الذوق

هذا «صيد» أثاره لي الأستاذان سعيد فريحة وشكري كنيدر في مجلة الشبكة. أعلنا سخطهما على المغنين القليلي الحظ من الذوق، وقد ضرب رئيس تحرير الصياد مثلًا على ذلك قول المطرب عبد الحليم حافظ:

يا سيدي أمرك
أمرك يا سيدي
ولأجل خاطرك
خاطرك يا سيدي
ومقدرش خالفك
أخالفك يا سيدي.

هذا الميكروب سرى إلى الأغاني الحديثة من طقاطيق وغيرها، ثم تجاوزها إلى الشعر الحديث. أما شرب الأستاذ فريحة من أباريق مهشمة للبياتي ولو مرة؟ نحا شعراء اليوم نحو إليوت فابتلي الشعر بهذا التقليد الخائب. إنه كالعرق المثلث بالمقلوب فبدلًا من أن يجود فقد ضل صاحبه وغوى.

وتبع البياتي شباب حائرون ثائرون على القديم، فكتبوا شعرًا جاءت على نسقه أغاني: يا سيدي أمرك، أمرك يا سيدي.

وإذا كان لهؤلاء عذر لأن الناس قالوا: الشعر غناء، ولهذا قالوا: أنشد فلان قصيدة، فما هو عذر أولئك والناس لم يقولوا: الشعر ثرثرة؟

لقد أحسن الكاتبان فريحة وكنيدر في توجيه هذه الحملة العنيفة على المغنين ودور الإذاعات العربية، وترددت في مقالي الصحافيين الكبيرين كلمة «الذوق»، فقال فريحة عن هذه الأغاني الرخيصة: إنها كارثة تصيب العرب والنشء العربي في أرقى فضائل الإنسان، وهو الذوق.

وقال كنيدر في موضوعه الغناء الباكي:

لقد أفسد المغنون أذواق الناس الذين ألفت آذانهم هذه الأغاني الباكية.

إن كلمة «ذوق» كثيرًا ما تجري على ألسنتنا ولا نشعر بها فنقول: هذا ليس من ذوقي، وفلان صاحب ذوق، وإذا رأينا غانية تنسجم مع كسوتها وزينتها قلنا: ما أذوقها!

وإذا سألت بائع «نوفوته» حاجة أشار إلى خزانات العرض وقال لك: استذوق، نقِّ على ذوقك، وإذا عبت صديقك بشيء رأيته نابيًا قال لك: هذا ذوقي يا سيدي! وإذا عجزت عن مدح فتى كلي الأناقة قلت: كله ذوق.

عندما ذهب المرحوم فرج الله بيضا ليغني في مصر لم يرق لهم نواحه، فقال له أحد أبناء البلد: أهلك ماتوا ببر الشام وجيت تبكي عليهم هنا.

أما اليوم فقد فاق البكاء النيل في فيضانه، وتكررت اللفظة الواحدة عشرات، وليس سبب ذلك قلة الذوق فقط، وإنما هناك داء قد أصاب فن الغناء والكتابة أيضًا، وإلا فكيف يقضي المغني الدقائق المعينة ويقبض المبلغ المرقوم؟ إن طريق الإبداع شاقة، ومواليد العبقرية نادرة جدًّا، ومتى كثر الاستهلاك ندرت الجودة.

يظهر أن الذوق لا يحدد ولا يعرف؛ ولذلك نذكره في حديثنا كلما أعيانا التحديد والوصف، ونتستر وراء قولنا: وهذا لا يخفى على صاحب الذوق السليم.

