العروبة موقف

١

لم يكَد هذا الكاتب يُجاوز عامه العشرين، حتى انغمس إلى قمة رأسه في بحر الحياة الثقافية كما يصطحب مُوجهًا من حوله. وكان من أبرز القضايا التي شغلَت الأقلام في مصر عندئذٍ، انتماء المصري لأي عهدٍ من تاريخه الطويل يعود؟ وفي تلك المعركة القلمية الساخنة، كان الصوتُ العالي الذي يملأ الأسماع هو القائلين بوجوب انتماء المصري من حيث الأساس، إلى العصر الفرعوني؛ ففضلًا عن كون هذا الانتماء حقيقةً تاريخية لا يجوز لها أن تُوضع بين الناس موضع «الرأي» الذي يقبلُه فريق ويرفُضه فريق، فهو انتماءٌ فيه من المجد ما يرتفع به عن مضمار التنافس مع سواه؛ فمن ذا الذي «يبيع سمسمًا مقشورًا بسمسمٍ غير مقشور»؟ «كما قال ابن المقفع» على أن أولئك الأعلام الذين دَعَوا يومئذٍ إلى الانتماء الفرعوني للمصري، لم يُريدوا — بالطبع — لتلك الدعوة المصرية أن تشمل الجانب الديني.

فهل كان في وُسْع ذلك الشاب أن يخرج من المعمعة بشيءٍ غير الذي جرت به أقدَرُ الأقلام؟ وهكذا كان، وهكذا دامت به الحال فترةً من الزمن لم تقِلَّ عن عَقدَين، لكنه خلال تلك الفترة كان يتحول من مرحلة الانفعال إلى مرحلة العقل، فلم يعُد أمره مقصورًا على أن يتلقَّى ما يكتبه له سواه، بل أضاف إلى ذلك جانبًا آخر يُشارك به في الرأي يكتبه لمن يقرأ، وهو تحوُّل من شأنه أن يصطحب شعورًا بالتبِعة العقلية يبثُّه في ضمير الكاتب؛ فأنت إذ تقرأ ما كتبه آخرون، فقد تقبل في صمتٍ وقد ترفض في صمتٍ فلا يُؤرِّق ضميرَكَ شيء. أما إذا كتبتَ ليقرأ آخرون، فها هنا تُحسُّ عند كل عبارة تخطُّها وازعَ الضمير يُراجعك ويُحاسبك، فتأخذ في نوعٍ من إمعان فكرك فيما تريد أن تُقدِّمه لقارئك، وتتساءل عند كلِّ كلمة: تُرى أهي الكلمة التي تُؤتَمن على حمل المعنى المراد نقلُه إلى الناس؟ وحصيلة هذه النقلة من موقف قارئٍ غير مسئول عما قرأ، إلى موقف كاتبٍ مسئول أمام ضميره عن صدقِ ما يكتبه ودقة معناه، أقول إن حصيلة ذلك هي إطالةُ النظر في الفكرة قبل عَرضِها، لا سيما إذا كان لها من الخطورة ما لفكرة «الانتماء» من خطورة.

أصحيحٌ ما دعا إليه أعلامنا في مصر خلال العشرينات — ولا أقول «العشرينيات» — وما بعدها بقليلٍ، من أن مسألة الانتماء المصري هي مسألةٌ تضع المصري بين ضدَّين، فهو إما إلى هذا الضد منهما وإما إلى ذلك؛ أي إنه إما يرتد بانتمائه إلى أصوله الفرعونية القديمة وإما أن يقف من ماضيه عند ولادة تاريخه العربي؟ اللهم لا؛ فذلك لا يختلف كثيرًا عن شجرة تسأل نفسها: أترجع أصولها إلى الجذور أم إلى الجذع والفروع؟ ومنذ تبيَّن لهذا الكاتب أن الأمر هو من الوضوح بحيث لا يحتمل مجرد السؤال، لم يعُد يساوره شك. على أن ذلك اليقين القاطع، لا ينفي أن يتطلَّب موضوع الانتماء تحليلاتٍ كثيرة تُوضِّح ما غمض منه. وهكذا فعلتُ في مناسباتٍ سابقة، وهكذا أفعل الآن؛ فلقد قرأتُ منذ قريبٍ لأكثر من كاتب يُعيدون النغمة القديمة على أوتارٍ جديدة، كأن يقولوا إننا إذا تحدَّثنا عن «التراث» فلا يكون المقصود هو ثقافة الصحراء، بل المقصود هو ما أبدَعه الوادي المزروع منذ فجر التاريخ. والذين يقولون ذلك فإنما يقولونَه بلغة الصحراء، يقولونه وكأن الأمر أمر اختيارٍ بين ضدَّين؛ فإما هذا الضد وإما ذلك الضد، ولا يَرونَ الحقيقة الجغرافية الناصعة وهي أن الوطن العربي الكبير إنما هو صحراءُ واحدة فسيحة الأرجاء تمتد من المحيط إلى الخليج — كما نقول — وتتخلَّلها «واحات» بعضها كبير وبعضها صغير، ووادي النيل هو واحةٌ كبرى في صحراء الوطن العربي، فإذا كانت حياة الزراعة فيه قد غَرسَت في أهله نزعاتٍ تتفق وحياة المزارع، فكذلك الصحراء المحيطة بهم قد تركَت بدورها نزعاتٍ بدوية؛ ومن هنا وجب الحذَر عند التعميم؛ فأخلاق المصري نسيجٌ متألف الخيوط بين زراعة وبداوة. وإذا لم يكن الأمر كذلك لما رأينا الفلاح المصري في القرى يستمع أحسن ما يستمع إليه في أوقات فراغه «قبل عصر التليفزيون» إلى قصة عنترة وقصة أبي زيد الهلالي وكلتاهما تعكس فروسية البدو. إن الوطن العربي هو ذلك الامتداد الصحراوي العظيم، الذي زُركِشَت حوافيه وأواسطه ببقاعٍ خضراء تكبر هنا وتصغُر هناك، وليست مصر استثناءً يشذ عن هذه الصورة. وإذا أفلتَت منَّا هذه الحقيقة الأساسية أفلَت منَّا بالتالي مصباحٌ كاشف يُنير لنا الطريق إلى فهمٍ صحيح لجوهر «الثقافة العربية».

إن الشبه جِدُّ قريبٍ بين الروائي الموهوب في اهتدائه إلى المحور المركزي الذي تدور حوله الشخصية التي يُريد تصويرها في روايته وبين رجل الثقافة في بحثه عن المحور الأساسي الذي تدور حوله ثقافةُ شعبٍ معيَّن؛ ففي كلتا الحالتَين يجد الباحث أمامه تفصيلاتٍ لا حصر لها؛ فحياة الفرد الواحد وأكثر منها حياة الشعب الواحد، أو الأمة الواحدة، خِضمٌّ هائل من الأحداث التي قد تبدو للوهلة الأولى متفرقاتٍ مبعثرة لا سبيل إلى جمعها في كيان عضويٍّ واحد. إلا أن الأديب الروائي الموهوب أو مؤرخ الثقافات المتمرس يستطيع أن يخترق تلك الكثرة من أحداث الحياة العملية وأوضاعها ليصل عند القاع إلى ذلك الينبوع المستتر، الذي منه انبعثَت تلك الكثرة من أحداث الحياة. وإذا وقع الأديب الروائي، أو مؤرخ الثقافة المعيَّنة، على ذلك الينبوع الخبيء كان بمثابةِ مَن وقَع على المفتاح الذي تنفتح به الأبواب المغلَقة، وعندئذٍ يظهر الفردُ المرادُ تصويره في رواية الأديب، ويظهر جوهر الحياة الثقافية التي يُراد تصوُّرُها وتصويرها.

فإذا صحَّ ما زعمناه من «صحراوية» في أساس الوطن العربي بأكمله — ممتدًّا من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي — كان لنا بذلك «مفتاح» الفهم لما نحن بصدده، وهو «الثقافة العربية» لا فرق في ذلك بين قديمها وحديثها. وهذا يتضمَّن — بالطبع — اعترافًا مُسبقًا منا، بأن هنالك واقعًا حقيقيًّا اسمه «الثقافة العربية» وأن التاريخ قد امتد بهذا الواقع الحقيقي منذ العصر الفُلاني في الماضي وإلى يومنا هذا. أما إذا زعم لنا زاعمٌ بأن مثل هذا الشيء لا وجود له في التاريخ، أو أنه كان موجودًا في الماضي ولم يعُد له اليوم وجود، فإنه يُصبح من العبث أن نمضي مع مثل هذا الزاعم المنكِر في الحديث.

الغرض الذي نبدأ به حديثنا — إذن — هو أن شيئًا اسمه «الثقافة العربية وثقافة مصر جزءٌ منها» كان موجودًا وما زال موجودًا، وكُل ما يُطلب منا إزاءه هو أن نُقدِّم «المفتاح» الذي نفتح به مغاليقه لنراه رؤية العين، والمفتاح الذي يُقدِّمه كاتب هذه السطور هو «صحراوية» الثقافة العربية. وأوَّل خطوةٍ نخطوها بعد هذه البداية المقترحة هي أن نأخذ في البحث عمَّا تُوحيه الصحراء لساكنها عن الكون وعن الإنسان وحياته وعما وراء الكون والإنسان. إذا أَحسَسنا أن التفسير لا يتم إلا إذا آمنَّا بأن هنالك «وراء» غير منظور فهل نقولُ قولًا عجبًا إذا قلنا إن أول ما تُوحي به الصحراء لساكنيها هو فكرة اللانهاية؟ إن بصر الرائي أينما توجَّه، وجد امتدادًا لا يعرف أين ينتهي، ولا كيف ينتهي، فإذا ما أقبل الليل واتجه البصرُ إلى السماء شهد أرتالَ النجوم التي تفوقُ العَد والإحصاء، فبأي المعاني تنطبع نفس الصحراوي وقلبه وعقله، وهو يشهد تلك اللامتناهيات مكانًا وزمانًا يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، إذا هي لم تنطبع بفكرة اللانهائي الذي يسرح فيه الخيال، ويغوص في أغواره الفكرُ المتأمل ليُبدِع ذلك الخيال وهذا الفكر ما يُبدعانه من معانٍ يَسوقُها المفكِّر ويَصوغُها الشاعر ويهتدي بها الفنان؟

وهنا قد يستوقفني قارئٌ ليصرخ في وجهي قائلًا: على رِسلِكَ يا أخانا؛ فقد شطحتَ بنا شطحًا يُضِل ولا يهدي. إن قوله هذا إذا صحَّ على ساكن الصحراء فكيف يصحُّ على ساكن الوادي الأخضر؟ إننا حتى لو أخذنا بما قدَّمتَه إلينا من أن الوديان المزروعة وفي مقدمتها وادي النيل إن هي إلا واحاتٌ كبرى في الجسم الصحراوي العظيم، فهذا لا ينفي عن الواحة أنها واحةٌ خضراء تختلف في طبيعتها وفيما تُوحي به إلى ساكنها، عن الصحراء ورمالها. ومثل هذا القائل يُشبِه من يجتزئ بقعةً من رقعة أرضٍ ليُنكِر عليها صلِاتِها بما يُجاورُها؛ فكأن ساكن البيت الذي يُطلُّ على بحر أو على صحراء لا يتأثر بهواء البحر أو برمال الصحراء. إن الخط الرفيع الذي يفصل وادي مصر عن صحرائها هو نفسه الذي أظهر للمصري شدة الصلة بين الحياة الدنيا وحياة الخُلد. لقد رأى المصري كيف يمكن أن يضع إحدى قدمَيه في أرضه المزروعة، وأن يضع الأخرى على أرض الصحراء؛ ليعلم علم اليقين أن النقلة من دار الحياة العابرة إلى دار الحياة السرمدية مداها خطوةٌ قصيرة، فكان للمصري ما كان في حياته الثقافية، من دين ومن أدب وفن، مما أقامه على تلك العُروة الوُثقى التي تصل الدارَين.

