جدل الفيلسوف

(١) الفلسفة وقواعدها

كان جابر بن حيان فيلسوفًا يصطنع جدلَ الفلاسفة، بالإضافة إلى كونه عالمًا يؤسِّس علمَه على مشاهدات وتجارب؛ وهو يُصرِّح بما يُفيد أن مثلَه الأعلى من بين الفلاسفة الأقدمين هو سقراط؛ إذ يصفه بأنه: «أبو الفلاسفة وسيدها كلها».١ كما يقول عنه في موضع آخر:٢ إنه مثال الإنسان المعتدل، مع تعريفه للشخص المعتدل بأنه هو الذي يستخرج الأشياء بطبعه، ويقع له العلم بالبديهة في أول وهلة.
إن جابرًا ليؤمن بقيمة الفلسفة إيمانًا يجعل الفلسفة عنده شرطًا لا مندوحة عنه لارتقاء الإنسان في مدارج العقل، حتى لتختلط عند جابر طائفةُ الفلاسفة بطائفة الأنبياء، فهؤلاء من أولئك وأولئك من هؤلاء؛ يقول: «إنه ليس براق من أغفل صناعة الفلسفة، ولكنه راسب مضمحل إلى أسفل دائمًا.»٣ وكذلك يقول: «إن الشرع الأول إنما هو للفلاسفة فقط؛ إذ كان أكثر الفلاسفة أنبياء؛ كنوح وإدريس وفوثاغورس وثاليس القديم، وعلى مثل ذلك إلى الإسكندر.»٤
ويلخص جابر أصول التفكير الفلسفي في المبادئ الآتية:٥

(١) إن الأشياء لا تخلو من أن تكون قديمة أو محدثة.

(٢) والقديمة والمحدثة لا تخلو من أن تكون مرئية أو غير مرئية.

(٣) والمرئي وغير المرئي لا يخلو من أن يكون مركَّبًا أو بسيطًا.

(٤) وإن جزء المركَّب ليس هو كمثل المركَّب ولا يُحكم به عليه، وإن جزء البسيط كالبسيط وحكمه حكمه.

(٥) وإن كان عِظَم فإنه متجزِّئ إلى ذاته بهذا، يعني جابرٌ: أن كلَّ بُعْد من الأبعاد يتجزَّأ إلى أجزاء من نوعه؛ فالجزء من الخط خط، والجزء من السطح سطح، والجزء من الجسم ذي الأبعاد الثلاثة جسمٌ ذو أبعاد ثلاثة.

(٦) لا يكون تركيب إلا من جزأَين، ولا يكون تركيب الجزأَين إلا بمركِّب لهما (ومعنى ذلك أن وجود الأشياء المركَّبة يستلزم وجودَ العلاقات التي تَصِل الأطراف بعضها ببعض).

(٧) كل مركَّب لا بد من أن يكون ذا جهات.

(٨) ولا يُتصوَّر في العقل أنه يمكن أن يكون عِظَمٌ لا نهاية له؛ فإن ذلك سخف، ولا ينبغي أن يُنازَعَ فيه ولا يُمارَى، فإنه مسلَّمٌ في العقول السليمة، وهي تُوجب ذلك.

(٩) وأيضًا فإن المسافة التي لا نهاية لها لا يمكن أن تُقطعَ في زمان ذي نهاية البتة.

(١٠) وأيضًا فإنه لا يمكن أن يكون شيء لا نهاية له، لا جِرْمًا ولا فعلًا ولا قوة.

(١٠أ) وأيضًا فإنه لا يمكن أن يكون لجرم لا نهاية له قوةٌ ذات نهاية؛ لأن ذلك يكون كالقائم القاعد في حالة واحدة.

(١٠ب) ولا يمكن الجرم الذي لا نهاية له أن يتحرَّك بكلِّه أو ببعضه.

(١٠ﺟ) وينبغي أن تعلم بالضرورة أن العلة قبل المعلول بالذات.

(١٠د) وأنه لا يمكن أن يكون ذات ما لا يكون لا علة ولا معلول.

(١٠ﻫ) وأيضًا فإنه لا يمكن أن يرتفع عن جرم مركَّب صفة وضدها لا واسطة بينهما، ولا أن يحكي أيضًا (أي أن ذلك ممتنع في الأعيان وفي الأذهان في آنٍ معًا).

(١٠و) وأيضًا فإنه لا يمكن أن يكون الفعل للشيء بالقوة أبدًا، ولا يُتصوَّر.

(١٠ز) الذي لم يزَل لا يبطل ولا يضمحل (أي أن الكائن إذا كان أزليًّا غير ذي بداية زمنية، كان أبديًّا لا يطرأ عليه تغيُّر ولا يزول).

(١٠ح) ولا يمكن أن تكون الحياة لجرم إلا بالنفس.

(١٠ط) ولا يمكن أن يكون جرمٌ قابلًا للنفس بالفعل لا يكون حيًّا.

(١١) لا يمكن أن يدخل جرم على جرم إلا ومكانهما جميعًا أكبر من مكان أحدهما.

(١١أ) وأيضًا أنه لا يمكن فراغ من جرم (أي أن المكان الخلاء محالٌ).

(١١ب) وأنه لا يمكن أن تكون الأجرام كوامن بعضها في بعض؛ فإذا حدث بعضها من بعض كان حدوثُها لعلة غير الكمون.

تلك هي المبادئ الفلسفية العقلية الأولية، التي لا يكون فكر سليم إلا في حدودها.

