الفصل الثالث

(في المساء.)

(حجرة سجن، تعلوها حجرة أخرى.)

(جراندير وحيدًا.)

(ضحك وصياح يُسمع على بُعد من جمهور لا يُرى. بنتان السجان، يتقدم نحو جراندير.)

بنتان : هل نمت؟
جراندير : كلا، كلا، الضوضاء، الجمهور، هل ناموا؟
بنتان : لقد تدفق على المدينة ثلاثون ألف شخص، أين تظن يجد هؤلاء لهم أسرة؟
جراندير : وهل هم بحاجة إلى النوم؟ هل كنت أنا أيام طفولتي أنام في الليلة التي تسبق الوليمة؟
بنتان : لا شك أنَّهم يتطلعون إليها.
جراندير : ماهي؟ اذكرها.
بنتان : عقوبة الإعدام.
جراندير : إنني لم أُقدَّم للمحاكمة بعد.
بنتان : حسنًا، ليكن ما تريد، ولتجرِ المحاكمة.
جراندير : هل أنت رجل رحيم؟
بنتان : إنما هو نظامكم، وأحمد الله لو وجدتَ رجالًا يقومون بالمهمة، لا تنتظر منهم أن يكونوا رءوفين كذلك، إنما أتيت لأنبئك أنك سوف تُدعى في الصباح الباكر، وإذن فلتحاول أن تحصل على بعض النوم.
جراندير : شكرًا لك.
بنتان : هل تريد أي شيء؟ ليس عندي الكثير مما أستطيع تقديمه.
جراندير : لا شيء، لا شيء.

***

(جان – الأب منيون)
جان : لا ترحل.
منيون : إنَّها الثالثة صباحًا، وأنا رجل عجوز، بحاجة إلى النوم.
جان : لا أريد أن أُترك وحيدة معه.
منيون : مع الرجل الذي عذبك؟ جراندير؟
جان : نعم.
منيون : إنه تحت الحراسة المشددة.
جان : كلا، إنه هنا، في باطني، كالطفل. إنه لم يكشف لي قط أي نوع من أنواع الرجال هو؛ عرفته جميلًا، وقال الكثيرون عنه إنه بارع، وقال كثيرون آخرون إنه شرير، ولكن برغم كل قسوته على روحي وبدني لم يأتِ قط بغير المحبة. كلا، دعني أعبر عما في نفسي، أقول إنه في باطني، أنا في قبضة الشيطان، ولكنه ساكن، يرقد تحت قلبي، ويعيش في أنفاسي، وفي دمي، وهو يخيفني؛ أخاف أن أكون قد ارتكبت أجسم الأخطاء في هذا الأمر.
منيون : ماذا تعنين؟
جان : هل أخطأت؟ هل اتخذ الشيطان صورة الشخص الذي أحب، صورة محبوبي، ليخدعني؟
منيون : أبدًا، الرجل رسوله.
جان : ما أشد ضآلة جسمي، إنه ميدان صغير للمعركة التي يتقرر فيها مصير هذا النضال الفظيع بين الخير والشر، بين الحب والكراهية، هل أخطأت حينما سمحت لهذا النضال أن تدور رحاه؟
منيون : كلا، كلا، ألست تفهمين؟ إنَّ هذه الأفكار عينها تتسرب إلى عقلك بقوى الخوف، ومن الخطأ أن تظني أن الجحيم يقاتل دائمًا بصليل السلاح. في هذه الآونة، في ساعات الفجر، يرسل الشيطان رسله سرًّا، يتهامسون بما يحملون من رسائل الشك.
جان : لست أعرف، لست أعرف، إنكم جميعًا تتكلمون بأصوات متعددة، وأنا مجهدة.
(تصيح) أبي، أبي.

***

(جراندير وحيدًا في غرفة السجن.)

جراندير : سوف يكون هناك ألم، وهذا الألم سوف يقضي على اعتقادي في الله. إن خوفي يطرده الآن بالفعل.
نعم، نعم، لسنا سوى ذباب فوق الأسوار، نطن في حماره القيظ، هذه هي الحقيقة، هذه هي الحقيقة. كلا، كلا، بل نحن مخلوقات شائهة خُلقنا في يوم واحد. لسنا سوى صلصال بين يدي طفل. يا للفزع، يجب أن نُحفظ في القوارير ونُعلَّق في الصيدلية، كأننا تحف، للتسلية فقط، إذن، لا شيء.

هل أحتمل الألم؟ أماه، أماه، اذكري خوفي! أوه، لا شيء، هذا الصباح على الطريق، ما هي القصة؟ لم تكن سوى خداع المعاني البسيطة. حيلة من حيل الشمس. شيء من تعب الجسم، ثم يشرع الإنسان في الاعتقاد بأنه خالد. انظر إليَّ الآن، أقلص يدي محاولًا أن أقنع نفسي أن هذا اللحم وهذه العظام لها معنى.

ومع هذا فالأمر محزن، محزن، محزن جدًّا، يرى المرء في الصباح ما هو المجد، فإذا حل المساء زالت عنه الرؤيا.

أبانا في السماء، بالرغم من أنني أناضل بين ذراعيك كالطفل الغاضب …

هذه الحاجة إلى إيجاد المغزى. أي كبرياء هذا. لسنا إلا ضحايا، لا شيء ينتهي إلى لا شيء.

دعني أتفرس هذا الفضاء. دعني أتفرس نفسي هل هناك شيء واحد، في الماضي أو الحاضر، يؤدي إلى غرض؟ (صمت) لا شيء، لا شيء، من هناك؟

(يدخل الأب إمبروز، وهو رجل عجوز.)

