المتنبي في راديو مصر

هو الجد حتى تفضل العين أختها
وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

هكذا قال شاعرنا المفرد منذ ألف عام، وقد صح به قوله، فما وقف حظه حتى عثرت رجله ومات تلك الميتة المشئومة قرب دير العاقول.

حقًّا إن المتنبي غير مجدود، فمن تغطرس أبي فراس إلى تعصب ابن خالويه، إلى ذلك الجرح الأليم، إلى قطع جبال لبنان في الشتاء، وصيفهن شتاء، إلى مدح كافور الذي يؤتى من بلاد بعيدة ليضحك ربات الحداد البواكيا، إلى هرب الفحل الحر من وجه العبد المخصي، وخاتمة المطاف قتلة شنيعة وميتة بلا صلاة.

لقد حشا المتنبي شعره لومًا وذمًّا للزمان وأهيله، حتى صرخ تلك الصرخة الداوية في رثاء جدته، التي صيرت رسالته أنيابها سحمًا:

طلبت لها حظًّا ففاتت وفاتني
وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما
وما الجمع بين الماء والنار في يدي
بأصعب من أن أجمع الجد والفهما

يا سبحان الله، كيف يرافق النكد هذا العبقري بعد عشرة أجيال. أليس عجيبًا أن تهب أمة بطولها وعرضها، من ضفاف النيل إلى عبر الفرات، ومن بطحاء مكة إلى شماريخ أرز لبنان، لتكريم ذكراه بعد ألف عام، فلا يقول فيه واحد كلامًا يشبه الكلام؟

شعر سخيف ركيك، وأبحاث من نفاضة جراب ابن جني والصاحب، أقول هذا وأنا أترقب حفلة دمشق، عسى ألا يقفهم عنها ما وقف عن حفلة جامعة مصر الجليلة. وهذا من نكد الشاعر أيضًا، ولكن حسبه أنه يصارع حكومة العبدان في حياته، وأن تهب اليوم مع ذكراه ريح الحياة القومية وتستيقظ الفكرة العربية.

أليس عجيبًا ألا يفوز المتنبي من الشاعر معروف الرصافي إلا بتلك «البصلة»، ويكون حظه كحظ سليمى من بشار؟ وذكر بشار يخطر على بالنا بشاره «فحلبيته» كانت من البضاعة الرائجة في البندر … وقد اشتغل بنفسه عن الشاعر، وهذا شأن من تدركهم السن، كما التهى عنه خليل مطران بإطراء وزير المعارف، وسيجيئك الخبر.

فهؤلاء ثلاثة شعراء معدودون، معروف الرصافي وبشارة الخوري وخليل مطران، قالوا الشعر منذ أعوام، لا يفتح عليهم في ذكرى المتنبي، فكأني بهذا الشاعر لجة لا تقتحم، بل كأني به أسد يخيف زئيره فتنحل العزائم حيث يسمع صوته، وإلا فإلى ماذا نعزو هذه الخيبة المخزية؟ فنقول كلمتنا الأخيرة بعد حفلة دمشق. أما الآن فلنعلق هذا الهامش على متن حفلة القاهرة.

•••

أنبأني مناظر المدرسة العام بحفلة مصر للمتنبي، عصاري الجمعة «٢١ شباط» وشباط مخيف في رءوس الجبال، فقلت له: سأكون بينكم، فادع إلى هذه الحفلة السمينة طلاب الصفوف العليا، وخطر ببالي قول الشاعر:

غنت سليمى في العراق فأطربت
من كان في أرض الشآم نشيدا

وجلسنا الساعة الخامسة نصغي إلى الراديو، فخشعنا وطربنا لعشر من القرآن الكريم، وأظنها أول مرة يتلى فيها كلام الله لأجل الفقيد … إن رحمة ربه تسعه وإن كان من المعطلين في قوله:

فهذه الأرواح من جوه
وهذه الأجسام من تربه

كان أول المتكلمين وزير المعارف المصرية، فأسمعنا كلمة طيبة رشيقة، وفهمنا أن مصر موئل العربية وحصنها المنيع، وأنها أحرى الأقطار بهذه الحفلة لأن فيها المجمع الملكي، واسترعت سمعي كلمة حق قالها صاحب المعالي، وهي أن المتنبي لا يزال يُقرَأ باللغة التي نظم فيها شعره، بينا نرى الشعراء غير العرب لا يقرؤهم بعد ألف سنة إلا الاختصاصيون من أبناء جنسهم.