(٢) الوجود واحد مطلق

ليس يخضع الوجود المطلق لما تخضع له الموجودات الجزئية المتناهية من اندراج تحت المقولات؛ فهو منزَّهٌ عن الكم والكيف والمكان والزمان والفعل والانفعال وغير ذلك مما تتميز به الأشياء؛ فإذا فرضنا جدلًا أن الواحد المطلق متَّصفٌ بما تتصف به الكائنات الجزئية، انتهينا إلى تناقض:

الجوهر

فلو فرضنا أن ثمة وجودَين، فلن يخلوَ هذان الوجودان من أن يكونَا:
  • إما — أ — جوهرين.

  • وإما — ب — عرضين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما جوهرًا والآخر عرضًا.

  • وإما — د — كل واحد منهما أو أحدهما جوهرًا وعرضًا.

  • وإما — ﻫ — كل واحد منهما أو أحدهما لا جوهرًا ولا عرضًا لكنهما لو كانَا:
    • (أ)

      جوهرَين بلا أعراض، وجب أن تكون الأعراض محدَثة؛ إذ هي موجودة، وإن كانت موجودة محدثَة، فلا يخلو الأحداث من أن يكون نابعًا من الجوهرَين أو صادرًا عن غيرهما.

      فإن كان من غيرهما، فقد أصبحت الأصول ثلاثة أو أكثر — وفي الأصول الثلاثة ما في الاثنين من تناقض — وإن كان الأحدث منهما، فيكون فيهما ما ليس فيهما؛ إذ المحدثات أعراض، وهما جوهران بلا أعراض — وإذن فافتراضُ وجودِ جوهرَين افتراضٌ فاسد، والحق واحد.

    • (ب)

      ولو كانَا عرضَين، فالعَرَض لا يقوم إلا في غيره، وكلُّ ما لم يَقُم إلا في غيره، وكان غيرها هذا معدومًا فهو أيضًا معدوم؛ إذن فالعرَضان الأوَّلان معدومان؛ لكننا فرضنا أنهما وجودان، فكأننا وصفنا المعدوم بالوجود، وهو من أشنع المُحال.

    • (جـ)

      ولو كان أحدهما جوهرًا والآخر عرضًا، فالعرض لا يقوم بذاته، ويحتاج إلى غيره ليكون قوامُه به؛ ولا بد أن يكون غيرُه هذا جوهرًا، وإذن يكون في الأصل جوهران وعرَض وفي ذلك من التناقض ما أوضحناه في «أ».

    • (د)

      ولو كان كلُّ واحد منهما أو أحدهما جوهرًا وعرضًا، لكان — بحكم كونه عرضًا — متناهيًا محدَثًا؛ وهو مما يتنافَى مع كونه جوهرًا.

    • (هـ)
      ولو كان كلُّ واحد منهما أو أحدهما لا جوهرًا ولا عرضًا، لكان ذلك محالًا؛ لأن جميع المقولات إما جواهر وإما أعراض؛ فإذا فرضنا أنهما من المحسوسات وليسَا من المقولات، كانَا معدومَين، لكننا فرضنا أنهما موجودان، فكأننا فرضنا أنهما موجودان معدومان معًا، وهو من أشنع المحال.٦

الحركة والسكون

إذا فرضنا أن ثمة وجودَين لا وجودًا واحدًا، فلا يخلو هذان الوجودان من أن يكونَا:
  • إما — أ — متحركَين.

  • وإما — ب — ساكنَين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما متحركًا والآخر ساكنًا.

  • وإما — د — كل واحد منهما أو أحدهما متحركًا ساكنًا.

لكنهما لو كانَا:
  • (أ)

    متحركَين فهما متناهيان؛ لأن المتحرك يقتضي أن يكون محدودًا بشيء سواه؛ وبهذا يكون هنالك أكثر من الاثنين اللذَين فرضْنا وجودَهما.

  • (ب)

    ساكنين، فلا حركة، لامتنع امتزاج العناصر بعضها ببعض — لأن الامتزاج يقتضي الحركة — وإذن فلا عالَم؛ لأن العالَم نتيجة مزاج، لكن العالَم موجود.

  • (جـ)

    أحدهما متحركًا والآخر ساكنًا، كان المتحرك متناهيًا، وكان تناهيه إلى شيء سواه أو أكثر من شيء؛ وإذن فيكون الموجود أكثر من اثنين.

    وكذلك يكون الساكن منهما مواتًا لا فعلَ له؛ ويكون معنى هذا أن الكائنات ذوات الأنفس ميتة، وهو محال.٧
  • (د)
    أحدهما متحركًا وساكنًا معًا، فلن يخلوَ ذلك من أن يكون ذلك في لحظة واحدة بعينها، أو في لحظتَين مختلفتَين؛ ومحال أن يجتمع الحركة والسكون في وقت واحد، ومحال كذلك أن يتحول السكون في وقت ما إلى حركة في وقت آخر ما لم يكن هناك شيء يحرِّك؛ ففي كلتا الحالتَين تناقض.٨

الحياة والموت

لو فرضنا وجودَ كونَين، فلا يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — حَيَّين.

  • وإما — ب — ميتَين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما حيًّا والآخر ميتًا.

  • وإما — د — كل واحد منهما حيًّا ميتًا.

لكنهما لو كانَا:
  • (أ)

    حيَّين، وليس في الوجود سواهما، لامتنع الموت، لكن الموت موجود، فكأننا نقول إن الموت معدوم موجود، وهو محال.