إمبروز : اسمي إمبروز.
جراندير : أعرفك يا أبي.
إمبروز : أنبأوني بمتاعبك يا بني، والليل قد يطول.
جراندير : نعم، البث معي.
إمبروز : فكرت في أن أقرأ لك، أو — إن آثرت ذلك — أدينا الصلاة معًا.
إمبروز : دعني أحاول.
جراندير : كلا، أعني.
جراندير : إنهم يهدمون إيماني، بالخوف والعزلة الآن، وبالألم فيما بعد.
إمبروز : اتجه إلى الله يا بني.
جراندير : لا شيء يتجه إلى لا شيء.
إمبروز : الله هنا، والمسيح هو هذه اللحظة.
جراندير : أجل هذه عقيدتي، ولكن كيف أستطيع الدفاع عنها؟
إمبروز : بذكرك إرادة الله.
جراندير : نعم، نعم.
إمبروز : بذكرك إنه لا يجب أن يُطلب منه شيء، ولا يجب أن يُنكر عليه شيء.
جراندير : أجل، ولكن كل هذا في الكتب، وقد قرأتها، وفهمتها، ولكن هذا لا يكفي.
لا يكفي، لا يكفي الآن على الأقل.
إمبروز : الله هنا، والمسيح هنا.
جراندير : أنت رجل عجوز، ألم تظفر بغير هذا النسيج المزركش في كل سني حياتك؟
إني آسف، لقد أتيتَ لصدقة خالصة، وأنت الوحيد الذي فعلت ذلك، أنا آسف.

(إمبروز يفتح كتابًا.)

إمبروز : لا بد من إرادة الألم. ولا بد من إرادة المصاب. ولا بد من إرادة الذلة.
فإنَّ بالإرادة …
جراندير : يمكن الإدراك، أعرف ذلك، أعرف ذلك.
إمبروز : إذن أنت تعرف كل شيء.
جراندير : لست أعرف شيئًا، حدثني كرجل يا أبي، تكلم عن بسائط الأمور.
إمبروز : أتيت لمعونتك يا بني.
جراندير : تستطيع معونتي بكلامك كرجل؛ ولذا أرجوك أن تطوي الكتب، وانس ألفاظ الآخرين، ووجه خطابك إليَّ.
إمبروز : آه، إنك تعتقد أن في البساطة سرًّا ما، نعم إنني رجل بسيط، فلم تساورني قط شكوك عظيمة، ولما كنت ساذجًا وخجولًا كنت بطبيعة الحال أقل تعرضًا للإغراء من غيري؛ إن الشيطان يحب من العظمة أكثر مما استطعت أن أقدم.
كنت فتى فلاحًا أتمسك بمحبة الله لأني كنت أشد نشازًا من أن أطلب محبة الإنسان.

لست المثال الطيب يا بني، ومن أجل هذا أتيت بالكتب.
جراندير : أنت تحط من قدر نفسك، ماذا ينبغي أن نعطي الله؟
إمبروز : أنفسنا.
جراندير : ولكني عديم القيمة.
إمبروز : هل أذنبت كثيرًا؟
جراندير : كثيرًا.
إمبروز : حتى صغار الفتيات يأتين إليَّ في هذه الأيام، ويعترفن بأشياء لا أعلم شيئًا عنها؛ ولذا فمن العسير عليَّ أن أفهم ذنوب رجل فتى من رجال الدنيا مثلك، ولكن دعني أحاول.
جراندير : كانت في حياتي نسوة وشهوة … ونفوذ وطموح … ودنيا وسخرية منها.
إمبروز : تذكر، الله هنا، إنك تتكلم في حضرته، والمسيح هو هذه اللحظة، وأنت تكابد معه.
جراندير : أخشى الألم المقبل، أخشى الذلة.
إمبروز : هل كنت تخشى نشوة الحب؟
جراندير : كلا.
إمبروز : أو ذلة الحب؟
جراندير : كنت أباهي بها، ولقد عشت بحواسي.
إمبروز : وإذن فلتمت بها.
جراندير : ماذا تقول؟
إمبروز : امنح الله الألم، والرعشة، والنفور من الدنيا.
جراندير : نعم، أمنحه نفسي.
إمبروز : ليكشف لك عن نفسه بالطريقة الوحيدة التي تستطيع أن تفهمها.
جراندير : نعم، نعم.
إمبروز : تلك هي كل ما يستطيع أيُّنا أن يفعل. إننا نحيا فترة وجيزة، وفي هذه الفترة الوجيزة نذنب، إننا نتجه إلى الله حسبما نستطيع، كل شيء يُعفى عنه.
جراندير : نعم أنا ابنه، هذا حق، وليقبلني كما أنا. وإذن فهناك مغزى، هناك مغزى على أي حال. أنا رجل مذنب، ومن الممكن قبولي، لست لا شيء متجهًا نحو لا شيء، إنما هو ذنب يتجه نحو العفو، إنه مخلوق بشري يتجه نحو المحبة.

(بنتان يدخل.)

بنتان : عليه أن يخرج الآن، يقولون إنك تستطيع أن تطلب الأب باري أو الأب رانجير إن كنت في حاجة إلى قسيس.
جراندير : يقولون ذلك؟
بنتان : في الخارج.
جراندير : دي لوباردمنت؟
بنتان : نعم هو.
إمبروز : هل لا بُدَّ أن أخرج؟ هل يقول إني لا بُدَّ أن أخرج؟
بنتان : نعم يا أبي، إنك خطر بسذاجتك، ولكنهم تأخروا عن الميعاد.
إمبروز : لست أفهم.
جراندير : من هذا الطريق أفضل، دعني أقبلك.

(بنتان والأب أمبروز ينصرفان.)

(جراندير وحيدًا.)

جراندير : ما هذه؟ دموع؟ متى حدث ذلك آخر مرة؟ ما هي الحكمة في الدموع؟
لا بد أن تكون لِما يفقد المرء لا لِما يجد؛ لأن الله هنا.

***

(ضوء النهار المفاجئ. ضحك.)

(كلير وجبرائيل ولويز يظهران في العراء.)

جبرائيل : المدينة كالملهى.
كلير : كانوا يغنون قريبًا من نافذتي طوال الليل.
جبرائيل : هناك بهلوانات، أتمنى أن نراهم، لقد أحببت البهلوانات.
كلير : ألم يسلِّ بعضنا بعضًا بما فيه الكفاية بهذه الطريقة؟

(تضحكان.)

لويز : يظهر أننا لم نعد نسلي الآخرين، لم يقترب منا منذ أيام أحد من القسس أو من كبار أهل باريس.

(جان تقبل عليهما، غير ملحوظة.)