قلت لهذه الكلمة وجهان؛ أحدهما: أن لغتنا لم تتطور، والتطور دليل الحياة، وأن تفكيرنا لم يتجه اتجاهًا جديدًا — وهذا ما لا نحمد عليه — والثاني: أن لغتنا تامة كاملة لا مطمع للزائد فيها. وهذا لا أظنه … أجل إن لغة العرب لا تحتاج إلى تعديل خطير في نحوها الأدبي، لو لم تبل بالذين ينقبون أبدًا في أقبيتها وسراديبها عن كلمات نافرة ليفتحوا بها في الأدب فتحًا مبينًا، فمصطفى صادق الرافعي يريد أن يبعث «بنيت بها» ويقبر تزوجتها، «وبنيت بها» عدا أنها غلط فهي جدة الشنفرى وتأبط شرًّا، ناهيك بأن عهد البناء على النساء قد انقضى، فنحن سكان مدر لا وبر، ومحمد كرد علي، عضو المجمع الملكي ورئيس المجمع الدمشقي سابقًا، يقول لنا: «حذو القذة بالقذة» في تلخيص كتاب إفرنسي حديث، فيزيدنا عمى قلب، وأحمد حسن الزيات يحاول أن يزيد في ثروتنا اللغوية — زاده الله فصاحة — فيقول: «كنا نسمر ليلة النيروز المسيحي» ثم شرحها لنا.

اللهم رحماك ورفقًا بهذا اللسان الذي أنزلت به كتابك.

فلو عبر المتنبي كهؤلاء «المجددين»، بل لو التفت وراءه، من كان يتبعه؟ وهل كنا نقرؤه بعد ألف عام كما قال الوزير؟ لكن المتنبي تكلم بلغة الحياة والأحياء، والقرآن الكريم لو أنزل بغير لغة عصره لما فتن الناس بيانه وحنانه، فالجديد جديد ولو قيل قبل خمسة عشر جيلًا، والعتيق عتيق في القرن العشرين، كهؤلاء الذين تفوح من أهدامهم رائحة القطران.

لو تصفحنا المتنبي كله لما رأينا فيه شيئًا من الرواسم، وهذا سر خلود المتنبي؛ معان مستمدة من الحياة لا إغراب فيها، وتعابير هي لا تزال تدور على لسان الناس، أمس واليوم وغدًا، ما خلا ألفاظًا غريبة أحياها فماتت وأماتت ما حولها من كلامه.

أما تلك الصور العتيقة المحشوة في كلام بعضهم، المصفوفة صفًّا، كالقوالب الباطلة على رفوف السكافين، فلم يلجأ إليها أبو الطيب، وهذا ما مازه. قابل، إن شئت، بين بائية أبي فراس التي يقول فيها:

ألم ترنا أعز الناس جارًا
وأمرعهم وأمنعهم جنابا؟
وقد علمت ربيعة بل نزار
بأنا الرأس والناس الذنابى

ببائية المتنبي، وغرضهما يكاد يكون واحدًا:

بغيرك راعيًا عبث الذئاب
وغيرك صارمًا ثلم الضراب

ثم قل لي ماذا زاد أبو فراس على منثور العرب ومأثورهم؟ أما المتنبي فنزه نفسه عن مومياء أبي فراس، وإن كانت «الضراب» ثقيلة، وأثقل منها «بعد طول الضراب» مطلع قصيدة بشارة الخوري في المرحوم هنانو.

وجاءت نوبة خليل مطران بعد الوزير، فأصغينا لنلتقط كلمة «شيخ شعراء العربية»، فكانت من ذلك الثناء الذي تعودنا سماعه منه في كل معرض، فكيف به وهو يتكلم عن صاحب معالٍ ووزير معارف، فما لفظ اسم الوزير إلا بعد سفر طويل، فسمعنا تصفيقة حادة ما كانت لولا تلفظه باسم علوبة باشا. أما المتنبي فما قال فيه شيئًا يصح السكوت عليه — كما عبر لنا ابن عقيل — فصح بمطران والمتنبي قول المؤرخ: أرادوا عَمْرًا فأراد الله خارجة.

كيف ترى؟ أليس هذا أيضًا من نكد الدنيا على المتنبي حتى لا يقول فيه شيء شيخ شعراء الأقطار العربية كما قدمه صاحب المنهاج؟

لقد شاخ شاعر «مقتل بزرجمهر» و«فتاة الجبل الأسود» و«ملحمة نيرون» ويبقى وجه ربك ذو الجلال.

وأنبأنا المنهاج أن عبد الله العفيفي سيتكلم، وسينحو نحوًا جديدًا، فتنهدنا وحبسنا الأنفاس، وإن شئت كلامًا أفصح قلنا لك: «أرهفنا آذاننا للسمع.» كجواد عنترة العبسي.

