دوجلاس ولنكولن

أيقن أبراهام بينه وبين نفسه أنه أصبح أعظم الجمهوريين مكانة في سبرنجفيلد وإلينوى، ولكن موقف دوجلاس من دستور كنساس وإقبال بعض الجمهوريين عليه من أجل ذلك لا يعجبه، ولشد ما ضايقه وكدر خاطره موقف جريلي؛ إذ عد أبراهام ثناءه على دوجلاس نيلًا منه غير مباشر.

دخل على صديقه هرندن ذات يوم في مكتبهما فرآه صاحبه مهمومًا مكتئبًا، وما لبث أن تبين أن مرد ذلك لم يكن إلى شيء من جانب زوجه، كما حسب بادئ الرأي، ولكن دعوة جريلي هي التي كدرته، وقد تحدث بهذا إلى صاحبه شاكيًا مبينًا ما في هذه الدعوة من ظلم وخطر عليه، ويقول صاحبه إنه انصرف من المكتب ولم يزايله همه، ولم يستطع أن يأتي عملًا حتى انتصف النهار.

وسافر هرندن إلى الولايات الشرقية فوجد لاسم لنكولن شهرة على بعد الشقة، يحبه الناس وإن لم يروه؛ فما ذكر صاحبه اسمه إلا قوبل بالبشاشة والثناء، وكتب هرندن إلى صديقه ينبئه بذلك وأفضى به إليه حين عاد فطابت بذلك نفسه.

ولقي هرندن دوجلاس فيمن لقي، وأشارا إلى لنكولن فأحس هرندن أن دوجلاس يوجس من صاحبه خيفة، وقد قال له إذ هم بالانصراف: «لست أضمر للنكولن شرًّا، ولست أفكر أن أعترض طريقه. بلِّغه احترامي.»

وانعقد سنة ١٨٥٨ مؤتمر من الجمهوريين في سبرنجفيلد لترشيح عضو عن الولاية لمجلس الشيوخ، واجتمعت كلمة رجاله على ترشيح لنكولن، وفعلوا ذلك في غبطة وفي حماسة شديدتين.

وهكذا اتفقت كلمة الجمهوريين على لنكولن يقدمونه لينافس دوجلاس رجل الديمقراطيين، وسيلتقي الخصمان، ويكون بينهما هذه المرة صراع دونه كل ما سلف من صراع.

figure
دوجلاس.

وعرف لنكولن مبلغ ما ينطوي عليه الموقف من خطر، وأدرك أنه ملاق منه رهقًا شديدًا وعنفًا، ولكنه يحس في قرارة نفسه أن له في ذلك ما يشفي نفسه، فهو يحمى على الصراع، ولا تظهر مواهبه على أحسن ما تظهر إلا حين يبتعثها ضجيج الموقف وتستثيرها حرارة الدفاع.

وكذلك أشفق دوجلاس وأوجس في نفسه خيفة، فلقد فطن — وهو الخبير بأقدار الرجال البصير بأمور السياسة — إلى دقة الموقف، وأدرك أن أبراهام اليوم غيره بالأمس، فهو منه اليوم حيال قوة لا تنفع معها حيلة ولا يجدي مكر أو دهاء.

وفيما كان رجال حزبه يقدمونه، كان أبراهام يعد خطابًا حاسمًا يعبر به عما في نفسه، ولقد ظل يثبت ما يجري في باله على قصاصات من الورق يدسها في قبعته حتى استوى له موضوعه، فجمعه بعضه إلى بعض في عناية شديدة، وظل يراجعه فقرة فقرة حتى اطمأنت نفسه إليه، وأغلق أبراهام باب المكتب ذات يوم وأنزل الستارة من داخله على الجزء الزجاجي منه، ثم جلس يتلو هذا الخطاب على صديقه هرندن، وكان يبدو على وجهه الاهتمام الشديد، وتدل ملامحه على أنه مقبل على عمل حاسم، وكان يقف في نهاية الفقرات ثم ينظر في وجه صاحبه يتبين موقعها في نفسه، أو ينتظر رأيًا منه. واعترض هرندن حين وصل أبراهام إلى قوله: «إن البيت المنقسم بعضه على بعض لن تقوم له قائمة»، وهي فقرة من الإنجيل أشفق منها أن تُؤَول تأويلًا سيئًا، فتلقي في روع الناس أن الاتحاد انقسم بعضه على بعض أو هو بسبيل الانقسام، ولكن لنكولن أصر على بقاء هذه الفقرة قائلًا إنه يفضل أن يكون نصيبه الفشل وتبقى في خطابه هذه العبارة؛ لأنه تعمد أن يأتي بعبارة قوية قصيرة تألفها أذهان الناس وألسنتهم من قبل، بينما هي تناسب المقام فتقع من نفوسهم موقعًا يهز مشاعرهم هزًّا.