جان : يجب أن تفهمي يا لويز أن محبوبي الجماهير لهم أيامهم التي تنتهي كغيرها من الأيام.
لويز : هل انتهى كل شيء يا أمي؟
جان : عاجلًا، إنه يظهر أمام قضاته هذا الصباح، ليدلي بأقواله الأخيرة.
لويز : لم أقصد الأب جراندير، إنما قصدتنا، ماذا عسانا …
جان : ثم ينطقون بالحكم، وأخيرًا يكون «السؤال».
لويز : وما مصيرنا يا أمي؟
لويز : سوف نعيش، أمامك حياة طويلة، يا لويز الحسناء، فكري في الأمر.

***

(حجرة السجن. مانوري وحيدًا، يُسمح لآدم بالدخول.)

آدم : هالو.
مانوري : هالو.
آدم : هل أرسلوا في طلبك؟
مانوري : نعم.
آدم : وكذلك أرسلوا في طلبي، بأمر من لوباردمنت.
مانوري : نعم.
آدم : لقد أتيت بأدواتي، هل فعلت؟
مانوري : نعم.
آدم : الأدوات التي ظننت أنها ضرورية.
مانوري : من العسير تحديد ذلك، أليس كذلك؟
آدم : هل قمت بمثل هذا العمل من قبل؟
مانوري : كلا.
آدم : ولا أنا، هو …م، الجو بارد هنا.
مانوري : أجل.
آدم : هل هو بارد في الخارج؟
مانوري : نعم.
آدم : بارد بالنسبة إلى الصيف.
مانوري : بالنسبة إلى أغسطس، نعم.

(دي لوباردمنت يقبل.)

لوباردمنت : عمتم صباحًا، أيها السادة، يسرني أن أجدكم هنا، لقد عادوا به من المحكمة، وهو في طريقه الآن.
مانوري : ماذا تريدنا أن نفعل بالضبط؟
لوباردمنت : تعدان الرجل، لقد وصلوا إلى القرار، بالإجماع، وأُدين.
آدم : حسنًا، حسنًا.
مانوري : ليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة.
آدم : هكذا انتهى الأمر.
لوباردمنت : أريدكما أن تتعجلا ما استعطتما، لقد حظي هذا المخلوق بقدر هائل من العطف وهو يدلي بأقواله الأخيرة، بل لقد انهمرت من أجله دموع حارة؛ ولذا فإني أريد له أن يعود إلى هناك مهيئًا ليستمع إلى الحكم بأسرع ما يمكن.
مانوري : سنبذل جهدنا.
لوباردمنت : هل تتفضل يا آدم لتقابل السجان، إنه يجمع المواد اللازمة ويضمها إلى بعضها.
هاتها بعدما ينتهي.
آدم : حسنًا سأفعل.

(آدم ينصرف.)

لوباردمنت : لقد كان للرجل تأثيره، وفسر باري ذلك بأنه من فعل الشيطان، فليس الهدوء إلا الوقاحة الجهنمية التي لا تدل على إحساس، وليست الكرامة إلا الزهو الذي لا يعرف الندم، ولكن الرجل برغم ذلك كان مؤثرًا.

(يأتي أحد رؤساء الحرس بجراندير، وجراندير في زيه الكهنوتي الكامل، يبدو أروع ما يكون.)

جراندير : عم صباحًا، سيدي الجراح.
مانوري : وصباح الخير لك.
جراندير : رأيتك من قبل يا لوباردمنت.
لوباردمنت : يجب أن تعود إلى المحكمة فورًا.
جراندير : حسنًا جدًّا.
لوباردمنت : لتستمع إلى الحكم.
جراندير : لقد فهمت.
لوباردمنت : ولذلك أطلب إليك الآن أن تخلع ملابسك.
جراندير : أخلع ملابسي؟
لوباردمنت : إنك لا تستطيع أن تذهب في هذا الزي.
جراندير : لست أحسب ذلك.

(يخلع جراندير قلنسوته ثم يشرع في خلع الحرملة، يدخل آدم مع بنتان، ويحمل آدم صينية فوقها آنية بها ماء، وبعض الزيت، وموسى.)

جراندير : صباح الخير، سيدي الصيدلي، ماذا تحمل؟
آدم (متلعثمًا) : إنَّه موسى.
جراندير (بعد لحظة إلى لوباردمنت) : هل يجب أن يتم بهذه الطريقة؟
لوباردمنت : نعم هو أمر المحكمة.

(مانوري يتناول الموسى ويجريه على إبهامه.)

جراندير : عجبًا سيدي الجراح، هل لم تنته بك دراستك وتجربتك كلها إلى غير هذا، إن سهر الليالي الذي أنفقته في دراسة وجود الوجود لم ينته بك إلى غير هذا، لتكون حلاقًا؟
لوباردمنت : هيا.
جراندير : لحظة.

(جراندير يمس خصلات شعره السوداء، ثم يداعب شاربيه بأصابعه.)

جراندير : هل عندكم مرآة؟
لوباردمنت : كلا، كلا، ليس عندنا بالطبع.
بنتان : خذ هذا.

(بنتان يتناول فنجانًا فارغًا من المعدن من فوق الصينية، يجلو قاعدة الفنجان بكمه ويسلمه لجراندير، يقف جراندير متطلعًا إلى صورته طويلًا وفي عمق شديد.)

***

(مكان عام.)

(جمهور كبير، من الريف ومن المدينة، يتثاءبون في استرخاء وينادي كل منهم الآخر.)

(وعلى جانبٍ مكان محجوز به بعض النسوة البرجوازيات في رداء فاخر، تصدر عنهن ثرثرة، ويُرى كاتب وسط تلال من الكتب.)

(صمت مفاجئ، كل الرءوس تتجه نحونا.)

