الكتاب السادس

(٦-١) مادة «الكل» مُذعِنةٌ مِطواع. والعقل الذي يُوجِّه هذه المادة ليس لديه ما يدعوه إلى فعل الشر؛ فليس به شرٌّ ولا يُلحِق شرًّا بأي شيء ولا يُضارُّ به أي شيء. غير أن كل الأشياء تبدأ وتنتهي وَفقًا لهذا العقل.

(٦-٢) ما دُمتَ تُؤدِّي واجبك فلا تعبأ بما إذا كنتَ باردًا أو دافئًا، نَعسانَ أو يقظًا، يمدحك الناس أو يَذمُّونك، وبما إذا كنت تُحتضَر أو تفعل شيئًا آخر! فحتى هذا … فعل الاحتضار … هو أحد أفعال الحياة … وبِحسبِك هنا أيضًا أن تُتقِن ما تفعله جهد ما تستطيع.

(٦-٣) انظُر إلى الداخل؛ لا تَدعْ نوعية أي شيءٍ ولا قيمتَه تُفلِتان منك.

(٦-٤) يُوشِك كل ما هو موجودٌ أن يتغير؛ فإمَّا أن يتحول بخارًا، إذا كانت المادة حقًّا واحدة، وإمَّا يتبدد ذراتٍ.

(٦-٥) العقل المُدبِّر يعرف ما يريد، وما يعمل، وعلى أي مادةٍ يعمل.

(٦-٦) أن تأبى أن تكون مثل من أساء إليك … ذلك هو خيرُ انتقام.

(٦-٧) لتكن بهجتك وراحتك في شيءٍ واحد؛ أن تمضي من عملٍ اجتماعي إلى عملٍ اجتماعيٍّ آخر، واللهُ في خاطرك وضميرك.

(٦-٨) العقل المُوجِّه هو ذلك الذي يُوقِظ نفسه ويُكيِّف نفسه، ويُضفِي على نفسه الطبيعة التي يُريدها، ويجعل كل ما يحدث له يبدو على النحو الذي يُريده.

(٦-٩) كل شيءٍ يتمُّ وفقًا لطبيعة «الكل»؛ فمن المؤكد أنه لا يتم وفقًا لأي طبيعةٍ أخرى سواء كانت طبيعةً تَفهَم هذه من الخارج، أو كانت طبيعةً تُفهم داخل هذه الطبيعة، أو طبيعةً خارجةً عن هذه ومستقلة عنها.

(٦-١٠) الكونُ لا يخرج عن حالَين اثنَين؛ فإمَّا أنه فوضى واضطرابٌ وتشتُّتٌ (إلى ذرَّات)، وإمَّا أنه وَحدةٌ ونظامٌ وعناية. فإذا صح الافتراض الأول فلماذا أرغب في المكوث في عالمٍ مُركَّبٍ عشوائيًّا ويعاني من مثل هذا الاختلاط؟ ولماذا أُعنِّي نفسي بشيءٍ آخر غير تحوُّل التراب إلى تراب؟ وفيم يخالج نفسي اضطرابٌ؟ فالتناثُر سوف يصيبني إذن مهما فَعلتُ. وإذا صح الافتراض الثاني أُقدِّم إجلالي، واقفًا ثابتًا لا أتزعزع، مُتوكِّلًا على من بِيدِه تصريفُ كل الأمور.

(٦-١١) إذا قَذفَت بك الظروف في نوعٍ من الكرب فعُد إلى نفسك سريعًا، ولا تَبقَ خارج الإيقاع أطولَ مما ينبغي؛ فسوف يزداد تمكُّنك من التناغُم بدوام العودة إليه.

(٦-١٢) إذا كان لك زوجة أبٍ وأمٌّ في الوقت نفسه، فسوف ترعى زوجة أبيك ولكنَّ التجاءك الدائم سيكون إلى أمك، فليكُن البلاط والفلسفة بالنسبة لك كزوجة الأب والأم، لتكن الفلسفةُ لك ملاذًا دائمًا ومُستراحًا ومَوئلًا، حتى تجعل القصر يبدو مُحتملًا لك، وحتى تبدو أنت محتملًا في القصر.

