وجد

لرزوق فرج رزوق

أرى يا صاحبي ألا تنحرف صوب معسكر البياتي مقلدًا إليوت، فقد لمحت هذا الاتجاه القليل الآن، إني أقول: إذا كانت تلك الثرثرة مع إليوت ذات معنى؛ فقد صارت مع البياتي بلا معنى، ويكون حظ شعرنا دائمًا هذا التقليد. فيا ألف صلاة وسلام على الشعر الرمزي، إنهم عندنا لم يشوهوه كما شوَّه البياتي شعر إليوت.

لم أكن أعرفك يا رزوق حين سمعت شعرك ونوهت بك، لم أنس ساعة عرفتني بنفسك على درج الجامعة الأمريكية وقلت: إنك لا تزال طالبًا، فما ندمت لأني فضلتك على غيرك من شعراء إذاعة الشرق الأدنى، فأنا يعنيني الشعر الجيد لا قائله. أما الخطة التي رأيتك تتبعها، اليوم، في ديوانك «وجد» فهي لا تؤدي بك إلى حيث أتمنى، أتريد أن أشبه لك هذا الشعر؟ لا تزعل ولا تحرد؛ إنه لأشبه بالكوسا والقرنبيط المسلوقين، يعبِّي الكرش ولا يغذي؛ فبحياتك يا صديقي رزوق اسمع مني ودع هذا النمط.

أجل، أنت لم تبلغ بعد تكرار البياتي الممل، ولا قذارة صوره، ولكني أخاف عليك من التمادي، إن نظم البياتي للأمثال والكلام المأثور لأشبه بما نظمه الشيخ إبراهيم الأحدب، لقد ابتعد البياتي كثيرًا عن الشعر بهذا التكرار الذي يشبه، نوعًا، قول المعنى في الزجل اللبناني إذ يكرر القوَّال في أول البيت ما قاله في آخر البيت السابق، ما قولك في هذا؟ أتدلني أين الشعر فيه:

وصياح ديك فر من قفص، وقديس صغير
«ما حك جلدك مثل ظفرك» و«الطريق إلى الجحيم
من جنة الفردوس أقرب» والذباب
والحاصدون المتعبون
زرعوا ولم نأكل
ونزرع صاغرين، فيأكلون.

•••

وبنادق سود، ومحراث، ونار
تخبو، وحداد يراود جفنه الدامي النعاس
أبدًا على أشكالها تقع الطيور

وفي قصيدة أخرى يقول:

بالأمس كنا — آه من كنا، ومن أمس يكون
نعدو وراء ظلالنا … كنا ومن أمس يكون!

وفي ثالثة يقول:

من لا مكان
لا وجه لا تاريخ لي من لا مكان
تحت السماء وفي عويل الريح أسمعها تناديني تعال
لا وجه لا تاريخ أسمعها تناديني تعال
سأكون، لا جدوى، سأبقى دائمًا من لا مكان
وعلى الجدار
ضوء النهار.

ثم قوله:

والسم والأكفان للمتعطلين
وكنت أتقن لعبة الداما
وتزييف النقود
وكنت مخلوقًا تعيس.

إلخ، وبمناسبة هذا التكرار الذي قرأته في قصيدتك «الرحيل» حيث تقول:

في الليل، في الليل الطويل
ليل الرحيل
أنا لن أنام.

تحضرني نكتة للشيخ رشيد الخازن: جاءه مغنٍّ في سهرة وقعد ينقر العود ويغني مكررًا: ما كنت أنام ما كنت أنام، وظل على ذلك حينًا، فضاق صدر الشيخ وقال له: بتنام وإلا عمرك ما تنام، أنا طالع نام.

إن تكرارك، يا أخي رزوق، لم يبلغ من القبح ما بلغه البياتي. لعل البياتي يظن أنه يغني «البيات» فيكرر ويكرر، وأما أنت فلا تزال في أول الطريق، فنصف الدرب ولا كلها. إن ديباجتك لا تزال براقة جميلة، وشعرك طريف، وليس عندي لك غير ما قلت؛ فقف عند هذا الحد ولا تخطُ خطوة.

انظم يا رزوق من مثل «الأيام الميتة»، وهات كقصيدة «قربي» و«صوت الربيع» التي تهتف في ختامها:

الربيع الوريق جوي الأريجي
ولكن أين الجناح الرقيق

ودعك من مثل «الماضي الجميل» وقولك فيها:

ظلت تقول: غدًا يعود
ظلت … وظلت موجة زرقاء تهتف من بعيد: لا لن يعود.

إن تكرارك جميل في «مرحبًا» و«مش قليل»، كما أنك في قصائد «وجد» لم تزل تتبع تداعي الأفكار، ولم تطفر كما طفر البياتي فأشبه شعره في «أباريق مهشمة» هذيان المحمومين. البياتي شاعر فذ مطبوع، ولكن حبه التجديد أضاع صوابه، وإلا فأي تجديد في تضمينه الأمثال وحكم شعر القدماء في شعره؟

إن ديباجتك، يا رزوق، لم تتخلَّ عنك في هذه الرحلة الفنية القصيرة، وهي، حتى الآن، ما زالت إياها، ولكنني أخاف عليك إذا تهورت. أليس الأجدر بشاب مثلك أن يشق طريقه بيديه ولا يسير على طريق عبَّده سواه؟ إذا كانت الطريق المعبَّدة أمانًا وسلامًا في الحياة، فهي الخطر كل الخطر في الفن، فتحاشاها؛ فمن الخير لك ولكل أديب أن تبني كوخًا من طراز جديد ولا تقلد قصرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