(ينهض الكاتب، ويقرأ ما يلي):

الكاتب : أربان جراندير، لقد وُجدت مذنبًا لاتجارك مع الشيطان، وأنك استغللت هذا الحلف غير المقدس في امتلاك نفوس بعض الأخوات التابعات لنظام القديسة أرسولا، وغوايتهن والفسق بهن (وأسماؤهن مذكورة بالكامل في هذه الوثيقة)، وكذلك وُجدت مذنبًا لفجورك، وتجديفك في حق الله، وانتهاك حرمات المعابد. وقد صدر الحكم بأن تتقدم وتركع عند أبواب كنيسة القديس بطرس ومعبد القديسة أرسولا، وهناك وحول رقبتك الحبل، وبين يدَيك رطلان من الشموع، تطلب العفو من الله، ومن الملك، ومن العدالة. ثم صدر بعد ذلك الحكم بأن تُساق إلى ميدان القديسة كروا حيث تُشد إلى قائمة خشبية وتُحرق حيًّا، وبعد ذلك يُبعثر رمادك لتذروه الرياح.
وكذلك صدر الحكم أن تُقام لوحة تذكارية في معبد أرسولين يُخصم ثمنها — الذي لم يُقدر بعد — من قيمة «ضيعتك المُصادرة».

وأخيرًا قبل نفاذ الحكم تُسأل: سؤالًا عاديًّا وسؤالًا غير عادي.

صدر في لودان في الثامن عشر من أغسطس عام ١٦٣٤، ونُفذ في نفس اليوم.

(يظهر جراندير في الضوء رويدًا رويدًا، ويداه مغلولتان خلف ظهره، وهو يرتدي ملابس النوم وحذاءً مكشوفًا، وعلى رأسه قلنسوة وطاقية على شكل الجمجمة، وبصحبته دي لوباردمنت ومانوري وآدم، وكذلك باري ورانجير ومنيون، الذين يرشون الماء المقدس، بالمنافض المقدسة، وينشدون الأحكام الخاصة بإخراج الشياطين، يتقدم دي لوباردمنت. ينزع عن رأس جراندير القبعة والقلنسوة ويقذف بهما إلى الأرض؛ فينكشف جراندير، وهو حليق تمامًا، فقد اختفت خصلاته الرائعة، وشارباه، بل وحاجباه، يقف كالرجل المخبول الحليق.)

(تُسمع قهقهات هستيرية مفاجئة من النساء اللائي كن في المكان المحجوز.)

(صمت.)

(جراندير يوجِّه حديثه إلينا.)

جراندير : سادتي،
إنني أشهد الآب والابن والروح القدس والعذراء أنني لم أكن قط ساحرًا، إن السحر الوحيد الذي مارسته هو سحر الكتاب المقدس، أنا بريء.

(صمت، ثم همهمة من النسوة، وضحك سخيف.)

أنا بريء، وأنا خائف، إنني حريص على خلاصي. إنني مستعد لملاقاة ربي، غير أن العذاب المريع الذي قضيتم به عليَّ في طريقي قد يدفع روحي البائسة إلى اليأس … إلى اليأس أيها السادة وهو أخطر الذنوب، وهو أقصر الطرق إلى اللعنة الأبدية. إنكم بحكمتكم لم تقصدوا قطعًا إلى قتل روحي؛ ولذا فهل لي أن أرجوكم، برحمتكم، أن تخففوا عني العقاب ولو قليلًا؟

(جراندير يتفرس الوجوه. صمت.)

حسنًا جدًّا، عندما كنت طفلًا رُويت لي قصص الشهداء، وقد أحببت الرجال والنساء الذين ماتوا في سبيل كرامة يسوع المسيح، وفي أوقات العزلة كثيرًا ما تمنيت أن أكون من زمرتهم، والآن، وأنا قسيس غافل مغمور، لا أستطيع أن أزعم وضع نفسي بين هؤلاء الرجال العِظام المقدسين، ولكن هل أستطيع أن أقول إني آمل من كل قلبي أن الله سبحانه وتعالى، أبانا في السماء، يعفو عني بانتهاء هذا اليوم، ويجعل آلامي تكفر عن حياتي الفوضوية الباطلة؟ اللهم آمين.

(صمت. ثم ينبعث صوت رجل من جهة ما وسط الجماهير يردد في وضوح قول جراندير آمين، ثم آخر، ثم صمت، ولا يُسمع إلا صوت امرأة تبكي بكاءً مُرًّا.)

دي لوباردمنت (إلى رئيس الحراس) : أخرجهم جميعًا من هنا.

(يشرع الحراس فورًا في إخلاء المكان، ينصرف الجمهور من الردهات، ويهبط السلم، بعضهم يشكو، وبعضهم يحتج.)

(يبقى جراندير مع لوباردمنت والكاتب وباري ورانجير ومنيون.)

(لم يتحرك جراندير من مكانه وقد لبث مواجهًا للقضاة.)

(يُرى دي سيريزاي ودارمنياك، وهما منفصلان، يشاهدان المنظر.)

(دي لوباردمنت يواجه جراندير، ويوجه إليه الخطاب.)

