والراقص لحِرفة الرقص، ومُحبِّ المال لماله، ومُحبِّ الظهور لمجده الضئيل. على أن هؤلاء حين يأخذهم الحماس يتجافَون عن الطعام والنوم حتى يُتقِنوا الأشياء التي يَصبُون إليها. أترى أنت أن العمل لصالح الجماعة هو أقلُّ أهميةً من هذا وأقلُّ استحقاقًا للجهد؟!

(٥-٢) ما أَيسرَ أن تَطرُد من عقلك كل انطباعٍ مُنغِّصٍ أو عارضٍ وتَمحُوَه محوًا، وتَنعَم للتو بلحظةٍ حاضرةٍ مُفعَمةٍ بالراحة والسكينة.٢
(٥-٣) قُلْ وافعَل كل ما تقتضيه الطبيعة واعلم أنه مُلائمٌ لك أيضًا، ولا يَصرفك عنه مَلامٌ تَتوقَّعه من الناس أو من كلامهم؛٣ فما دام الشيء خيرًا فافعَلْه أو قُلْه ولا تستنكف من ذلك؛ فأولئك الناس إنما تحدوهم عقولهم وتسوقهم أهواؤهم. فلا تأبَه لها وامضِ قُدُمًا في طريقك، متبعًا طبيعتك الخاصة والطبيعة العامة؛ فطريق هاتَين الطبيعتَين واحدٌ.

(٥-٤) سأبقى سائرًا في طريق الطبيعة حتى أسقُط وأخلُد إلى الراحة، فأَلفِظ أنفاسي الأخيرة في هذا الهواء ذاتِه الذي تَنفَّستُه عبر أيام عمري، وأَسقُط على ذات الأرض التي مَنحَت أبي بَذرَته ومَنحَت أمي دمها ومَنحَت مُرضعتي لبنها، الأرض التي أَطعمَتني يومًا بعد يوم وسَقَتني سنواتٍ طِوالًا، الأرض التي احتَملَت وطأتي عليها واحتَملَت مني كُلَّ ضروب الإساءة.

(٥-٥) تقول إنك تفتقر إلى حضور البديهة التي تنتزع به إعجاب الناس. حسنٌ، ولكن هناك خصالًا كثيرةً لا يمكن أن تتذرَّع بأنها لا تدخل ضمن قدراتك الطبيعية، فلتُطهِّر إذن تلك الفضائل التي هي في حوزتك بالكامل؛ الإخلاص، الوقار، الكد، إنكار الذات، الرضا، الإحسان، الصراحة، القناعة، الطيبة، الاستقلال، البساطة، التعقل، الشهامة. أرأيتَ كم من الفضائل بوُسعِك أن تأتيها ولا تتملَّص منها بحُجة افتقاد الموهبة أو المَلَكة ثم ما تزال راضيًا بأن تُقصِّر فيها عن الحد؟ وهل حقيقة افتقادك الموهبة الفطرية تُبيح لك أن تتذمر وتُقتِّر وتتزلَّف وتَنحِي باللوم على جسدك وتتملَّق الناس وتتباهى وتُوقِع عقلك في هذا الاضطراب؟ كلا، بحقِّ السماء، لعله كان بوُسعِك أن تتخلَّص من كل هذا منذ زمنٍ طويل فلا تُعابَ، إن أُعِبتَ، إلا بالعِيِّ والفَهاهة. وحتى هذان بمقدورك أن تُعالجهما ما لم تَستنِم إلى العِي وتَستمرِئ الفَهاهة.

(٥-٦) من الناس من إذا أسدى جميلًا إلى شخص سارع بتسجيله في حسابه كدَينٍ مُستحَق. ومنهم من لا يسارع بذلك غير أنه يضمر في نفسه أن هذا الشخص مدينٌ له ويعي جيدًا بما فعله. وهناك صنفٌ ثالثٌ هو بمعنى ما لا يعي ما أتاه ولا يَحشُد له ذِهنَه، وإنما هو كالكَرْمة التي أهدت عناقيدها ولا ترتقب أي مقابل.٤ الفَرسُ وقد أتم السباق، والكلبُ وقد طارد «اللصوص»، والنحلةُ وقد أَفرغَت عسلها، والإنسان الذي أَسدَى معروفًا؛ لا يلحظ أيٌّ من هؤلاء ما صنع ولا يلتمس عليه شهودًا، بل يمضي إلى فعلٍ جديد كما تمضي الكَرْمة لِتُقدِّم عناقيدَ جديدةً في الموسم الجديد. فلتكن واحدًا من هؤلاء الذين يجترحون الخيرات دون أن يُلاحِظوها.

– «نعم ولكن هذا بالضبط ما يجب أن يكون المرء واعيًا به؛ لأن من شأن الإنسان؛ الحيوان الاجتماعي، أن يكون على درايةٍ بفعله الاجتماعي، وأن يُهيب برفاقه حقًّا أن يكونوا واعِين به أيضًا.»

– حقًّا، غير أنك أَسأتَ فهم ما أَعنيه الآن؛ ولذا فسوف تقع ضمن إحدى الفئات الأولى التي ذكرتها؛ فهم أيضًا قد أضلَّهم نوعٌ ما من المنطق المعقول، ولكن إن شئتَ أن تتبع ما أَعنيه فلا تَخشَ من أن يُفضيَ بك إلى أي تقصيرٍ في الفعل الاجتماعي.