وجمع لنكولن بعض خلصائه قبيل الموعد الذي حدد لخطابه في المؤتمر الجمهوري وتلاه عليهم، فأنكروه جميعًا وأظهروا خوفهم على مكانة الحزب وعلى لنكولن، ونصحوا إليه ليصرفوه عن كثير مما جاء فيه، إلا هرندن فقد أيده وقال متحمسًا: «ألق هذا الخطاب فسيجعلك رئيس الاتحاد.» ولم يك يدرك هرندن مبلغ ما في نبوءته هذه من صدق.

وكان لنكولن إذا صمم على أمر لن يلويه عنه شيء فقال لأصحابه: «أي أصدقائي، إن هذا الشيء قد أجِّل إلى مدة طويلة أرى فيها الكفاية، لقد حان الوقت الذي ينبغي فيه أن أعبر عن وجداني، فإذا قدر لي أن يكون مصيري السقوط بسبب هذا الخطاب، فلأسقطن مربوطًا إلى الصدق. دعوني ألقى حتفي في الدفاع عما أرى أنه الحق والعدل.»

وقام لنكولن يلقي في المؤتمر خطابه فقال:

حضرة الرئيس، حضرات السادة رجال المؤتمر، إذا استطعنا بادئ ذي بدء أن نعلم أين نحن وإلى أي وجهة نريد أن نتجه، أمكننا أن نعرف ماذا نصنع وكيف نصنعه. إننا الآن قد قطعنا شوطًا في العام الخامس منذ تلك السياسة التي أردنا بها وضع حد لما تثيره معضلة الرق من قلق، ولكن هذا القلق لم يقتصر أمره على أنه لم يوقف فحسب، بل لقد ظل يتزايد أبدًا، وفي رأيي أنه لن ينتهي حتى يفضي بنا إلى أزمة لا بد أن نجتازها. إن البيت المنقسم بعضه على بعض لن تقوم له قائمة، وإني أعتقد أن هذه الحكومة لا يمكنها أن تدوم ونصفها إلى الرق والنصف الآخر إلى الحرية، ولست أبغي أن ينهار البيت، ولكنني أريد ألا يستمر في انقسامه، ولسوف يكون كله إلى هذا الجانب أو إلى ذاك؛ فإما أن يحول أعداء الرق دون أي اتساع له في المستقبل ويضعوه حيث يرتاح الرأي العام إلى أنه وضع في الموضع الذي يفضي به إلى الفناء النهائي، وإما أن يدفعه أنصاره إلى الأمام بحيث يصبح أمرًا مشروعًا في جميع الولايات، القديم منها والجديد، الشمالي والجنوبي.

ذلك جانب من الخطاب الذي أفضى به لنكولن إلى رجال المؤتمر في صراحة وجلاء، ولقد أشفق منه كثير من رجال المؤتمر كما أشفق خلصاء لنكولن وخافوا، وهو يريد بالبيت المنقسم على نفسه الولايات الأمريكية أن يظن خصومه أنه يشير بقطع العقدة لا بحلها، وأنه يلمح بذلك إلى الحرب.

ولكن أبراهام كان يعبر بهذا الكلام في الواقع عن شعور أعداء الرق جميعًا، فقد باتت المعضلة تستوجب الحل، وكل تهاون فيها إنما يزيدها سوءًا على سوء، كالجرح الذي ظهر خطره إن هو أهمل كان فيه الموت المحقق، ومن هنا كانت أهمية هذا الخطاب، ثم من هنا كانت أهمية موقف أبراهام يومئذ، فقد بات لقومه نذيرًا، ونفذ قوله إلى الأسماع والقلوب، وطالما أنذرهم غيره فلم تغن النذر.

وكان دوجلاس قد نزل بشيكاغو يدعو الناس إلى تجديد انتخابه لمجلس الشيوخ، فوجد في خطاب خصمه لنكولن فرصة يغتنمها، فاتهمه أنه من دعاة التحرير بالقوة، وأخذ يحذر الناس من انتخابهم إياه، واغتاظ لنكولن لتلك التهمة النكراء، ولكنه لم يستكثرها على دوجلاس، وإنه لواثق أنه سيقذف عما قريب بحقه على باطل خصمه فيدمغه فإذا هو زاهق.

وما كان أبراهام ممن يقرون الثورة والعنف مهما بلغ مقته للرق ومهما ضاق به صدره، ولسوف يبقى دستوره حل تلك المعضلة على أن يكون ذلك في كنف الاتحاد وتحت رايته، التي لا يرضى إلا أن تظل خفاقة عالية تجمع على محبتها وإكبارها بني الوطن جميعًا.