لوباردمنت : اعترف بجريمتك واذكر لنا أسماء رفيقاتك، بعدئذ ربما ينظر سادتي القضاة في رجائك.
جراندير : لا أستطيع أن أذكر أسماء رفيقات لم يكن لي، ولا أن أعترف بجرائم لم أرتكبها.
لوباردمنت : إن هذا الموقف لا يجديك نفعًا، بل سوف تعاني منه.
جراندير : أعلم ذلك، وأنا فخور.
لوباردمنت : فخور يا سيدي؟ إن هذا اللفظ لا يلائم موقفك. استمع إليَّ يا عزيزي — فكوا وثاق يدَيه — إن هذه الوثيقة اعتراف بسيط، خذ هذا القلم، ووقع باسمك على هذه الورقة، وبذلك نستطيع أن نتغاضى عن المرحلة التالية من الإجراءات.
جراندير : اعفني من هذا يا سيدي، كلا.
لوباردمنت : لا أريد غير توقيعك، هيا، هذا كل ما في الأمر.
جراندير : إن ضميري يمنعني من التوقيع على شيء يخالف الواقع.
لوباردمنت : إذا وقَّعت وفرت علينا جميعًا كثيرًا من المتاعب، الوثيقة صادقة ولا شك (يصيح) إنها صادقة وقد ثبت ذنبك.
جراندير : أنا آسف.
لوباردمنت : أنا أخشى عليك يا جراندير، أخشى عليك كثيرًا، ولقد رأيت قبلك من الرجال من وقف هذا الموقف الجريء في ظل «السؤال» وكانت تلك حماقة يا جراندير، فكر مرة أخرى.
جراندير : كلا.
لوباردمنت : سوف تُساق قبل موتك إلى الظلام. دعني أحدثك لحظة عن الألم: يشق علينا جدًّا نحن الواقفين هنا، وكلنا من الأصحاء، أن نتصور أثر الألم المميت. إن الشمس ترسل أشعتها الآن على وجهك دافئة، أليس كذلك؟ وتستطيع أن تحرك أصابع قدمَيك إن أردت داخل حذائك المكشوف. أنت رجل حي، وأنت تعلم ذلك، ولكن عندما يطرحونك أرضًا في تلك الغرفة الصغيرة والألم يصرخ فيك كأنه صياح، عندما يحدث ذلك يكون تفكيرك أولًا هو هذا: كيف يصنع الإنسان ذلك بالإنسان؟ ثم كيف يسمح به الله؟ ثم لا يمكن أن يكون هناك إله، ثم ليس هناك إله، وبعد ذلك يقوى صوت الألم، وتضعف إرادتك، ويكون اليأس يا جراندير، وقد استعملت أنت نفسك هذه الكلمة، وقلت عن اليأس إنَّه أخطر الذنوب. لا تنبذ الله في هذه اللحظة، عد إلى نفسك؛ لأنك أسأت إلى الله إساءة كبرى. اعترف.
جراندير : كلا.
دارمنياك : هل يجري الدمع من عيني دي لوباردمنت؟
دي سيريزاي : أخشى ذلك.
دارمنياك : هل هو يعتقد فيما يقول؟
دي سيريزاي : نعم، منظر مؤثر، أليس كذلك؟
لوباردمنت (إلى جراندير) : حسنًا جدًّا، أرجوك مرة أخرى، مرة أخرى، هل توقع؟

(جراندير يهز رأسه.)

لوباردمنت (إلى جراندير) : حسنًا جدًّا، أرجوك مرة أخرى، مرة أخرى، هل توقع؟

(جراندير يهز رأسه.)

لوباردمنت : أبعدوه.

(الحرس يحيط بجراندير.)

جراندير : عندي مطلب واحد.
لوباردمنت : ما هو؟
جراندير : هل ممكن أن يرافقني الأب أمبروز؟
لوباردمنت : كلا.
جراندير : إنَّه رجل عجوز لا ضرر منه، ولن يقف في سبيلك.
لوباردمنت : لقد غادر المدينة، وأرسلناه بعيدًا عنها. إن كنت تريد روحانيًّا وجه خطابك إلى أحد هؤلاء السادة.

(جراندير يحدق في باري ورانجير ومنيون لحظة قبل أن ينصرف مع الحرس. يتبعه دي لوباردمنت والكاتب.)

منيون : لقد كان الرجاء الأخير لمندوب الملك مؤثرًا.
رانجير : جدًّا.
باري : أعتقد أنكم تفهمون من رفض جراندير للتوقيع أنه دليل نهائي على جريمته.
منيون : أجل، أجل، أظن ذلك.
باري : لقد كمم الشيطان فمه، وأدخل على نفسه العناد ضد الندم.
منيون : طبعًا، هذا هو السبب.
باري : هل ننصرف؟

(باري ورانجير ومنيون ينصرفون.)

دارمنياك : تعالَ معي إلى بيتي يا دي سيريزاي.
دي سيريزاي : ليكن ذلك يا سيدي.
دارمنياك : سنجلس معًا ونفكر في حوادث النهار، ونحن — فيما أعتقد — رجلان عاقلان، نجلس … ونشرب، نعم، سوف نشرب حتى نسكر، ويبلغ بنا السُّكر أن نتصور الرؤى، هيا بنا.

(دارمنياك ودي سيريزاي ينصرفان.)

***

(حديقة. تدخل جان، عارية الرأس، ولا ترتدي سوى قميص داخلي بسيط أبيض، وتبدو كالطفلة بجسمها الصغير المشوه. حول رقبتها حبل وفي يدها شمعة. تقف ساكنة بغير حراك، كلير وجبرائيل ولويز يتجمعن على بُعد من جان، ويراقبنها في ذعر شديد، ثم تتقدم نحوها كلير.)

كلير : تعالي يا أمي.
جان : كلا يا بنيتي.
كلير : إن الشمس حامية جدًّا بعد المطر، ولن تفيدك.
جان : ابحثي لي عن مكان — لا يكون مرتفعًا جدًّا — حيث أستطيع أن أربط هذا الحبل، فأنا في سبيل البحث عن مثل هذا المكان.
كلير : كلا، يا أماه، هذا أفظع ذنب.
جان : ذنب؟
كلير : نعم.

(كلير تحل عقدة الحبل وتبعده، وتتقدم لويز بعباءة تلف بها جان.)

لويز : لا تفزعينا يا أمي.
جان : لقد تيقظت ليالي متوالية على صوت بكاء، وقد جست خلال المكان عَلِّي أعثر على الباكي؛ فإن بين جنبيَّ قلبًا كغيري من الناس، ويمكن أن أنهار من مثل هذا البكاء.
لويز : ليس البكاء لأحدٍ هنا.
جان : لم يطرأ لي قط ان بالإمكان للمرء أن يعاني مثل هذا اليأس وهذه الكآبة.
لويز : ولكن ليس هناك أحد.
جان : لا أحد؟
كلير : إنَّه الشيطان، فهو يستطيع أن يشهق إذا طُلب إليه ذلك، نعم يا أمي، فكري في الأمر، إنَّ الأب جراندير يتمنى أن ترافقيه إلى الجحيم؛ ولذا فهو يوعز إلى الشيطان أن يصيح بالليل ويحطم قلبك ويدفعك إلى أن تضعي الحبل حول رقبتك لتشنقي نفسك. لا تجعلي للخديعة إليك سبيلًا.
جان : أليس هناك مفر؟ وهل هي كلير التي تتحدث؟ كلير التي تعودت أن تحدثني عن براءة المسيح؟ كم الساعة؟
لويز : جاوزت الثانية عشرة ظهرًا بوقت قصير.
جان : اتركوني جالسة هنا، وأعدكن ألا أؤذي نفسي، اتركوني.