(٦-١٣) ما أطيَبَ، عندما يكون أمامك لحمٌ مَشْوي أو ما شابه من الأطايب، أن تستحضر في ذهنك أن هذا جثة سمكة، وهذا جثة طائرٍ أو خنزير، ثم أن هذا النبيذ الفاليرني١ مجرَّد عصيرِ عنب، وأن رداءك الأُرجواني ليس أكثر من فِراءِ خروفٍ منقوعٍ في دمِ المحار! وفي الجماع أنه ليس أكثر من احتكاك غشاءٍ ودَفقة مُخاط. ما أنجَحَ هذه الإدراكات في الوصول إلى قلب الشيء الحقيقي والنفاذ فيه ورؤيته كما هو. كذلك فليكن دأبُك طوال حياتك؛ حيثما تَبدَّت الأشياء خلَّابة المَظهَر فجرِّدها وتَفرَّسْ في طبيعتها الزائفة واخلع عنها كل دعاوى الزهو والخيلاء.٢ الخيلاء هي أعظم مُفسِدٍ للعقل؛ وحيثما تكن واثقًا كل الثقة في أهمية عملك تكن في الوقت نفسه مخدوعًا بها كل الخداع. فلتنظر إذن ماذا قال أقراطيس (كراتيس) عن زينوقراطيس (كيسنوكراتيس) نفسه.٣
(٦-١٤) معظم الأشياء التي تُعجِب العوامَّ تنتمي إلى أشد الفئات عموميةً، تلك التي تنضوي معًا ﺑ «التماسك» cohesion، أو بالنماء الطبيعي؛ مثل الحجارة والخشب وشجر التين والكروم والزيتون. أمَّا الأشياء التي تُعجِب من هم أكثر عقلانيةً بقليلٍ فتنتمي إلى فئة الأشياء التي يجمعها مبدأ الحياة: كالقُطعان والأسراب. أمَّا التي تُعجِب من هم بعدُ أكثرُ رُقيًّا فتنحصر في المخلوقات العاقلة، ولكن بقَدْر ما يُسعِفها العقل في حرفةٍ يدويةٍ أو أية مهارةٍ أخرى، أو شأن المُولَعِين بمجرَّد امتلاك جمعٍ من العبيد. أمَّا الإنسان الذي يُقدِّر الروح حق قَدْرها من حيث هي عاقلةٌ وسياسيةٌ في آنٍ فلا يعنيه إلا أن تظل رُوحُه في حالة نشاطٍ عقليٍّ واجتماعيٍّ دائم، وأن يتعاون مع أضرابه من أجل هذه الغاية.

(٦-١٥) بعض الأشياء تحُثُّ الخَطْو إلى الوجود، وبعضها يحُثُّ الخَطْو إلى الخروج منه، وبعض ما يُولد يكون هالكًا من الأصل. التجدُّد والتغيُّر يُجدِّد العالم على الدوام، كما يُجدِّد المسير الدائب للزمن أمَدَ العصور إلى الأبد. في هذا التيار المُتدفِّق؛ حيث لا ثَباتَ لِقدَم، ماذا يمكن للمرء أن يُجِلَّ من كل ما يتدافع أمامه؟ لكأنه ما يكاد يُولَع بعصفورٍ يطير أمامه حتى يكون قد اختفى عن بصره. شبيهٌ بذلك حياتنا نفسها؛ عابرة كزفيرٍ من الدم أو كشهيقٍ من الهواء. لا فرق بين شهقةٍ تأخذها وتعيدها إلى الهواء، مثلما تفعل كلَّ لحظة، وبين أن تَرُدَّ كل قُدرتكَ التنفُّسية، التي اكتَسبتَها عند ولادتِكَ أمسِ أو أمسِ الأول، إلى العالم الذي سحَبتَها منه أَوَّل مرة.

(٦-١٦) لا فضل في النَّتح، كما هو الحال في النبات، ولا في التنفُّس كما في الأنعام والوحوش، ولا في تلقِّي الانطباعات الحسية بمظهر الأشياء، ولا في التحرُّك بالرغبات كما تتحرك الدُّمى بالخيوط، ولا في التجمُّع القطيعي، ولا في تناوُل الغذاء (فلا فرق في شيءٍ بين فعل الغذاء وفعل إخراج فضلات الغذاء)، أي شيء إذن ينبغي أن نُفضِّله ونُعلِي قَدْره؟ أن نُستقبَل بالتصفيق؟ كلَّا، ولا أن نُستقبل بهُتافِ الألسنة؟ فهُتاف الجماهير هو مُجرَّد تصفيقٍ بالألسنة. إذن فقد اطَّرَحتَ زَيفَ المجد أيضًا. فماذا يبقى هناك ذا قيمةٍ حقيقية؟ يبقى هذا من وجهة نظري؛ أن تفعل، أو تُحجم عن الفعل، وفقًا لفطرتك الحقة، الفطرة التي إلى غايتها تُفضي كل الأعمال والفنون؛ فكل فنٍّ يتغيَّا أن يُكيِّف الشيء المصنوع للعمل الذي من أجله صُنع. الكَرَّام الذي يعتني بالكَرم، وسائسُ الخيل ومُربِّي الكلاب … كلهم يرمون إلى هذه الغاية، فماذا تكون الغاية التي ترمي إليها تربية النشء وتعليمهم؟

ها هنا إذن تكمن القيمة الحقيقية؛ وإذا أنت قَبضتَ على هذه القيمة فلن تصبو إلى اكتساب أي شيءٍ آخر، ولن تعود تعلي من شأن كثيرٍ من الأشياء الأخرى إلى جانبها. وإلَّا فلن تكون حرًّا أو مكتفيًا بذاتك أو خاليًا من الانفعال، وستُضطَر إلى الحسَد والغَيرة والتوجُّس ممن لديهم القدرة على أن يسلبوا منك هذه الأشياء، والتآمُر على من يملكون ما تراه ثمينًا. وباختصار، فكل من يشعر بالحاجة إلى أي شيء من هذه الأشياء يكون بالضرورة مُنغَّص العيش، بل سيدفعه ذلك في أحيانٍ كثيرةٍ إلى أن يتَذمَّر على الآلهة. أمَّا توقيرك لعقلِك وإكبارُك له فسوف يجعلك راضيًا مُنسجمًا مع رفاقك متوافقًا مع الآلهة؛ أي حامدًا لهم كل ما يمنحون وكل ما قضَوا به.٤

(٦-١٧) أعلى وأسفل، هنا وهناك، تمضي حركة العناصر. أمَّا حركة الفضيلة فلا تتخبط هكذا أبدًا؛ فهي شيءٌ أكثرُ قدسية، وعلى طريقٍ ليس من السهل تَبيُّنه تمضي قُدُمًا في غِبطة.