  • (ب)

    ميتَين، وليس في الوجود سواهما، لامتنعت الحياة، لكن الحياة موجودة، فكأننا نقول إن الحياة معدومة موجودة، وهو محال.

  • (جـ)
    أحدهما حيًّا والآخر ميتًا، فلا يخلو الميت من أن يكون يقبل الحياة من الحي أو لا يقبلها منه:
    • (١)

      فإن كان لا يقبلها منه، فليس يصير حيٌّ إلى الموت البتة؛ لأنه لا موات في جوهره؛ فموت الحي إذن معدوم، لكن موت الحي موجود، فكأننا قلنا عن الموجود إنه معدوم.

    • (٢)
      وإن كان الميت قابلًا للحياة، فلا يخلو قبولُه هذا من أن يكون دائمًا أو غير دائم:
      • (أ)

        فإن كان دائمًا، كان الموجودُ حيَّين حياة دائمة، فلا موت، مع أن الموت موجود.

      • (ب)

        وإن كان غير دائم، فلا يخلو ذلك من أن يكون إما من ذاته وإما من الحي؛ فإن كان من ذاته فقد حدث في الأزلي ما لم يكن فيه؛ إذ تكون بمثابة مَن يقول عنه إنه في أزليته كان قابلًا للحياة وغير قابل لها؛ أي أنه يحمل الضدَّين وهو محال؛ وأما إن كان ذلك من الحي — لا من ذاته — فكأن الحيَّ يفعل ما يمنع الحياة وهو محال.

      • (جـ)
        ولو كان كلُّ واحد من الكونَين الأوَّلَين حيًّا ميتًا معًا، فلا يخلو أن يكون ذلك إما في الكل وإما في أحد أجزائه؛ فإن قلنا: إنه حيٌّ ميت في جزء دون جزء، كان بين الجزء الحي والجزء الميت من الكون الواحد، ما يكون بين الكونَين اللذَين يكون أحدهما حيًّا والآخر ميتًا؛ وأما إن كان ذلك في الكل، فلن يخلوَ ذلك من أن يكون هذا في وقت واحد، أو في وقتَين مختلفَين:
        • (١)

          فإن كان الكون الواحد حيًّا ميتًا في وقت واحد، كان هذا محالًا.

        • (٢)
          وإن كان حيًّا ميتًا في وقتَين مختلفَين، اقتضى ذلك أن يتحول الكائن الأزلي إلى صفة لم تكن فيه؛ إذ لو كان في أزليته حيًّا ثم تحوَّل ميتًا، أو كان ميتًا ثم تحوَّل حيًّا، لحدث له ضد ما كان له في الأزل، وهو محال.٩

الزمان

إذا فرضنا وجودَ كونَين، فليس يخلو الكونان الأزليَّان من أن يكونَا:
  • إما — أ — دائمَين.

  • وإما — ب — لا دائمَين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما دائمًا والآخر لا دائمًا.

  • وإما — د — كل واحد منهما دائمًا ولا دائمًا.

لكنهما لو كانَا:
  • (أ)

    دائمَين، وكلُّ دائم غيرُ فانٍ، وما لم يكن فانيًا فليس بمتغير، وكل ممتزج متغير، إذن لكان المزاج — أي مزج العناصر — معدومًا، لكنه موجود، فكأننا نقول عن المزاج إنه معدوم موجود معًا، وهو محال.

    وإذا فرضنا أن حالة المزج هي التي كانت قائمة في الأزل، لوقعنا في تناقُض؛ لأن العناصر لكي تمتزج، لا بد لها أن تكون قبلَ مزْجِها منفردةً صرفة؛ فالمزاج يأتي بعد الصِّرفِيَّة، وإذن فكأننا نقول إن المزاجَ أزليٌّ والصِّرفيَّة قبله، وبهذا تجعل الأزليَّ مسبوقًا بشيء سواه، وهذا محال.

  • (ب)

    غير دائمين وهما أزليَّان؛ فكأننا نقول عمَّا هو أزليٌّ إنه يبطل ويضمحل، مع أن ذلك محالٌ على الأزلي؛ وبهذا نكون كمَن يقول عن الأزليَّين إنهما يفنيان وإنهما دائمان، وهو محال.

  • (جـ)

    أحدهما دائمًا والآخر غير دائم، وجَبَ فيما هو دائم منهما ما ذكرناه في حالة الفرض بأن الكونَين دائمان، ووجَب كذلك فيما هو غير دائم منهما ما ذكرناه في حالة الفرض بأن الكونَين غيرُ دائمَين.

  • (د)
    كلُّ واحد منهما — أو أيهما — دائمًا وغير دائم؛ فقد وجبَ أن الأزليَّ يتحول إلى ما ليس من صفاته. وهذا محال.١٠

الفعل

إذا كان هذا العالم مزيجًا من كونَين قديمَين لم يكن في الوجود سواهما، وإذا كان امتزاجُ العناصر بعضها ببعض نتيجةً حدثَت عنهما؛ وإذا كان هذا الحدوث هو فعلهما، فلا يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — كل واحد منهما يفعل المزاج في صاحبه.

  • وإما — ب — أحدهما فقط هو الذي يفعل المزاج في صاحبه.

  • وإما — ﺟ — لا يفعل أيٌّ منهما المزاج في صاحبه.