(كلير ولويز وجبرائيل ينصرفن، ويتركن جان وحيدة.)

(ويشق الصمت صوت ممقوت لمطرقة تدق. صياح.)

***

(في الغرفة العليا، جراندير ممتد فوق الأرض، موثوقًا بالحبال، وساقاه من الركبتَين إلى القدمَين محفوظتان فيما يشبه الصندوق. داخل الصندوق ألواح متحركة، تدفعها إلى الداخل أوتاد ضخمة، تسحق ساقيه.)

(بنتان يطرق الأوتاد إلى الداخل.)

(مانوري وآدم ومنيون يجثمون في الغرفة السفلى، وينحني إلى الأمام باري وهو يجلس عند رأس جراندير.)

باري : هل تعترف؟

(يهز جراندير رأسه على مهل، ثم يتجه باري ببصره نحو لوباردمنت الذي يستند إلى الحائط.)

لوباردمنت (لبونتان) : غيره.١

(يلتقط بونتان وتدًا آخر ولكن سرعان ما ينتزعه رانجير من يده.)

رانجير : لحظة. (يرش على الوتد ماءً مقدسًا، ويرسم فوقه علامات.)
ضروري جدًّا؛ لأن الشيطان عنده من القوة ما يجعل الألم أخف مما ينبغي.
بنتان : هل انتهيت؟
رانجير : نعم.

(يسلم الوتد لبونتان، الذي يدقه.)

باري : اضرب، اضرب.

(يدق بنتان بالمطرقة، صيحة في الغرفة السفلى.)

مانوري : ما مقدار ما يستطيع أن يلفظ الإنسان في نفس واحد؟
آدم : لست أدري؟
مانوري : إني أتعجب.
آدم : لا يطرأ على بالك عندما تشرع في أمر أن … هو …م.
مانوري : ماذا تقول؟
آدم : لا شيء، إنما أنا أفكر بصوت مسموع.

(ضربة بالمطرقة، باري ينحني إلى الأمام.)

باري : اعترف.
جراندير : أنا على أتم استعداد لأن أعترف بذنوبي الحقيقية، كنت رجلًا، وأحببت النساء وكنت فخورًا بنفسي، وكنت أتطلع إلى السلطة.
باري : ليس هذا ما نريد، كنت ساحرًا، وكانت لك مع الشيطان تجارة.
جراندير : كلا، كلا.
باري : غيره، أوه، سلمني الوتد والمطرقة.

(باري ينتزع الوتد والمطرقة من بنتان، وبضربتَين قويتَين يدق الوتد دون أن يطهر من الشياطين، يرن صدى صياح جراندير في الحديقة حيث تجلس جان وحيدة.)

جان : إنَّ المرء لا يجد الله إلا في الأعماق السحيقة، انظروا إليَّ، أردت أولًا أن ألقاه في البراءة، فلم يكفِ هذا، ثم كان الكذب والتمثيل، وكان الإثم وكانت الذلة؛ فلم يكفِ هذا، ثم كانت الحركات البهلوانية التي قمنا بها لأعين القسس الشهوانية، يا للقذارة، إن ذلك لا يكفي، لا بُدَّ من التعمق، والتعمق السحيق.

(رنين المطرقة، صوت جراندير.)

جراندير : إلهي، إلهي، إلهي، لا تتخلَّ عني، لا تجعل هذا الألم ينسيني إياك.
جان : في الأعماق، في الأعماق، في غفلة البلهاء، حيث لا فكر، ولا شعور، حيث لا شيء، هل يوجد الله هنا؟

(الغرفة العليا. يتقدم دي لوباردمنت.)

لوباردمنت : أبعدوه، لا فائدة.

(باري ورانجير وبنتان يحملون جراندير من الصندوق، ويجلسونه فوق مقعد بغير ظهر. يغطي بنتان ساقَيْ جراندير المحطمة بسجادة صغيرة، جراندير يحدق في نصفه الأسفل.)

جراندير : Attendite et videte si est dolor
sicut dolor meus.٢

(جان تنهض.)

جان : أين أنت؟ أين أنت؟

(جان تخرج من الحديقة.)

(باري ورانجير يهبطان إلى الغرفة السفلى.)

آدم : هل من فائدة؟
باري : كلا.
مانوري : لا اعتراف؟
باري : كلا؟
آدم : عجبًا.
باري : السبب معقول جدًّا.
مانوري : ما هو؟
باري : دعا ربه أن يهبه القوة، وربه هو الشيطان، وقد فعل.
جعله لا يحس الألم ولن نصل إلى نتيجة بهذا الشكل.
آدم : لا يحس الألم؟ وماذا كانت كل تلك الصيحات؟
باري : سخرية.

(باري ومنيون ورانجير يهبطون إلى الشارع.)

***

(الغرفة العليا.)

جراندير : لا تأبهوا بهذه الدموع، ليست سوى دليل على الضعف.
لوباردمنت : هل هذا هو تأنيب الضمير؟
جراندير : كلا.
لوباردمنت : اعترف.
جراندير : كلا، هناك أمران لا ينبغي أن يُطلَبَ إلى الرجل أداؤهما أمام الآخرين: مضاجعة المرأة، ومكابدة الألم. وأنتم أيها الناس تعرفون كيف تُنزِلون على الأرضِ الجحيمَ لرجلٍ مثلي؛ ذلك أنكم تجعلون كل شيء علنيًّا.
لوباردمنت : هذا غرور منك يا أبي.
جراندير : هل هو كذلك؟ لست أظن ذلك، إنما الرجل شيء خاص بنفسه، فهو ملك ذاته، وهاتان التجربتان الشخصيتان الحب والألم ليس لهما بالعامة شأن، كيف تهمانها؟ لأن العامة لا تحسهما.
لوباردمنت : إن عامة الناس تتألف من أرواح مسيحية، وهناك ستة آلاف منهم ينتظرونك في ساحة السوق. خبرني، هل تحب الكنيسة؟
جراندير : من كل قلبي.
لوباردمنت : هل تريد أن تراها أقوى نفوذًا وأكثر إحسانًا، حتى تشمل كل روح بشري فوق الأرض؟
جراندير : لَكَم أتمنى ذلك.
لوباردمنت : إذن عاوِنَّا على أن نحقق هذا الهدف العظيم، اذهب إلى ساحة السوق رجلًا نادمًا، واعترف، وباعترافك أعلن لهذه الآلاف أنك عدت إلى أحضان الكنيسة. أما إذا ذهبت إلى الألواح الخشبية تُحرق فوقها وأنت غير نادم فأنت تسيء إلى الله. إنك تُدخِل الأمل في قلوب المتشككين والملحدين، إنك تدخل السرور إلى نفوسهم. إن مثل هذا العمل يهد الكنيسة من أساسها. فكِّرْ في الأمر، لم تَعُدْ رجلًا هامًّا، هل لك أهمية بعد هذا؟
جراندير : كلا.
لوباردمنت : وإذن فلتصدر عنك إشارة عظيمة أخيرة من أجل العقيدة الكاثوليكية.