(٥-٧) يقول دعاء الأثينيِّين:
«أَمطِر … أَمطِر أيها العزيز زيوس،
أَمطِر على حقول القمح،
وعلى سهول أثينا.»
هكذا يجب أن يكون دعاؤنا، بسيطًا وصريحًا، وإلا فلا كان الدعاء.٥
(٥-٨) مثلما نقول جميعًا إن الطبيب٦ قد «وصف» لهذا ركوب الخيل، ولهذا حماماتٍ باردةً، ولهذا المَشيَ حافيَ القدمَين؛ فإن لنا أن نقول بنفس المعنى إن طبيعة الكل قد «وَصفَت» لهذا المَرءِ المرضَ أو العجزَ أو الفقدان أو أي شيءٍ آخر من هذه البلايا. في الحالة الأولى تَعني كلمة «وصف» شيئًا من هذا القبيل؛ أن الطبيب قد أوصى بهذا الإجراء لهذا الشخص لكي يجلب له الصحة. وفي الحالة الثانية تعني أن ما يقع لكل شخصٍ هو مُدبَّرٌ بطريقةٍ ما لكي يُفضي إلى مصيره. ونحن نتحدث عن مُلاءمة هذه الأحداث مثلما يتحدث البنَّاءون عن ملاءمة قوالب الحَجر في الجدران أو الأهرامات عندما يتراصُّ بعضُها فوق بعضٍ في وضعٍ مُعيَّن.

ذلك أنه في كلية الأشياء ثَمَّةَ توافقٌ واحد. ومثلما تتحد الأجسام المادية جميعًا لتجعل العالم جسمًا واحدًا، كلًّا منسجمًا، كذلك تتحد الأسباب جميعًا لكي تجعل القدَر سببًا منسجمًا واحدًا. ذلك شيءٌ يفهمه حتى أقل الناس علمًا؛ فهم يقولون: «القدَر أَحدَث له هذا.» فإن كان القدر «أحدث» فقد «وصف» أيضًا. ولنقبل هذه الوصفات مثلما نقبل وصفات الطبيب؛ فكثيرًا ما تكون قاسيةً ولكننا نقبلها التماسًا للشفاء.

فلتأخذ تمامَ الأشياء وكمالَها في تقدير الطبيعة مَأخذَك لِصحتِك: واقبَلْ إذن كل ما يحدث لك حتى لو بدا قاسيًا بعض الشيء، ما دامت غايته تُؤدِّي إلى صحة العالم وازدهاره وهنائه،٧ فما كان لِزيوس أن يُحدث هذا لذاك لو لم يكن فيه صالح الكل. وما كان لأي مبدأٍ طبيعيٍّ أن يُحدث شيئًا غير ملائم لما يحكمه.

ثَمَّةَ إذن سببان يحملانك على الرضا بما يجري لك؛ الأول أن ما حدث لك كان موصوفًا لك، وهو متعلقٌ بك، خيطٌ من القدَر مغزولٌ لك منذ الأزل بأقدم الأسباب. والثاني أن ما يصيب كل شخصٍ هو جزءٌ ضالعٌ في صلاح الكل واكتماله بل اتساقه مع نفسه؛ ذلك أن «الكل» يتشوه إذا أنت قَطَعتَ أدنى كِسرة من سياقه واتصاله؛ يصدق هذا على أجزائه المُكوِّنة كما يصدُق على أسبابه. وإنك لتقطع شيئًا — بقَدْر ما يمكنك ذلك — كلما تَبرَّمتَ بنصيبك. إنك تُدمِّر، بمعنًى ما، وتُخرِّب!

(٥-٩) لا تَنفُر وتَقنَط وتسخَط إذا لم تنجح في عمل كل شيءٍ كما تقتضي المبادئ الصحيحة، ولكن كلما فَشِلتَ فعُد مرةً ثانية، واقنَع إذا كان الشطر الأكبر من عملك مُتسقًا مع طبيعة الإنسان، وأَحِبَّ هذا الذي تعود إليه. لا تَعُد إلى الفلسفة كما يعود الطفل إلى المُعلِّم، بل كما يعود الأَرمد إلى إسفنجته ومرهمه، أو يعود آخر إلى كِمادته وغسوله، بذلك سوف تبرهن على أن إطاعة العقل ليست عبئًا كبيرًا، وإنما هي مصدر راحة.٨ تَذكَّرْ أيضًا أن الفلسفة لا تريد إلا ما تُريده طبيعتُك، في حين تطلُب أنت شيئًا يجافي هذه الطبيعة؛ فأيُّ شيءٍ أدعى إلى القبول من حاجات طبيعتك نفسها؟ هذه هي ذات الطريقة التي تخدعنا بها اللذة، ولكن انظُر ألستَ ترى شيئًا أكثر قبولًا في الشهامة والكرم والبساطة والاتزان والتقوى؟ وأيُّ شيءٍ أكثر قبولًا من الحكمة ذاتها إذا كان ما يهمك هو التدفُّق المطمئن والدائم لمَلَكتنا الخاصة بالفهم والمعرفة؟
(٥-١٠) لكأنما أُلْقِيَ على الأشياء حِجابٌ كثيفٌ حتى لقد بدَت لعددٍ غير قليلٍ من كبار الفلاسفة غير قابلةٍ للفهم على الإطلاق. وحتى الرُّواقيون أنفسهم بدَت لهم الحقائق عصيةً على الفهم، وبدا لهم كل تصديقٍ عقليٍّ لإدراكاتنا شيئًا عُرضةً للخطأ.٩ فليس هناك من هو معصوم. التَفِت إذن إلى الأشياء ذاتها؛ كم هي زائلةٌ وتافهة، حتى ليملكها المأبون والبَغِيُّ واللِّص، ثم التَفِت إلى أخلاق من يعيشون معك. إنه لمن الصعب احتمال حتى أَفضلِهم،١٠ دَعْكَ من أن المرء لَيَشُق عليه حتى احتمال نفسه.