وعول دوجلاس على أن يخوض المعركة على أساس خصومته لبوكانون في مسألة دستور كنساس، لا على أساس مخاصمته منافسه لنكولن فيما جاء في خطابه الجديد من آراء، كأنما يستعظم أن يكون ذلك الرجل الذي ما زال شأنه منحصرًا في ولايته ندًّا له، وإن كان دوجلاس ليحس بينه وبين نفسه مبلغ ما تنطوي عليه نفس خصمه من عظمة، ومبلغ ما يحمله قلبه من إيمان.

ولقد شاع خطاب أبراهام في الولايات، وتناقلته الصحف في طول البلاد وعرضها، فكان ذلك أبلغ رد على ترفع دوجلاس وذهابه بنفسه، وأحس أبراهام مبلغ ما أحدثه ذلك الخطاب من أثر في البلاد، تتبين ذلك في قوله: «إذا كان لي أن أمر بالقلم على صفحات تاريخي وأمحو حياتي كلها عن الأنظار، وقد تُرك لي أن أختار شيئًا أستثنيه من هذا المحو، فإني أختار هذا الخطاب فأدعه للعالم لم تذهب معالمه.»

وليس في قوله هذا شيء من المغالاة؛ فإن خطابه كان أكبر حافز لأولي الرأي أن يقفوا من مسألة الرق موقف الذي يريد الوصول إلى الغاية، فلا تهاون ولا تلكؤ بعد اليوم، وإلا تفاقم الخطْب واستعصى على الحل، ودخلت البلاد في طور من الفوضى الجامحة تأتي على الأخضر واليابس. كما أن هذا الخطاب كان أهم حادث في تاريخ حياته، فبعده صار للسياسة كلُّ همه، وبه قدر له أن يصبح في السياسة من رجال أمريكا كلها لا من رجال إلينوى فحسب.

وخطب لنكولن بعد ذلك في شيكاغو يرد على ما اتهمه به دوجلاس، فأعلن أن الوثيقة الكبرى التي يجب أن يتقيد بها الأمريكيون ويسيروا على نهجها هي وثيقة إعلان الاستقلال، وأنه يجب أن ينظر إلى مسألة الرق نظرة إنسانية، وأن يراعي اتفاق مسوري فيما ينجم بين الفريقين من خلاف.

وتكلم دوجلاس بعد ذلك في بلومنجتن ثم في سبرنجفيلد، ورد عليه لنكولن في المرتين، ثم بدا له فخطا خطوة لم يسبقه إلى مثلها رجل من قبله في التاريخ السياسي للبلاد، وذلك أنه أرسل إلى دوجلاس رسولًا، يعلن إليه أنه يتحداه أن يلتقي وإياه في مبارزة خطابية يستمع فيها الناس إليهما، ويحكمون بينهما حسبما يرون من كلامهما.

ولقد ضاق دوجلاس بهذا التحدي، وهو الذي يعرف أصالة صاحبه وشدة إيمانه، ذلك الإيمان الذي رسخ حتى ما يُحتال عليه بحيلة أو تزعزعه مطاولة، أو يفل منه جاه أو إغراء، والذي جعل كل وسيلة من وسائل المغالبة بحيث تكون منه كالموج من الصخر لا يلطمه إلا لينحسر عنه، ولم يبق فيه من طبيعة الموج شيء.

وأبى على دوجلاس كبرياؤه وغلواؤه أن يتخاذل عن هذا النزال، فقبله على كره منه قال: «سوف تصبح يداي مليئة. إنه رجل حزبه ذو البأس، ملؤه الذكاء والحقائق التاريخية، وإنه لأمين بقدر ما هو حذر أريب، ولئن قدر لي أن أظهر عليه فسوف يكون انتصاري بشق النفس.» وأسرَّ في موضع آخر إلى صديق له قوله: «إني لا أحس أني أرغب في الذهاب إلى هذا الجدال، إن البلاد كلها تعرفني ولقد سبق أن قدرتني، وإن لنكولن إذا قيس إلي ليعد غير معروف، فإذا أتيح له أن ينتصر علي في هذا الجدل، وإني لأود أن أذكر أنه أقدر رجل في الحزب الجمهوري؛ فإنه يكسب كل شيء بينما أخسر أنا كل شيء، أما إذا قدر لي الفوز فإني لن أغنم إلا قليلًا، إني لا أحب أن أذهب إلى تلك المجادلة معه.»

وحددت سبع مدن يلتقي فيها الرجلان فيتناظران، والناس من حولهما يشهدون ما يكون بينهما، وفرح لنكولن وقد أتيحت له أعظم فرصة ليعبر عما في نفسه، وأية فرصة هي؟! ألم يك دوجلاس في الناس أكثرهم استفزازًا له، وأدعاهم أن يبرز له ما استكن من مواهبه؟ ثم أليست هذه المجادلة كفيلة أن تجمع إلى أنصاره ومحبيه أنصار دوجلاس ومحبيه، فيكون الكلام في حشد قلما يتسنى أن يكون مثله، فإذا قدر له أن يكسب هذه القلوب أو يصل إلى إقناع هذه العقول، فأي فوز هو وأي فخر!

figure
أثناء النزال.