(صمت. دي لوباردمنت ينحني إلى الأمام مشغوفًا، ثم يرفع جراندير بصره إلى أعلى، وترتسم على وجهه ابتسامة الألم.)

جراندير : هذه سفسطة يا لوباردمنت، وأنت أذكى من أن تجهل ذلك.
أثنِ عليَّ كما أثنيت عليك.
لوباردمنت : هل تستطيع أن تضحك؟ الآن؟
جراندير : نعم لأنني أعلم بالأمر منك.
لوباردمنت : حينما أقول لك يا جراندير …
جراندير : لا تصر، إنني أستطيع أن أهدمك، على الأقل في الجدل. احتفظ بأوهامك يا سيدي المندوب، إنك في حاجة إليها كلها لتتعامل مع الرجال الذين سوف يأتون من بعدي.
لوباردمنت : اعترف.
جراندير : كلا.
لوباردمنت : اعترف.
جراندير : كلا.
لوباردمنت : وقِّعْ.
جراندير : كلا.

(دي لوباردمنت يتجه نحو الباب، ينادي لمن بأسفل السلم.)

لوباردمنت : أرسلوا إليَّ الحراس هنا.

***

(الشارع.)

(الجمهور يحملق على بُعد، والناس صامتون يتنقلون، قلقون، أنفاسهم معلقة. يقبل عليهم باري ورانجير ومنيون. رانجير ومنيون يرشان الماء المقدس ويرتلان أناشيد إخراج الشياطين. باري يتحرك وسط الجمهور، ويمسك الرجال والنساء من أذرعتهم، ويتحدث إلى كل منهم على انفراد.)

باري : أبنائي الأعزاء، إنكم توشكون أن تشهدوا ذهاب رجل شرير غير تائب إلى جهنم، أرجوك — أنت يا سيدي — أن تدخل المشهد في قلبك، وليكن درسًا لكِ يلازمكِ — أيتها المرأة الطيبة — طوال حياتك. اشهدوا هذا الساحر صاحب السمعة السيئة، الذي اتفق مع الشياطين، واسأل نفسك — يا بني — هل هذا هو مصير المرء إذا استهان بالله؟

(طبول. جراندير يصبح على مرأى، يجلس على مقعد مهشم، حتى ليكاد أن يكون حطامًا، ويحمله أربعة من الجند. يلبس قميصًا مشحونًا بالكبريت، أصفر فاقعًا، وحول رقبته حبل، وساقاه المحطمتان تتدليان؛ إنه كالدمية المضحكة المهشمة، بغير شعر، ويسير إلى جواره الكاتب، يتبعه دي لوباردمنت والجند.)

***

(دير القديسة أرسولا.)

(الموكب يصل إلى باب البيت، ثم يتوقف عن المسير، يضع الكاتب رطلَين من الشمع بين يدي جراندير.)

لوباردمنت : يجب أن تنزل هنا.
جراندير : أي مكان هذا؟
لوباردمنت : إنه دير القديسة أرسولا، مكان دنسته.

(يرفع أحد الجند جراندير من فوق المقعد المحطم وكأنه طفل، ويضعه على الأرض.)

لوباردمنت : أدِّ ما يجب أن يُؤدَّى.
جراندير : في هذا المكان الغريب المجهول أسأل العفو من الله، ومن الملك، ومن العدالة أرجو أن …

(يقع منكفئًا على وجهه، ويصيح):

Deus meus, miserere mei Deus! ٣

(ينفتح باب الدير ومن مدخله المظلم تظهر جان وجبرائيل وكلير ولويز.)

لوباردمنت : اطلب العفو من رئيسة الكاهنات، ومن هؤلاء الأخوات الطيبات.
جراندير : مَن هؤلاء النسوة؟
لوباردمنت : هم القوم الذين أسأت إليهم، اطلب العفو منهن.
جراندير : إنني لم أقدم إليهن إساءة، وليس بوسعي إلا أن أسأل الله أن يعفو عنهن.

(صمت مطلق عندما يحدق جراندير وجان، كل منهما في الآخر.)

جان : كانوا دائمًا يتحدثون عن جمالك، والآن أشهده بعينيَّ، وأومن بأنه حق.
جراندير : انظري إلى هذا الذي صرتُ إليه، وتعلَّمِي معنى الحب.

(طبول. يُرفع جراندير مرة أخرى فوق المقعد، ويتحرك الموكب مبتعدًا. جرس ضخم يدق، أصوات ترتفع):

Dies irae, dies illa,
Solver saeclum
In favilla, teste David cum Sybilla.
Quantus termor est futurus, quando
Judex est venturus, cuncta stricte discussurus.٤

(جان وحيدة تتقدم. ظلام.)

(طرقات لودان، بالليل وكأن المدينة تحترق. المباني البعيدة تُرى كالظلال وسط سماء شديدة الحُمرة، وباب الكنيسة مفتوح وكأنه ثغرة كبريتية. ويُرى رجال مسلحون يحملون الأعلام ويعبرون قنطرة، ورجل يتسلق سلمًا خشبيًّا، يلوح عن بُعد في حزن لا رجاء فيه. والجمهور الذي كان يراقب جراندير على بُعد قد تشتت، وأخذ يندفع، في حالة هستيرية، يصيح، ويضحك، في الطرقات.)