وعندما خطر لي أن أبحث هذا الموضوع تذكرت أول ما تذكرت أنني قرأت في صباي للأب لويس شيخو كلمات عن الذوق، فعدت أبحث عنها في كتابه «علم الأدب»، فإذا بالأب شيخو يحيلنا على ابن خلدون، ولكني لم أظفر عنده بما أريد، ثم تذكرت أنني عثرت أثناء بحثي آثار أحمد فارس الشدياق على مقال عنوانه «الذوق»، فهرعت إليه ووقعت على ما يأتي:

الذوق في الكلام كالذوق في الطعام، ومنشأ كل منهما الألفة والعادة؛ فمن قلة الذوق المعنوي أنه لم يوضع له في لغة من اللغات لفظة خاصة به وبضده، وإنما يذكر أهل المعاني والبيان شيئًا من آثارهما — أي آثار الذوق المجازي والحقيقي — فيقولون مثلًا: هذه استعارة حسنة، وهذا تشبيه بديع، أو هذه استعارة مستهجنة، ولا يقولون: إن ذلك من الذوق وعدمه، مع أنه هو مدار ذلك، وليس لغيره مدخل فيه؛ لأن الشاعر الذي يرتكب ما يخل بالذوق ربما كان أعلم أهل زمانه باللغة وبكلام العرب، فإتيانه والحالة هذه بما يروق النقاد ناشئ من العلم والذوق.

هذا ما وجدت عند شيخ العربية في عصر النهضة، ولما كان ذلك لا يشفي رحت أطوف في كتب الفرنجة؛ لأنني أعتبر أن الذوق هو كل شيء في هذا الكون البديع، ومن حسن ذوق الله، سبحانه وتعالى، أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، والكائنات في أدق تنظيم، ووزع الفواكه على الفصول الأربعة ولم يكردسها في واحد. لا تستغرب ذكر الفواكه، ألسنا نتحدث عن الذوق، والفاكهاني الواثق من جودة ثماره يقول للسيدة: تفضلي ذوقيها. وها أنا أفعل مثله إذ أقدم للقارئ هذا الفصل الذي أزعجني في البحث عنه، وآمل ألا أزعجه فيقول: ما هذا الذوق؟

«لا بشم ولا بذوق.» بهذه العبارة واجه أحد المرضى الدكتور فانديك قاصدًا تعجيزه، فأخذ الحكيم يعرض عليه أطيب الثمار طعمًا وريحة، وبقي مصرًّا على أنه لا يشم ولا يذوق، فقال الدكتور فانديك: الآن عرفت مرضك. تعال عندي غدًا وأكون حضرت لك الدواء الشافي.

وراح الرجل وهو يضحك في عبه ظانًّا أنه خدع فانديك، وانصرف الحكيم إلى إعداد الدواء، وفي الغد كانت المعركة الفاصلة، فشم الرجل وذاق ما أعده له الدكتور من حبوب أخذ مادتها من الغرفة رقم ١٠٠، وهكذا كان الشفاء العجيب.

إن الذين شكا منهم الأستاذ سعيد فريحة يحتاجون إلى فانديك آخر يشفيهم من زكامهم، ويعلق لألسنتهم الكليلة كما يعلق الفلاح لمنجله وفاسه وساطوره. قد خدرت ألسن هؤلاء؛ ولهذا لا يتذوقون الفنون الجميلة تذوقًا كاملًا، مع أن تحديده عند علماء الغرب: هو الشعور بالجمال والمقاييس والأوزان وانسجام الأصوات، وكلما كان هذا الشعور حادًّا يكون الذوق مرهفًا صادقًا.

والذوق لا بد منه في جميع الفنون، حتى إن الطبيعة نفسها تنبثق منه، والناس لا بد لهم منه في كل شيء؛ فهو المدرب الحاذق في الأدب والنحت والتصوير وصياغة الحلي وتنجيد الأثاث، وفي البنيان وتنظيم الحدائق واختيار الزهور. وفي الآداب قد حددوا الذوق تحديدًا في منتهى الحسن: هو الحاسة المُعوَّل عليها في الأشياء الذهنية.

والذوق قابل للتنوع والتغير في كل شيء، وهو مبدع العادات والأزياء، لا ننس أن في الأدب عادات وأزياء؛ ففي العصور الأولى كانوا يؤثرون العبارة السريعة المتينة، والألفاظ الضخمة، بعكس اليوم.

هذا في العرَض، أما في الجوهر فالذوق لا يتغير، فهو هو في العصور الأولى وفي عصرنا الحاضر، أما الذي نسميه اليوم تجديدًا؛ فهو في العرض لا في الجوهر.