(٦-١٨) عجبًا لبني الإنسان … إنهم لم يُمجِّدوا من يعيش بين ظهرانَيهِم في زمانٍ واحد، ولكنهم يصبون إلى أن تُمجِّدهم الأجيال القادمة التي لا يَرَونها ولن يَرَوها أبدًا، ولكن، هل يَسوءُك أن الأجيال السابقة لم تسمع بك ولم تُمجِّدك قط؟ فهذا وذاك سِيَّان.

(٦-١٩) لا تتصور أن ما هو صعبٌ عليك تحقيقه هو مستحيلٌ على أي إنسان، بل إذا كان شيءٌ ممكنًا للإنسان وملائمًا لطبيعته فاعتبِره أيضًا ممكنًا لك وداخلًا في نطاق قدرتك ومَنالِك.

(٦-٢٠) في حلبة اللَّعِب قد يَخدِشك خصمٌ بأظافره، أو ينطحك برأسه. غير أننا لا نَصِمه من أجل ذلك ولا نتأذى ولا نتوجس منه بعد ذلك كرفيقٍ خائن. صحيحٌ أننا قد نأخذ حذَرنا منه، لا كعدوٍّ أو مُريب، بل بمودةٍ وهدوءٍ نتنحى عن طريقه فحسْب. كذلك ينبغي أن يكون الحال في جوانب الحياة الأخرى؛ هناك أُناسٌ هم «خُصومٌ في اللَّعِب» وعلينا أن نُغضي عما يفعلونه، وبوُسعِنا أن نَتجنَّبهم، كما قُلتُ، من غير ارتيابٍ أو عداوة.

(٦-٢١) إذا ما استطاع إنسانٌ أن يثبت لي أني على خطأ ويُبيِّن لي خطئي في أي فكرةٍ أو فعل، فسوف أُغيِّر نفسي بكل سرور، إن أُريد إلا الحق، وهو مطلبٌ لم يضُر أي إنسانٍ قَط، إنما الضرر هو أن يُصِرَّ المرء على جهله ويَستمرَّ في خداع ذاته.

(٦-٢٢) إنني أُؤدِّي واجبي، ولا تَعنيني الأشياءُ الأخرى؛ فهي إمَّا أشياءُ غيرُ حية، وإمَّا غيرُ عاقلة، وإمَّا تاهت ولا تعرف الطريق.

(٦-٢٣) تعامَلْ مع الحيوانات العجماء، وجميع الأشياء بعامة، بكرمٍ وتسامح، ما دمت تملك عقلًا وهي محرومةٌ منه. أمَّا البشر، من حيث إن لديهم عقلًا، فتعامَلْ معهم بروحٍ اجتماعية. وادعُ الآلهة في كل أمر. ولا تَكرِث نفسك بطول الزمن الذي سوف تحياه في هذا العمل؛ فمجرد ساعاتٍ ثلاثٍ تقضيها هكذا تكفي.

(٦-٢٤) الموت سَوَّى بين الإسكندر المقدوني وسائس بغاله؛ فإمَّا أنهما استُردَّا إلى نفس المبدأ المولد للعالم، وإما تشتَّتا معًا بين ذرَّات الكون.

(٦-٢٥) تأمَّلْ كم من الأحداث، الجسدية والعقلية، يجري في داخل كلٍّ منا في نفس الآنة الزمنية الضئيلة. عندئذ لن يأخذك العجب إذا كانت أحداثٌ أكثر، أو بالأحرى كلُّ ما يأتي إلى الوجود، تعيش معًا في الواحد والكلِّ الذي نُسمِّيه العالم.

(٦-٢٦) إذا سألك سائلٌ كيف يُكتَب اسم «أنطونينوس» فسوف تُبيِّن له ذلك بتشديدك على مقاطع الكلمة. فماذا لو ماراك الناس في ذلك؟ أستغضب أنت أيضًا، أم تمضي بهدوءٍ فتُبيِّن لهم تَعاقُب الأحرف الواحد تِلوَ الآخر؟ كذلك الحال في حياتك هنا، تذكَّر أن كل مهمةٍ هي المجموع المكتمل لأفعالٍ مُعيَّنة. عليك أن تُراعي ذلك وألَّا تضطرب أو تُجيب على غضب الآخرين بغضبٍ مثله، بل تمضي في كل مهمةٍ أمامك بمنهجية حتى تُتمَّها.

(٦-٢٧) ما أقسى أن تمنع الناس من السعي إلى ما يبدو لهم مُسايرًا لمصلحتهم ونفعهم. غير أنك تمنعهم، بمعنًى ما، حين يُغضبك أنهم على خطأ؛ فمن المُتيقَّن أنهم مدفوعون إلى صالحهم ونفعهم.

– «ولكنهم مُخطئون في ذلك.»

– إذن علِّمهم، وأَرشِدهم، دون أن تغضب عليهم.٥
(٦-٢٨) الموت انعتاقٌ من الاستجابة للحواس، ومن خيوط دُمَى الرغبة، ومن العقل التحليلي، ومن خِدمة اللَّحم.٦

(٦-٢٩) من العار أن تَخذُلك الروح في هذه الحياة قبل أن يَخذُلك جسمك.