ومن هذا الانطباع الأول عن «اللامتناهي» تولَّدَت عند «الصحراوي» نتائجُ تشكَّلَت بها وجهة النظر العربية كان من أهمها وأعمقها أثرًا، فكرة العربي عن ديمومة «المبادئ» وثباتها. وأهم تلك المبادئ الثابتة الدائمة التي لا يجوز لها أن تتغير مهما تغيَّرتٍ ظروف التاريخ، مبادئ الأخلاق. وهنا تجب علينا وقفةٌ شارحة؛ فالإنسان في حياته العملية لا بد له من قواعدَ عامةٍ يستعين بها على معرفة الطرق المأمونة للسلوك، لا فرق في ذلك بين إنسان العصر الحجري وإنسان الكمبيوتر والصعود إلى القمر، وتلك القواعد العامة الهادية إلى صور السلوك المأمونة من سوء العواقب هي ما يُسمُّونها ﺑ «مبادئ الأخلاق»، وما دام أمرها كذلك فإن الدنيا لم تعرف مجتمعًا بشريًّا بغير أخلاق، لكن اختلاف جماعةٍ من الناس عن جماعة، فيما يختصُّ بوجهة النظر إلى تلك القواعد الأخلاقية يُمكِّنهم في تصور كلٍّ منهما لحقيقة تلك القواعد ماذا تكون، وفي مصدرها الذي جاءت منه. أما هذا المصدر فقد تتصوره جماعة بأنه ما دلت عليه الخبرة البشرية فيما مضى من التمييز بين سلوكٍ يضرُّ وسلوكٍ ينفع، وعن طريق هذه الخبرة تجمَّعَت مجموعةٌ من الصور السلوكية التي ثبَتَ نفعها وسلامتها من سوء النتائج، فكانت هذه المجموعة هي «مبادئ الأخلاق». وهكذا كان للجماعات المختلفة وجهاتُ نظرٍ مختلفة عن المصدر الذي نبعَث منه تلك المبادئ، يهمنا منها وجهة النظر «الصحراوية» — أو قل «العربية» — وهي أن مصدر تلك المبادئ الأخلاقية إنما هي ذلك «اللامتناهي» الذي رسخَت صورته في القلوب، ثم تأيَّدت تلك الصور وازدادت رسوخًا عندما نزل بها وحيٌ من رب العالمين إلى الأنبياء والرسل لينشروها في الناس، حتى أصبحت الصور السلوكية المطلوبة لا تستند في صوابها على نفعها. نعم إنها بالفعل نافعةٌ، لكن الذي يجعلها «مبادئ» هو أن نزل بها وحيٌ من الله سبحانه وتعالى. وإنه لتنتج لنا نتيجةٌ بالغة الأهمية عن هذا الموقف، وهي أن «مبادئ الأخلاق» لا تتبدَّل ولا تزول، في حين أن من اقتصر على جانب المنفعة في رؤيته للأخلاق مستعدٌّ لاستبدال مبدأٍ بمبدأٍ آخر إذا أثبتَت له خبرة الحياة أن الصورة السلوكية القائمة لم تعُد تصلح، فالعربي — إذن — متميزٌ بجانبَين؛ فهو أولًا يجعل مصدر الأخلاق وحيًا، وهو ثانيًا يجعل مبادئها ثابتةً لا تتحوَّل ولا تتبدَّل. حتى إذا خُيل للإنسان أن مبدأً معينًا منها لم يعُد يؤدِّي بالناس إلى منفعة ظاهرة، قال العربي إن الله أعلم من الإنسان بما ينفع وما يضر. وغنيٌّ عن البيان أن نشير إلى الملاءمة الوثيقة عند العربي بين انطباعه باللانهائي من الكون الذي يحيط به، وبين ما يَهْديه إليه الوحي الديني من وجوب المبادئ الأخلاقية وجوبًا لا يتغير بتغيُّر الأحداث.

وعند هذه النقطة نختصر حديثنا في «المصري» موغلين به فيما قبل الفتح العربي الإسلامي، فماذا نجد في تاريخه الأسبق عن الرؤية الأخلاقية؟ أنراه من الجماعة التي أقامت مبادئها الأخلاقية على خبرة الحياة الماضية في هذه الدنيا؟ أم نراه من الجماعة التي تستمد رؤيتها الأخلاقية من انطباعها باللامتناهي، ومن اعتقادها — بالتالي — في خلود الحياة الآخرة؟ أظن أن الجواب واضحٌ ليس فقط لمن «درس» التاريخ المصري القديم، بل هو واضحٌ كذلك لمن «يُحس» بروح ذلك التاريخ، فالعامل المصري القديم يعمل والفنان المصري القديم يُبدع والمحارب المصري القديم يُحارب، والوالد المصري القديم ينصح ولده، لا بما يتبدل خلال الحياة الدنيا من نفعٍ أو ضرر، بل بما يُرضي رب الخليقة يوم أن يكون حساب. وإننا لنرى على جدران المعابد المصرية القديمة صورة «الميزان» الذي سوف يُوزن به الأعمال يوم الحساب، فها هي الرؤية «الصحراوية» للأخلاق لم يُغيِّر منها أن يكون في قلب الصحراء المصرية وادٍ مزروع.

المثل الأعلى عند العربي — إذن — هو ثبات «المبادئ» التي على أساسها يُحكم على سلوك الإنسان بالاستقامة أو الانحراف، وهو ثبات مستمدٌّ من الحقيقة الكونية كما ينطبع بها ساكن الصحراء، ثم جاءت الرسالات السماوية لتؤكِّده. وأودُّ هنا أن أُعيد القول مرةً أخرى، دفعًا للخلط الذي كثيرًا ما يقع في ظنون الناس، بأن القيم الأخلاقية ذاتها لا يكاد يختلف عليها شعبٌ مع شعب، لكن الاختلاف إنما يظهر عند عملية التنظير، فنسأل أولًا عن مصدر القيم لنعلم من أين جاءت؟ وثانيًا نسأل عن تلك القيم أيجوز لها أن تتغير مدلولاتها مع تغيُّر الظروف؟ وموقف العربي في ذلك هو أن تلك القيم هي التي تحكُم المتغيِّرات ولكنها لا تتغير معها، وأن مصدرها وحيُ السماء من ناحية، وما يتركه المشهد الكوني عند الإنسان من أثَرٍ ينطبع به.

ولعل سؤالًا يَعِن للقارئ فيقول: كيف نَزعُم أن القيم الأخلاقية مشتركةٌ بين سائر الجماعات الإنسانية — أو قل إنها تكاد تكون كذلك — ثم نُقرِّر في الوقت نفسه بأن جماعةً من الناس قد تقبل تغيير المبادئ الأخلاقية إذا استوجَبَت الظروف المتغيرة ذلك التغيير، وأن جماعةً أخرى ترفض قابليةَ تلك المبادئ لمثل ذلك التغيير؟ والجواب الذي يُزيل قسطًا كبيرًا من هذه المفارقة هو أن «أسماء» القيم الأخلاقية لا اختلاف عليها؛ فليس هنالك على وجه الأرض من يُوصي — عن مبدأ — بالخيانة والقتل، والسرقة، والأنانية … إلخ؛ فالكل مُجمِعٌ على وجوب الأمانة، وحق الحياة وحق الملكية والتعاون … إلخ. لكن هذه الأسماء — لحسن الحظ — ليست مُحدَّدة المعاني تحديدًا كالذي نجده في المصطلحات الرياضية، المثلث والمربع والدائرة. ولقد كانت هذه المسألة نفسها هي ما تعرَّض له سقراط؛ إذ جاء ليرفع في عالم الفكر لواءَ «ترييض» الأخلاق؛ أي أن تُحدَّد مفاهيم الأخلاق على نحوِ ما تُحدَّد مفاهيم الرياضة حتى لا يتعرض الناس لفوضى الفهم؛ وبالتالي يتعرضون لفوضى السلوك. وأحسب أن المسألة ما زالت تُغري بالتعرُّض لها، وأما من الوجهة العملية فالضرورة تقضي بمرونة المعنى لأنه لا أمل في دقة رياضيةٍ لهذه الأسماء القيمية. خذ — مثلًا — حق الملكية؛ فإذا أقرَرْنا هذا الحق للإنسان فهل يجوز لرجلٍ واحد — تبعًا لذلك — أن يُتركَ ليملك العالم إذا أُوتي القدرة على ذلك، أو أن هناك إدراكًا فطريًّا عند الإنسان يُوجِب وضع الحدود والقيود؟ وإذا أنكرنا حق الملكية على الأفراد — كما تتصور الشيوعية — فهل تصل بهذه الأفكار حدًّا يحرم الفرد من ملكية ثيابه؟ أو أن هنالك إدراكًا فطريًّا عند الإنسان يُوجِب أن يُتركَ للفرد حدٌّ أدنى من أشياءَ يتملكها؟ وهكذا قل في شتى القيم من حيث ثباتها وتغيرها، فلا الذي يؤمن بوجوب ثباتها «كما هي الحال بالنسبة إلى الرؤية العربية» يريد بذلك الثبات أن يُؤخذ على إطلاقه كما نفعل مع مفاهيم الرياضة، ولا الذي لا يمانع في تغيير المبادئ الأخلاقية إذا تغيَّرت الظروف بحيث لم تعُد تلك المبادئ صالحةً لها، يريد بذلك أن تُمحى «القيم» محوًا، بل يريد أن تُفهم على أُسسٍ تزيد من مرونتها حتى تتلاءم مع الأوضاع الحضارية المستحدَثة.

ومثل هذا الثبات الذي تزيد فيه الدرجة أو تقل مع ظروف الواقع هو الذي نعنيه حين نجعلُه صورةً مثلى أمام العربي. وإننا لنضغط هنا على عبارة «صورة مثلى» لأن القارئ قد ينظُر إلى واقع الحياة العربية، فيرى حياة العربي — على وجه الإجمال — بعيدة بُعدًا شديدًا من ذلك المثل الأعلى. لكن ثقافات الشعوب إنما تُقاس بأهدافها، وليس بواقعها في مراحل ضعفها، كالرجل القوي تُصيبه علَّة فتُلزِمه الفراش حتى يُشفى، فلا تزول عنه صفة «القوة» تأسيسًا على فترة مرضه.