فلو كان:
  • (أ)

    كلٌّ منهما يفعل المزاج في صاحبه، فلا يخلو الأمر من أن يكون هذا الفعل منهما أزليًّا أو مُحدَثًا.

    • (١)

      فإن كان أزليًّا، كان المزاج أزليًّا؛ والمزاج هو العالَم بما فيه من كائنات، إذن فالعالَم أزلي، وذلك رأي باطل.

    • (٢)

      وإن كان المزاج مُحدَثًا، كان ذلك بمثابة القول بأن شيئًا نشأ عن لا شيء، وهذا محال.

    وكذلك إذا كان فعلُهما المزاجَ مُحدَثًا، فليس يخلو الأمر من أن يكون: إما أنهما يتفاعلان في وقت واحد، وإما أن أحدهما سبق بفعلِه فعلَ الآخر:
    • (١)

      فإن كان فعلُهما المزاجَ معًا وفي دفعة واحدة، فكلُّ واحد منهما مازجُ صاحبِه وممزوج صاحبه؛ والمازج غير الممزوج؛ إذن فكلٌّ منهما غير نفسه وغير صاحبه في آنٍ معًا، وهذا محال.

    • (٢)

      وأما إن كان أحدهما سبق الآخر بفعله، فلا يخلو السابق من أن يكون قد استنفد قوتَه الفاعلة فوقف فعلُه ثم بدأ الآخر يفعل؛ أو أن يكون السابق لم تتناهَ قوتُه الفاعلة، وفَعَلَ الآخر معه في وقت واحد.

    فإن قلنا إن السابق قد تناهَت قوتُه قبل أن يبدأ الآخر فعله، فقد قلنا بالتالي إن اللامتناهي قد أصبح متناهيًا. وهذا باطل؛ وأما إن قلنا إن الثاني بدأ فعله في نفس الوقت الذي كان الأول فيه ماضيًا في فعله، لزم عن ذلك ما أسلفناه، وهو أن يكون كلٌّ منهما فاعلًا في غيره ومنفعلًا بغيره، أي أنه غير نفسه وغير صاحبه في آنٍ واحد (غير نفسه لأنه ينفعل فيتغير عمَّا كان، وغير صاحبه لأنه فاعلٌ فيه وصاحبه منفعل به) وهذا باطل.

  • (ب)

    أما إن كان أحدهما فقط يفعل المزاج في صاحبه، فلا يخلو هذا الفعل من أن يكون إما أزليًّا وإما محدثًا:

    • (١)
      فإن كان أزليًّا كان المزاج أزليًّا، وكان العالَم أزليًّا كذلك. وهذا باطل.١١
    • (٢)

      وإن كان ذلك الفعل محدثًا، فمعنى ذلك أنه كان مسبوقًا بحالة لا فعل فيها، ثم جاء الفعل من عدم، مع أن الفعل وجود — والفعل هنا هو الطبيعة — فكأننا نقول إن الطبيعة وُجدت من عدم. وهذا باطل.

  • (جـ)
    فإن لم يكن أيٌّ منهما يفعل المزاج في صاحبه فلا فعل، مع أن المزاج فعل، إذن فإذا لم يكن فعل فلا مزاج؛ ولما كان العالَم مزاجًا، فلا عالَم، لكن العالم موجود، وهذا تناقض.١٢

الانفعال

إذا كان هذا العالم مؤلَّفًا من كونَين، فلا يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — مركَّبَين.

  • وإما — ب — لا مركَّبَين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما مركَّبًا والآخر لا مركَّبًا.

  • وإما — د — كل واحد منهما مركبًا لا مركبًا، أو أحدهما كذلك.

لكنهما لو كانَا:
  • (أ)

    مركَّبَين، كانَا قابلَين للانحلال إلى ما قد ركبَا منه، وإن كانَا منحلَّين إلى ما رُكِّبا منه كانَا دائرَين؛ وإن كانَا دائرَين فقد سبقهما وقتٌ لم يكونَا فيه كائنَين، وسيلحقهما وقتٌ لن يكونَا فيه كائنَين، وإذن فهما محدثان، مع أنهم زعموا أنهما قديمان فكأنهم بذلك يقولون: إنهما قديمان محدثان. وهو محال.

  • (ب)

    لا مركَّبَين، فلا انفعال لهما — لأن البسيط غير المركَّب غير قابل للتغير — فإذا كانَا لا انفعال لهما فلا تركيب منهما، وإذا كانَا لا تركيب منهما فلا مزاج منهما، وإذا كانَا لا مزاج منهما — وليس سواهما شيء — فلا مزاج البتة، أي أن المزاج يكون معدومًا، مع أن العالم بما فيه مزاج؛ وبهذا يكون العالم معدومًا مع أنه موجود، فكأننا نقول إن المعدوم موجود. وهو محال.

  • (جـ)
    وإذا كان أحدهما مركَّبًا والآخر لا مركَّبًا، وجب في المركَّب ما قد أسلفنا ذكْرَه في حالة أن يكون الكونان مركَّبَين، ووجب في اللامركَّب إما أن يكون هو الذي ركَّب المركَّب وإما لا يكون:
    • (١)

      فإن كان هو الذي ركَّبه — وإذا لم يكن هناك غيرهما — فالمركَّب مُحدَث، والمركِّب أزلي، وإذن فالأزليُّ واحدٌ وبطل القول إنه اثنان.

