تامارا

لخليل تقي الدين

قال بعضهم: إنها غير حامية … وأنا أقول لهم: ليست مثل فرن سيمنتو شكا، ولا من ذاك الطرزاني ولا الهولمزي، ولكنها كما قال زياد: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، أليست صورة حياة جاسوسة؟ والجاسوسية أبعد ما تكون عن الصخب!

ويقول آخرون: كانت عبارة خليل تقي الدين كلاسيكية متماسكة، فهل أثرت ديبلوماسيته في تعبيره؟ فها هو هنا غير ما كنا نراه.

وأنا أقول: إن موضوع تامارا لا تلائمه المنفلوطية ولا الجبرانية، فإذا كنت تطلب ذلك فعليك أن تطلبه في «خواطر ساذج». إن خليل تقي الدين في قصة تامارا يتحدث عن الحياة بلغة الحياة التي تأبى التقعر والتكلف والتصنع. لقد أعجبت بطواعية العبارة التي رأيتها في تامارا، رائعة خليل تقي الدين، فعزوت ذلك إلى أنه كتب قصة عاشها ثلاث سنوات، وفكر بها عشر سنين، وكتبها للصياد في ثلاثة أيام، فمشى فيها قلمه على هينته، وهذا أصدق دليل على ترك التعمل فيها.

أنا لم أقرأ بعد قصة بهذه السهولة البليغة التي تصور لنا تصويرًا رائعًا ملامح الأنثى الروسية وطباعها كما تبدو في «الإخوة كرامازوف» لدوستوفسكي، وفي رواية «البعث» لتولستوي، فهذا الحب الصاخب العابث الذي صُوِّرت به تامارا، بطلة قصة خليل تقي الدين، هو هو عينه.

لا أدري إذا كان الذنب للاسم، ففي التوراة تاماران: تامار سفر التكوين التي لعبت «اللعبة الكبرى» مع حميها … وتامار أخت أبشالوم، فهل تكون تامارا هذه من أولئك الإناث، فيكون فجورها أصيلًا، وتحسسها ومكرها في دمها العبراني كدليلة ويهوديت وغيرهما من بنات إسرائيل؟

وكيفما دارت بتامارا الحال، فهي قصة جديدة من نمط جديد قلما ظفرت بمثلها القصة العربية. جديدة في محيطها، جديدة في حوادثها، جديدة في طرافتها التي أخرجت القصة العربية من محيطها الذي صار مبتذلًا إلى محيط عالمي ظريف واسع.

كنا نقول، وأنا قلتها له، منذ سنتين، لأعيده إلى حظيرة الأدب والأدباء: ما دخلت السياسة شيئًا إلا أفسدته. أما الآن فإني أقول: كثر الله خير السياسة، فقد كان لنا منها رزق عميم، وليت كل سفرائنا أدباء قصصيون ليخرجوا لنا أخوات لهذه القصة النفيسة، فهؤلاء السفراء يرجى منهم أن يُطعِّموا أدبنا، ولا يُحسِّن الأجناس غير التطعيم.

وخليل، في هذه القصة، يصف الحياة في موسكو بلباقة كلية، وكذلك الأعمال والجو السياسي. اقرأ وصف شخصية السفير الصيني لترى صورة تموج الحياة بين سطورها، فالاندماج والانسجام بين التعبير والموضوع تام. وهناك التعابير الشخصية التي كانت تنقص المؤلف فيما مضى قد ذر قرنها هنا، ولو كان خليل نقَّح قصته مرات لكان نصيبه من هذه أوفر جدًّا.

أما التحليل النفسي فكافٍ، إنه كالملح في الطعام، وهو لو زاد عما هو لعوق سير القصة التي تمشي الهوينا لا ريث ولا عجل. يترك الفجوات التي تبلد الموضوع ويفر فرًّا كما يفعل القصصي الكبير.

يجسد لك تامارا ويريك بوضوح كلي هذه المخلوقة التاعسة التي سيرها اثنان: القدر وصاحب التلفون الأخضر. مشت في سلم الحياة من أوطأ الدرجات إلى أعلاها، من ربيبة كوخ إلى فتاة متشردة تعربد في الشارع مع من يعربدون، وترفه عن الجنود المكدودين … إلى أن تصير زوجة سفير، وتصادق هذا وذاك، وتلعب «اللعبة الكبرى» إذا أمرها التلفون الأخضر بذلك.

ومن فتاة تتعلم الفرنسية والإنكليزية في نصف سنة، فتصير سيدة راقية تكون نقطة الدائرة في الصالونات الكبرى. وبعد هذا العز تطرد السفيرة من السفارة طرد الكلاب لأن زوجها طلقها، ثم ختمت حياتها كما ابتدأت بالشقاء والعذاب، ولا يعلم أحد إلى أين قذف بها صاحب التلفون الأخضر.

إن هذه القصة لا تلخص؛ لأنها هي ملخصة بل مختزلة. تصف حياة جاسوسة وصفًا تامًّا ليس في حوادثها غصون نابتة على الجذع فتمتلخ، فهي حياة امرأة عابثة مغامرة انتقلت من هالك لمالك إلى قباض الأرواح.

سمعنا بفنون كثيرة في التهريب، أما تهريب البشر في حقائب السفر فقد رواه لنا خليل في قصته تامارا، وقد قال الشاعر: تغرب ففي الأسفار خمس فوائد. وهذه فائدة سادسة ما سمعنا بمثلها.

والخلاصة أن تامارا كأخواتها كانت تضحي بجمالها وحياتها كاليهوديات اللواتي لعبن في التاريخ العبراني أدوارًا خطيرة، ولكن الدائرة أخيرًا دارت عليها، وما ظفرت إلا بالخلود الذي أتاحته لها ريشة خليل تقي الدين.

تمنت عليه أن يكتب قصتها، فبر بوعده وكتبها، وتصيدها الضرغام — سعيد فريحة — فيما تصيد، فكانت خير هدية أدبية لقراء مجلته وللمكتبة العربية التي فازت بطرفة جديدة من هذا النوع.

إني لآمل من شبابنا الديبلوماسيين أن ينهجوا نهج الخليل، فلولا الغربة ما كان لنا الأدب الأندلسي، ولولا الهجرة إلى أمريكا ما وقع أدبنا على شيء غير قديمة، ولولا الاستعمار ما كان لكتاب أوروبا قصص غير محلية ازدهى بها أدبهم. فهذا مرعى جديد تدر عليه الأقلام، فهات يا خليل ما عندك بعد أن يتحرك ديبلوماسينا الآخر أخونا توفيق عواد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