ولا نريد أن نترك هذه الخاصة الخلقية من خواص الرؤية العربية دون أن نُثبِت حقيقةً لغوية تلفِت النظر عند من يُمعن النظر في اللغة العربية؛ فعندئذٍ يجد في الأسماء الدالة على علاقاتٍ اجتماعية، بُعدًا خلقيًّا كامنًا في صميم معناها، مما يدل على عمق النظرة الخلقية عند العربي؛ فكلمة «صديق» تقيم في صلب حروفها صفة «الصدق» كأنما يُراد القول بأن «الصدق» شرطٌ أساسي للصداقة، وكلمة «جار» تحمل في صلب مبناها أن «يجير» الجار جاره إذا استجار، وإلا بطل معناها، وكلمة «صهر» تحمل في معناها صفة «الانصهار» فإذا لم يكن هناك قابليةٌ أن تَنصهِر الأسرتان عند الزواج — أعني أسرة الزوج وأسرة الزوجة — كان ذلك معناه امتناع التكافؤ، وكلمة «مرء» تقضي بحكم حروفها أن تكون «المروءة» صفة للإنسان، وكلمة «أمة» تشارك بحروفها كلمة «أم» مما يقضي أن تكون الروابط بين أبناء الأمة الواحدة هي نفسها روابط الرحم وهكذا وهكذا.

هذا الذي أسلفناه عن الوقفة الأخلاقية عند العربي، والتي هي مستوحاة في المقام الأول من روح «الصحراء» في لا نهائيتها البادية وفي ثباتها النسبي، إنما يُبيِّن للقارئ جانبًا واحدًا من جوانب «العروبة» كما ينبغي أن تعيها؛ فالعروبة في جوهرها «موقف» من الكون ومن الحياة، يتميز مما عداه من مواقفَ تقفها الثقافاتُ الأخرى. لسنا بذلك نريد أن نُفاضِل بين ثقافة، وثقافة، ولكنَّنا نُميِّز ثقافة عما عداها؛ فليست العروبة دالةً على عرقٍ معيَّن، بل هي اسم يُشار به إلى مركَّبٍ ثقافي معيَّن من شأنه أن يُهيِّئ لمن يتشرَّبه ويعيش تحت مظلَّته «موقفًا» يستلهمه عند ردود الفعل، كلما صادفه على طريق الحياة العملية حدَثٌ مثير. وننتقل إلى جانبٍ آخر من جوانب ذلك الموقف العربي، وهو «الذوق» الفني، وسنرى أن العربي قد استَوحَى من الصحراء قيمه الجمالية في دنيا الفن، على نحوِ ما استَوحَى قيمه الأخلاقية كما رأينا؛ فلا يزال «المفتاح» هو نفسه المفتاح، وأعني انطباع ساكن الصحراء باللانهائية وبالثبات النسبي، فكيف ترى أن يُصاغ «الذوق» الفني نتيجةً لهذا الانطباع؟ إن أول ما يقفز إلى الخاطر قفزًا جوابًا عن هذا السؤال هو أن يكون مدار الإبداع الفني «صورة مجردة» قبل أن تنصَبَّ العناية على تحليل الأفراد؛ ومن هنا جاء الأدب العربي القديم أبعدَ ما يكون الأدب عن فن الرواية أو فن المسرحية كما عرفهما الغرب، وعَرفناه نحن حديثًا عن الغرب، ولا عجب إن رفض العرب ترجمة الأدب اليوناني القديم بمسرحياته وملاحمه — عندما ترجموا كل ما عداه من فلسفةٍ وعلم. لقد كان المرحوم توفيق الحكيم في مقدمته المستفيضة التي قدَّم بها مسرحية «أوديب» قد طرح هذا السؤال: لماذا لم ينتج العربي أدب المسرح؟ ثم حاول الجواب وعرض عدة إجاباتٍ ممكنة، لكنه نقدَها جميعًا ليستقر هو على ما ظنه الجواب الصحيح؛ وهو أن العربي بدويٌّ يرتحل من منتجع للكلأ إلى منتجعٍ، فلا تمكِّنه حياته تلك من القرار في مدينة ولا مسرح إلا حيث الحياةُ مستقرة في مكان. وحدث لكاتب هذه السطور أن قرأ تلك المقدمة عند ظهورها ونشَر ردًّا عليها يذكُر منه الآن أن الاستقرار في مدن قد توافَر للعربي طوال العصر الإسلامي؛ في بغداد، ودمشق، والقاهرة وغيرها من العواصم الكبرى، فلماذا لم ينشأ المسرح عندما توافَرتْ له الظروف المستقرة؟ وأما التعليل الصحيح في ظن كاتب هذه السطور فهو أن العربي — عن مبدأ — يتعلق بالكلي المجرد أكثر جدًّا مما يتعلق ﺑ «الأفراد» والمسرح، «وكذلك الرواية» بضاعتها أفراد من الناس يتفاعلون فتظهر لكلٍّ منهم شخصيته المتفردة بخصائصها خلال ذلك التفاعل.

ولا شك أن معظم الطاقة الفنية عند العرب الأولين، قد انصبَّ على الشعر. إذن فلنمعن النظر إلى فن الشعر العربي لنلمَح أخصَّ خصائصِ الإبداع عند الفنان العربي، فأما من حيث الشكل فأوَّل ما يستوقف السمع — بالطبع — تكرارًا نمطيًّا لتفعيلاتٍ بينها مع تكرار قافيةٍ واحدة، فما الذي أوحى للعربي بهذه الصورة في إبداعه؟ أوحى بها إليه ما قد انطبع به من الواقع الكوني الذي يحيط به، وأعني طبيعة الصحراء في لا نهائيتها البادية، وفي ثباتها الظاهر. إن القصيدة العربية تعرف كيف تبدأ ولا تعرف كيف تنتهي، تمامًا كما يُدير الإنسان بصره في أرض الصحراء وفي سمائها؛ فليس هنالك الجبل الذي يصُد سَرحة البصر ولا الجدار الذي يحبسها. إن تلك السرحة تبدأ جَوَلانها من نقطةٍ معينة ولا يوقفها إلا ضرورات الشاعر نفسه، كأن يمل السير أو أن يضعُف دون المضي فيه، أو أن الزمن يعاجله، إلى القارئ الذي يُكرِّر قافية القصيدة بيتًا منها بعد بيتٍ عندما يصل إلى القافية الأخيرة في البيت الأخير، لا يُحس عندئذٍ بأن انتهاء رحلته قد فرضَتْها الضرورة، بل يُحس إحساسَ من وقف أثناء رحلته ليستريح ثم يستأنف الحركة إذا وجد ما يُسعِفه. ألست ترى في هذه الحقيقة الفنية في الشعر العربي — إذا كنتُ قد أصبتُ في تصويرها — انعكاسًا لطبيعة الصحراء عند من يُدير البصَر في فسيح آفاقها.

أتظن أن الشاعر العربي إذا وصف ناقته أو جواده، وإذا تغزَّل في عبلة أو في ليلى، كان يريد حقًّا أن يصف الكائن المفرد المعيَّن الذي يعنيه؟ لا، ليس هذا ما يظنه هذا الكاتب على الأقل، بل إن الشاعر العربي في كل حالاته تلك إنمَّا يصف ما يراه المثل الأعلى للجواد أو للناقة أو للمرأة؛ لأنه في عُمق أعماقه متعلقٌ بالمثال المجرد، لا بالمثل الجزئي مما يرى على الأرض؛ وذلك استلهامًا لديمومة الحقيقة الصحراوية التي تحيط به، فهو مؤمنٌ في حياته الفنية، كما هو مؤمن في حياته الدينية بأن «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك» فلماذا يحصر فنه الشعري — وغير الشعري — في زيد كما يحيا أو في عمرو كما يعيش؟ إنه يتكئ على هذا الفرد أو ذاك، على هذا الطلل أو ذاك، على هذه الواقعة الجزئية أو تلك لينفُذ منها إلى ما هو أقربُ إلى المثال الأفلاطوني في الموضوع الذي يعالجه. تلك هي «العروبة» في خصائصها، والعربي هو من تجسَّدَت فيه تلك الخصائص.

٢

ختمنا حديثنا السابق بلمحةٍ سريعة عن الشعر العربي، وكيف تجيء نمطيةُ أوزانه وقوافيه انعكاسًا لروح الصحراء كما ينطبع بها ساكنوها، وذلك من حيث الشكل. وأما المحتوى الوجداني فهو كذلك يأتي وكأنه الصدى للَّانهائية والدوام، اللذَين يراهما ويُحسهما ساكن الصحراء في الحقيقة الكونية التي تحيط به، فالفلاة اليوم هي الفلاة بالأمس، وكثبان الرمال هي الكثبان، ونجوم السماء والشمس والقمر، هي النجوم والشمس والقمر، كل شيء مسطور أمام العين في وضوح؛ فقلما تغيم السماء لتحجُب الرؤية، وقلَّما يُشبع الهواء برطوبة تتغير بها ملامح الأشياء؛ ومن هنا كان تعلُّق الشاعر بالمثال لا بالمثل؛ فالكائن الجزئي المفرد، كهذا الجواد، وهذه الناقة، وهذه الحسناء، لا يقف الشاعر عند فرديتها وخصوصيتها، بل ينفذ منها إلى ما يكون عليه مثلها الأعلى كما يتصوره خياله؛ فالأفراد يجيئون ويذهبون، يُولَدون ويموتون، وأما المثال الكامن وراءها فثابتٌ دائمٌ لا يتحول ولا يزول، فقد أصاب من قال عن إيوان كسرى الذي وصفه البحتري في قصيدته السينية، قد بقي على الدهر من حيث هو شعرٌ في ديوان، لكنه سرعان ما زال من حيث هو قصر وإيوان. ربما قيل هذا عن كل شعر وكل فنٍّ، في المقارنة بالأشياء التي دار حولها ذلك الشعر وهذا الفن، لكنه في ظن هذا الكاتب، يتمثَّل في الشعر العربي أكثر مما يتمثل في سواه، وذلك للسبب الذي ذكرناه، وهو أن الشاعر العربي — عن مبدأٍ وفطرة — يتجه بخياله نحو «المثال» خلال «المثَل»، وتلك هي خصيصةٌ من خصائص العروبة؛ فهكذا تُوحي الصحراء لأبنائها، والصحراء هي مسرح العربي أينما كان، فيما تمتد به الرقعة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي.

