صراع

عاد المتنبي إلى داره حزينًا مثقلًا بالهموم والأوجال، يهز رأسه صامتًا مطرقًا، فابتدره محسد وألقى عليه رسالة أبي الحسن لم يخرِم منها حرفًا. فالتفت إليه أبوه في تثاقل، وقال: إذًا سيكون الموعد غدًا؟

– نعم يا أبي، وهو يقول: إن الجمع سيكون حاشدًا.

– إنه يوم الفصل يا محسد، وسيعلمون غدًا من السبَّاق المبرز.

تمرَّست بالآفات حتى تركتها
تقول أمات الموت، أم ذُعِرَ الذُعر؟

وأقبل مسعود فقال: إن العشاء قد أعِدَّ يا سيدي.

ليس لي في الطعام من أرب الليلة يا مسعود. أوقد الشموع في حجرة نومي، وأعدَّ بجانبها شموعًا أخرى، فقد يطول بي السهاد في هذه الليلة الليلاء، وأحضر أقلامًا وأوراقًا ودواة بجانب سريري. أسرع يا مسعود، فإن مجد سيدك الليلة في ميزان القدر. فأسرع العبد ينجز ما أمر به، وتخفَّف المتنبي من بعض أثوابه، وهو يتمتم: غدًا سيرون! غدًا سيكون لي معهم ومع أميرهم شأن أيُّ شأن! غدًا يعلمون أني كالحجاج بن يوسف لا يُقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين، وغدًا يستيقنون أن الشعر إذا تنفست به نفس جريئة، كان ملكًا على الملوك، وأميرًا على الأمراء. من هؤلاء ليت شعري ومن آباؤهم؟ كان آباؤهم زعماء طائفة من فتَّاكي العرب، أغاروا على أطراف الخلافة، وهي تترنح للسقوط، فمزّقوا أشلاءها، واقتطعوا لأنفسهم منها طرفًا، وأصبحوا في طرفة عين ملوكًا لهم عرش وصولجان، وجند وسلطان، ولم لا أوطد ملكًا كما وطدّوا؟ وأشيِّد مجدًا مغتصبًا كما شيدوا، ما دام الأمر للقوة، والحكم لأطراف الأسنة؟ ثم أطرق حزينًا وهز رأسه في ألم وحسرة، وقال: ولكن هؤلاء لهم عشيرة وعصبة، ولهم أعوان وأحلاف في القبائل، ولهم في الرياسة مجد قديم، أما أنا فقد:

أظمتني الدنيا فلما جئتها
مستسقيًا مطَّرت عليَّ مصائبًا

ثم زفر وقال: نعم يا أبا الطيب، لقد قسا عليك القدر، فأنشأك في أسرة خاملة النسب، تجاهد بجدع الأنف أن ينساها الناس، وأن ينسوا اتصالك بها، وليس لك غير عزمك وسيفك وشعرك من عشير أو قبيل. فأين أنت من المطالب العظام والمقاصد الجسام؟. نعم. لقد قسا عليك القدر، فخلق لك نفسًا شامخًا توّاقة غلّابة طمَّاحة إلى الملك، ولم يخلق لك من آلات العظمة والملك ما يصل بك إلى أدنى هذه الغايات. هذا هو دأب القدر دائمًا، يضع السيف في يد من لا يستطيع حمله، ويهب المال لمن لا يحسن تدبيره، ويكيل الحمد والثناء لمن لا يفهم معنى الحمد والثناء.

جلس المتنبي أمام منضدته، ومد يده إلى القلم، وأطرق طويلًا يفكر في ابتداء القصيدة، فجال بخاطره أن يقول:

نقل الواشي حديثًا فكذب
كن مُجيري منه يا خير العرب

ولكنه هزّ رأسه هزًّا عنيفًا، وقال: لا. لا. هذا مطلع يدلّ على ضعف نفسي، واهتمامي بالوشاة. ثم إن تسمية سيف الدولة في أول القصيدة بخير العرب إغراق فاضح، وسرف في المديح لا يصح أن يعطى في جرعة واحدة، وعدل عن هذا المطلع، وأخذ يفكر في مطلع آخر؛ فعرض له أن يقول:

غال بعض الحب عذلُ العاذل
ومضى الباقي بمطل الماطل

غير أنه مدَّ شفته السفلى استنكارًا، وقال: لا. لن يصلح هذا مطلعًا فإن فيه إيغالًا في القطيعة، ومصارحة بالجفاء، وإذا اغتال العذل بعض الحب، وذهب مطل الحبيب بباقيه، فماذا يبقى منه للرجل؟ وماذا أرجو عنده بعد أن كاشفته بانقطاع حبل الود بيننا؟ ثم فكر قليلًا، وصاح في اهتمام: لقد وجدت المطلع، لقد وجدته. هذا هو:

واحرَّ قلباه مِمَّن قلبه شَبِم
ومن بجسمي وحالي عنده سَقَم

ثم وقف وأخذ يجول في أنحاء الحجرة، وهو يهمهم ويزمجر زمجرة النمر الجريح، وكلما حام حوله طائر الشعر أطرق وزمزم حتى يلتقطه فيسرع إلى أوراقه فيدوِّن البيت أو البيتين، وكان من يراه وهو يذرع أرض الحجرة شاخص العينين، يلوِّح بذراعيه أحيانًا، ويضرب بقدمه الأرض أحيانًا، ويتحدث إلى الشموع والحيطان أحيانًا، يظنه مجنونًا ذهب عقله وطار لبُّه.

فرغ المتنبي من قصيدته قبل أن تظهر خيوط الصباح، فطوى أوراقه، وألقى بنفسه على سريره، ولكن هيهات لمثله أن ينام! فلما شاع نور الشمس في الأفق، تناول نزرًا من الطعام، ثم ارتدى ملابسه، وأمر مسعودًا بإعداد جواده، ولما هَمَّ بالركوب رأى أبا الحسن بن سعيد في انتظاره، فابتدره ابن سعيد: هل أتممت القصيدة؟

– نعمت أتممت قاصمة الظهر، وقارعة الأبد.

– أرجو ألا تقسو فيها على أعدائك يا أبا الطيب.

– ليكن ما يكون.

ولما بلغا قصر سيف الدولة، نزل أبو الطيب عن جواده فتلقّاه نجا في بشر وترحاب، وهمس في أذنه قائلًا: اليوم يومك يا أبا الطيب. فإن أعداءك هنا جميعًا، وقد جمعوا مكرهم، وألقوا حبالهم وعصيَّهم. فهز المتنبي كتفه في تيه، وقال: إن هؤلاء لا يهزون شعرة من مفرقي:

أنا الذي بيَّن الإله به الأقـ
ـدار والمرء حيثما جعله
جوهرةٌ تفرح الشِراف به
وغصّة لا تُسيغها السفله

ودخل المتنبي قاعة الرسل، فرأى سيف الدولة في صدر الإيوان، وحوله الوزراء والفقهاء ورجال العلم والأدب، وكان بالمجلس عدد عديد من أعداء المتنبي بينهم الزاهي والنامي وأبو الفرج السامري، وكان على رأس هؤلاء أبو فراس وأبو العشائر، وقد أخذا ينظران ذات اليمين وذات الشمال في قلق واضطراب.

دخل المتنبي فسلّم على الأمير مطأطئ الرأس حزينًا، وردّ سيف الدولة تحيته مدِلًّا عابسًا، وسكت الجمع، وتحفّز أعداء أبي الطيب للوثوب، فشرع ينشد حتى إذا بلغ قوله:

ما لي أكتم حبًّا قد برى جسدي
وتدّعي حبَّ سيف الدولة الأمم؟

صاح به أبو الفرج السامري: ويلك يا دعّي كندة. لقد هجوت الأمير؛ لأنك تزعم أن الناس جميعًا لا يحبونه إلا ادِّعاءً، وأنك وحدك الذي يحبه حبًّا صادقًا، وهل هذا إلا هجو صراح؟ فانصرف عنه أبو الطيب غير مكترث، واستمر في الإنشاد، فلما قال:

يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

قال أبو فراس: قد مسخت قول دعبل:

ولست أرجو انتصافًا منك ما ذرفت
عيني دموعًا، وأنت الخصم والحكم

فقال المتنبي وهو ينظر إلى الأمير ويشير إلى أبي فراس:

أعيذها نظراتٍ منك صادقةً
أن تحسَبَ الشحم فيمن شحمُه ورم

فعلم أبو فراس أنه يعنيه، فقال: ومن أنت يا ابن عبدان حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟ فواصل المتنبي إنشاده ولم يلق إليه أذنًا إلى أن قال:

سيعلم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا
بأنني خيرُ من تسعى به قدم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم

فزاد ذلك في غيظ أبي فراس، وقال: قد سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد إذ يقول:

أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْ
دهرًا وأظهرت إغرابًا وإبداعًا
حتى فتحت بإعجاز خصصْتُ به
للعمى والصمِّ أبصارًا وأسماعا

ولما انتهى إلى قوله:

الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

صاح أبو فراس: وماذا أبقيت للأمير إذا وصفت نفسك بكل هذا؟ تمدح الأمير وتتبجح بوصف نفسك بما تسرقه من كلام غيرك؟ أما سرقت هذا من الهيثم بن الأسود النخعي؟:

أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسرى
وجردِ المذاكي والقنا والقواضب

فقال المتنبي:

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم

فقال أبو فراس: وهذا أيضًا سرقته من قول العجلي:

إذا لم أميز بين نورٍ وظلمة
بعينيّ فالعينان زورٌ وباطلُ

ومن قول محمد بن أحمد المكيِّ:

إذا المرء لم يُدرك بعينيه ما يرى
فما الفرق بين العمى والبصراء؟

وهنا ضجر سيف الدولة من كثرة مباهاة المتنبي بنفسه، وكثرة دعاويه، فمد يده إلى دواة كانت أمامه، فضرب بها المتنبي فسال المداد على ثيابه، ولكن المتنبي وقف شامخ الرأس كأن لم يمس بأذى، وشرع يقول:

إن كان سرَّكم ما قال حاسدُنا
فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألم

فاهتز سيف الدولة للبيت، وحسن عنده موقعه، وقام مهرولًا نحو المتنبي يعانقه، ويقبل رأسه، وأخذ يشده من ذراعه حتى أجلسه بجانبه. فلما أتم أبو الطيب القصيدة وهو جالس، أجازه بألف دينار، ثم أردفها بألف أخرى، استعادةً لمودته وإعلاءً لمنزلته، والناس مع الزمان، والإقبال يجلب الإقبال، فما كاد يرى من بالمجلس فعل سيف الدولة حتى أقبلوا على المتنبي يكيلون له المديح، ويخلعون عليه من الثناء حللًا، ويشيدون بعبقريته، ويحمدون فيه الإباء والشمم والجرأة على ممدوحه، وأنه يرفع فنه إلى قمة دونها منازل الملوك، ويضع نفسه حيث يجب أن تكون، وقال له أبو الحصين الرقي وهو يشد على يده: حيّاك الله يا أبا الطيب! لقد كنت اليوم الفارس المعلم فلم تدع مَصالًا لصائل، ولقد كان نصرك مُبينًا مؤزّرًا، فاحرص على هذا الانتصار يا أبا محسد، فقد يكبو الجواد وقد قارب القصب! فرد عليه المتنبي بكلمات ضاعت معانيها بين صيحات المعجبين. أما أبو فراس وأبو العشائر وأنصارهما من آل حمدان فقد حبست الهزيمة ألسنتهم، وأكل الغيظ قلوبهم فتسللوا من المجلس، وفي أعينهم لمحات الغضب والحقد والعزم على الانتقام؛ لما نالهم من احتقار المتنبي وتعريضه بهم في قصيدته.

وما كاد أبو الطيب بعد خروجه من القصر يصل إلى ظاهر المدينة، حتى أحاط به غلمان أبي العشائر ونفوسهم متعطشة إلى دمه، فرماه أحدهم بسهم وهو يقول: خذه وأنا غلام أبي العشائر! فحاد عنه السهم، ووكز أبو الطيب جواده وهو يقول:

ومنتسب عندي إلى مَن أحبُّه
وللنبل حولي من يديه خفيفُ
فهيّج من شوقي وما من مَذَلةٍ
حننت، ولكن الكريم ألوف
وكلُّ ودادٍ لا يدوم على الأذى
دوامَ ودادي للحسين ضعيف
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا
فأفعاله اللائي سررن ألوف
فإن كان يبغي قتلها يَكُ قاتلًا
بكفَّيه، فالقتل الشريف شريف

