الحجاج

لعبد اللطيف شرارة

وهذا كتاب ألفه الأستاذ عبد اللطيف شرارة عن الحجاج، طاغية العرب الشهير. كان الحجاج جبارًا فيما عمل، كما كان عبد اللطيف شرارة فيما كتب، فأرانا شخصية الحجاج التي لم يكتب عنها بعدُ مثل هذا الكتاب. درس الأستاذ شرارة تلك الشخصية الفذة على ضوء العلم الحديث، فأبدع وأجاد، وخصوصًا في فصل «حداثة يائسة»، حيث حاول تطبيق النظريات العلمية الحديثة على تلك الشخصية العاتية، فكان موفقًا. صوره لنا منذ ولادته بلا دبر — كما ذكر المسعودي — إلى دباغ، فمعلم، فجندي، فحاكم طاغية يلتذ بالدم ودهدهة الرءوس؛ انتقامًا للمربى الوضيع ودمامة الخلق، حتى صح فيه ما نقوله: كل ذي عاهة جبار.

ثم تعرض له معلمًا، وعزا حزمه في إدارته إلى مهنته الأولى؛ أي التعليم، فجبر الأستاذ شرارة خاطرنا وخاطره هو. بارك الله فيه، وقد نسي ما قاله الشاعر:

إن البلادة جُمِّعت في ستة
في حائك ومنجد واسكاف
ومعلم الأولاد ضعه أولًا
واتبعه بالحلاج والنداف

أما أسلوب المؤلف فخير ما يكتب به عن الحجاج وعبد الملك بن مروان اللذين قيل عنهما أنهما لم يلحنا قط لا في جد ولا في هزل.

زعم لنا الأستاذ شرارة أن الحجاج، بناء على منشأه، ظل عابسًا مقطب الجبين، مع أنني لا أذكر أين قرأت أن الحجاج كهاكه؛ أي تظل على وجهه هيئة الضاحك ولو غضب وعبس.

وأجاد الأستاذ أيضًا في تثقيف ألفاظ جديدة ظلت تدل على ما وضعت له عند القوم، فهان على القارئ الحديث إدراك معناها بسهولة كقوله: برجاسية وأوتوماتية؛ أي بورجوازية وأوتوماتيكية. ترى لماذا لم يجعلها برجازية لتظل أقرب؟ فليتنا نجمع على استعمال مثل هذه الألفاظ فيتقرر مصيرها ولا يظل كل واحد منا يستعملها كما يهوى ويشاء.

وقد وطأ المؤلف لدراسة الحجاج بدراسة أحوال الأقطار العربية، وخصوصًا الحالة النفسانية في عصر الحجاج، فجاءت الدراسة «أصولية» كما تكتب الدراسات الحديثة اليوم، فهو لم يدع إقليمًا من الأقاليم العربية إلا درس أحواله، بانيًا رأيه في الحجاج على الوثنية الطاغية التي لم يستأصلها دين الرحمة والسماحة من نفس الحجاج الطاغية. كنت حسبت الوثنية التي ترافقنا من أول الكتاب إلى آخره كوثنية أناتول فرانس، فإذا بها تلك الوثنية الجاهلية، ومع ذلك هي وثنية في كل حال.

وقد أعجبني درس الأستاذ لأدب الحجاج، وتأثير خطبه في نفوس الخواص والعوام، ثم ما كانت تترك رسائله من أثر في نفوس الناس حتى قطاع الطرق منهم، فذكرني كلامه هذا بقول أبي فراس:

إذا ما أرسل الأمراء جيشًا
إلى الأعداء أرسلنا كتابًا

أما أسلوب الإنشاء فقد قلنا: إنه متين بليغ يلائم كتابًا فيه كلام كثير روي عن الحجاج ومولاه عبد الملك، حتى تكاد لهجة الأستاذ شرارة لا تبعد كثيرًا عن لهجتهم تلك، وقد يكون جارى من أعرب الأسماء الخمسة بالحركات حتى قال: وقتل مصعب بن الزبير أخ عبد الله «بدون ألف».

لم يلطف الأستاذ عبد اللطيف شرارة بالحجاج، وقد كنت وإياه على طرفي نقيض في كتابي «صقر لبنان»؛ فهو قلما رأى حسنة للحجاج، وأنا قلما رأيت سيئة لأحمد فارس الشدياق، فصح فينا كلينا قول الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