ولم تقتصر هذه الخاصَّة العربية على الشعر، بل جاوزَتْه لتشمل ضروب الفن رسمًا وزخرفة. وانظر إلى الرسوم على السجاد، أو حيثما جاءت، تجد الفنان يكتفي مما يُصوِّره — طائرًا، أو غزالة أو شجرة — بالخطوط الهيكلية التي تُحدِّد الإطار، وقلما يُعنى بتفصيلة من تفصيلات الجسم، وذلك لأنه يحاول أن يستصفي من الشيء «فكرته» أو «روحه»؛ لأنها هي التي يكتب لها الدوام، فكأن الفنان العربي قد أراد أن يرسم «النوع» وليس فردًا من أفراده، و«النوع» ذو ثباتٍ ودوام، وأما أفراده فإلى زوال. ولنلحظ في هذه المناسبة، أن ذلك هو الفرق دائمًا بين دنيا الكائنات الجزئية كما تقع على حواسنا، وعالم «الأفكار» كما يرتسم في رءوس العلماء؛ فالعلماء يَحيَون مع جمهور الناس في دنيا الأشياء، يبيعونها ويشترونها، ويأكلونها ويلبسونها، ويرونها بالأعين ويمسُّونها بالأيدي، لكنهم — دون جمهور الناس — يستخلصون من تلك الأشياء ما قد جسَّدَته من أفكار، ليجعلوا هذه الأفكار بعد ذلك موضوع اهتمامهم، يُخرجون منها القوانين العلمية التي بفضلها يمكن للإنسان بعد ذلك أن يرتدَّ إلى دنيا الأشياء فيُلجِمها ويُسخِّرها لخدمة أهدافه.

وشيء كهذا يحدث أيضًا في الإبداع الفني؛ فالفنان — مهما يكن وسيطه الفني صوتًا أو لونًا أو كلمة — هو أيضًا يعيش مع جمهور الناس في دنيا الأشياء، لكنه — دون جمهور الناس — يستخلص من تلك الأشياء سِرَّها الذي هو جوهر حقيقتها، ثم يعود فيُجسِّد ذلك السر فيما يُبدِعه من ألوان الفن. وإنه لفي مقدور المدرِّب المتمرِّس، أن يسمع معزوفةً موسيقية، فيقول: هذه موسيقى عربية، أو أن يرى صورةً فنية فيقول: هذا فن عربي، أو أيًّا ما كان انتماؤه، وكذلك قل في سائر الفنون، لماذا؟ لأن الفنان الأصيل يتشرب حياة أُمته حتى لكأنَّها تجري في دمائه، ثم تُلهِمه الموهبة الفنية شكلًا ما، ليبُثَّ فيه ما كان قد تشرَّبه وتمثَّله. وهكذا يكون الفرق بين الحياة وهي «مُعاشة» والحياة وهي مُقامة في مبدعات الفن والأدب. ولكم عجب هذا الكاتب من رجال نضعُهم في حياتنا الثقافية في مكان الريادة، يخلِطون بين هذين الظرفَين؛ الحياة كما يعيشها الناس من جهة، والحياة كما يعرضها الإبداع الفني والأدب من جهةٍ أخرى. ويظهر هذا الخلط أكثر ما يظهر عندما يدور الحديث حول «الثقافة» ومعناها، وعندئذِ قد يُصادفك من يقول — وكأنه قد اكتشف قارةً جديدة — إن الثقافة هي مجموعُ ما يعيش به الناس من طعام، وثياب، ومسكن، وطريقةِ حكم وطريقةِ بناء الأُسرة، وعقيدةٍ دينية إلى آخر هذه المُكوِّنات التي تتجسَّد في حياة الناس العملية، أما الفنون والآداب والفكر فأمورٌ قد تهمُّ قلة قليلة، لكنها في عُزلةٍ عن الحقيقة المعاشة. والذي يفوت هؤلاء — هو كما ترى — الفرقُ بين الجانبَين؛ فهذه هي حياةٌ كما يعيشها الناس من جهة وبين هؤلاء الناس أصحابِ موهبة في فن أو أدب، ثم تلك هي — من جهةٍ ثانية — انعكاساتُ الحياة المعاشة في مبدعاتٍ لا تشبه في ظاهرها ما هو مُعاش بالفعل، لكنها تخليص لسرها وجوهر حقيقتها. ويعتقد هذا الكاتب أننا لو أدركنا في وضوحٍ ذلك الفرقَ بين الطرفَين لتقلَّصَت إلى حدٍّ كبيرٍ دعوى الدعاة إلى «ثقافة جماهيرية» إذ ماذا يكون معناها، اللهم إلا في دنيا الكلمة؟ افرض أن بين أيدينا مجموعة مما أبدعه كبار رجال الفن والأدب عندنا؛ قطعة موسيقية لعبد الوهاب، ورواية لنجيب محفوظ، ولوحات لصلاح طاهر … فقل لي بالله كيف أبسط هذه المبدعاتِ لتُصبح ثقافةً جماهيرية؟ إن كل ما يُطلب منا عندئذٍ هو أن نُبيِّن للجماهير كيف ترى حياتها التي تحياها مُكثفةً ومُبلورةً في تلك المعزوفة، أو الرواية أو اللوحة.

ولم يشذ الفنان العربي عن دستور أي فنان وكل فنان، فكان أن استخلص في فنه روح الحياة العربية، فإذا أردنا — إذن — أن نرى «العروبة» في جوهرها وصميمها، فلنُمعن الفكر في مبدعات الفن العربي، وسوف تمثل أمامنا عندئذٍ صفة تميز العربي في رؤيته للكون والحياة، فإذا كان العربي قد انطبع من محيطه الكوني بفكرة اللامتناهي والثابت والدائم، فماذا يكون الفن الذي يُوضِّح هذه الرؤية، إذا لم يكن هو الفن الذي يستخدم أسلوب «التجريد» إلى أقصى درجاته، وأقصى درجاته هي الأشكال الهندسية من مثلثات ومربعات ودوائر وما إليها؟ وهكذا كان، فالزخارف الفنية في الفن العربي سواءٌ أكانت على جدران المساجد والمساكن، أم كانت نقوشًا على خزف أو خشب، أو نُحاس تُقام في معظمها على أسسٍ هندسية، فنُعيد هنا ما قلناه عن تصاوير الطيور والغزلان والنبات عند الفنان العربي، أنه قد استهدف «الفكرة» الكامنة في الشيء ولم يستهدف جسده المادي، أو هو بعبارةٍ أخرى قد بحث عن الثابت وراء المتغير وبحث عن الدائم الذي يُسقِط من حسابه ما يزول ويفنى. وتلك هي «العروبة»، وذلك هو موقفها من الحياة وأحداثها.

إن رؤية العربي لحقائق الوجود من حوله، تجنح به نحو التجريد الذي أشرنا إليه، تجريدًا يُزيل به القشور العارضة في سبيل الوصول إلى اللُّبِّ والصميم، وهو تجريدٌ قد يبلُغ به — كما رأينا — حدَّ التجريد الهندسي في إبداعه الفني؟ وإنَّ شيئًا يُوحي بتلك النزعة الهندسية، يستوقف أسماعنا في العبارة العربية البليغة؛ فها هنا يجد قارئ الأدب العربي نفسه وكأنهما هو إزاء أنغام من معزوفةٍ موسيقية أُحكم بناؤها حتى لينسى أنه أمام «كلمات» من اللغة جاءت لتحمل إليه مضمونًا ذا «معنًى». ولقد يُساء استخدام هذا الجانب المنغوم في تركيب العبارة العربية إساءةً تجعل الكاتب يرصُّ نغماتٍ تُطرِب السمع وتخلو من المعنى. لكننا نتحدَّث هنا عن البلاغة العربية على أيدي أربابها الذين يعرفون كيف يُرسِلون جواهر المعاني على أجنحة النغم. وما أكثر ما يختلط الأمر بين الحالتَين عند العاجزين فتجري أقلامهم بلفظٍ منغوم ثم لا معنى! وقد يحدُث الخلط عند آخرين على صورةٍ أخرى حين يخدعُهم وهمٌ بأنه إذا أراد الكاتب «معنًى» فلن يحمل له ذلك المعنى إلا لفظٌ منفر قبيح. بيد أن الفرق بين الحالتَين؛ حالة اللفظ المنغوم المثقل بالمعنى، وحالة اللفظ المنغوم الأجوف، هو كالفرق بين إنسانٍ قوي فتي، وإنسانٍ هزيل كسيح؛ فهما متساويان في ظاهر الأعضاء، وأما «الحياة» الكامنة في تلك الأعضاء فشتَّان ما بين صحة ومرض.

تلك ملاحظةٌ عابرة حتى لا نخلط في الظاهرة الواحدة بين قوة وضعف. ونعود إلى ما كنا بصدد الحديث عنه، وهو أن المزاج الفني عند العربي يميل به إلى التجريد، وعلَّة ذلك أن الفكرة أو الصورة المجردة أبقى على الدهر من المفردات الجزئية العينية. والتجريد بدوره إذا ما بلغ حده الأقصى، أو ما يدنو به من حده الأقصى، كان في صورةٍ رياضيةٍ أو ما يشبهها. وإن هذا الكاتب ليزعُم بأن بلاغة العبارة العربية كثيرًا جدًّا ما تقتضي ضربًا من النظم الموسيقي، — سواءً أكان ذلك النظم المنغوم ظاهرًا أم مستترًا — وأذكر في هذا السياق يومًا بعيدًا بعيدًا كنتُ فيه مع صديقٍ نقرأ صفحةً من كتاب للدكتور طه حسين، «وقد نسيتُ ما هو»، فلفَت سمعَنا نغمٌ في العبارات المتتابعة كالموج الهادئ، فأعدنا القراءة وكأنما نطقَت شفاهنا في لحظةٍ واحدة فرحة، لنقول إنها أسطر سُبِكَت كل كلماتها في التفعيلات من عروض الشعر العربي. ولم يكن الكاتب — بالطبع — قد قصد عامدًا أن يُجري كلماته في تلك التفعيلات، ولكن القلم البليغ يسيل بسبائك اللفظ كما تسيل الأوتار بأنغامها.

وقد ترجَّح عند الأديب العربي أو الفنان العربي، تلك النزعة «الهندسية» حتى لتُجاوز حدودها فيطغى القالب على حشوه، كما هي الحال (في رأي هذا الكاتب) في أدب «المقامات» وكما هي الحال أيضًا في كتاب «الفصول والغايات» لأبي العلاء المعري. على أن «المقامات» والفصول والغايات فيها قوةٌ زادت عن حدِّها حتى أصبحَت كعضلات المصارعين أو حَمَلة الأثقال في عالم الرياضة البدنية. لكن تضخُّم النزعة الهندسية في الكتابة الأدبية قد يجيء على صورة المريض بالورَم أو بالبدانة المترهِّلة، كما قد حدث عند أصحاب النثر المسجوع في فترات الركاكة والضعف.

ونزوع العربي نحو التجريد في فكرة وأدبه وفنه، قد أدى به إلى ميلٍ شديد نحو تكثيف المعنى الكبير في أقصر عبارةٍ ممكنة. ومن هذا التكثيف نشأَت عنده الأقوال الحِكْمية التي يسهُل حفظُها ويكثُر دورانُها على الألسنة في أحاديث الناس العابرة. والشعر العربي مليءٌ بالأبيات التي تحمل الحِكْمة منظومةً، فتزدادُ سهولة حفظها وكثرة دورانها فضلًا عن جمال لفظها. وقد يُضاف هنا — إذا أردنا تعليل هذه الظاهرة — أقول قد يُضاف إلى نزعة التجريد الهندسي كثرة التجوال في حياة العربي قبل أن يستقرَّ في مدن، كأنما أراد أن يضع خبرته في أقراصٍ صغيرة ليسهُل حملها في ترحاله المتصل. ولقد قرأت لابن جني في كتابه «الخصائص» تعليقًا يلفِت النظر يقول فيه إن آيات القرآن الكريم إذا وجَّهَت الخطاب إلى العرب أوجزَت العبارة في لفظٍ قليل، وأما إذا وجَّهَت الخطاب إلى بني إسرائيل، فهي تُطيل. وإذا صحَّ هذا التعليق، كان مؤيدًا لما ذكرناه عن المزاج العربي في صياغته لفكره وأدبه وفنه.