فالذوق لا يقوَّم بثمن الجمال وحده، بل يُعنى بالملاءمة أيضًا، فقد يكون الشيء جميلًا بحد ذاته، ولكن وجوده في غير موضعه لا يدلك عليه الذوق. والذوق ليس خاصة قائمة بذاتها، ولكنه تمازج الحساسية والعقل وانسجامهما.

قال فوفينارك: يجب أن تكون لك نفس لكي يكون لك ذوق؛ فللحساسية عمل مهم في هذا التكوين، لأن الذوق غالبًا ما يكون، ولا يُتعلَّم تعلمًا، فإذا شاهدنا منظرًا أو تمثالًا أو قرأنا كتابًا كان حكمنا عليه بحسب شعورنا وتأثرنا به فنقول: جميل أو غير جميل، وقد قال سيلي بريدوم: إنني أعرف الجميل بهذه المفاجأة اللذيذة الرصينة التي تملأ النفس.

إن هذا الشعور تتراوح شدته بالنسبة للنفس التي لا يحركها شيء، ولا تؤثر بها لا عبقرية ولا تفاهة، فلو عرضنا على رياضي قصيدة أبي نواس التي مطلعها: دع عنك لومي … لقال: ماذا يعني هذا! وأية مسألة حل؟ وهو في هذا يدلنا على أنه وإن كان عبقريًّا في الرياضيات فهو أقل من رجل عادي في تذوق الأدب.

وصاحب الذوق هو الذي يحسن تحكيم عقله في حساسيته، ولكي نكون ذوَّاقين لا يكفينا أن نحس فجأة ونمضي، ولكن المهم هو أن نبحث عن حقيقة الأسباب التي جعلتنا نستحسن أو نستقبح الشيء، والحساسية الكثيرة الانفعال قد تؤدي إلى خسارة الذوق؛ فالصرخة الحادة لا تؤدي نغمًا أصوليًّا، كما أن شدة الشعور لا تضمن ولا تكون مقياسًا للتمام.

ربما شعر الفنان بموضوعه شعورًا حادًّا، ولكنه إذا اندفع وراء حساسية ولم يتولَّ العقل إدارة سيارة خياله تدهورت وراكبها إلى قعر الوادي. فالعقل إذن هو الحارس الأمين للذوق في العمل الفني على اختلاف ضروبه، أما في الكتابة فهو الذي يحول دون قفز الكاتب وسقوطه.

فإذا اندفعنا مع ميولنا أو أخذت بألبابنا تفاصيل مشهد من مسرحية؛ فإننا نخسر بسهولة فائقة غاية الوصول إلى مجموع المؤلف، فتحت إشراف العقل يقود الذوق العمل فتلتئم أجزاؤه، وتسقط التفاصيل التي لا نفع منها، والحركة التي تشوش وتزعج. والعقل أيضًا يقدم لنا مساعدًا نافعًا للحساسية لكي نقدِّر الآثار الفنية ونُقوِّمها، وهو يمنعها من التحرك بلا وزن ولا قياس، فيؤشر لها على النقص والعيب في الجمال الذي بهرها. وبفضل العقل يتطهر الذوق وتنحل قيود تقديره الطائشة، ويصل إلى التفكير الصائب.

أما خواص الذوق الرئيسية فهي: سرعة التأثر، والانفعال، والإدراك، وسلامة الذوق، فمن كان ذوقه سريع التأثر والانفعال؛ فهو يحس فورًا بالجمال والقبح والسماجة، وبالتلاؤم والتنافر، ويميز المقابح، ويرى حتى الخفي منها في المحسوسات والذهنيات.

والذوق يدرك الفكرة والعاطفة والحركة الملائمة للموضوع أو الوضع، فيميز، مثلًا، إنشاء الجندي المخشوشن من إنشاء المخنث.

وصاحب الذوق الصادق يميز بوضوح وإشراق الجمال من القبح، والتنافر من الملاءمة والانسجام، وهو لا يستسلم إلى الانخداع بالظواهر، ولا يُغرُّ بالوهم فيقرظ أو ينتقد بغير استحقاق.