في كل هذا الضلال والتخبُّط، في كل هذا التدفُّق للوجود، الزمن، الحركة، الأشياء المُتحرِّكة، يُعجزني أن أجد أي شيءٍ جديرٍ بالثمين أو جديرٍ حتى بالسعي الجاد، بل، على العكس، ينبغي على المرء أن يُعلِّل نفسه بارتقاب الخلاص الطبيعي، وألَّا يَضجَر من انتظاره، وإنما يلتمس السلوى في هاتين الفكرتين فحسب؛ الأولى: أنه لن يصيبني إلا ما هو متناغمٌ مع طبيعة «الكل»، والثانية: أن بوُسعِي ألَّا أقترف أي شيءٍ فيه عصيانٌ لإلهي وللأُلوهة التي بداخلي. لا يمكن لأحدٍ أن يُرغِمني على هذا الإثم.

(٥-١١) في أي شيءٍ أستعمل نفسي الآن؟ سل نفسك هذا السؤال في كل مناسبة. تَفحَّصْ نفسك. ماذا يدور الآن في ذلك الجزء من نفسي الذي يُسمُّونه العقل المُوجِّه؟ أي صِنفٍ من النفوس لديَّ الآن؟ نفس طفلٍ، أَم صبيٍّ، أَم امرأةٍ، أَم طاغيةٍ، أَم حيوانٍ مُستأنَسٍ أَم حيوانٍ وَحشِي؟

(٥-١٢) هاكَ طريقةً لفهم نوعية الأشياء التي تعتبرها الأغلبية خيرًا؛ فأنت إذا تصورت في ذهنك الخيرات الحقيقية — من مثل الحكمة والتعقُّل والاعتدال والعدل والشجاعة — فلن يسعك عندئذٍ قبول القول الشائع «ثراءٌ طائلٌ لا يترك محلًّا لقضاء الحاجة.» إذ لا ينطبق هذا المَثلُ في هذا المقام. غير أنك حين تَتصوَّر في عقلك ما تعُدُّه الأغلبية ضمن الخيرات فإنه ما يزال بوُسعِك أن تسمع هذا القول من الشعر الكوميديِّ وتقبله من فورِكَ كتعليقٍ صائب.١١ حتى الأغلبية بوُسعِها أن تُدرِك الفرق، وإلَّا لمَا كُنَّا نأخذ هذا القول، على ما يثيره فينا من استياء وامتعاض، كتعليقٍ دالٍّ وظريفٍ يصف حال الثروة وامتيازات الفخامة والشهرة. امضِ إذن واسأل هل ينبغي أن نُثمِّنها ونعُدَّها خيراتٍ تلك الأشياء التي إذا ما تصوَّرناها في أذهاننا جاز لنا بحقٍ أن نصف صاحبها بأنه «بلغ من الوفرة مبلغًا لم يترك له محلًّا يقضي فيه حاجته»؟

(٥-١٣) مُكوَّنٌ أنا من صورةٍ ومادة، ولن تفنى أيٌّ منهما وتصير إلى عدم، كما أن أيًّا منهما لم تأتِ من عدم. إذن كل جزءٍ مني سوف يُقيَّض له مكانه الجديد في جزءٍ ما من العالم، وهذا الجزء سوف يتغير بدوره إلى جزءٍ آخرَ من العالم، وهكذا إلى غير نهاية. وثَمَّةَ تسلسلٌ مماثلٌ من التغيُّر أتى بي إلى الوجود، وبوالديَّ من قبل، وهكذا رُجُعًا إلى ما لا نهاية في الاتجاه المُقابِل. هذا حكمٌ لا ينقضه شيءٌ حتى لو كان العالم مُقدَّرًا له أن يَمُرَّ بدَوراتٍ من العَود الأبدي.