    • (٢)
      وإن لم يكن هو الذي ركَّب المركَّب — وإذا لم يكن هناك غيرهما — كان المركَّب هو الذي ركَّب ذاته، ولا يخلو الأمر من أن يكون ركَّب ذاته بصفة كونه موجودًا، أو أن يكون ركَّبها بصفة كونه معدومًا:
      • (أ)

        فإن كان ركَّبها بصفته موجودًا، إذن فقد كان موجودًا قبل أن يركِّب ذاته، فلا معنى لتركيبها.

      • (ب)

        وإن كان ركَّب ذاته وهو غير موجود، كان معنى ذلك أن ما هو غير موجود ذاتٌ، والذات هي ذات ذلك المعدوم. وهو محال.

      • (جـ)
        أو يكون كلُّ واحد منهما مركَّبًا لا مركَّبًا — أو أحدهما كذلك — فأيما كان منهما كذلك فلا يخلو من أن يكون كذلك بالكمِّ أو بالزمان (أي أنه يكون كذلك إما دفعة واحدة، وإما على وقتَين متعاقبَين؛ فآنًا هو مركَّبٌ وآنًا هو غير مركَّب):
        • (١)

          فإن كان كذلك بالكمِّ (أي أنَّ بعضَه مركَّبٌ وبعضَه الآخر غيرُ مركَّب) وجب في بعضه المركب ما وجب في الكل المركب (وقد أسلفنا ذلك) ووجب في بعضه اللامركب ما وجب في الكل اللامركب (وقد أسلفنا ذلك أيضًا).

        • (٢)
          أما إن كان كذلك بالزمان (أي أنه آنًا مركَّب وآنًا غير مركَّب) كان معنى ذلك أن شيئًا أزليًّا هو أسبق من شيءٍ أزليٍّ آخر. وهو محال.١٣

العلم

إذا كان العالم مؤلفًا من كونَين، فلا يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — أن يحيط كلُّ واحد منهما علمًا بذاته.

  • وإما — ب — ألَّا يحيطَ أيٌّ منهما علمًا بذاته.

  • وإما — ﺟ — أن يكون علمُ أحدهما محيطًا بذاته، وعلمُ الآخر غيرَ محيط بذاته.

  • وإما — د — أن يكون علمُ كلٍّ منهما محيطًا بذاته وغير محيط بذاته.

لكنهما لو كانَا:
  • (أ)

    بحيث يحيط علمُ كلٍّ منهما بذاته، لكانَا متناهيَين؛ لأن العلم يحيط بهما، وإذا كانَا متناهيَين فهما محدودان، وما حَدَّهما غيرهما — سواء كان غيرهما جرمًا أو عدمًا — فهما إذن أكثر من اثنين.

  • (ب)

    لا يحيط علمُ الواحد منهما بذاته؛ فقد جهلَا ذاتهما، وإذن فلا فرق بين أن يُقال عنهما إنهما لا متناهيان أو إنهما متناهيان.

  • (جـ)

    أحدهما يُحيط علمُه بذاته والآخر لا يُحيط علمُه بذاته، لوجب في الذي يُحيط علمُه بذاته ما وجب في «أ»، ووجب في الذي لا يُحيط علمُه بذاته ما وجب في «ب».

  • (د)
    ولو كان علمُ كلٍّ منهما محيطًا بذاته وغيرَ محيط بها، فلا يخلو أن يكون هذا الاجتماع في وقت واحد أو في وقتَين؛ فإذا كان في وقت واحد كان اجتماع النقيضَين محالًا، وأما إذا كان في وقتَين، وجب في حالة إحاطة العلم بالذات ما وجب في «أ»، وفي حالة عدم إحاطة العلم بالذات ما وجب في «ب».١٤

التناهي

إنه لا يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — متناهيَين.

  • وإما — ب — لا متناهيَين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما متناهيًا والآخر لا متناهيًا.

  • وإما — د — كل واحد منهما متناهيًا لا متناهيًا.

لكنها لو كانَا:
  • (أ)

    متناهيَين، فهما محدودان، وإن كانَا محدودَين فحادُّهما غيرهما — جرمًا كان أو عدمًا — وبهذا تبطل الاثنينية؛ لأن الموجود يصبح أكثر من اثنين.

  • (ب)

    وإن كانَا لا متناهيَين فلا مكان لهما، وإن كان لا مكان لهما فلا ذهاب لهما في جهة من الجهات، وبالتالي فلا حركة لهما، وإن كان لا حركة فلا امتزاج. ولما كان العالم مؤلَّفًا من مزاج وإذا لم يكن امتزاجٌ فلا عالَمَ؛ وبهذا يصبح العالَمُ معدومًا، لكنه موجود.

  • (جـ)

    وإن كان أحدهما متناهيًا والآخر لا متناهيًا، كان المتناهي محدودًا، وما حدَّه غيره؛ وبهذا يكون الموجود أكثر من اثنين؛ وكان اللامتناهي بغير أطراف، وما لا أطراف له لا فراغ منه، وما لا فراغ منه لم يدَع مجالًا لغيره، أي أنه يكون قائمًا وحده، وبهذا أيضًا يبطل الفرض بوجود اثنين.

  • (د)
    وإن كان كلٌّ منهما متناهيًا ولا متناهيًا — أو كان أحدهما كذلك — فلن يخلوَ الأمر من أن يكون ذلك في وقتَين مختلفَين أو في وقت واحد:
    • (١)

      فإن كانَا كذلك في وقتَين مختلفَين، كان الكائنُ الأزليُّ مشتملًا على ضدَّين. وهو محال.