(٦-٣٠) احرص ألَّا تتحول إلى قيصر،٧ وألَّا تصطبغ بهذه الصبغة؛ فقد تقع في ذلك إذا لم تَتوخَّ الحذَر. فكن دائمًا بسيطًا، طيبًا، جادًّا، غير مُراءٍ، محبًّا للعدل، خاشعًا لله، لينًا، رفيقًا، ذا همةٍ في كل ما تُندب له. كُن مُوقِّرًا للآلهة وراعيًا للناس؛ فالحياة قصيرة والتقوى والعمل الصالح هما الثمرة الوحيدة لهذه الحياةِ الأرضية.
كن تلميذًا لأنطونينوس٨ في كل شيء؛ في مَضاء عَزمِه في كل ما يأمر به العقل، وفي رَصانَته الدائمة، وتقواه، وصفاء مُحيَّاه، وعذوبته، وتواضُعه، واجتهاده في فهم الأمور حتى لا يدع أمرًا يمر دون أن يُمحِّصه بدقةٍ ويفهمه بوضوح. واذكُر كيف كان يحتمل من يلومه ظلمًا دون أن يرد على المَلام بمثله، ولا يندفع في أي شيء، ولا يصغي إلى الافتراءات ولا ينافق، وكيف كان يقنع بالقليل في سُكناهُ وفِراشه ولِباسه وطعامه وخَدمِه. واذكُر حُبَّه للعمل وصَبرَه وجَلَده.

لقد كان رجلًا يُكِبُّ على الأمر سَحابةَ يومه فلا يتركه حتى يحل المساء، ولا يُفكِّر حتى في قضاء حاجتِه إلا في ساعتِه المعتادة. كذلك كان مقتصدًا في طعامه. وكان مخلصًا وعادلًا في صداقاته، متسامحًا مع المعارضة السافرة لآرائه، مُرحبًا بالمشورة التي تُرشده إلى ما هو أقوم، خاشعًا لله من غير شعوذةٍ أو خُرافة.

فلتكن لك فيه أسوةٌ حسنة؛ حتى تلقى الله وأنت على ضميرٍ نقيٍّ كهذا النقاء.

(٦-٣١) أَفِق من نومك، وعُد إلى رُشدك، لِتُدرك أن كل الذي عكَّر صفوك كان أضغاث أحلام. والآن وقد استعدتَ وعيك مرةً ثانيةً انظر إلى هذه الأشياء مثلما كنت تنظر إلى تلك الأحلام.٩
(٦-٣٢) لقد جُبِلتُ من جسدٍ وروح؛ فبالنسبة لهذا الجسد الهزيل كلُّ الأشياء سواءٌ (غير فارقة) indifferent؛ فهو لا يستطيع أن يُميِّز أي فارق. أمَّا بالنسبة للعقل فاللافارق هو ما ليس داخلًا ضمن نشاطه الخاص؛ وكل ما هو من نشاطه هو تحت سيطرته، ولكن من بين هذه الأشياء فإن العقل لا يعنيه إلا الحاضر؛ فأنشطته في المستقبل وفي الماضي هي أيضًا لا فارقة في أية لحظةٍ حاضرة.

(٦-٣٣) ما دامت القدم تعمل عمل القدم واليد تعمل عمل اليد فإن عملهما، أيًّا كان، غيرُ مضادٍّ للطبيعة. كذلك الإنسان ما دام يعمل عمل الإنسان فإن عمله لا يمكن أن يكون ضد الطبيعة. وما دام عمله ليس ضد الطبيعة فهو غيرُ مُشينٍ له أيضًا.

(٦-٣٤) أمَّا اللذة فإن القراصنة والمأبونِين وقتَلة آبائهم والطغاة ليتمتعون بها غاية المتعة، لو كانت السعادة هي اللذَّة لكان اللصوص والمأبونون وقتلة آبائهم والطغاة هم أسعدُ الناس.١٠
(٦-٣٥) ألا ترى كيف يُطاوِع الحِرفيُّون عامة الناس إلى حدٍّ مُعيَّن، على أنهم يتمسَّكون بمبدأ الحِرفة ولا يُطيقون تركه،١١ أليس غريبًا إذن أن يُولِي النحات والطبيب احترامًا لِمبدئهما الحَرفي المُوجَّه أكثر مما يُولِيه الإنسان لِمبدئه الموجِّه — العقل — الذي يشارك فيه الآلهة؟!
(٦-٣٦) آسيا وأوروبا مجرد رُكنَين صغيرَين من العالم. كل محيطٍ هو نقطةٌ في العالم. جبل أثوس Athos١٢ حفنة ترابٍ في العالم. الزمن الحاضر كله هو ثُقبُ دَبُّوسٍ في الأبدية. كل الأشياء ضئيلةٌ وسريعة التغيُّر وزائلة، كل الأشياء تأتي من هناك … من ذلك العقل الكلي الحاكم، إمَّا مباشرةً وإما كنتيجة؛ لذا حتى فَكَّا الأسد المفتوحان، وحتى السُّم، وكل مُؤذٍ من الأشياء، كالشوك، كالطين، هي نواتجُ بعديةٌ للنبيل والجميل.١٣
فلا تحسبنَّها غريبةً عما تُقدِّسه، بل تأمَّل، وأَنصِف، ينبوعَ الأشياء جميعًا.١٤

(٦-٣٧) من رأى الحاضر فقد رأى الأشياء جميعًا؛ كل ما كان من الأزل، وكل ما سيكون إلى الأبد؛ كل الأشياء عشيرٌ واحدٌ وصورةٌ واحدة.