(جان تتجول وحدها.)

***

(مانوري – آدم)
مانوري : عجيب جدًّا.
آدم : أي شيء؟
مانوري : شحم الإنسان الذي تصيره الحرارة شيئًا يشبه الشمع، ثم يشتعل لهيبًا له لون يخطف البصر.
آدم : كل شيء غريب جدًّا.
مانوري : ولكنه مشوق، أعتقد يا آدم أنه لو كان في عملك كصيدلي شيء جميل، فهو في هذه الناحية، ألست ترى معي ذلك؟
آدم : ربما.

(ينصرفان.)

***

(باري – منيون – رانجير)
باري : ثقوا أنه في الجحيم.
منيون : إنه يُشوى هذه الليلة.
باري : يا له من رجل مخيف، لا يعرف التوبة!
رانجير : هل تعلمون أنني رأيت نساءه قابعات هناك يراقبن؟ صحيح أن إحداهن كانت تبكي، ولكنها كانت ترقب، ولم تغض النظر قط.
باري : شياطين، كلهن شياطين. ما بك؟
منيون : لا أشعر بتمام الصحة.
باري (يضربه على ظهره) : ربما ابتلعت شيئًا من الدخان.
منيون : سأذهب إلى فراشي الآن إن سمحتم.
باري : كلنا سنأوي إلى الفراش يا منيون، أما كم نلبث في الفراش فأمر يتوقف على الشيطان الصديق. نعم، لقد قهرناه وبسطنا السلام في هذا المكان اليوم، ولكن ثق أنه حتى في هذه اللحظة يعود متسللًا. آه يا أصدقائي الأعزاء، إن أمثالنا من الرجال لن يتبطل عن العمل قط.

(ينصرفون.)

(فيليب ترنسانت في حمل بشع، وتتحرك متثاقلة وهي تقود «الرجل العجوز» من يده.)

فيليب : هيا بنا إلى البيت يا زوجي العزيز، يجب أن تسارع الخطى. ماذا؟ (الرجل العجوز يهمس في أذنها) هل أثارك كل هذا الذي شهدت اليوم؟ (يهمس مرة أخرى) نعم، سوف تفعل ما بدا لك، وسأقوم لك بكل ما أستطيع. امسح فمك. إن أمامنا سنوات كثيرة سعيدة. ماذا، نعم، بالتأكيد هناك طريق، وسوف أدور وأدور من حولك، وحق يسوع سوف أفعل، سوف أريك ألاعيب؛ لذلك هيا بنا إلى البيت يا عزيزي.

(فيليب والرجل العجوز ينصرفان.)

(دارمنياك وسيريزاي مخموران.)

دارمنياك : لا ينبغي لنا أن نفعل هذا يا دي سيريزاي، نحن العقلاء التقدميين في عصرنا، يجب أن نكون حازمين.
دي سيريزاي : صدقت.
دارمنياك : حازمين في هذا الاتجاه أو في غيره، لست أدري أيهما. لماذا يمتلئ الجو بالحشرات هذا المساء؟ ماذا كنت أقول؟
دي سيريزاي : يجب أن نكون حازمين.
دارمنياك : ونثبت إرادتنا.
دي سيريزاي : فيمَ؟
دارمنياك : فيما نعتقد.
دي سيريزاي : وماذا نعتقد؟
دارمنياك : اسألني غدًا، هل أنا مجنون؟ هل كانا يرتكبان الفاحشة في عُرْض الطريق هناك؟ وماذا كانت تلك المرأة العجوز تحمل في سلتها؟ هل هي بقايا إنسان؟ ولماذا كان ذلك الحيوان يقود إنسانًا بحبل؟ ما هذه الرائحة الغريبة الحلوة التي تفوح في المكان؟ ومَن هذا الموسيقيُّ المنكبُّ مصلوبًا فوق القيثارة؟ ما معنى هذا كله يا دي سيريزاي؟ يجب أن نفسر الأمر باعتبارنا من العقلاء.
دي سيريزاي : لا أستطيع ذلك.
دارمنياك : ولا أنا؛ ولذا أرجو أن تأخذني إلى بيتي.

(ينصرفان.)

(جان يؤدي بها تجوالها في الطرقات إلى عامل المجاري.)

العامل : بعدما انتهى الأمر بدَّدوه بالجاروف شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا.
جان : هل تعلم مَن أنا؟
العامل : نعم سيدتي، إني أعرفك.

(بعض أفراد الجمهور يمرون، يقتتلون فيما بينهم من أجل أشياء تنتقل من يد إلى أخرى.)

جان : ماذا يفعلون؟
العامل : إنهم يلتمسون أجزاء من الجسم.
جان : لتكون عندهم آثارًا؟
العامل : لا تحاولي أن تواسي نفسك. كلا، إنهم يريدونها تعاويذ، وفرق بين التعويذة والأثر كما تعلمين. (ينتزع عظمة مخترقة من يد أحد الرجال) إنهم لا يريدون أن يعبدوا هذه، إنما يريدونها ليعالجوا بها الإمساك أو الصداع، أو لتسترد لهم رجولتهم أو زوجاتهم، يريدونها للحب أو للكراهية (يقدِّم إليها العظمة) هل تريدينها لأمر ما؟

(جان تهز رأسها، يتشتت الجمهور، وينصرف العامل. جان وحيدة، تصيح بصوتها الشخصي.)

جان : جراندير! جراندير!

(صمت.)

(ستار)
١  يقصد طرقة أخرى.
٢  ومعناها بالعربية: اصغوا وانظروا، إن كان هناك حزن مثل حزني.
٣  ومعناها بالعربية: أي ربي، ارثِ لحالي، أيها الرب.
٤  ومعناها بالعربية: إن يوم الغضب، ذلك اليوم سوف يأتي على الجنس البشري في الرماد الحامي بشهادة داود وسوبيلا «عرافة أسطورية رومانية». ما أعظم الرعب الذي سوف يحدث عندما يأتي القاضي الذي سوف يتناول كل شيء بحديث صافٍ محكم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