    • (٢)
      وإن كان ذلك في وقت واحد، كان الأزليُّ أيضًا على حالَين متضادَّين في وقت واحد وهو محال.١٥

الاتصال والانفصال

ليس يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — متصلَين.

  • وإما — ب — منفصلَين.

  • وإما — ﺟ — متصلَين منفصلَين.

  • وإما — د — لا متصلَين ولا منفصلَين.

لكنهما لو كانَا:
  • (أ)

    متصلَين، فهما ذاتٌ واحدة، وبطلَت الاثنينية.

  • (ب)
    منفصلَين، ففاصلهما الحاجزُ بينهما هو شيء غيرهما، وبهذا يصبح الموجود أكثر من اثنين.١٦
  • (جـ)
    متصلَين منفصلَين، فلا يخلو ذلك من أن يكون في جهة واحدة منهما، أو في جهتين:
    • (١)

      فإن كان في جهتين، وجَب في الجهة التي فيها الانفصال وجودٌ ثالث كما بيَّنَّا في «ﺟ».

    • (٢)

      وإن كان في جهة واحدة، فلا يخلو من أن يكون ذلك في وقت واحد أو في وقتَين، وهنالك تناقضٌ في كلتا الحالتَين كما بيَّنَّا في مواضع كثيرة سابقة.

  • (د)
    لا متصلَين ولا منفصلَين، فهما بكونهما لا متصلَين يُصبحان ثلاثة بإضافة الحاجز بينهما، كما بيَّنَّا في «ب»؛ وبكونهما لا منفصلَين يُصبحان واحدًا لا اثنين، كما بيَّنَّا في «أ».١٧

الكيف

إذا فرضنا وجودَ كونَين؛ أحدهما منيرًا من الأزل والآخر مظلمًا من الأزل، فلا يخلو الأمر من أن يستمدَّ الكونان النور والظلام، إما من ذاتَيهما وإما من غيرهما:
  • (أ)

    فإن كان من غيرهما، فلا يخلو من أن يكون الذي منه النور هو الذي منه الظلام، أو يكون الذي منه النور غير الذي منه الظلام، وعلى أيِّ فرض من الفرضَين، فسيكون هنالك ثالثٌ ورابع، وتبطل الاثنينية كما تبطل أزلية الكونين؛ لأن «الأول» عندئذٍ لا يصبح «أولًا».

    «هذه أوَّلة في العقل»، أعني بديهية أولية يقبلها العقل بفطرته، ولا تحتاج إلى برهان وما دمنا قد سلَّمنا بها لزم أيضًا أن نُسلِّم بأن لكل شيء طباعَه الأصلية الموجودة فيه منذ الأزل، والتي لا تحتاج إلى ردِّها إلى أصل أسبق منها في الوجود.

  • (ب)
    أما إن كان مصدرُ النور نورًا ومصدرُ الظلام ظلامًا، فلا يخلو من أن يكون كلُّ واحد منهما صِرْفَ الطبيعة — أي نورًا صِرْفًا وظلامًا صِرْفًا — أو أن يكون كلُّ واحد منهما مشوبَ الطبيعة:
    • (١)
      فإن كان كلُّ واحد منهما مشوبَ الطبيعة، كانت طبيعتُه قد خالطَتها طبيعةٌ أخرى غيرها، أي أنه ممزوج، ومزجُه أزليٌّ، مع أن المزجَ يقتضي أن تتحد الطبيعتان بعد أن كانتَا متباينتَين، فكأننا نقول بهذا إن أزلًا قد جاء بعد أزل أسبق منه. وهو تناقض.١٨
    • (٢)

      (لم يذكر جابر تحليل الفرض الثاني، وهو أن يكون النور والظلام غيرَ مشوبَين، أي أن يكون النورُ نورًا صرفًا والظلامُ ظلامًا صرفًا).

الكم

لا يخلو الكونان من أن يكونَا:
  • إما — أ — كليَّين.

  • وإما — ب — جزئيَّين.

  • وإما — ﺟ — أحدهما كليًّا والآخر جزئيًّا.

  • وإما — د — كل واحد منهما أو أحدهما كليًّا جزئيًّا.

  • وإما — ﻫ — كلُّ واحد منهما أو أحدهما لا كليًّا ولا جزئيًّا.

لكنهما:
  • (أ)

    إن كانَا كليَّين فلهما أجزاء، وإن كانت لهما أجزاء فلكلِّ جزءٍ أطراف، وإذن فهذه الأجزاء محدودة بحدود، وكل ما كان محدودَ الأجزاء فهو محدود الكل، والمحدودُ متناهٍ إلى غيره، وإذن يكون مع الكونَين غيرهما، لكننا فرضنا وجودَهما وحدهما ولا شيء غيرهما. وهذا محال.

  • (ب)

    إن كانَا جزأَين فلهما كلَّان، أو كلُّ واحد يجمعهما، وعلى أيِّ الحالتَين وجَب ما قد وجَب في الكل كما بيَّنَّا في «أ».

  • (جـ)

    وإن كان أحدهما كليًّا والآخر جزئيًّا، ولم يكن ثمة سواهما، فالجزء منهما هو جزء الكل، والكل منهما هو كلٌّ للجزء، فهما — إذن — ذات واحدة، أحدهما جزءٌ من الكل، ومتى أُفرِد الجزء صار ما بقيَ من الكل جزءًا أيضًا، فيكون الكلُّ كلًّا جزءًا من جهة واحدة. وهذا محال.

