لحظات مع الخالدين

دعبل
منذ بضعة عشر عامًا خطب المستر بلدوين — يوم كان وزير إنكلترا الأول، ومستشار جامعة كمبردج — في مائتي مندوب من ممثلي جامعات الإمبراطورية البريطانية فقال:

إن الشعراء الكبار نادرون، بل هم أندر جدًّا من العلماء الكبار الذين يخلق علمهم الشيطاني المواد التي تبيد الإنسانية؛ فلذلك أسألكم، أيها السادة، أن تكثروا بين نتاج جامعاتكم عدد الشعراء الذين ينفخون في أوروبا، بل في العالم أجمع، روح السلام والحرية.

فاستغرب هذا الطلب كاتب فرنسي، فقال يداعب الوزير: إن الشعراء لا يُعملون توصية، فمهما كانت قوة الوزير البريطاني الأول، ومهما اشتد ميل الجامعيين الأنكلوسكسونيين فلن يستطيعوا أن يفبركوا الشعراء جامعيًّا، ولا أن يصدروهم بالجملة كالمحامين والأطباء والمهندسين واللاهوتيين وغيرهم …

ليس بحثنا هنا صنع الشعراء، فالذي يعنينا من كلام الوزير هو أن الشاعر الكبير الذي يناشد الجامعات أن تخلقه هو قائد الرأي العام. يناضل دائمًا وأبدًا ولا يخفي ما تحدثه به نفسه، وهو لا يشرى ولا يباع، وإذا نظرنا إلى الانقلابات العالمية الخطيرة رأينا اليد الطولى فيها للأدباء والشعراء، فحين كانت الخلافة العباسية في شرخ صباها لا يجرؤ معارض أن يفتح فمه، سمعنا شاعرًا أعجميًّا أعمى يهيب بالأمة صارخًا:

بني أمية هبوا طال نومكم
إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
خليفة الله بين الزق والعود

إن بشار بن برد قائل هذين البيتين قد كان يسكت إذا أتته الجراية، ولم يكن يضرم نار سخطه على ما يدرك الأمة من سوء الأحوال، ومع ذلك خلد هذا الشاعر في تاريخ الأدب، فقلما جهله قارئ عربي، بينما هناك شاعر آخر لم يسكته لا ذهب ولا فضة ولا كسوة كان في قرارة نفسه بركانًا ثائرًا ينفجر كلما نزل بالأمة ضيم، ومع ذلك لم يحظ بالذكر في مناهج الأدب العربي الحديثة.

لست أدري لماذا ضربت عليه العنكبوت بنسجها كما قال الفرزدق في جرير. ألأنه كان شاطرًا، أي لصًّا، كما روى لنا صاحب الأغاني؟ إن بين أولياء الله والقديسين رجالًا كانوا «أشطر» من دعبل، ومع ذلك أُحصوا بين الأبرار والصديقين لأنهم تابوا وأيَّدوا فضائل اتفق الناس على تقديسها.

فما بال شاعرنا دعبل الخزاعي الذي قضى عمره مناضلًا، وعاش منتقدًا شذوذ أولياء الأمور في عصره يظل نسيًا منسيًّا؟

إن هذا الشاعر، على وعورة طبعه، وشكاسة خلقه، أديب مصلح متمرد. أحس الشعب في عصره بضعف الإمامة وسكت على مضض، أما الأديب في دعبل فرفع صوته في ظل الموت يثير الجند، وهو العصب الحساس في الدولة، دافعًا إياه إلى الثورة بهذه الصورة الهازئة الساخطة قال:

يا معشر الأجناد لا تسخطوا
وارضوا بما كان، ولا تقنطوا
فسوف تعطون حنينية
يلتذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوادكم
لا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قواده
خليفة مصحفه البربط
قد ختم الصك بأرزاقكم
وصحح العزم فلا تسخطوا
بيعة إبراهيم مشئومة
يقتل فيها الخلق أو يقحطوا

وهو الذي قال مخاطبًا المأمون:

إني من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
رفعوا محلك بعد طول خموله
واستنقذوك من الحضيض الأوهد

ثم حمي غضبه فقال في العباسيين جميعًا:

ملوك بني العباس في الكتب سبعة
ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة
خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة
لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

وقد قال حين بلغه موت خليفة منهم:

الحمد لله لا صبر ولا جلد
ولا عزاء إذا أهل البلى رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد
وآخر قام لم يفرح به أحد

هكذا انتفض هذا الشاعر منتصرًا للأمة مطالبًا بحقوقها المنتثرة تحت أقدام الأغرار المستهترين. هاجم هذا الشاعر الذي نعده صغيرًا ولا نذكره في برامجنا، الداء الذي قضى على إمبراطورية لا تغرب الشمس عن ملكها. هاجم خلفاء ينام الموت بين شفاههم، وانثنى يردد كلمته التاريخية: منذ أربعين سنة أحمل خشبتي على ظهري ولا أجد من يصلبني عليها.