وتنحنح الأستاذ عفيفي فاستحسنها الطلبة، وضحكوا لها ضحكة خفيفة … وانقض الخطيب كجلمود امرئ القيس، وطفق يدهور الكلام مثبتًا أن المتنبي لم يهج المصريين، بل الذين كانوا ملتفين حول كافور من الترك والروم والعلماء العراقيين، وأن الذين يحفون شواربهم هم العلماء.

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

ثم دلنا على قول المتنبي، وهو برهانه القاطع المانع، كما يعبر المناطقة، على أن الهجاء لغير المصريين:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها
وقد بشمن وما تفنى العناقيد

ثم على قوله في الخصية السود، لا أدري إذا كان هؤلاء العلماء فحولًا أم خصيانًا، ولكنني أوافق العفيفي على أن المتنبي أنبه من أن يهجو أمة بأسرها، بل ما كان إلا محرضًا لها على ذلك العبد ليرد الخطي هامته كيما تزول شكوك الناس والتهم.

وبعد، فخطاب العفيفي كان خير ما قيل بعد كلمة الوزير، لولا إكثاره من سيداتي وسادتي، ولو لم يستبق اسم كافور والمتنبي باب نطقه فيسبق كافور مرات ويعود العفيفي مصححًا خطأه، فكان العبد مجدودًا بعد ألف سنة، وما كان شيء من هذا لو سار العفيفي على رسله، ولكنها أيضًا قلة حظ المتنبي.

وبعد أن سمعنا لا أدري ماذا من أمير الكمان سامي الشوا أشعرنا المنهاج أن الكلمة لعلي الجارم، عضو المجمع الملكي ومفتش المعارف، وموضوعه طموح المتنبي، فافتتح الشيخ خطابه بصورة «رومنتيكية»، فصور لنا أبا المتنبي على باب دمشق، وولده أحمد «المتنبي» يأخذ بضبعه.

آه من هذه الضبع، في القرن العشرين، يا حضرة المفتش وعضو المجمع الملكي. أما عثرت بغيرها في طريقك؟

وتدفقت أبيات المتنبي وحمي التصفيق في «الأوبرا» وحان عشاء التلاميذ في عاليه فلم يلبوا صوت الجرس، فقلت لهم: اذهبوا تعشوا؛ سترجعون والأستاذ لا ينتهي … وهكذا كان، فقد عادوا بعد غيبة، والمفتش ما زال يتعنتر مترنمًا، هزجًا، لا أدري إذا كان يحك ذراعه بذراعه كذباب عنترة … ولو لم يقطعه صاحب المنهاج لما جرم خطابه وظل يروي من شعر المتنبي حتى الصبح، بيد أنه تمتم قبل أن ينصرف.

ولماذا يكلف الأستاذ نفسه، فديوان أبي الطيب سهل المتناول.

وأخيرًا انبرى عادل الغضبان لمقال قسطاكي الحمصي، ممثل حلب، فافتتح ببيتين لم يتبينا لي، أرجح أنهما من القسطاكي. وما شرع يحدثنا بقصة «الحصير» حتى رفع صاحب المنهاج حصير بحثه، فحمدنا الذي لا يحمد على مكروه سواه على انتهاء الحفلة.

إن هذه الحفلة لا تبيض وجه مصر المحروسة، وخير ما فيها أنها تحت رعاية الوزير وكلمة الوزير، أما أنا فلو كنت وزيرًا لما شرفت هذه الحفلة بحضوري بله التكلم فيها.

يظهر أن العقاد كان مشغولًا بالتحليق في أجواء الشعر والفن، فهو لا بد يحسب حسابًا بعد ألف سنة … وسلامة موسى، برتابا العقل الباطن، يقول: إن المتنبي سادي؛ أي حصور. وهذا هين. قد كنت أخشى أن يزعم أنهم خصوه في بلاط كافور.

ولكن أين طه حسين؟ ففي وسعه أن يسمعنا شيئًا جديدًا، فقد يكون المتنبي عنده شخصًا لم يكن، كامرئ القيس ومن إليه.

وحسين هيكل؟ ألم يبق في جرابه غير ما قال في بيروت؟ والمازني؟ أما استطاع أن يقول كلمة «ماركتوينية»؟ فمجال التنادر على كافور أوسع من باب جهنم.

أتمنى أن تكون حفلة الجامعة المصرية جامعية حقًّا. وإنني في الختام أثني على الهلال التي خصت المتنبي بعددٍ هو في نظري أليق به من كل ما عمل له حتى الآن.

أما ابن السقاء فلينم مستريحًا مطمئنًّا فإنه الينبوع الخالد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