(٥-١٤) العقل وفن إعمال العقل هما مَلَكَتان تكفيان ذاتَهما بذاتِهما وبعملياتهما الخاصة؛ فهما تبدآن من المُقدمة المُعيَّنة وتتخذان طريقهما إلى الغاية المُقدَّرة لهما؛ لهذا السبب تُسمَّى أعمال العقل «أعمالًا صائبة أو صحيحة» catorthoseis وهي لفظةٌ تدل على أنهما تمضيان في الطريق الصحيح.١٢

(٥-١٥) لا شيء من هذه الأشياء ينبغي أن يُسمَّى «إنسانيًّا» تلك التي لا تنتمي إلى الإنسان بما هو إنسان. إنها لا تلزمه كإنسان، ولا تهيب بها طبيعةُ الإنسان. إنها ليست كمالاتٍ لهذه الطبيعة؛ ومن ثَمَّ فهي لا تُشكِّل غاية الإنسان أيضًا، ولا حتى أية وسيلة لهذه الغاية الإنسانية التي هي الخير. وفضلًا عن ذلك، إذا كانت أيٌّ من هذه الأشياء تنتمي إلى الإنسان لَمَا حَقَّ لأي امرئٍ أن يزدريها أو يَصدِف عنها، ولَمَا كنا نُطري أي امرئٍ يُبدِي استغناءه عنها لو صح أنها خيراتٌ حقًّا، ولَمَا أمكن لمن يَزهَد في أيٍّ منها أن يكون امرءًا صالحًا، ولكن الحقيقة أنه كلما حَرَم المرء نفسه من هذه الأشياء وأشباهها، أو حُرم من أيٍّ منها، كان أَصبَر عنها وأكثر احتمالًا لفقدانها، وكان بنفس الدرجة … أَكثرَ إنسانية.

(٥-١٦) كيفما تكون أفكارك المعتادة تكون طبيعة عقلك؛ فالنفس تصطبغ بالأفكار،١٣ اصبِغ نفسَك إذن بسلسلةٍ متصلةٍ من الأفكار مثل هذه؛ حيثما أمكن الإنسان أن يعيش أمكنه أيضًا أن يعيش حياةً صالحة، ولكن عليه أن يعيش في قصر؛ إذن بوُسعِه أن يعيش في القصر حياةً صالحة.
مرةً ثانية: كل مخلوقٍ إنما خُلق من أجل مخلوقٍ آخر، ومَسارُه مُوجَّهٌ إلى ذلك الذي خُلق من أجله، وغايته تكمن في ذلك الذي يتجه إلى مساره، وحيثما كانت غايته فثَمَّ أيضًا خيرُه وصلاحُه. ينتج من ذلك أن خير المخلوق العاقل هو الجماعة. ولقد طالما انعقد الدليل على أننا خُلقنا للجماعة. أليس من الواضح أن المخلوقات الدنيا جُعلت من أجل المخلوقات العليا، والعليا من أجل بعضها البعض؟ ولكن الأشياء الحية أعلى من غير الحية، والأشياء العاقلة أعلى من مُجرَّد الحية.١٤

(٥-١٧) طلبُ المُحال جُنونٌ، ومُحالٌ على الشرِّير أن يَعمل على غير شاكِلتِه.

(٥-١٨) لن يصيب الكائنَ أيُّ شيءٍ لم تُؤهِّلْه الطبيعة لتَحمُّله، هاك شخصٌ آخرُ أصابه ما أصابك. ولأنه لا يُدرك ما وقع له أو لأنه يَتجمَّل ويتظاهر بالشجاعة فهو يبقى هادئًا. أليس من المُؤسِف إذن أن يكون الجهلُ والادِّعاء أقوى من الحِكمة؟!

(٥-١٩) لا يُمكِن للأشياء ذاتها أن تمَسَّ النفس أقلَّ مساس. ليس لدى الأشياء مدخلٌ إلى النفس وليس بمُكنتِها أن تُدير النفس أو تُحرِّكها. إنما النفس تُدير ذاتها وتُحرِّك ذاتها، وتقيم لنفسها ما تراه مُلائمًا من الأحكام على ما يَعرِض لها من أشياء.١٥
(٥-٢٠) من جهةٍ، أَعُدُّ الإنسان هو أقربَ شيءٍ لي ما دام عليَّ أن أَفعل الخير للبشر وأن أَحتمِلهم، ولكن إذا جعل البعض من أنفسهم عقباتٍ أمام أفعالي الصالحة يُصبح الإنسان بالنسبة لي شيئًا من ضمن «الأشياء الأسواء»،١٦غير الفارقة indifferentia، شأنه شأن الشمسِ أو الريحِ أو الحيوانِ البري. قد تُعيقُني هذه الأشياء عن بعض نشاطي، نعم، ولكنها لا تشكل عوائق أمام وجداناتي ونوازعي؛ من حيث إن بها يَقبَع الالتزام المشروط وقوة التكيُّف. إن العقل ليتكيف ويدور حول أيِّ عائقٍ للفعل لكي يخدم هدفه؛ فيُحوِّل ما هو عائقٌ عن عملٍ مُعيَّنٍ إلى مُعِينٍ على ذلك العمل، ويُحوِّل العقبة في طريقٍ ما إلى تقدُّمٍ على تلك الطريق.
(٥-٢١) وَقِّر القوة الجوهرية في العالم؛ إنها ما يُصرِّف الأشياء جميعًا ويُوجِّه الأشياء جميعًا، على أن تُوقِّر بالمِثلِ القوة الجوهرية في نفسك؛ فهذه مثيلةٌ لتلك. وهذه فيك أيضًا هي ما يُصرِّف كل ما عداها، وحياتك مُوجَّهةٌ بها.١٧

(٥-٢٢) ما لا يَضِير المَدينة لا يَضِير مواطنيها أيضًا. ومتى وقع في ظنك أَنْ قد مسَّك ضرٌّ فطبِّق هذا المعيار: إذا كانت المدينةُ بخيرٍ فأنا إذن بخير. أمَّا إذا لَحِق أذًى حقًّا بالمدينة فإن عليك ألَّا تَغضَب بل أن تُبيِّن لمُرتكِبه ما عَجزَ عن رُؤيتِه بنَفسِه.