(٦-٣٨) تأمَّل مليًّا ترابُط الأشياء جميعًا في العالم وقَرابَتَها. جميع الأشياء، بطريقةٍ ما، متواشجةٌ، ولديها من ثَمَّ مشاعر وُدٍّ بعضها تجاه بعض؛ فالشيء يتلو الشيء في نظامٍ مُنضبِط، من خلال توتُّر الحركة والروح الشاملة التي تُلهِمها ووَحدَة الوجود كله.

(٦-٣٩) تلاءَمْ مع الأشياء التي قُسِمَت لك، وأَحِب هؤلاء الناس الذين ألقى بك القدَر بينهم. على أن يكون حبك صادقًا مخلصًا.

(٦-٤٠) أداة، عُدَّة، وعاء … كل هذا جيدٌ ما دام يُؤدِّي الوظيفة التي من أجلها صُنع. على أن الصانع في مثل هذه الحالات خارجٌ عن الشيء المصنوع. أمَّا في حالة الأشياء التي تُمسِكها معًا طبيعتها العضوية فإن القوة التي صنعتها باطنةٌ فيها ومحايثةٌ لها.١٥ ولذا فإن عليك أن تُوقِّرها أكثر، وترى أنك إذا امتَثلتَ لإرادتها في وجودك وفعلك سيكون كل شيءٍ فيك موافقًا للعقل. كذلك الأمر أيضًا في «الكل»؛ فكل الأشياء التي تنضوي فيه تمتثل لعقل «الكل».

(٦-٤١) إذا كنت تعُدُّها خيرًا أو شرًّا تلك الأشياء الخارجة عن سيطرتك فسوف يترتب على ذلك بالضرورة أن تَتذمَّر على الآلهة وتُبغِض البشر كلما أصابك هذا الشر أو كلما فَقدتَ ذلك الخير (باعتبار سبب المُصاب أو الفقدان). إننا لَنرتكِب ظلمًا عظيمًا باكتراثنا بهذه الأشياء واعتبارها «فارقة». أمَّا إذا قَصَرنا صفة الخير والشر على ما يقع في نطاق قدرتنا فلن يعود ثَمَّةَ مُبرِّرٌ لاتهام إلهٍ أو لاتخاذ موقفٍ عَدائيٍّ من إنسان.

(٦-٤٢) كلنا نعمل معًا للغاية نفسها، البعض عن قصدٍ ودراية، والبعض عن غير دراية؛ تمامًا كما قال هيراقليطس، فيما أعتقد، إنه حتى النائمون هم عمالٌ مُشارِكون في صُنع كل ما يحدث في العالم، لكل واحدٍ عمله المُقيَّض له، وهناك وظيفةٌ حتى للمناوئ الذي يُريد أن يفسد الإنتاج؛ فالعالم بحاجةٍ إليه أيضًا. يبقى إذن أن تُقرِّر في أية فئةٍ من العاملِين تريد أن تضع نفسك؛ فمن المؤكَّد أن حاكم «الكل» سوف يجد لك استخدامًا نافعًا وسوف يَسلُكُك في القوة العاملة لأداء دورٍ ما في هذا العمل المُشترَك، ولكن احرص ألَّا تكون البيت الرديء والمُبتذَل والمُسِفَّ في المسرحية، على حد تعبير خريسيبوس.١٦
(٦-٤٣) هل تضطلع الشمس بعمل المطر؟ أو إسكليبوس١٧ بعمل إلهة الحصاد؟ وماذا عن كل نَجمٍ من النجوم؟ أليست هذه مختلفةً متمايزةً ولكن تعمل سويًّا لنفس الغاية؟

(٦-٤٤) إذا كانت الآلهة قد فَكَّرَت في شأني وفي شأن الأمور التي يجب أن تحدث لي فإن قضاءها الخير؛ فليس من اليسير أن نَتصَوَّر، مُجرَّد تَصوُّر، إلهًا بلا فكر. ثم ماذا يدعو الآلهة إلى أن تريد بي الأذى؟ أية جَدوَى تعود من ذلك عليها أو على الخير العام الذي هو الغاية الرئيسة للعناية؟ وحتى إذا لم أكن قد خَطَرتُ بفكرها كفردٍ فمن المؤكَّد أنها قد فكَّرتْ في خير «الكل» على أقل تقدير. وما دام الذي يُصيبني إنما هو نتاجٌ لهذا الخير العام فإن عليَّ أن أقبله وأُرحِّب به.

أمَّا إذا كانت الآلهة لا تُفكِّر في أي شيءٍ ولا يعنيها أمر أحد — وهو اعتقادٌ باطلٌ وضلال — لكان لنا أن نكُفَّ عن تقديم الضحايا، ورفع الدعاء والصلوات، والقَسَم بالآلهة، وكلِّ الشعائر التي تقوم على افتراض أن الآلهة حاضرةٌ معنا ومشاركةٌ في حياتنا. فإذا لم تكن تعنيها شئوننا فإن لي أن أُعنَى بشأني؛ وشأني ما هو خير. وما هو خيرٌ لكل فردٍ هو ما يلائم حالته وطبيعته. وطبيعتي هي طبيعةٌ عقليةٌ واجتماعيةٌ معًا.