اللغة هي نفوس أصحابها وقلوبهم، وعقولهم جميعًا، هي مرآة حياتهم في ظاهرها وفي باطنها معًا. إنه لولا اللغة لاندرج الإنسان مع الحيوان الأعجم في عالم البُكْم. وإذا لم تكن للإنسان لغته فماذا يكشف عن حقيقته حيًّا ناطقًا عاقلًا عالمًا شاعرًا؟ إنها هي حياة الفرد موصولًا بسائر الأفراد في يومه، وهي حياته موصولًا بأسلافه في تاريخٍ واحد، وهي حياته موصولًا بأبنائه وأبناء أبنائه إلى ما شاء الله للأمة أن يمتد بها تاريخ. إلا أن الكون ليُصبح كله كتلةً حين الصمت لولا كلمتان؛ كلمة الله جل وعلا، وكلمة الإنسان. إن الكلمة إذ تَشرُف وتَسمو تصنع القديس والعالم والشاعر والفيلسوف، وهي إذ تسفُل بفُحشها تصنع الفُجَّار. لقد بدأَت الإنسانية بآدم عليه السلام، وبدأ آدم بأسماء الكائنات علَّمه إيَّاها ربُّه ليملك بها زمام مسمياتها؛ فالعلم بالاسم هو في الأساس علم بطبيعة مسمَّاه. وإذا عرف الإنسان طبيعة شيء فقد عَرفَ كيف يتحكَّم فيه ويُسخِّره؛ ومن هنا كانت للغة البشرية قُوَّتُها وسُلطانُها.

والحديث عن اللغة وصلتها بأصحابها روحًا وعقلًا وقلبًا ووجودًا وعدمًا، حديثٌ يطول، فماذا — إذن — يمكن أن يُخرج الناطق بالعربية عن عروبته؟ إن اللغة العربية — كأية لغةٍ أخرى ولا سيما اللغات التي صَحِبَتها حضارات — ليست عند من يَحْيَونها علمًا وفكرًا وأدبًا، مجرد أصواتٍ تلغو بها الألسنة والشفاه نسمعها كما نسمع خَشْخشة الحصى أو كما نسمع زَقْزقة العصافير، بل هي أنفسٌ وقلوب وعقول تحوَّلَت باللغة من باطن إلى ظاهر، فإذا قرأتَ علمًا فأنت إنما تُطالع «عقلًا» توقَّد في دماغ صاحبه، وقد سلك نفسه في لغة لتراه. وإذا قرأتَ شعرًا، فإنما هذا الذي تقرؤه هو «قلب» الشاعر وقد وضع نبضاته في كلمات لتسمعها. وماذا تكون «العروبة» إذا لم تكن ضروبًا من فكرٍ ومن وجدانٍ تجلَّت بعد خفائها في صدور أصحابها، تجلَّت في رموزٍ لغوية خُلِقَت لتَحمِلها ولتَعرِضها على الأبصار والأسماع؟ وفي اللغة العربية — عند تحليلها — صفاتٌ تفرَّعَت عن جذعٍ واحد، وهي ما تُوحي به الصحراء لساكنيها، ليس فقط في اشتقاق أُسرةٍ كبيرة من المفردات تشتق كلها من أصلٍ ثلاثي واحد. تمامًا كما تتكوَّن في المجتمع الصحراوي عشائرُ وقبائلُ تلتقي كلها عند جَدٍّ واحد، بل إن الأثَر الصحراوي في اللغة العربية لَيَظهَر كذلك فيما قد أسلفنا ذِكْره من نزوعٍ نحو هندسةٍ في بناء الجملة، عندما يرتفع الكلام إلى ذروة الفن الأدبي يشِفُّ لنا آخر الأمر عن إيقاعٍ يتضمن شيئًا يُشبِه الأشكال الهندسية، أو المعادلات الرياضية، شأن العربي في نزوعه نحو «التجريد» استلهامًا للامتناهي الصحراوي الذي يُحيط به ما امتد به البصر إلى أبعد الآفاق. أفيجوزُ بعد هذا لكاتبٍ أو شاعرٍ أن يتنصَّل من أصولٍ صحراوية هي ماثلةٌ في كل ما قد أجرى به القلم؟

إن كاتب هذه الكلمات ليشعُر بما يشعُر به كل مصريٍّ واعٍ بمصريته، وعيه في الوقت نفسه بعروبته؛ فهو لا يريد لمصريته أن تُمحى بعروبته، كما لا يريد لعروبته أن تتنافى مع مصريته. على أنه في هذا الذي يريده لا يرضى لنفسه أن تُؤخذ الأحكام قسرًا واعتباطًا ويلتزم أمام عقله بأن يبحث عن الأُسس القوية التي يستند إليها حين يزعم أن عروبة المصري ليست شيئًا طارئًا جاء إليه مع الفتح العربي في أوائل القرن السابع الميلادي، اللهم إلا اسم العروبة، وأما الجوهر فهو هو الجوهر الذي بُنِيَت عليه ثقافات الرقعة الجغرافية التي هي الوطن العربي الكبير حيث تمتد الصحراء — بكل ما فيها من أقاليم اخضَرَّت بزرعها — فأوحت طبيعة ذلك الامتداد الصحراوي بما أوحت به من رؤيةٍ عامة، هي التي أنتجت لغاتِ المنطقة كلها بأصولٍ مشتركة أو متشابهة، كما أنتجَت نمطًا عامًّا مشتركًا أو متشابهًا في البنية الاجتماعية وفي الفكر وفي الأدب وفي الفن جميعًا. وإن هذا الكاتب لَيَودُّ — قبل أن يستطرد به الحديث — أن يُذكِّر القارئ بحقيقةٍ عن نفسه ذكرها في حديثه السابق، وهي أنه لبث عَقدَين من الزمن — أو قل ما يقرب من ثلاثة عقود — متأثرًا بما كان قد قرأه شابًّا لأعلام الفكر في مصر، بأن المصري إذا أراد عودةً إلى أصوله الثقافية وجب عليه أن يرتدَّ إلى العصر الفرعوني — وليس إلى الأصل العربي، وكأن الفكرتَين متناقضتان — لكنه أعني هذا الكاتب يحمد الله حمدًا كثيرًا أن أشرقَت عليه الحقيقة فيما بعدُ ناصعة الوضوح، وهي ألَّا تناقُض من حيث الأساس، بين الوقفة الثقافية التي وقفها المصري القديم، والوقفة التي وقفَها بعد ذلك في أي عصر من عصور تاريخه، مع تحفُّظٍ ضروريٍّ وهو أن ثبات الإطار الواحد المعيَّن، لا ينفي أن ينخرط في هذا الإطار الثابت مضموناتٌ حضارية مختلفة.

إنه لا جدال في أن لكل فردٍ من الناس هُويته التي يجب أن يتحقَّق لها شرطان ليظل ذلك الفرد هو ما هو على مدى سنوات عمره، مهما تغيَّرت أحداث حياته وتطوُّراتها، وإذا لم يكن الأمر كذلك — كما هي الحال مع بعض الأمراض النفسية — وجب أن يُعرَض الأمر على طبيبٍ مختص. وما يُقال عن الفرد الواحد من الناس، يُقال مثلُه على الأمم والشعوب؛ فالأمة المعيَّنة — أو الشعب المعيَّن — لم يكن ليُصبح ذا تاريخٍ إلا إذا ظل الشعب على ثباتٍ في هويته — أو ظلت الأمة المعيَّنة على ذلك الثبات — برغم تكاثُر الأحداث وتقلُّبات العصور. وأما الشرطان اللذان يجب أن يتوافرا للهوية لكي تثبُت على وحدانيتها فهما: أولًا أن تتألَّف من كثرة عناصرها وحدةٌ تجعل منها كيانًا عضويًّا موحدًا في كل لحظةٍ أو في كل فترة من تاريخها، بمعنى أن يكون لها هدفٌ موحَّد تتجه إليه بمختلف أعضائها ومختلف مناشطها؛ فالهدف الواحد من شأنه أن يستقطب كثرة الأفراد وكثرة العناصر وكثرة المواهب وكثرة الأعمال بحيث يجعل تلك الكثرة العددية نسيجًا متصلًا. وأما الشرط الثاني فهو استمرارية تلك الوحدة اللحظية على طول الزمن. وما أكثر ما كتَبه الفلاسفة في هذَين الشرطَين؛ شرط الوحدة اللحظية وشرط الاستمرارية والصمود، عندما تناولوا مشكلة الهوية! ولعلها من أعقد المشكلات التي تستعصي على التعريف والتحديد. وإني لأستغفر الله إن كنتُ أُجاوز الحدود المشروعة حين أُشير هنا إلى الآيتَين الكريمتَين الخاصتَين بالذات الإلهية وهما قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ ففيهما تتوافَر الصفتان اللازمتان لوحدانية الذات؛ فالأحدية تعني اتساق الصفات الإلهية المُتمثِّل بعضها في أسماء الله الحسنى. ولقد كان مما تناوله المفكرون الإسلاميون منذ القرن الثاني الهجري فصاعدًا، التوفيق بين كثرة الصفات الإلهية ووحدانية الذات. وأقلُّ ما يُقال في هذا السبيل هو أن يكون بين مجموعة الصفات — على اختلافها — تآلفٌ يُوحِّدها في ذاتٍ واحدة. على أن يُضاف إلى ذلك التوحُّد «صمود» يجعله توحُّدًا من الأزل إلى الأبد، وذلك كله إنما يتحقق بالنسبة إلى الذات الإلهية على صورةٍ مطلقة لا استثناء فيها، لكنه كذلك مطلوب له أن يتحقَّق على صورةٍ نسبية ومحدودة في الذات الإنسانية، فردًا كان أم كان شعبًا أو جماعة يُراد لها أن تكون مُوحَّدة الكيان.