  • (د)
    وإن كان كلٌّ منهما جزئيًّا كليًّا؛ فإما أن يكون ذلك من جهة واحدة، أو من جهتَين مختلفتَين:
    • (١)

      فإن كان من جهتَين مختلفتَين فهو جزء لما هو أكثر منه، كلٌّ لما هو أقل منه، وهذا يجعله لا متناهيًا من جهة ومتناهيًا من جهة أخرى، كما يجعل هناك لا متناهيًا أكثر من لا متناه آخر. وهو محال.

    • (٢)

      وإن كان ذلك من جهة واحدة، فهو كلٌّ وجزءٌ معًا. وهذا محال.

  • (هـ)
    وإن كانَا — أو كان أحدهما — لا كليًّا ولا جزئيًّا، فقد ثبت جرمٌ لا كلَّ له ولا جزء. وهذا محال.١٩

الكمون والظهور

ونختم بهذه الفقرة مختاراتِنا من أمثلة الجدل الفلسفي عند جابر بن حيان، وهو كلُّه جدلٌ أراد به إثبات الواحدية وإنكار التعدُّد؛ فلو كان العالمُ مشتملًا على أجناس كثيرة وأنواع كثيرة، فلا يخلو ذلك من أن يكون:

إما أن بعض الأشياء كامنة في بعضها الآخر؛ كالجنين يكمن في النطفة، والشجرة كامنة في الحبَّة وهكذا؛ وإما أن يكون ظهور بعض الأجناس إبداعًا وخلقًا من عدم.

فأما الفرض الأول فيقتضي إنكار وجود الخالق الذي يخلق الكون من عدم؛ لأنه فرضٌ يُحيل الأمر إلى تطوُّر يرتدُّ إلى الوراء حلقة بعد حلقة حتى تنتهيَ إلى طبائع أولية؛ وأما الفرض الثاني فيجعل فاصلًا بين سلسلة الكائنات المتطور بعضها من بعض، وبين الخالق الذي أنشأها بعد أن لم تكن. ويحدِّثنا جابر بأن الرأي الأول هو قول «المنانيَّة»، وأما الرأي الثاني فهو الذي يأخذ هو به ويُقيم عليه البرهان، «فأهل الإبداع هم القائلون بالتوحيد، والمبطلون قولَ المنانيَّة وغيرهم ممن قال بقولهم في كمون بعض الأشياء في بعض.»٢٠

(٣) القديم والمحدث

الله خالقٌ وهو أزليٌّ، والطبيعة مخلوقة وهي حادثة؛ فعلى أية صورة يجوز لنا أن نتصور الصلة بين الخالق والمخلوق؟ بين القديم والمُحدَث؟ يجيب ابن حيان عن ذلك بما معناه:٢١
اعلم أن الكلام في القديم والمحدث — عافاك الله — من أصعب الأمور عند جلَّة الفلاسفة وقدمائها، ولو قلتَ إن أكثرهم مات بحسرته لكنتُ صادقًا؛ فأرباب هذا العلم هم أشد الناس تعظيمًا لعلمهم هذا وصيانة له وحفظًا عن غير مستحقِّه؛ وإن يكن تحصيلُه سهلًا عليهم يسيرًا لديهم؛ لأنهم يدركون الحقيقة بالشهود المباشر، ويفيضون بها فيضًا، فلا يحتاجون في ذلك إلى إعمال فكر في إقامة الدليل على ما قد أدركوا، ولا إلى استعمال لفظ في التعبير عما قد أدركوا؛٢٢ غير أنهم وإن كانوا كذلك في شهودهم للحق وإدراكهم له، فإن علمهم لا ينتقل إلى سواهم إلا إذا كان هؤلاء في منزلة قريبة من منزلتهم؛ فليس الناس في إدراك الحق سواء، بل منهم مَن يحتاج لواسطة، ومنهم مَن يتصل بالحق صلة مباشرة لا واسطة بينه وبينه.
وإذا أدركنا «القديم» استطعنا أن نُدرك خصائص المحدث بالاستدلال؛ لأن القديم والمحدث ضدَّان، والعلم بأحد الضدَّين هو علم بالضد الآخر؛ فطريق الفكر هو من القديم إلى المحدث، نُدرك الأول إدراكًا مباشرًا ثم نستدل الثاني منه، وليس العكس كما ظنَّ «جهلة المتكلمين» في هذا الباب؛ إذ استدلوا على الغائب (القديم) بالشاهد (المحدث) على بُعد ما بينهما؛ فكأنهما استشهدوا بالجزء على وجود الكل برغم ما في هذا المنطق من فساد.٢٣

إن أخصَّ صفة «للقديم» هو الوجود الذي يُستغنَى به عن الفاعل، أي أنه وجود بغير موجِد؛ وذلك لأنه موجود وجودًا أزليًّا؛ ولو كان موجودًا بفعل فاعل لكان هذا الفاعل أسبقَ منه وجودًا، وأيُّ كائن يتقدَّمه غيرُه في الوجود يكون محدثًا وغيرَ أزلي؛ لكنه إذا كان الوجود صفة من صفات القديم، فهو كذلك صفة من صفات المحدَثات؛ بل إن وجود المحدثات ليس عرَضًا، بل هو وجودٌ بالضرورة أيضًا؛ وذلك لأن الآثار تكون شبيهةً بمؤثرها، وإذا كان الأمر كذلك، وجب الوجود للمحدَث عن وجود القديم، والفرق بين الوجودَين هو أن وجود القديم يستغني عن الفاعل، ويكون علة لوجود غيره، وأما وجود المحدَث فهو يحتاج إلى فاعل يكون علة لغيره.