وصاحب الذوق الصادق صعبة مرضاته، وهو بطبعه مغالٍ ومتطلب، ولا يصدر استحسانه إلا عن رويَّة، فيعبر عن ذوقه فيما يعلنه ويمنحه من تقدير، وما يبديه من لوم وتونيب.

قال لافونتين: إن السريعي التأثر والانفعال هم تعساء؛ لأن لا شيء يحوز على رضاهم.

فسرعة الانفعال وصدق الذوق ليسا بخاصتين عموميتين، وقد قال لابروير: قليلون هم الناس الحائزون على روح مسلحة بذوق صادق ونقد صائب.

من المؤكد أن الذوق لا يسد مسد القريحة والعبقرية، فقد يكون لرجل ما أحسن ذوق لنقد أثر ما، ويبقى غير جدير ولا قادرًا على إخراج أثر فني مثله، ولكن الذوق يظل هو المعدل للقريحة ومرشدها، وقد سماه شاتوبريان: العقل المرشد للعبقرية، والعبقرية بلا ذوق هي الجنون المطبق.

إن هناك عقولًا ما زالت بخواتم ربها، وهي مع ذلك تحس الجمال عفوًا بدون موازين ومقاييس لأن ذوقها سليم، ولكن الذوق السليم يُنمَّى ويُهذَّب، فبالانتباه والتأمل وبذل الجهد تقدر أن تديره وتوجهه وتصغي إلى لطافته الغريزية الخالية من كل دنس، وتجعل حكمه صادقًا؛ فتربية الذوق لازمة لنا لكي تتفتح فينا براعم الخصائص التي اقتبلناها بذورًا، فكم من مرة نعلق على دبق الجمال المصطنع لأننا لم نتعلم كيف نبني حكمًا على أسس المقابلة والدرس! والذين لا يعلقون على هذا الدبق يستفيدون أيضًا من تثقيف ذوقهم؛ لأنه إذا كانت صرخات الألم البليغة أو الصور الشعرية الرائعة تقدر أن توقظ احترام النفوس غير المثقفة، فخواص الإنشاء العميقة الأقل وضوحًا تفوتهم، فيجب علينا إذن أن نُعنى في تكوين ذوقنا وتكييفه.

إن الكثيرين منا يتصورون أنهم لا يناقشون في ذوقهم، وأن لكل إنسان أن يتبع على هواه اتجاهاته الطبيعية، فكأني بهؤلاء لا يرون بوليس السير منتصبًا كالتمثال في الشارع ليهديهم سواء السبيل.

إن هذا ضلال أدبي؛ ففي الأدب وفي كل فن من الفنون هدف يدني من الكمال، والذي يشعر به ويحبه هو صاحب الذوق الكامل. أما الذي يشعر به ويجب أن ينحرف إلى هنا وهناك فهو صاحب الذوق المعيوب. أما كيف نكوِّن ذوقنا الفني، فهذا يكون في الملاحظة العميقة، والمطالعة الدائمة، والسماع والقياس. ومن الحصافة أن لا نلقي بخفة وطيش الآراء التي كرستها العصور، كما فعل طه حسين في الألف المقصورة والممدودة، وكما يفعل الشباب اليوم محاولين نبذ القواعد والأوزان ليتخلصوا من الصعوبات، وقد فاتهم أنهم يبلبلون ويخلقون مشقات للآتين بعدهم.

إن الاطلاع على الآثار القديمة يشحذ الذوق ويرهفه، والنقد الصائب الذي يبدي لنا المحاسن والعيوب يجعلنا نحكم على صاحب الأثر حكمًا جديرًا بالاحترام، سواء أكان معه أم عليه. ومن هذا القبيل حكم الأستاذ فريحة على الأغاني، وما مرشده في ذاك الطريق غير ذوقه السليم، ألم يحدد مونتسيكو الذوق بقوله في موسوعة ديدرو: هو مقدرتنا على أن نكتشف بسرعة فائقة مقدار اللذة التي تسببها الأشياء للناس!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