لقد أدى هذا الشاعر رسالته لا مشكورًا ولا مأجورًا، بل هجا من وظَّفه لأنه لم ير فيه رجل الدولة، ولم يبال بما يلحقه من خسارة أدبية ومادية، وهذا شأن المطبوعين على النضال، فإنهم يقاومون، وسواء عندهم أخسروا أم ربحوا. فاسمع ما قال دعبل في أميره هذا:

تنوط مصر بك المخزيات
وتبصق في وجهك الموصل
إذا الحرب كنت أميرًا لها
فحظهم منك أن يقتلوا
فمنك الرءوس غداة اللقاء
وممن يحاربك المنصل
شعارك في الحرب يوم الوغى
إذا انهزموا: عجِّلوا عجِّلوا
فأنت إذا ما التقوا آخر
وأنت إذا انهزموا أول

إن الشعب الخانع في كل عصر يضحك من أمثال هذا الشاعر ويتذبذب إلى الذين يعبثون بمقدراته. أما الأديب فلا يسكت؛ إنه يعرض على الاثنين ويضحي بروحه ليغلب العالم.

رأى دعبل إسرافًا ولهوًا وتهاملًا وتهتكًا في القصور فما سكت عن ذلك، كما أنه رأى آل البيت يشقون ولا يأبه لهم أحد، فقال فيهم تائيته التي لم يقل مثلها شاعر، قال:

مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
لأن رسول الله بالخيف من منى
وبالركن والتعريف والجمرات
قليلة زوار، سوى بعض زُوَّر
من الضبع والعقبان والرخمات
أرى فيئهم في غيرهم متقسمًا
وأيديهم من فيئهم صفرات
بنات زياد في القصور مصونة
وآل رسول الله في الفلوات!

وأسمعه أخيرًا يختم رائعته هذه متهددًا:

فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد
لقطَّع قلبي أثرهم حسرات
خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم الله والبركات
فإن قرب الرحمن من تلك مدتي
وأخَّر من عمري لطول حياتي
شقيت ولم أترك لنفسي رزية
ورويت منهم منصلي وقناتي

إن شاعرنا يستحق أن يكون في عداد الخالدين لشعره النضالي الطيب، الذي يمثل ما قيل: التاريخ يعيد نفسه؛ فهذا الشاعر الثائر ينتظر ككل مصلح ساعة الانقلاب معتقدًا أن الأحسن هو دائمًا أمامنا لا خلفنا، ومن يدري؟

ولم يبرز دعبل في ميدان الهجو والرثاء فقط، بل قال شعرًا طيبًا في أغراض شتى حتى الغزل، فهو القائل:

أين الشباب وأية سلكا
بل أين يطلب ضل أم هلكا؟
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى
يا سلم ما بالشيب منقصة
لا سوقة يبقى ولا ملكا
قصر الغواية عن هوى قمر
أجد السبيل إليه مشتركا
يا ليت شعري كيف نومكما
يا صاحبي إذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحدًا
قلبي وطرفي في دمي اشتركا

إن هذه الأبيات الرائعة أغار عليها شاعران معاصران؛ أغار على مقدمتها الشاعر محمود سامي البارودي فقال:

هل من فتى ينشد قلبي معي
بين خدود العين فالأجرع؟
كان معي ثم دعاه الهوى
فمر بالحي ولم يرجع

وأغار على مؤخرتها الشاعر رشيد نخلة فقال زجلًا:

عيني وقلبي ضعاف من غير شي
في كل يوم بيفتحوا ورشي
العين تهوى كل ما شافت
والقلب لاحقها على الطحشي

كلما قرأت شعر دعبل أعجب بثورته الفكرية وجرأته المنقطعة النظير، وأجل سعة صدر الخلفاء حتى إنني أقابل بينهم وبين ملوك هذا الزمان فأرى هؤلاء منزهين عن الانتقاد، بينما كان خلفاؤنا في زمن الاستبداد يتقلبونه هجوًا مقذعًا برحابة صدر.

ثم أتذكر كيف كان دعبل منافسًا لأبي تمام في حياته، حتى إذا طواهما الموت خلد هذا وتنوسي هذاك. لعل الدنيا حظ كما قال المتنبي:

هو الجد حتى تفخر العين أختها
وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

لقد عاش دعبل شقيًّا محرومًا، ومات بائسًا، وها هو يحرم اليوم كل شيء حتى المثول في ديوان العرب الذي تمثله مناهج التعليم في أقطارنا، فعسى أن يلتفت إليه، فهو لم يهج إلا طلبًا للإصلاح.

بارك الله لك يا دعبل في شقائك. إن الشقاء عنصر مقوم للأديب، فلا بد له من العبور في معصرة الألم لتبقى خمرته على الدهور والأجيال.

قد رأيت بالاستقراء أن الأديب إذا لم يجد شقاء شقي بعقله، كالمتنبي مثلًا، ولكن شاعرنا العظيم كان له بعد الشقاء بقاء. أما دعبل فلعل حظه يستيقظ، فمن يدري؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