وهكذا ننظر إلى الشعب المصري في إطاره التاريخي، فنراه من أكثر شعوب الأرض تحقيقًا للشرطَين اللذين يكفُلان للهوية قيامها؛ فقد كان موحَّد الروح في كل فترةٍ من فترات تاريخه، ثم كان على صمود في وَحدَته تلك عَبْر العصور المتعاقبة. ونقول ذلك استنادًا إلى آثاره التي تدل على تعاون؛ فأعماله الخالدة من الصنف الذي لا تُنجِزه يدٌ واحدة. ومع ذلك ففي أمثال هذه التعميمات الواسعة يكفينا رجحانُ الصوابِ إذا امتنَع اليقين، وأرجحُ الظن أنه عندما جاء الإسلام إلى مصر فأسلَمَت، وجاءت العربية فتعرَّب لسانها، لم يكن انتقالها من القديم إلى الجديد صدمةً نفسية ثقافية، بقَدْر ما كان انتقالًا سهلًا ميسرًا؛ إذ جاءت العقيدة الدينية إلى شعبٍ متدينٍ تدينًا مُبَرأً من الوثنية منذ آلاف السنين، وكانت اللغة الوافدة من الأُسرة اللغوية نفسها التي تسود هذه المنطقة الجغرافية جميعًا، مع اختلافاتٍ نوعية بين لغة منها ولغة؛ فاللغة المصرية القديمة (ولا أعني الكتابة — الهيروغليفية) قائمةٌ على الأُسس التي تقوم عليها اللغات المجاورة (كما قرأتُ في نتائج الأبحاث العلمية التي اضطَلَع بها نفرٌ من علماء «المصريات الفرعونية»). إذن فمن الناحية الدينية كان المصري منذ قديمٍ مؤمنًا باليوم الآخر وما فيه من حساب، وكانت الأسس الأخلاقية التي يحيا حياته على هُداها والتي يُحاسَب يوم القيامة على ميزانها، هي الأُسس التي تتعلَّق بها المثُل العليا. وأما من الناحية اللغوية، التي لها أبلغ الأثر في صياغة العقل والوجدان معًا فالتشابه بين القديم والحديث أشدُّ من أن يُغَض عنه النظر، فإذا قلنا إن «عروبة» المصري إنما أخذَت اسمها هذا منذ كانت فيها «عربية» فلا بد أن نُضيف إلى هذا القول استدراكًا يؤكد أن «مضمون» العروبة الثقافي كان مصريًّا منذ عَرفَ التاريخ مصر؛ فحضارتها كانت في المقام الأول حضارةَ دينٍ وأخلاق وفن، تدور جميعًا حول فكرة الحياة الآخرة.

على أن ثبات الهوية لحاملها — فردًا كان أم شعبًا — وهو الثبات الذي نزعُمه للمصري، قبل الفتح العربي وبعده، في امتدادٍ واحد متصل، أقول إن ثبات الهوية هذا لا ينفي أن يكون ثباتًا في ركائز البناء. وأما ما يُقام على هذه الركائز من مضمونٍ حضاري، فلا بد له أن يتغير مع تغيُّر الحضارات، وإلا فلو جمد المضمون مع الركائز على صورةٍ واحدة فلن يكون بمنجاةٍ من فَناء كالفناء الذي مُحيت به فصائل الديناصور. وقد كان لهذا الحيوان القديم من الضخامة ما يُنافِس به ضخامة الهرم الأكبر زال بسبب تلك الضخامة نفسها، التي لم تعرف كيف تصطنع خفَّة الحركة عندما جاء عصرٌ جديد يقتضي الحركة الخفيفة السريعة، فذَبُل المسكين في مَربضه وذَوَى وأصبح في ذمة التاريخ، تاريخ الحيوان.

٣

أراد الله لهذه الرقعة المباركة من الأرض، التي أصبحَت في عصرنا الراهن يُشار إليها باسم «الشرق الأوسط»، أن تكون مَهبِط الوحي الديني لكلِّ ما عَرفَه الإنسانُ من دياناتٍ ينزل وحيُها من السماء على نبي أو رسول، ولا بد أن يكون لذلك معناه ومغزاه. وربما كان ذلك كذلك لأنه لَبِثَ حينًا من الدهر معمورًا وحده بحضاراتٍ أو ما يشبه البدايات الأولى لقيام الحضارات، أو ربما كان ذلك لأنه — كما أسلفنا القول في أحاديثنا السابقة — رقعةٌ من الأرض نشأَت فيها وديانٌ خصبة اخضَرَّت بزرعها وعُمرَت بأهلها في وسطٍ صحراوي فسيح الأرجاء، يوحي لسكانه بفكرة اللامتناهي الثابت الدائم، مما هيَّأ هؤلاء لتقبُّل الوحي الديني من إلهٍ واحد أحد صمد لا تحدُّه حدود. وأيًّا ما كان التعليل، فهذه حقيقةٌ تاريخية نقبلُها ونقيم عليها النتائج، وهي أن أبناء هذه الأرض المباركة «تديَّنوا» بدينٍ منذ فجر التاريخ، لم يكن عن وحيٍ إلى نبي أو رسول حينًا، وكان وحيًا إلى نبي أو رسول حينًا آخر، لكنه كان في كلتا الحالتَين يُقيم بُنْيانه على أُسسٍ من «الأخلاق» لينضبط بها سلوك الإنسان في هذه الحياة الدنيا، تمهيدًا لمحاسبته يومَ الحسابِ في الحياة الآخرة.

فلئن كان عصر الناس هذا قد جعل «العلم» أساسًا للبناء الحضاري، ثم تأتي بعده سائرُ فروعِ الحياة الثقافية من دينٍ وأدب وفن، وكأنما أتت تلك الفروع كالتوابع لتخدم العلم وتنتسب إليه، فإن الحضارات السابقة، وفي مقدِّمتها ما ظهر منها في إقليمنا — إقليم الشرق الأوسط — قد جعلَت «الدين» (وإذا قلنا «الدين» فقد قلنا «قواعد الأخلاق») أساسًا للبناء الحضاري، ويأتي «العلم» بعد ذلك ليُؤدِّي دوره في ذلك البناء، فلما جاء الإسلام، آخر الديانات التي نزلَت على نبي ورسول، جعل العلم جزءًا من الدين، ولم يعُد في الأمر بينهما تابعًا ومتبوعًا؛ فجزءٌ من دين الإسلام لا يتجزأ، أن يكون المؤمن ذا علمٍ بما حوله من ظواهر الكون، ما أسعفَتْه في ذلك قُدراته. ومثل هذا العلم الذي يستهدف عبادة الله سبحانه وتعالى بمعرفة خلقه معرفةً تُمكِّن صاحبها من الإلمام — بقَدْر المستطاع — بمعجزات هذا الخلق. وانظر إلى آيات القرآن الكريم عن «القراءة» كيف تَتابَع فيها نوعان من «القراءة» التي أصبحَت فرضًا مفروضًا على المسلم وَفْق قدرته في ذلك؛ فأُولى القراءتَين قراءة «المخلوق» كما خلقَه خالقه سبحانه وتعالى، وليبدأ الإنسان بدراسة نفسه مخلوقًا من مخلوقات الله، ليرى معجزة الخلق متمثلًا في الإنسان يُخلَق من علق، فيصبح هو ذلك الإنسان العالم العامل العابد، الكاتب الفنان الصانع الزارع، منشئ الحضارات التي تعمُر كوكب الأرض. وأما ثانية القراءتَين فهي أيضًا عن الإنسان، لكنها هذه المرة متجهة إلى موروث فيما كتب الأولون، يُضاف إليه ما أنتجه أبناء الحاضر، ليتلقى أبناء الغد عن ماضيهم كله ما يتلقَّونه ليُضيفوا بدورهم ما يُضيفونه من «علم» بالوجود؛ تقول الآيات الكريمة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (هذه هي أولى القراءتَين) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (وهذه هي القراءة الثانية)، وكلتا القراءتَين عمليةٌ عقلية علمية؛ فعلمٌ بخلق الله للإنسان أولًا، وعلمٌ بما خطَّه قلم الإنسان ثانيًا. لكنهما إلى جانب كونهما «علمًا» يقتضي من صاحبه إعمال العقل فهما في الوقت نفسه «دين» يُوجِب على المتدين به واجبًا مفروضًا. ونكتفي بهذا المثل مما يمكن استخراجه من الكتاب الكريم، أدلة نتبيَّن منها طبيعة «الرؤية» الإسلامية لحياة الإنسان، مما يوضح لنا جانبًا من أهم الجوانب التي يتألَّف منه حقيقة «العروبة» وجوهرها.

لقد كان «العربي» (وأعني ساكن هذه الرقعة الفسيحة من الأرض الصحراوية الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، بما يتناثر فيها من أرض خضراء بزرعها، قد تكبَر حتى تكون وديانًا لأنهار جاءتها من خارج حدودها، وقد تصغُر حتى تكون واحةً صغيرة) أقول إن أهل هذا الامتداد الجغرافي الواحد، قد أظهروا خلال تاريخهم الثقافي الطويل، قدرةً لا تُقاس إليهم فيها شعوبٌ أخرى كثيرة، على دمج الدين والعلم في موقفٍ واحد وظَهر ذلك بصفةٍ خاصة في ظل الإسلام؛ لأنه دين نصَّ نصوصًا مباشرة على وجوب إعمال المسلم لعقله، في تدبُّر خلق الله من حوله. وقد يجدُر بنا في هذا الموضع من سياق الحديث، أن نُشير إلى حقيقةٍ ثقافية شهدها التاريخ، وكانت لها آثارُها في مجرى الأحداث، وهي ذلك التبايُن الحاد في وجهة النظر العامة بين اليونان القديمة وجارتها فارس (وهي اليوم «إيران») مما أدَّى إلى حروبٍ بينهما، ومدار ذلك التبايُن هو غلبةُ التفكير العقلي ووضوح أحكامه في اليونان، وغلبةُ الرؤية الصوفية المغلَّفة بضباب الغموض على الفُرس. وأرجح الظن أنه عندما خرج الإسكندر الأكبر بجيشه من اليونان، مستهدفًا أن يجمع العالمَ المعروفَ له تحت لواءٍ ثقافيٍّ واحد، كان المقصود بذلك أساسًا هو أن يُطوِّع جارته فارس للرؤية «العقلية». وربما كان التقسيم الجزافي الغامض، الذي يُقسَّم به العالم إلى «شرق» و«غرب» بحيث يتضمَّن هذا التقسيم أن تكون كلمة «شرق» هنا دالةً على ثقافةٍ تغلب عليها العاطفة الذاتية، وأن تكون كلمة «غرب» دالة على ثقافةٍ من نوعٍ آخر إذ تغلبُ عليها دقَّة التفكير العقلي وموضوعيته ووضوحه، أقول إنه ربما كان هذا التقسيم راجعًا في الأصل إلى ما كان بين يونان وفارس من تبايُنٍ ثقافي أدَّى إلى ما أدَّى إليه من خلافٍ بلَغ حد القتال، ثم جاء «الغرب» الحديث والمعاصر ليظلَّ على ذلك الرأي في تصنيف الشعوب وثقافتها، مع تفرقته بين ما هو «أقصى» في بلدان الشرق وما هو «أوسط» و«أدنى»، متجاهلًا الموقفَ العربي وطبيعتَه التي جاءت لتدمج الطرفَين في صيغةٍ واحدة، ولكن لماذا نعجَب من أهل «الغرب» في تمسُّكهم بهذا التقسيم الثقافي، إذا كان العرب أنفسهم يتبنَّون هذا التقسيم ويتحمَّسون له، وعلى أساسه يقبلون فكرة ويرفُضون أخرى، وبذلك تضيع منهم حقائق الأمور، بما فيها حقيقة أنفسهم؟