(٥-٢٣) انظُر مَليًّا كيف يُزاحُ كل ما هو قائمٌ وكل ما هو قادمٌ ويصير ماضيًا ويزول زوالًا. الوجود مِثل نهرٍ في تدفقٍ دائم، وأفعاله تعاقُبٌ ثابتٌ للتغير! وأسبابه لا تُحصَى في تنوُّعها. لا شيء يبقى ثابتًا حتى ما هو حاضرٌ عتيد. تأمَّل أيضًا الهُوَّة الفاغرة للماضي والمستقبل التي تبتلع كل شيء. أليس بأَحمقَ من يعيش وسط هذا كله ثم تُحدِّثه نفسه أن يَلِجَّ في الأمل أو يَهلِك في الكفاح أو يَسخَط على نصيبه؟! وكأن أي شيءٍ من هذا دائمٌ له أو مُقدَّرٌ أن يُؤرِّقه طويلًا.

(٥-٢٤) انظر في الوجود كله؛ الذي أنت أصغر أجزائه، وانظر في الزمان كله، الذي قُسِمَت لك منه لحظةٌ وجيزةٌ وهاربة، وانظر في القدَر وما هو معقودٌ بالقدر، وكم أنت جزءٌ ضئيلٌ منه.

(٥-٢٥) هل أساء إليَّ شخصٌ آخر؟ دَعْه وشأنه. إنه سيد نزعاته وسيد أفعاله. أمَّا أنا فأملك ما تقتضيني الطبيعةُ الكليةُ أن أملك، وسوف أفعل ما تقتضيني طبيعتي أن أفعل.

(٥-٢٦) ينبغي أن يبقى الجزء المُوجِّه والحاكم من نفسك مُحصَّنًا من أي مجرًى يجري في الجسد.

(٥-٢٧) «عِشْ مع الآلهة»، وإنه ليعيش مع الآلهة ذلك الذي يرون أن روحه قانعةٌ بنصيبها، تُؤدِّي ما تُمليه الأُلوهة … ذلك الشطرُ من نفسه الذي وَهبَه زيوس لكل شخصٍ لكي يحرسه ويُرشده. هذه الألوهة في كلٍّ منا هي فهمه وعقله.

(٥-٢٨) هل أنت مُحنَقٌ على الرجل المُنتِن أو الأبخر؟ ماذا تُريده أن يفعل؟ هكذا حالُ فمِه وهكذا حال آباطِه. ومن المُحتَّم أن تنبعث هذه الروائح من هذه الأشياء.

– «ولكنه أُعطِي عقلًا بوُسعِه إذا شاء أن يكتشف مَكمَن الأذى منه.»

– أفادك الله، إذن أنت أيضًا لستَ أقلَّ منه عقلًا. فليكُن عَقلُك مُحفِّزًا لعقله وأَظهِره على خطئه، ابذُل له النُّصح. فإذا ما استمع إلى نُصحِك فسوف تُبرِؤه من دائه، ولا داعي إلى الغضب. لا تكن منافقًا (تتجنب المسألة) ولا بَغِيًّا (تحتملها)!

(٥-٢٩) بمقدورك أن تعيش هنا في هذا العالم تمامًا مثلما تعتزم أن تعيش إذا ما غادرته، ولكن إذا لم يكن ذلك متاحًا لك فإن عليك أن ترحل عن الحياة ذاتها. على ألَّا ترحل كما لو كان ذلك إحدى البلايا «الحريق يُدخِّن فأُغادِر المنزل».١٨ لماذا تَعُدُّ ذلك أمرًا جَللًا؟

ولكن ما دمتُ غير مُضطرٍّ لمثل ذلك فلسوف أبقى رجلًا حرًّا لا يملك أحدٌ أن يمنعني من أن أفعل ما أَوَدُّ فِعله؛ وما أَودُّ فعله هو أن أتبع ما تمليه طبيعة الكائن العاقل والاجتماعي.

(٥-٣٠) فِكر «الكل» هو فكرٌ اجتماعي. ومن المُتيقَّن أنه جَعَل الأشياء الدُّنيا من أجل الأشياء العُليا، وسلك الأشياء العليا في تناغمٍ بعضُها مع بعض. أَلَا ترى كيف سَخِر بعض المخلوقات، ونسَّق بين البعض، ووَضَع كلًّا في مكانه اللائق، وضَمَّ الكائنات العُليا معًا في وحدة العقل؟

(٥-٣١) كيف كان مسلكك حتى الآن تجاه الآلهة، وتجاه والدَيك وإخوتك وزوجك وأبنائك ومُعلمِيك ومُربِّيك وأصدقائك وأقاربك وخدمك؟ هل كان مبدؤك مع كل هؤلاء هو «لا تُؤذِ إنسانًا بالقول ولا بالفعل»؟ ذَكِّر نفسك كم قاسيتَ وكم تَحمَّلتَ، وأن رواية حياتك قد تمَّت الآن وخدمتك قد انتهت، وكم شَهِدتَ من جمالٍ، كم ازدرَيتَ من لذةٍ وألم، وكم ازدرَيتَ من مجدٍ، وكم كنتَ طيبًا مع غير الطيبِين.