ومن خواص القديم أيضًا أن تكون جميعُ المحدَثات من فعله وأثره؛ إذ لا بد لجميعها من انتهاء إليه ورجوع إلى كونه علةً لها — إما قريبة وإما بعيدة — فليس للقديم سوى هاتين الخاصتَين، وهما في الحقيقة واحدة؛ وذلك أن الوجود له هو الصفة التي بها أوجد آثاره، أي أن وجودَه تضمَّن أن يكون علةً لوجود المحدثات.

ولما حدثت الطبيعة عن الجوهر الأول — وهو العلة الأولى — حدث عنها شيئان ضدان: هما الحركة والسكون؛ أما الحركة فهي من الطبيعة محيطها، وأما السكون فهو منها المركز؛ لهذا كان بين الحركة والسكون ما بين المحيط والمركز من تباعُد وتضاد؛ ولهذا التباين بينهما تباينَت صفاتهما؛ فللمحيط الصفاء والخير والحسن والجمال والنور والبهاء، ومن ثَم فهو أقرب جوانب الطبيعة إلى الله، والفرق بينهما هو أن الجوهر القديم لم يكن محتاجًا إلى الحركة، وأما الكائنات التي هي في محيط الطبيعة فمحتاجة إلى الحركة؛ وإنما تحرَّكَت حركتها لمنفعة الإنسان، الذي خُلق بطبعه مفتقرًا إلى اجتلاب المنافع ودفع المضار؛ ففي الإنسان شهوة ترغب في شيء وتنفر من شيء.

على أن الإنسان يسير بشهوته في أحد طريقين: فإما هي شهوة يشتاق بها أشياء خسيسة، وإما هي شهوة يتطلَّع بها إلى ما هو صافٍ رفيع؛ ولكي يجعل الجوهر القديم طريقًا مفتوحًا أمام شهوة الإنسان أن تتجه إلى الصفاء والخير، فقد جعل في الأفلاك شوقًا، حتى يمكن الاتصال بين المتجانسَين، وأعني بهما الشوق عند الإنسان والشوق عند الأفلاك، ليتصل الشوق بالشوق، ويغلب أحدهما الآخر؛ لأن في أحدهما حركةً وفي الآخر سكونًا، والحركة تغلب السكون.

وإذا وصَلَ الإنسانُ نفسَه بالأعلى، بلغ من العلم غايته، «فوَحَقِّ سيدي إنه لغاية العلم، ولو شئت لبسطته فيما لا آخر له من الكلام؛ ولكن هذه الكتب — يا أخي — معجزات سيدي، وليس — وحقه العظيم — يظفر بما فيها من العلم إلا أخونا؛ فأما مَن سواه من إخواننا الذين لم ندَّخر هذا من أجلهم ولا صنَّفناه لهم، فإنما يظفر منها بما ظهر من علومنا فيها، وصنائعنا التي صنعناها وأودعناها إياها؛ وأما غير هؤلاء من الأضداد والسفلة والأرذال والسفهاء المظلمي النفوس الأقذار العقول فما يزيدهم الله بها إلا عمًى وضلالة وجهلًا وبلادة …»

١  كتاب التجميع، مختارات كراوس، ص٣٨٩.
٢  نفس المرجع، ص٣٧٧.
٣  كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل، مختارات كراوس، ص٣٧.
٤  كتاب البحث، المقالة الخامسة.
٥  كتاب الخواص الكبير، المقالة الأولى.
٦  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
٧  كتاب الخواص الكبير، المقالة ١٧.
٨  نفس المرجع، المقالة ٢٥.
٩  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
١٠  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
١١  يقول ابن حيان في هذا السياق إن أزلية العالم — أي قِدَم العالم — هو مذهب سقراط، وهو مذهب يرفضه ابن حيان كما رفضه معظم فلاسفة العصور الوسطى من مسلمين ومسيحيِّين؛ لأنه يتنافى مع القول بأن الله خلق العالم.
١٢  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
١٣  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
١٤  كتاب الخواص الكبير، مقالة ١٧.
١٥  كتاب الخواص الكبير، المقالة ١٥.
١٦  كل هذا التحليل هو من الأسس التي بنَى عليها «برادلي» — الفيلسوف الإنجليزي الحديث — منطقَه بأن الكون واحد. راجع كتابه «المظهر والحقيقة».
١٧  كتاب الخواص الكبير، مقالة ١٧.
١٨  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
١٩  كتاب الخواص الكبير، المقالة الثانية.
٢٠  كتاب الخواص الكبير، المقالة الخامسة والعشرون.
٢١  كتاب القديم.
٢٢  أحسب أن جابرًا يريد بهذا أن يقول: إن إدراك «القديم» (المبدأ الأزلي الأول) لا يكون عن طريق الفكر الفلسفي القائم على البرهان والقياس، بل يكون عن طريق الإدراك الصوفي.
٢٣  في هذا تأييدٌ لقولنا بأن جابرًا يجعل وسيلةَ إدراك الله هي الحدسُ الصادق الذي عُرِف به المتصوفة، لا الاستدلال القياسي الذي يتميز به تفكير الفلاسفة والمتكلمين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