وبلغ المتنبي داره وقد نال منه الجهد، واضطرب منه العصب، فارتمى فوق سريره يلهث ويردد أنفاسه، وقد جالت في نفسه خواطر متباينة، وهجمت عليه ظنون متناقضة. هؤلاء الغلمان الذين طلبوا دمه إنما هم عن قوس ساداتهم رموا، وبأيديهم راشوا السهام. نعم إنه انتصر عليهم عند سيف الدولة اليوم ولكن هل يدوم هذا النصر، وحوله هؤلاء الذئاب، وهو يخطو فوق أرض كثيرة المزالق والأخاديد؟ إنه انتصر حقًّا ولكن هذا النصر قد يكون حافزًا لأعدائه على الإسراع بالكيد له، وإحكام الخطة لدفعه في الهاوية. إنه انتصار يجر في ذيله الهزيمة. انتصار المصادفة الذي يعقبه انهزام تنصب شباكه الدسائس المحكمة، والمكر الخبيث، والغلمان الفتاكون الذين يرسلون سهامهم في غبش الظلام، وهل يستطيع أن يركن إلى سيف الدولة أو يثق بنصرته، وهو كما قال أبو الحسن رجل من هواء لا يدوم على حال. يملكه الغضب حينًا فيرتدَّ شيطانًا رجيمًا، ويجتذبه الرضا بخيط من خيوط العنكبوت فيصبح ملكًا كريمًا، وكيف يعيش شاعر غَرد في هذا الجو القلق المضطرب؟ إني أوثر أن أعيش في عرين الأسد، وأرقد بين الحيات السود، وأنام في مجاري السيول، على أن أعيش بين سموم هذه الأحقاد يومًا واحدًا. غدًا أرحل إلى أي مكان على رغم يقيني من أني لن أجد لسيف الدولة مثيلًا بين الأمراء، ولكن ماذا أفعل والجنة تحف دائمًا بالمكاره، والورد لا يجنى إلا من الشوك؟ غدًا أرحل إلى دمشق، ويفعل الله ما يشاء. يا محسد. فأسرع ابنه إلى ندائه، ووقف يتلقى أمره، فطلب منه أن يأمر العبيد بإعداد كل شيء للرحيل في الغد، ورأى أبو الطيب في وجه ابنه سمات التردد والعجب فصاح به: أطِع ما آمرك به ولا تعوِّق. فقال محسد في تلعثم: إني في الحق في حيرة من هذا الأمر المفاجئ. لقد كان فوزك اليوم على أعدائك فوزًا حاسمًا، وكان إقبال الأمير عليك واعترافه بسمو منزلتك حادثًا فذًّا لم يسجل له الدهر مثيلًا في تاريخ الملوك والشعراء. ثم بعد هذا يخطر لك أن ترحل عن هذا الجاه العريض، والمرتبة التي تتقطع دونها أعناق الشعراء!

– مُر العبيد أن يعدوا كل شيء، ولا تخاطبني في شأن الأمير. اذهب.

فخرج محسد متثاقلًا والدهش يملك عليه لبه، فأمر مسعودًا بالاستعداد للرحيل، وما كاد يلمع أول شعاع للصباح حتى وصل فارس يلهث جواده إلى دار أبي الطيب وطلب لقاءه فأدخل عليه. فقال الفارس: إني خادم سيدتي خَوْلة أخت الأمير، وقد بعثتني برسالة إليك.

– سيدتي خولة؟ تبعث إليَّ برسالة؟ أين هي؟

– ها هي ذي يا سيدي، ومد يده في كمه فأخرج منه كيسًا من الحرير الأخضر خيطت جوانبه حول الرسالة، ففض المتنبي الكيس وأخرج الرسالة فكان فيها:

من خولة بنت عبد الله بن حمدان إلى أبي الطيب أحمد بن الحسين. أما بعد؛ فقد كانت قصيدتك التي أنشدتها اليوم آية بينة من آيات البيان، جديرة بأن تعلق على أستار الزمان، وأن يردد قوافيها الملوان. قرأها علي الليلة أبو الحسن بن سعيد، وشرح لي ما حدث من مقاطعة أبي فراس لك، وتحديه إياك، وما كان من انتصارك عليه، وما كاد يتم سرورنا حتى فوجئنا بتعرض غلمان أبي العشائر لك في الطريق، فغضب أخي أشد الغضب وبعث في طلب أبي العشائر، فلما جاءه تلقاه ساخطًا لاعنًا، واعتذر أبو العشائر وأطال الاعتذار، وأقسم إن شيئًا من ذلك لم يكن بإشارته ولا بعلمه، ولم يخرج من لدنه حتى كتب أمرًا بنفي هؤلاء الغلمان جميعًا إلى الموصل؛ وقد جال بنفسي أن هذا الحادث قد يحفزك إلى الرحيل، بعد أن كنت مترددًا. فأستحلفك بالله وبمجد العرب وبما تكنُّ لأخي من مودة ألا تفعل. لا ترحل يا أبا الطيب فإن الدولة في أشد الحاجة إليك. أنت قلبها النابض، وزندها المفتول، وجيشها الذي لا يصاول. لا ترحل يا أبا الطيب واستمع لرجاء فتاة تقدر أدبك وفضلك. إن الدولة من غير أن يتردد فيها نغم شعرك كنانة بلا سهام، ودوحة بلا بلابل، والسلام عليك في الخالدين.

قرأ المتنبي الرسالة، ثم اطرق واجمًا مفكرًا ينكت الأرض بعصًا كانت في يده. ثم رفع رأسه وكأنما أفاق من غمّه فقال للرسول: قبِّل يد مولاتي وقل لها: إن العبد لا يأبق ما أحسن به سيده، وإن طائرها سيظل رفافًا غردًا ما بعد عنه حفيف السهام، وإن الشعر لن يعصي أمرًا لسيدة نساء «تغلب» ولا يرد كلمة مرت بأطهر شفتين، ونطق بها أصدق لسان.

وبقي المتنبي في كنف سيف الدولة بعد ذلك قرابة خمس سنين، بين سخط ورضًا وعتب وإعتاب، وتجن وإدلال، وحضر بعض مواقع الروم مع سيف الدولة فأجاد وصفها، وشدا ببطولة رجالها، فملأ الدنيا، وشغل الناس، وطار شعره في الآفاق، ورددته الأفواه في كل مكان:

فسار به من لا يسير مشمرًا
وغنى به من لا يغني مغردًا

ولما طال به المقام كثر حساده، ومل سيف الدولة تيهه وكبريائه وضنه عليه بالمديح، فازدادت بينهم الجفوة، ولم يجد أعداء المتنبي بابًا للنكاية به إلا ولجوه، وحينما ضاق المتنبي بأمرهم فكر في الرحيل، وكأنه كان ينظر بعين الغيب حقًّا حينما قال في آخر قصيدة أنشدها بين يدي سيف الدولة:

ولا تبال بشعر بعد شاعره
قد أُفسد القول حتى أُحْمد الصمم

وبلغ سخطه على سيف الدولة غايته حينما حضر مجلسه مرة، وكان به أبو الطيب اللغوي وأبو عبد الله بن خالويه النحوي فجاء في عرض الحديث بيت المتنبي:

لقد تبصرتُ حتى لاتَ مُصطبرٍ
فاليوم أقحَمُ حتى لات مقتحَمِ

فقال ابن خالويه: في هذا البيت لحن شنيع، لأن «لات» لا تجرُّ ما بعدها؛ إذ ليست هي من حروف الجر. فقال أبو الطيب اللغوي: إن بعض العرب يجر الاسم بعدها، فأنكر عليه ابن خالويه ذلك، فنهره المتنبي في غضب وقال: اسكت فما أنت إلا أعجمي لا يفهم أساليب اللغة، فإن من العرب من يجر الاسم بعد «لات»، قال شاعرهم:

طلبوا صلحنا ولات أونٍ
فأجبنا أنْ ليس حين بقاءٍ

فغضب ابن خالويه، وأخرج من كمه مفتاحًا من حديد، فصكَّ به المتنبي في وجهه، فأسال دمه. فنظر أبو الطيب حوله فلم ير من سيف الدولة استنكارًا ولا أسفًا، فخرج من عنده كالبعير الصائل، وقد عزم ألا يكون ثالث الأذلين عير الحيّ ووتده، وجعل يردد:

فلا عبرتْ بي ساعةٌ لا تُعزني
ولا صحبتني مهجة تقبلُ الظلْما

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