(٥-٣٢) لماذا تَعمِد النفوس الجاهلة والحمقاء إلى مضايقة من لديه معرفةٌ وحكمة؟ حسنٌ، أية نفسٍ إذن تلك التي لديها معرفةٌ وحكمة؟ إنها تلك النفس التي تَعرفُ الأصلَ والغاية، وتعرف «العقل» الذي يتخلَّل الوجود كله ويدير العالم عبر الزمان كله في دوراتٍ ثابتة.

(٥-٣٣) سَرعَان ما ستصير رمادًا أو عظامًا، مجرد اسمٍ أو حتى لا اسم، والاسم ماذا يكون غير صوتٍ وصدًى؟ وكل ما نُعليه ونُغليه في الحياة هو شيءٌ فارغٌ وعَفِنٌ وتافه؛ جراءٌ يَعض بعضها بعضًا، وأطفالٌ تتشاجر … تضحك … وما تلبث أن تبكي. أما الإخلاص والشرف والعدل والصدق فتفرُّ «إلى أوليمبوس من كل أرجاء الأرض المترامية».١٩
إذن ماذا تبقَّى لنا هنا لِنبقَى؟ إذا كانت موضوعات الحس مُتبدِّلةً دومًا ولا تبقى على حال، وأعضاءُ الإدراك كليلةً مضللة، والنفس المسكينة ذاتها مجرد بخرةٍ من الدم، والصيت في هذا العالم شيئًا فارغًا. لماذا إذن لا ترتقب نهايتك ساكنًا مطمئنًّا فإمَّا فَناءٌ وإما تحوُّل، وإلى أن يحين ذلك فماذا يلزمنا؟ أن نُمجِّد الآلهة ونحمدها،٢٠ وأن نصنع الخير للبشر، وأن نتحمَّل ونَتزهَّد،٢١ وأن نَتذكَّر أن كل ما يقع في حدود جسمنا المسكين وأنفاسنا القليلة ليس مِلكًا لنا ولا في طائلة قدرتنا.

(٥-٣٤) بوسعك أن تقضي حياتك في فيضٍ متدفقٍ من السعادة إذا أمكنك أن تمضي في الطريق القويم، وأن تتبع طريق العقل في أحكامِكَ وأفعالِكَ، ثَمَّةَ شيئان تشترك فيها جميع الأنفس العاقلة؛ بشرًا وآلهة؛ أنها مُحصَّنةٌ من العوائق الخارجية، وأن الخير الذي تطلبه يقبَع في النزوع إلى العدالة وممارستها، وأنها لا تَرغَب فيما عدا ذلك.

(٥-٣٥) ما دام هذا ليس إثمًا من جانبي ولا هو نتاج لإثمي، وما دامت الجماعة بخير، فلماذا أُعنِّي نفسي به؟ وأي ضير منه على الجماعة؟

(٥-٣٦) لا تَدَع انطباع الحزن لدى الآخرِين يأخذك بعيدًا دون تمييز، أَعِنهم نعم، كأفضل ما يكون العون وبقَدْر ما يقتضي الموقف، حتى لو كان حزنهم هو لفقدان شيءٍ «غير فارق» indifferent، ولكن لا تتوهم أن ما فقدوه يمثل ضررًا حقيقيًّا؛ تلك عادةٌ سيئةٌ في التفكير، بل عليك أن تقتدي بذلك الرجل العجوز في المسرحية إذ طلب استرداد لعبة مُتبَنَّاه في النهاية، دون أن ينسى قط أنها مجرد لعبة.٢٢ فلتفعل أنت أيضًا في حالتك هذه مِثلَ فِعلِه. عندما كنتَ تَصرُخ على المِنبَر أكنتَ قد نسيتَ كم تُساوي هذه الأشياء؟

– «حسنٌ، ولكنها مهمةٌ عند القطيع.»

– وهل هذا يُبرِّر أن تُشارِك القطيع حماقته؟

(٥-٣٧) «كنتُ ذات يومٍ رجلًا محظوظًا، لا يتخلى عني الحظ في كل صغيرةٍ وكبيرة، واليوم تخلى عني لا أعلم كيف.»

– ولكن كلمة محظوظ تعني ذلك الرجلَ الذي حدَّد لنفسه حظًّا سعيدًا، والحظ السعيد هو نزوع النفس إلى الخير، هو الوجدانات الخيِّرة والأفعال الخيِّرة.