فبصفتي أنطونينوس فإن مدينتي هي روما، وبصفتي إنسانًا فمدينتي هي الكون.١٨ لذا فإن ما هو خيرٌ لهاتين المدينتَين هو وحده الخير بالنسبة لي.

(٦-٤٥) كل ما يحدث للفرد هو لمنفعة «الكل». إلى هنا كل شيء واضح، ولكن إذا أَمعَنتَ النظر فسوف ترى أيضًا، كقاعدةٍ عامة، أن ما ينفع شخصًا ينفع الآخرين أيضًا. على أن «المنفعة» هنا يجب أن تُؤخذ بمعناها الدارج إذ تُقال عن أشياءَ لا فارقةٍ — لا هي خيرٌ ولا هي شر.

(٦-٤٦) مثلما يحدث لك في المدرج amphitheater وما شابه ذلك من الأمكنة؛ حيث ثبات المنظر ورتابة المشهد يبعثان على الضجر، كذلك الحال في خبرتك بالحياة ككل؛ كل شيء، هنا وهناك، هو نفس الشيء، وبنفس الأسباب. فإلى متى؟!
(٦-٤٧) تأمَّلْ مَليًّا في كل ضروب البشر، ومختلف المهن، وشتَّى أمم الأرض التي بادت؛ ثم اهبط إلى فيليستيون وفويبوس وأرويجانيون،١٩ وعرِّج الآن على الفئات الأخرى من الناس. نحن أيضًا مُقدَّرٌ علينا أن نُغيِّر مقامنا إلى ذلك العالم الآخر؛ حيث هناك الكثير الكثير من الخطباء المُفوَّهِين والفلاسفة الأعلام — هيراقليطس، فيثاغوراس (ميثاجوراس)، سقراط — وأبطالٌ من الأزمنة القديمة وقادةٌ من بعدهم وملوكٌ. أَضِف أيضًا يودوكسوس،٢٠ وهيبارخوس،٢١ وأرشيميدس،٢٢ وأضِف رجالًا آخرِين خارقِي الذكاء، ورجالًا ذوي رؤًى عظيمةٍ، ورجالًا مُكرَّسين لعملهم. وأضف أوغادًا ومُتعصِّبِين، وحتى هَجَّائين لهذه الحياة الفانية العابرة مثل مينيبوس٢٣ وأضرابه. وتأمَّلْ كيف طواهم الموت منذ زمانٍ وغيَّبهم التراب. فهل خسروا بذلك من شيء؟ بل هل خسر شيئًا أولئك الخاملون الذين ضاعت أسماؤهم ذاتها؟ لا قيمة في هذه الحياة إلا لشيءٍ واحد؛ أن تقضي عمرك في صدقٍ وعدل، متسامحًا حتى مع أولئك الذين لا يعرفون الصدق ولا العدل.

(٦-٤٨) كلما أَردتَ أن تُبهج نفسك فاستحضِر في ذهنك فضائل الذين يعيشون معك؛ نشاط هذا، وتواضُع ذاك، وكرم ثالث، ومنقبةً أخرى لرابع … ليس أَبهجَ للنفس من طابع الفضيلة يتجلى في خصال رفاقنا — وحبذا لو تكاثر عليك منها المزيد. فلتكن حاضرةً لديك دائمًا.

(٦-٤٩) تُراك تتبرَّم بوزن جسمك؛ بأن تزن كذا من الأرطال ولا تزن ثلاثمائة رطل مثلًا؟! لماذا إذن تتبرم بأمد حياةٍ من عدد كذا من السنين وليس أكثر؟ فمثلما تقنع بمقدار المادَّة المقسومة لك ينبغي أن تقنع بحصتك الزمنية من العمر.٢٤
(٦-٥٠) حاوِل أن تُقنعهم، ولكن عليك أن تعمل ضدَّ إرادتهم، إذا ما كان مبدأ العقل والعدل يقضي بذلك. فإذا اعترض أحدٌ طريقك بالقوة فتَذرَّع بالهدوء وحَوِّل العائق إلى تَمرُّسٍ بصنفٍ آخرَ من الفضيلة.٢٥ وتَذكَّر أن محاولتك كانت بتحفُّظ، أنك لم تُرِدْ أن تعمل المستحيل. ماذا تريد إذن؟ جُهدًا ما مُقيَّدًا بشرط. ولقد حَقَّقتَ هذا.

(٦-٥١) كيف تفهم خيرك الخاص؟ عاشقُ الشهرة يجعل خيره في استجاباتِ غيره. وعاشقُ اللذة يجعل خيره في خبرته السلبية. أمَّا الحكيم فيرى خيره هو أفعاله ذاتها.

(٦-٥٢) ما يزال في إمكاننا أن نجهل شيئًا ونَظلَّ مع ذلك في صفاءٍ عقلي؛ ذلك أنه ليس لدى الأشياء نفسها خاصةٌ طبيعيةٌ تجعلها قادرةً على تشكيل أحكامنا.٢٦
(٦-٥٣) تَعوَّدْ أن تصغي بانتباهٍ إلى ما يقوله آخر، وانفُذ، قَدْر المستطاع، في عقل المتحدث.٢٧
(٦-٥٤) ما لا يُفيد السِّربَ لا يُفيد النَّحلة.٢٨

(٦-٥٥) إذا ما سَبَّ البحَّارة قُبطانهم، وسبَّ المرضى طبيبهم، فإلى من عساهم يُصغون؟ أو كيف يتسنَّى للقبطان أن يضمن سلامة الرحلة لركابه؟ أو يَتسنَّى للطبيب أن يضمن الصحة لعملائه؟

(٦-٥٦) كم رفاقٍ أَتيتُ معهم إلى العالم هم الآن غُيَّب.