وحقيقة العربي في موقفه، كما يشهد بذلك تاريخه، هو أنه شرق وغرب معًا، فلا هو إلى عاطفةٍ صرف، ولا هو إلى عقلٍ صرف. ولنا أن نتعقَّب ما أنتجه أعلامنا الأقدمون لنتبيَّن في وضوحٍ أن النظرة الفعلية، وما يتبعها من «علم» في شتى الميادين كانت هي الغالبة، لكنها كانت «مُبطَّنةً» بالوجدان (إذا صحَ هذا التعبير) ففضلًا عن نبوغ أفرادٍ منهم في مجال العلم وحده، ونبوغ أفرادٍ آخرين في مجال التصوُّف وحده، فإن اندماج الجانبَين في ناتجٍ واحد أمرٌ مألوفٌ بينهم، فإذا كانت اليونان القديمة قد تميَّزت بالتفكير العقلي الصرف متمثلًا في علومهم وفلسفتهم، فقد تَرجَم العرب عن اليونان معظم تلك العلوم والفلسفة، مما يدُل على قدرة العربي على تمثُّل المحصول العقلي وهو في أعلى ذروته. ولا أظن أن شيئًا يُذكَر من تلك العلوم والفلسفة قد ترجمَتْه الهند أو الصين رغم ما كانتا عليه من حضارة، مما يدُل على قابلية العربي للنظر العقلي المُجرَّد. وفي الوقت نفسه قام العرب الأولون بنقل التصوُّف عن أعلامه من فرس وهنود، مما يُبيِّن أن العربي في طبيعته استعدادٌ لمثل هذه الوقفة. على أن ما يهمُّنا هنا في المقام الأول، ليس هو أن تقوى الطبيعة العربية على تقبُّل هذا الجانب العقلي وحده متمثلًا في أفراد، وعلى تقبُّل ذلك الجانب الصوفي وحده متمثلًا في أفرادٍ آخرين، بل الذي يهمنا في سياق حديثنا هذا هو أن نرى الجانبَين معًا مجتمعَين في كل عربي، بدرجاتٍ تتفاوت مقاديرها، وتلك هي إحدى السمات الهامة، التي تتميز بها «العروبة» من حيث هي «موقفٌ» ثقافي فريد، لا هو «شرق» ولا هو «غرب» ولكنها عروبة العربي.

هكذا جاءت للعربي، أو إن شئتَ فقل جاءت للشرق أوسطي، قاعدتُه الأولى التي ارتكَز عليها لينطلق في أجوائه الثقافية من أرضه وسمائه؛ فأرضه منبسطٌ صحراوي لا تحدُّه حدود البصر، اللهم إلا وديانًا شقَّتْها أنهارٌ نبعت من مصادر خارج الحدود، وأما سماؤه فصافية معظم الزمن، فجال فيها النظر ليرى عالمًا آخر لا تُحيط بحدوده عين. مع هذه اللامتناهيات تحت قَدمَيه وفوق رأسه، نزلَت دياناتٌ وحيًا من الله سبحانه وتعالى على أنبياء ورسل تعاقَبوا دهرًا بعد دهر مدى قرونٍ طِوال، تُنادي الإنسان أن آمن بإلهٍ واحدٍ أحدٍ خلَق السموات والأرض وما بينهما، فتكَوَّنَت عند ساكن هذه الرقعة المباركة من الأرض، خبرة وعقيدة؛ خبرةٌ مما يرى، وعقيدةٌ مما أُوحي إلى الأنبياء والرسل، ومؤداهما معًا هو أن يضع بين يدَيه تلك «المبادئ» الكبرى، التي هي خبرةٌ نفسية وديانةٌ روحية في آنٍ معًا، ومن تلك المبادئ المطلَقة له أن يشتَقَّ ما استطاع أن يستنبطه لنفسه من نتائج وقوانين، تكون هي قواعدَ سلوكية من جانبها الأخلاقي، كما تكون هي علومَه العقلية التي يستضيء بها طريقه إلى معرفة ظواهر الكون معرفةً صحيحة.

وبرع العربي في هذا الموقف الاستنباطي، الذي ينتزع النتائج من مبادئها، لكنه على مر الزمن، حفظ شيئًا ونسي شيئًا، وكان الذي حفظه جيدًا هو أن يُجيد قراءة ما خطَّه قلم، ليستخرج من كلماته وعباراته ما يتولَّد عنها مما كان كائنًا في جوفها، وأما الذي نسيه — على الأعم الأغلب — فهو قراءة «الأشياء» قراءةً مباشرة. و«الأشياء»، أو الظواهر، هي خلقُ الله عز وجل، أَمَره الدين أن يقرأها ليستخرج سرَّها المكنون ما وَسِعَه ذلك. ومن الجانب الأول الذي حَفِظه العربي وبرع فيه تكوَّنَت معارفه وعلومه في معظم الحالات، إلا جانبًا صغيرًا قُرئَت فيه «الأشياء» فكان أن ظهر للعرب علماء الفلك، والكيمياء، والضوء، والطب. وأما الجزء الأكبر من علوم الطبيعة فقد تولَّاها الغرب وحده بعد نهضته من عصوره الوسطى، وأخذ العربي ينقلُها عنه إلى يومنا هذا. وإننا إذ نذكُر هذا، فإنما نذكُره لنتذكَّر به أن هدفنا ليس هو الإشادة العمياء بالعربي وموقفه، بل هو مجرد الوصف لما هو واقع، لنؤيد صحيحه، ونُصحِّح أوجه النقص فيه.

وما دمنا قد ذكرنا «الواقع» وحقيقته، فها هنا سؤال يطرح نفسه عن نصيب هذا الواقع والاهتمام به من موقف العربي. وإنه لسؤالٌ له خطورتُه ويتطلَّب الروِيَّة في الجواب، وذلك لأن نُضْج العقل، الذي نُطلِق عليه عادةً في حياتنا العملية اسم «سِن الرشد» وهي السن التي إذا بلغها شاب، أصبحَت له حقوق في المجتمع الذي يعيش فيه، وأصبحَت عليه واجبات، فتُرفع عنه الوصاية، ويكون حر الإرادة في تصريف شئونه، ويكتسب حق الانتخاب، ومن جهةٍ أخرى يَحقُّ عليه التجنيد والدفاع عن وطنه وهكذا. كل هذه الحقوق والواجبات تنشأ عند سن «الرشد» على افتراضٍ مضمر، هو أن الإنسان عند تلك السن يكون قد خرج من مرحلة المراهَقة الحالمة، ودخل مرحلة النضج العقلي، الذي يتميز أول ما يتميز، بانضباط العلاقة بين الإنسان والواقع، فيرى الحقائق الواقعة كما هي واقعة، لا يتوهم فيها ما ليس فيها، ولا يغضُّ النظر عن جانبٍ من جوانبها، ليستطيع بعد ذلك أن يقبلَها عن علم بها، أو أن يُعدِّلها على أساس علمه بها.

لكن أفراد الناس، وكذلك الشعوب، يتفاوتون في القدرة على إدراك الواقع على حقيقته؛ وبالتالي فهم يتفاوتون في القدرة على تغييره إذا وجب عليه أن يتغير. وفي هذا السياق يأتي سؤالنا: ما نصيب «الواقع» ودقة إدراكه من «الرؤية» العربية التي منها تتألَّف «العروبة» ومعناها؟

قد يتساءل القارئ همسًا لنفسه: وهل شَهِدَت الدنيا إنسانًا، بل هل شَهِدَت كائنًا حيًّا على إطلاق من نبات أو حيوان، فضلًا عن الإنسان، قد تجاهل «الواقع» الذي يحتويه، فمن هذا الواقع يأكل الكائن الحي طعامه، ويشرب ماءه، ويُعِد مأواه الذي يعتصم به، وسائر شئون حياته صغيرها وكبيرها؟ فمن أين يجيء السؤال — إذن — عن علاقة العربي بواقعه الذي يعيش فيه؟ وهنا يكون المتسائل قد فاته إدراك فارقٍ هام بين فوارق عديدة تميز الإنسان دون سائر الأحياء، وهو فارق «الخيال» الذي قد يعلو في مرتبته فيصبح وسيلة إبداعٍ للعالم والأديب والفنان؛ إذ هو عندئذٍ خيال يضم الأجزاء المتفرقة لتُصبح بناءً واحدًا؛ نظريةً علمية، أو قصيدة من الشعر، أو معزوفةً موسيقية، وهكذا، ولكنه كذلك قد يهبط في مرتبته ليُصبح أخلاطًا من تهاويم لا تبني شيئًا؛ وبالتالي تكون أوهامًا وهلوسة لا تعني شيئًا، إلا أن تُضل صاحبها عن سواء سبيله؛ لأنها تصرفه عن واقع الأشياء فلا يراها كما هي واقعة. وإن الأفراد ليتفاوتون، كما تتفاوت الشعوب بوجهٍ عام، في النشأة والتربية والاستعداد الفطري، تفاوتًا يؤدِّي بهم إلى تفاوتٍ في القدرة على التعامل مع وقائع الأشياء على حقائقها، حتى لقد رأى عالم النفس «وليم جيمس» أن أفراد الناس يمكن قسمتهم قسمَين من حيث الرؤية العامة لدنياهم، والتصرف في حياتهم العملية على أساس هذه الرؤية، ويُطلِق على أحد القسمَين عبارة «أصحاب الأدمغة الصلبة»، كما يُطلِق على القسم الآخر عبارة «أصحاب الأدمغة اللينة»، وهو يُدرِج تحت القسم الأول رجال العلوم الرياضية والطبيعية، ورجال الأعمال على اختلافهم، وقادة الجيوش وهكذا، وكلهم يلتزم حدود الواقع أمام أبصارهم وتحت أيديهم، حتى وهم يحاولون تغييره ليصبح واقعًا آخر؛ إذ كيف تُغيِّر شيئًا إذا كنتَ ساهيًا عن حقيقته الراهنة؟ وأما تحت القسم الثاني فهو يُدرِج المتصوفة، والشعراء، ورجال الأدب والفن بصفةٍ عامة، لأنهم بحكم مزاجهم المجبول في فطرتهم، يهربون من خُشونة الواقع وقَسوته وغِلظته، ويقيمون بما يبدعونه واقعًا جديدًا، ينتزعونه من خيالهم انتزاعًا ليعيشوا فيه.

فليس الأمر — إذن — من قبيل اللغو أن نسأل عن العربي ما موقفه من «الواقع»؟ وليس من شك في أن الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال تهدينا إلى التصوُّر الصحيح لما أسميناه ﺑ «العروبة». على أن الرأي الصحيح في هذا — فيما يبدو لهذا الكاتب — ليس قريب المنال، مما يتطلب منَّا شيئًا من الروية والتدبُّر؛ فالعربي — من جهة — «شاعر» في المقام الأول، ولكنه — من جهةٍ أخرى — مُضطرٌّ بحكم بيئته الصحراوية المتجانسة تجانُسًا شديدًا، أن يُدقِّق النظر ليقع بصره على ما يُميِّز جزءًا من جزء، وإلا فالأرجح أن يضل الطريق إذا ما انتقل من مكانٍ إلى مكان. إنه يلحظ معالم الأرض، كما يلحظ مواقع النجوم، ويُركِّز انتباهه فيما يتميز به الحيوان، والطير، واتجاه الريح، وغير ذلك من مُكوِّنات بيئته. ولكَ في هذا الصدد أن تُراجع ذاكرتَك فيما تحفظه من شعر الأقدمين، لترى كم تَرِد في سياقه لقطاتٌ حسيةٌ دقيقة التصوير لما يراه العربي وما يسمعه.