١  يُكثِر ماركوس في «التأمُّلات» من عَقدِ المُقارَنات مع عالَم الحيوان والنبات، واستخلاص الدروس من نظامه الطبيعي والغريزي المُحكَم.
٢  بالطبع هو يسيرٌ على الرُّواقي المتمرس الذي تدرب على مَحو الانطباعات أو إزالة الأحكام، وتحول ذلك عنده إلى طبيعةٍ ثانية.
٣  توكيدٌ متواتر من ماركوس على استقلال إرادته الخُلقية والعملية، وعدم الاكتراث برأي الآخَرِين أو بالصيت والشهرة، وعلى ألَّا يدع هناءه مُعلَّقًا على عقول الآخَرِين.
٤  الرحمة غايةٌ في ذاتها، والفعل الرحيم ثوابُ ذاته.
٥  يُقال إن من أحداث العناية إبَّان حملات ماركوس ضد القادي على الدانوب، والمصور على عمود نَصرِه في روما، استجابة يوبيتر لدعائه الأثيني المذكور وإرساله عاصفةً رعدية وبرقًا مُروِّعًا ومطرًا هَتونًا على أعدائه اكتسح قواتِهم ودمَّرها، وقد عزا البعض، بتاريخ لاحق، هذا النصر إلى صلاة «الفيلق الراعد» The Thundering Legion الذي كان يضم كثيرًا من المسيحيِّين، والذي سُمِّي بهذا الاسم لهذا السبب. غير أن اسم «الفيلق الراعد» يعود إلى تاريخ أقدم؛ ومن ثَمَّ فإن هذا الشَّطر من الرواية بعيدٌ عن الصدق.
٦  حرفيًّا: إسكليبيوس، إله الطب.
٧  حرفيًّا: صحة زيوس وازدهاره وهنائه.
٨  الفلسفة عند ماركوس هي طب الروح، وعلى العقل أن يتداوى بها ويلتمس لديها الراحة والسكينة.
٩  يتحدث ماركوس عن الرُّواقيِّين وكأنه ليس واحدًا منهم! لقد كان ماركوس رُواقيًّا من غير شك، ولكنه لم يكن يحب التحزُّب والتمذهُب والطائفية في الفكر. وبوصفه إمبراطورًا كان يرعى المدارس الأربع الكبرى جميعًا (الأكاديمية والمشَّائية والأبيقورية والرُّواقية) ويُموِّلها على قدَم المساواة.
١٠  تُذكِّرنا بقول المتنبي:
كَلَامُ أَكْثَرِ مَنْ تَلْقَى وَمَنْظَرُهُ
مِمَّا يَشُقُّ عَلَى الْآذَانِ وَالْحَدَقِ
والفقرة تعكس تَوتُّرًا صميمًا في نفس ماركوس طَوال «التأملات» بين واجب الرفق بالآخرِين واحتمالهم وإرشادهم من جهة، وضَجرِه من مُعاصرِيه واحتقارِهم من جهةٍ أخرى.
١١  الشاعر المقصود هنا هو مناندروس، رائد ما كان يُعرف ﺑ «الكوميديا الجديدة»، والذي عاش من القرن الرابع قبل الميلاد وأدرك العقد الأول من القرن الثالث قبل الميلاد. وفي مسرحيته «الشبح» The Ghost خلص إلى هذه النتيجة الجافية التي يحملها هذا المَثَل الشعبي المذكور. راجع: أحمد عتمان، الأدب الإغريقي، ص٤٢١–٤٣٠.
والاختلاف الجذري بين تصوُّر العامة للخيرات وتصوُّر الفيلسوف لها يُعَد ثيمةً محوريةً في «التأمُّلات»؛ فما يَعُدُّه عامة الناس خيرًا، كالثروة والصحة والشهرة والمنازل والرياش وغير ذلك من ضروب المظهر والزينة، يصنفها الفيلسوف الرُّواقي ضمن فئة «الأشياء الأسواء، أو غير الفارقة» indifferentia التي ليست بذاتها خيرًا ولا شرًّا.
١٢  إعمال العقل مَحكُّه الترابُط coherence والاتِّساق.
١٣  الأفكار تصبغ الروح … صورة بديعة لماركوس تُلخِّص فلسفاتٍ أخلاقيةً ونماذجَ علاجيةً بأَسْرها. فإذا كانت طبيعة الإنسان الأولى ممنوحة له مسبقًا، فقد ترَكَت له طبيعته الثانية لكي يصنعها بنفسه، باعتياد الأفكار القويمة الصائبة. ومن هنا تأتي أهمية الفلسفة بوصفها طِبَّ العقول.
١٤  «التراتُب الطبيعي» للكائنات أو سلم الطبيعة Scala naturae مصادرة أساسية في فكر ماركوس الأخلاقي؛ فالكائنات الحية أعلى من غير الحية، والكائنات الحية العاقلة أعلى من الكائنات الحية غير العاقلة، وكل فئة في هذا التراتُب تُعَد غاية بالنسبة لما تحتها، ووسيلةً أو أداةً بالنسبة لما فوقها. وهي مصادرة قابعة، على نحوٍ صريحٍ أو مضمر، في فكر مُعظَم الناس منذ القدم، غير أننا لا نعدم من رَفَض هذه المصادرة في الأزمنة القديمة ولم يُسلِّم بها؛ فالمعري، على سبيل المثال، أنكر على الإنسان أن يستعمل غيره من الكائنات كطعامٍ أو أن يَقتُله دون ذنبٍ اجتناه أو يسلبه ما ادَّخره لنفسه، وقال في ذلك:
تَسْرِيحُ كَفِّكَ بَرْغُوثًا ظَفِرْتَ بِهِ
أَبَرُّ مِنْ دِرْهَمٍ تُعْطِيهِ مُحْتَاجًا
لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَسَكِّ الْجَوْنِ أُطْلِقُهُ
وَجَوْنِ كِنْدَةَ أَمْسَى يَعْقِدُ التَّاجَا
كِلَاهُمَا يَتَوَقَّى، وَالْحَيَاةُ لَهُ
حَبِيبَةٌ، وَيَرُومُ الْعَيْشَ مُهْتَاجَا
ويقول أيضًا:
تَقِ اللهَ حَتَّى فِي جَنَى النَّحْلِ شِرْتَهُ
فَمَا جَمَعَتْ إِلَّا لِأَنْفُسِهَا النَّحْلُ
وفي العصور الحديثة كثُر من يَتحدَّى هذه المُسلَّمة حتى صِرنا على إلفٍ بآراء النَّباتيِّين ممن يُجرِّمون قتل الحيوانات لأَكلِ لحومها واستغلال جلودها … إلخ. وصِرنا على إلفٍ بمصطلحاتٍ جديدةٍ من مثل speciesism أي التعصُّب للنوع (الإنساني)، وbio-chauvinism أي التحزُّب للقسم الحيِّ من الكائنات على حساب الكائنات الجامدة (كالحواسيب المُعقَّدة التي ينبغي أن تُعامَل بإجلالٍ شأن الكائنات الحية)، ذلك التحزُّب الذي سَوَّل للإنسان أن يُخرِّب الطبيعة ويَستنزِفها ويُخِلَّ بتوازُنها.
١٥  النفس مُحصَّنةٌ من الأحداث أو الظروف الخارجية، لا ينالُها إلا الأحكام التي يُضفِيها العقل، باختياره، على هذه الأحداث والظروف. ليس بمُكنة الأشياء أن تَطالَ العقل؛ فهي خارجيةٌ وخاملة، وإنما يأتينا القلق، إذ يأتي، من أحكامنا الداخلية.
١٦  الأشياء الأسواء أو السواسية أو اللافارقة indifferentia مفهومٌ محوري في فلسفة ماركوس الأخلاقية والعملية، وفي الفلسفة الرُّواقية بعامة. وهو يُقدِّم لها في مساق تأمُّلاته تعريفاتٍ ضمنيةً عديدة؛ فهي «الأمور المحايدة أخلاقيًّا»، و«ليس خيرًا ولا شرًّا ذلك الذي يجري بالتساوي على الأخيار والأشرار»، «الأشياء التي لا تنتمي إلى الإنسان بما هو إنسان»، «كل ما لا ينتمي إلى نشاط العقل في اللحظة الحاضرة»، «الأشياء التي تعاملها طبيعة العالم بعدم اكتراث»؛ أي التي تحدُث، على نحوٍ مُحايد، بواسطة العلة والمعلول، لكل ما يأتي إلى الوجود. من أمثلة «الأشياء الأسواء»: الموت والحياة، الشهرة والخمول، الألم واللذة، الغنى والفقر، المديح، والسلطة. وقد ميز الرُّواقيون فئةً من الأشياء الأسواء بوصفها «مُفضَّلة» preferable indifferents وهي الأشياء التي نُفضِّلها «للوهلة الأولى» prima facie حين «تستوي بقية الظروف» ceteris paribus والتي يعتبرها أغلب الناس خيراتٍ حقيقية، وهم في ذلك مخطئون.
١٧  من مترادفاتها عند ماركوس: «الروح العاقلة»، «العقل الموجه»، «القوة الحاكمة»، «الألوهة بداخلنا»، «المبدأ المُرشِد بداخل الإنسان والذي يشارك به الآلهة»، ذلك الجزء من الإنسان الذي منحه زيوس لكل فردٍ لكي يحرسه ويهديه». «ينبغي أن يكون هذا الجزء الإلهي من الإنسان مُستقلًّا عن ماجَرَيَات الجسَد ومُحصَّنًا من تقلُّباته.
١٨  الاقتباس من إبكتيتوس.
١٩  عن الشاعر التعليمي هيسيودوس (حوالي ٧٠٠ق.م) — «الأعمال والأيام»، انظر: أحمد عتمان، الأدب الإغريقي، ص١٠٨–١٢٨.
٢٠  يقول إبكتيتوس: «لو كنتُ عندليبًا لَقمتُ بمهنة العندليب، لكنني كائنٌ عاقلٌ، فينبغي أن أقوم مُسبِّحًا لله حامدًا له أفضاله. تلك مهنتي، وأنا مُؤدِّيها، ولا أتنحى عنها ما حَيِيتُ.»
٢١  مبدأ إبكتيتوس، الصبر على الأشياء والصبر عنها، ويعني الأشياء التي تخرج عن مقدورنا.
٢٢  إشارةٌ مبهمة من مركوس؛ فلا هذه المسرحية ولا هذه الحكاية معروفة لنا الآن. وربما نَخلُص من الشذرة إلى أن من الواجب أن نُعِين الآخرِين في حصولهم على ما فقدوه من أشياءَ غيرِ جوهرية، على أن نحتفظ بموقفنا الخاص فلا تُعدِينا انفعالاتُهم وأحكامهم تجاه الأشياء الأسواء (غير الفارقة).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