(٦-٥٧) مظاهر:

العسل مُرٌّ لدى المصابين باليَرَقان.

والماء رعبٌ لدى من عضَّتهم كلابٌ مسعورة.

الكرة بهجةٌ لدى صِغار الأطفال.

لماذا أنا غاضبٌ إذن؟ أم ترى أن الحكم الزائف أقلُّ تأثيرًا من الصفراء للمصاب باليَرَقان، أو السُّم في المُصاب برُهاب الماء.

(٦-٥٨) لن يمنعك أحدٌ من أن تعيش وفقًا لمبدأ طبيعتك الخاصة. ولن يحدث لك شيءٌ مخالفٌ لمبدأ طبيعة العالم.

(٦-٥٩) أيُّ صنفٍ من البشر أولئك الذين يسترضيهم الناس؟ ومن أجل أية أهداف؟ وبأي صنفٍ من الأفعال؟ ما أسرع ما يُهيل الزمن التراب على كل شيء. وما أكثر ما أُهيل عليه التراب بالفعل.

١  نبيذٌ فاخر كان يُنتَج في شمال كمبانيا جنوب غرب إيطاليا.
٢  التحليل الردِّي (الاختزالي) reductive analysis، أو التجريد والتعرية وصولًا إلى جوهر الأشياء ولُبابها، المنهج الذي أوصى به ماركوس نَفسَه في مواضعَ عديدةٍ من «التأمُّلات».
٣  أقراطيس Crtes فيلسوفٌ كلبيٌّ وشاعرٌ عاش في النصف الثاني من القرن الرابع ق.م، وغير معلوم لنا ماذا قال له زينوقراطيس xenocrates، ولكننا نستشف من النص أنه وبَّخَه على زَهوِه وادِّعائه، رغم أن زينوقراطيس كان معروفًا بتواضُعِه حتى قيل عنه إنه «أقلُّ البشر رياءً.»
٤  فِقرةٌ مُحكمةٌ تُقدِّم جوابًا شاملًا للسؤال الذي طَرحتُه الفقرة السابقة: ماذا يمكن للمرء أن يُجلَّ من كل ما يتدافع أمامه؟ ويحشُد فيها ماركوس كثيرًا من الثيمات والصور المتواترة في «التأمُّلات»؛ التراتب الطبيعي، خيوط دُمى الرغبة، زيف المجد، التشبيه بالحرف والصنائع، الواجب تجاه البشر وتجاه الآلهة، الرضا بنصيب المرء من «الكل»، التصوُّر الخاطئ عن «الخيرات» لدى عامة الناس إذ يُضفُون قيمةً على «الأشياء الأسواء» indifferentia ويظنون أنها الخير.
٥  توكيد على مبدأ ماركوس: «إمَّا أن تُعلِّم وإمَّا أن تُسامح.»
٦  يقول المعري:
مَا أَوْسَعَ الْمَوْتَ يَسْتَرِيحُ بِهِ الْـ
ـجِسْمُ الْمُعَنَّى وَيَخْفِتُ اللَّجَبُ
٧  حرفيًّا: «تَتقَيصَر» Caesarified.
٨  هو الإمبراطور أنطونينوس بيوس، زوج عمة ماركوس وأبوه بالتبني.
٩  تكنيكٌ علاجيٌّ معرفي سنَعرِض له في دراستنا المُلحَقة.
١٠  الارتفاع فوق اللذة، والألم، من وظائف الفلسفة؛ الفلسفة، التي يرى ماركوس أنها الشيء الوحيد الذي يمكنه أن «يَخفِرنا» في مسيرنا في هذه الحياة.
١١  التشبيه بالحرف والصنائع كثيرٌ في «التأمُّلات»، ويعكس شغف ماركوس بها واحترامه للمهن العملية والمهارات اليدوية.
١٢  جبلٌ في شمال اليونان، يبلغ ارتفاع قمته حوالي ألفَي متر وهو الآن مقرٌّ دينيٌّ مُخصَّص للأديرة من أنحاء العالم.
١٣  النواتج العَرَضية لعمليات الطبيعة لها أيضًا جاذبيتها وسحرها.
١٤  اذكُر أن العالم عند الرُّواقيِّين ليس إلا كائنًا واحدًا حيًّا مُتنفِّسًا، وكل الأشياء، على تمايزها، يتخلل بعضها بعضًا ويستجيب بعضها لبعض، كلها مُتواشِجة مُتناسِجة وكلها واحد. وما يحصل في جزء من الكون يُؤثِّر في جميع أجزائه، وما يحدث في الكل يُؤثِّر في كل جزء؛ فالكون بأَسْره عبارة عن بدنٍ واحدٍ حي، قد سَرَى في جميع أجزائه نفَسٌ يُمسِك عليه وَحدتَه. ذلك هو مذهب «وحدة الوجود» أو «البانتيزم» الذي صُبِغَت به الطبيعيات الرُّواقية، والذي يتردَّد صداه في الفقرتَين التاليتَين.