ومع هذا كله فالحقيقة الكبرى في طبيعة العربي هو أنه — كما قلنا — «شاعر» في المقام الأول. لقد عرض الجاحظ في الصفحات الأولى من المجلد الأول من موسوعته عن «الحيوان»، مقارنةً سريعة بين أربعة شعوبٍ من ذوي الثقافات، ليُحدِّد الصفة الغالبة على كلٍّ منها، وهي ثقافات الهند، وفارس، واليونان، والعرب. وجاءت هذه المقارنة بمناسبةِ تعليقه الجيد على ما كان قائمًا عندئذٍ في «دار الحكمة» بمدينة بغداد، من ترجمة عن اليونانية علومًا وفلسفةً إلى اللغة العربية. وهنا قال ما معناه إنه إذا كان اليونان قد تميَّزوا ﺑ «الكتاب» (أي بالمؤلفات في العلم) فالعرب قد تميَّزوا بالشعر، ولهذا فقد يسهُل على العربي أن ينقل عن اليوناني فلسفتَه وعلمَه، وأما اليوناني، أو غير اليوناني، فمحال عليه أن يُترجِم الشعر العربي إلى لغته، وبذلك يستطيع العربي أن يضمَّ إلى حصيلته فكر الآخرين، وأما هؤلاء الأخرون فلن يُتاح لهم قَطُّ أن يعرفوا من هو العربي؛ لأن جوهر العربي شعره، والشعر مكتوبٌ عليه ألا يُجاوز حدود وطنه.

وإذا كان ذلك كذلك، إذن فقد انفتح أمامنا طريق الإجابة عن السؤال الذي طرحناه لنعلم شيئًا عن العلاقة بين العربي و«الواقع»، فما علينا سوى أن نسأل: ماذا تؤدِّي إليه طبيعة الشعر في هذا الصدد؟ إن الشعر ليفقد جوهره إذا غابت عنه قوة الخيال، والخيال المقصود هنا هو ذلك النوع الذي يعلو بصاحبه إلى درجة يستطيع عندها أن يؤلف بين خبراتٍ استقاها الشاعر متفرقاتٍ من حياته العملية؛ إذ هو يُرسِل البصر في جنبات الكون ليرى، ويُنصِت بأُذنَيه ليسمع، ومن حصيد المرئي والمسموع، وما كان قد أُضيف إليه من حالاتٍ وتحولاتٍ في وجدان الشاعر، يبني في خيال الشاعر بيتًا جديدًا هو بيت الشاعر، أو أبياته التي تؤلِّف قصيدة الشاعر. وفي إقامة الشاعر لعالمه الخاص، من لبناتٍ مستمدة من الحياة كما وقعَت وكما تقع، يستحل مجاوزةَ القوانين الطبيعية التي تحكُم الأشياء في عالم الواقع، ليضع لها هو ما يسنُّه لها من قوانين، وبذلك يجيء العالم الشعري الذي أقامه الشاعر، عالمًا جديدًا كل الجدَّة، لا شأن للواقع به، اللهم إلا موازاةً بين العالَمَين، يبحث عنها الناقد ليستخرجها من الخفاء إلى العلن. إن الصخر في دنيا الواقع لا ينطق، لكن الشاعر يستحلَّ أن يُنطِقه بما أراد له وكيفما أراد، والشجر لا يعزف موسيقَى على أوتار، لكن الشاعر يحلُّ له أن يجعل الشجرة عازفةً للنغم على أوتارها. إن البرق والرعد يحدُثان بقوانين تعرفها العلوم، وليس لهما «نفس» تغضَب وتثور، ولكن الشاعر من حقه إذا أراد، أن يتصورهما ثورةً غاضبة، وأن يتصور المطر بكاءً أو طلقاتٍ من الرصاص في حومة القتال، كما شاء. وهكذا، فالفاصل الحادُّ الحاسم بين «العلم» و«الشعر» هو أن العلم لا يرى من الواقع إلا ظواهره البادية للحواس، ليستخرج قوانينه التي تحكُم سلوكه؛ فالصخر صخرٌ، والشجر شجر، والرعد والبرق والمطر رعد وبرق ومطر، ولكل شيءٍ مسالكُ مفروضة عليه، ومهمة العلم استخراج القوانين التي تُنظِّم تلك المسالك. وأما الشعر (والفن بكل أنواعه) فليس ذلك شأنه، وإنما شأنه أن يخلع المشاعر الإنسانية على كل شيءٍ في الطبيعة وكأنها قد أصبحت أناسًا مع الناس.

ونحن نقول عن العربي إنه في المقام الأول شاعر، أو له رؤية الشاعر، فإذا كانت تلك هي حقيقة أمره، إذن فعلاقته بالواقع هي أن يحصُد منه لقطاتٍ حسية يشاهدها متفرقة، فيحفظها في وعيه ليَستهديَها خلال حياته العملية، ومن هذه اللقطات الحسية ذاتها يبني الشاعر العربي ما يبنيه من بيوت الخيال، ومعنى ذلك هو أن علاقة العربي بالواقع هي تلك اللقطاتُ الحسية المتناثرة، ينتفع بها في حياته العملية. وأما «الرؤية»، العامة للحياة، أو «وجهة النظر» التي يتوجَّه بها إلى الوجود الكوني، أو «الموقف» الذي يقفه إزاء ما يُحيط به فهي أقرب إلى طبيعة الشعر، فيراه وكأنه يحيا بين جدرانِ ما يشعر هو به، حتى يجوز أن تصطخب الدنيا الخارجية بما تصطخب به من أحداث، ومن أفكار، وهو هناك في موقفه، يستدفئ النظرة الشاعرة، حتى وإن قرأ وعَرفَ ما قد صَخِبتْ به الدنيا من تقلُّبات.

لقد ذكرنا فيما أسلفناه، أن هذه الأحاديث لم تُكتَب للإشادة بالعروبة في موقفها أيًّا كان ذلك الموقف وما يقتضيه، ولكنها كُتبَت وصفًا موضوعيًّا لما يظنُّه كاتبها أنه وصفٌ أمين. ومع ذلك فهو اجتهاد فرديٌّ قد يخطئ وقد يصيب، فإذا صدق ما أوردناه عن طبيعة الشاعر في العروبة وموقفها، كان حتمًا على العربي أن يُغيِّر من موقفه بعض الشيء، بالإضافة لا بالحذف، فلنُبقِ على «الشاعر» الكامن في قلوبنا، حتى لا نُفوِّت على أنفسنا سمةً من أبرز سماتنا ومن أجملها، على أن نضيف في تنشئة أجيالنا الجديدة نظرة «العلم» كلما اقتضى الموقفُ التزامَ الواقعِ في حدوده وقوانينه الصارمة. وانظر إن شئتَ إلى الحياة العربية في تاريخها الحديث، لترى كم دهمَتها المفاجآت، التي لم تكن في الحقيقة مفاجئة، بل لبِثَت كل واحدةٍ منها تغزل خيوطها وتنسج مؤامراتها أعوامًا طِوالًا، ونحن عنها غافلون، أو كالغافلين؛ لأننا ربما عَرفْنا شيئًا عما يُدبَّر لنا في سواد الليل، لكننا نسهو ونُغضي لانشغالنا بما بناه لنا الخيال في رءوسنا. حتى إذا ما أصبح علينا صباح فجأَتنا المفاجأة التي لم تكن قد وُلِدَت منذ لحظة، بل ظلَّت هناك تبيض وتفرخ في صدور مُدبِّريها أو في جحورهم، لتُباغتنا وكأنها بنتُ لحظتها.

وكما رأينا في وقفة العربي «الشاعر» دفئًا جميلًا تشوبه غفوةٌ يسهو بها عن مواجهة الواقع برؤيةٍ علمية كلما اقتضى الأمر ذلك، حمايةً لنفسه، وتقريرًا لذاته في دنيا التنافُس والعدوان التي كُتب علينا ولنا أن تكون دنيانا، فكذلك نلحظ مثل هذه الشائبة في سمةٍ أخرى من سمات «العروبة»، فليس ثَمَّةَ من شكٍّ فيما يُعرَف به العربي من بناءٍ اجتماعي — قبيلة، أو أسرة، أو أمة تضم القبائل والأسرة — يكفُل للفرد أن يجد مكانًا في جماعته، وهو مكانٌ يعطيه حقوقًا ويفرض عليه واجبات، وإننا لنفقد الشيء الكثير إذا فقدنا مثل هذا الانتماء الأسري الحميم، لكننا كذلك نفقد كثيرًا جدًّا من طاقتنا الحيوية إذا بُولِغ في طغيان النظام الأُسري أو القَبلي أو الوطني والقومي على الفرد، بحيث تُقيَّد حريته بأكثر من القيود التي تفرضها ضرورة الاجتماع، وتُحدَّد قُدراتُه المبدعة إذا كان من أصحاب المواهب، أكثر مما تُحتِّمه ضرورة الحياة الاجتماعية من حدود.

وهكذا ترى أن «العروبة» موقفٌ مُركَّب من عناصر اشتُقَّت بعض أصولها مما تُوحيه الصحراء إلى ساكنيها، من رؤيةٍ عامة تتعلَّق باللامتناهي أكثر مما تشغلها العابرات الزائلات، وبالثابت أكثر مما تتعلق بالمتغير، وبالمجرَّد أكثر مما يلهيها المتعين. ومن هذا الموقف تهيَّأَت شعوب المنطقة بقلوبها لتقبل الديانات المنزلة وحيًا إلى الأنبياء والرسل (وجميعها نزل في هذه المنطقة)؛ ومن ثم أصبَحَت عقيدة التوحيد مدارًا للوقفة العربية، حتى فعلَت فعلها في تشكيل النمط الثقافي العربي — الذي هو أساس «العروبة» وجوهرها — فالأدب (والشعر منه بصفةٍ خاصة) يُكثِّف الحكمة المستخلَصة من الحياة الجارية، والفن ينزع نحو التجريد الذي يرتفعُ حتى يبلُغ أن يكون أشكالًا هندسية وما يتركَّب منها، والبناء الاجتماعي يتبلور في النظام الأُسري أو القَبلي الذي يجعل مثله الأعلى تكاملًا وتعاونًا ووحدة بناء. ولئن كان الواقع العربي الحديث قد انحرف عن تلك الرؤية العربية المتميزة، فقد جاء انحرافه هذا في اتجاهَين؛ أحدهما نكسة أفرزتها الأوضاع السياسية الحديثة، محليًّا وعالميًّا، وإذن فهو انحراف لا بد لنا من تقويمه. وأما ثانيهما فانحراف نحو الأفضل والأكمل، وذلك في المواضع التي اضطُررْنا فيها إلى تعديلِ ما هو تقليديٌّ في ثقافتِنا من شأنه أن يُعرقل النمو، فأحلَلْنا مكانه عناصرَ قوة مما أنتجَتْه حضارة هذا العصر وثقافته، وإذن فمثل هذا الانحراف جدير بالمؤازرة والتأييد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١