١٥  أخذ الرُّواقيون في الطبيعيات بمبدأَين؛ المبدأ الفاعل والمبدأ المنفعل؛ فالمبدأ المنفعل هو المادة إذا أُخِذَت على أنها ماهيَّةٌ خاملةٌ خالية من كل صفة. والمبدأ الفاعل والإلهي هو العقل الذي يوجد في المادة ويحدث الأشياء جميعًا بإعطائها صورها، ولا يكون الشيء عندهم حقيقيًّا إلا إذا كان له «قوةٌ فاعلة» أو «قوةٌ منفعلة»، وقدرة على التحريك أو قابلية للتحرُّك. وتلك الثنائية، ثنائية الفاعل والمنفعل، هي يقينًا مُستعارةٌ من فلسفة أرسطو، ولكنها مُفسَّرة عند الرُّواقيِّين على وجهٍ مخالف لما نجدها عليه عند أرسطو؛ فالفاعل والمنفعل عند أرسطو هما موجودان مُتمايِزان بالفردية، والفعل ينتقل من موجودٍ إلى آخر، مثلًا من الطبيب إلى الدواء ومن الدواء إلى البدن، هو فعل من أفعال النقلة، ولكنا نرى عكس ذلك في الرُّواقية؛ فالفاعل والمنفعل مبدآن لا ينفصلان في تكوين كل موجود. وبهذا كانت تلك الثنائية عند الرُّواقيِّين مطابقة للثنائية الأرسطية بين الصورة والهيولي، ولكن مع هذا الفارق؛ وهو أن الصورة عند أرسطو ليست تُشكِّل المادة بل لا بد لذلك من مبدأٍ مُحرِّك خاص؛ فكأن أرسطو يقول في الحقيقة بثلاثة مبادئَ لا بثنائية. وأما الرُّواقيون فعندهم أن الفاعل، الذي هو صورة، هو في الوقت نفسه مبدأ مصور قوة فاعلة مؤثرة تمسك الأجزاء، وظاهر أن الرُّواقيِّين يريدون بنظريتهم تلك أن يستعيضوا بالفاعلية الملموسة، فاعلية الوجود الواقعي، عن تلك الفاعلية المثالية، فاعلية الصورة الأرسطية. (انظر: عتمان أمين، الفلسفة الرُّواقية، ص١٥١-١٥٢).
١٦  خريسيبوس Chrysippus (280–207B.C.) هو رائد الرُّواقية في القرن الثالث ق.م، وأغزر الرُّواقيِّين إنتاجًا وأبلغهم حُجَّة. وقد قال إن الشرَّ، رغم أنه مُستهجَنٌ بحد ذاته، له إسهامه في النسيج الكلي للعالم، تمامًا مثلما أن النكات الرخيصة لها سحرها في السياق الكلي للمسرحية. وليس من المستغرب من ماركوس أن يُريدَ لإسهامه أن يكون من الطبقة الأرفع.
١٧  إله الطب.
١٨  طبقات الانتماء الرُّواقي: الانتماء أشبه بدوائرَ متحدةِ المركز، ودائرةُ الانتماء الكوني (الكوزموبوليتاني) هي أشملها جميعًا.
١٩  ثلاثُ شخصياتٍ غيرِ معروفة، تُوحِي أسماؤهم بأنهم كانوا عبيدًا للأسرة الإمبراطورية.
٢٠  رياضيٌّ وفلكيٌّ بارزٌ عاش في النصف الأول من القرن الرابع ق.م.
٢١  رياضيٌّ عاش في النصف الأول من القرن الثاني ق.م، وبرع في علم الفلك البابلي.
٢٢  أرشيميدس (٢٨٧–٢١١ق.م) أعظم رياضيِّي العالم القديم.
٢٣  مينيبوس من جادارا في سوريا، كاتبٌ كلبيٌّ عاش في النصف الأول من القرن الثاني ق.م، وهو مبتكر فن الساثورا وهو هجاء يخلط بين الشعر والنثر.
٢٤  العمر نفسه من الأشياء غير الفارقة indifferentia عند ماركوس، انظر: الفقرة ٣-٧.
٢٥  السعي المُتحفِّظ المشروط، وتحويل العوائق إلى استخدامٍ بنَّاء، انظر: الفقرة ٤-١.
٢٦  الأشياء ذاتها لا يمكنها أن تمس العقل، انظر: فقرة ٤-٣.
٢٧  رغم هذه التوصية الذاتية فقد كان ماركوس يجد صعوبة في التوافُق مع أفكار الآخرين، وكثيرًا ما كان يستخدم صيغة الغائب «هم» للانتقاص والازدراء، ويعتبر الانشغال بأفكار الآخرِين وأعمالهم تشتيتًا للنفس ومَضيعةً للوقت.
٢٨  إبيجرامٌ مُوفَّق يتجلى فيه شغف ماركوس بالتشبيهات المُستمَدة من عالم الحشرات والحيوانات، ويُعبِّر عن حقيقة المصلحة المتبادلة بين الفرد والمجتمع. وقد طبَّقها أيضًا على المجتمع بالمعنى الكوني الشامل: «كل ما يحدُث للفرد هو لِمصلحةِ الكل» (٦-٤٥)، «لا شيء مفيدًا للكل يمكن أن يَضُر الجزء» (١٠-٦)، «ما لا يَضِير المدينة لا يَضِير مُواطنِيها أيضًا» (٥-٢٢)، «لا شيء يَضُر مواطن الطبيعة إلا ما يَضُر المدينة» (١٠-٣٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