والحق أن هذا التحدي كان خطوة من خطوات لنكولن بالغة المهارة، فليس أفضل منها وسيلة لإذاعة رأيه في معضلة الرق، وفي النيل من الديمقراطيين في شخص دوجلاس الذي يباهون به.

واتخذ دوجلاس للأمر عدته، لم يدع وسيلة أو يغفل عن حيلة، أما أبراهام فلم تكن به حاجة إلى ما يحتال به من أساليب التأثير المتكلفة الخادعة، ولديه البيان والمنطق، فما هو إلا أن ينصت له الجمع حتى يبتعث اليقين ما قر في نفسه فيحرك به لسانه، فإذا بيانه كالنهر الحادر يفهق بما لا يفتأ يواتيه به المنبع، ويجيش بهذا الفيض ويهدر، ويتدفق لا يصده عن وجهه شيء.

وكان لدوجلاس من بعد الصيت ما جعل اسمه ملء الأسماع في طول البلاد وعرضها، وكان في رأي الأمريكيين أقدر رجال حزبه وأكثرهم فطنة، وأطولهم في السياسة باعًا وأقواهم بمصاعبها اضطلاعًا، بل لقد كان عند الكثيرين من ذوي الرأي أعظم رجال أمريكا كفاية يومئذ وأعزهم مكانة، وكان يلقب بالمارد الصغير؛ أن كان له على صغر جرمه وقصر قامته قوةُ المارد وسلطان المارد ودهاء المارد، وكانت له حيوية تتقطع دونها حيوية الرجال، وتتقاصر عنها هممهم، ومن وراء ذلك ثروة شخصية ضخمة وجاه حزبه وقوته، والحق لقد كان دوجلاس يومئذ أنبه الناس شأنًا وأعزهم نفرًا، وهو من عهد قريب لم يك يسمع به أحد خارج إلينوى.

لذلك كان للناس عجبًا أن يطاوله أبراهام وأن يدعوه إلى نزل، وأخذ من لم يكن يعرفه منهم هذا الفعل من جانبه على أنه ضرب من الغرور أو نوع من الغفلة، ولو أنهم عرفوا دخيلة صاحبهم الذي افتتنوا به وتبينوا ما هجس في نفسه من خواطر إزاء هذا التحدي الجريء، لأيقنوا أن جبروت ماردهم وأساليبه ما كانت لتغني عنه شيئًا من هذا العملاق الذي درج من الغابة ليقف أمامه كالسنديانة.

وكانت أتارا أولى المدن السبع التي اختيرت ميادين لذلك الصراع، وقد جاءها الناس ليشهدوا ما لم تقع عليه من قبل أبصارهم أو تتعلق به أوهامهم، وقد اتفق أن يكون الكلام أول الأمر لدوجلاس فيخطب الجمع ساعة، ثم يتكلم بعده أبراهام ساعة ونصف ساعة، ويختتم دوجلاس هذا الدور بعده بحديث يستغرق نصف ساعة.

وكان دوجلاس في انتقاله بين المدن يتخذ مركبة فخمة تجرها ست من كرائم الخيل، وحوله ستة وثلاثون فارسًا رمزًا لعدد الولايات يومئذ، يتزيد بهم من الهيبة والأبهة، وكان وراء ركبه مدفع يرسل ستًا وثلاثين طلقة إذا دخل مدينة من المدن، وقد وقف في مركبته الفخمة وتكلف أكثر ما يطيق من الصرامة، فما يكاد يلتف حوله الناس مصفقين مهللين حتى تنقلب صرامته وسامة، فيحيي الجموع بيديه وإيماءاته وابتساماته، ويلتفت نحو هذا ويهش لذاك، كأنه ملك يطلع على شعبه، وإذا هو حلَّ بقوم أو سارَ إليه قوم عرف كيف يوحي إليهم تبجيله والإعجاب به، فهو بين الصلف وخفض الجناح يحيي وجوههم وكبراءهم ويغمرهم بنعمة منه وفضل.

أما لنكولن فكان ينتقل بين الناس كأحدهم، وكثيرًا ما يكون دون بعضهم، فإذا أخذ مكانه في قطار أو في مركبة عامة كان بين ركابها كما كان بين الناس في نيو سالم إذ كان يبيع في حانوت؛ يتبسط لهم في القول، ويسترسل معهم في شتى الأحاديث، ويقص عليهم من قصصه، وإن له في هذا كله لمتاعًا ولذة لن يحسها إلا من كان له مثل قلبه.

وكان بعض أصحاب لنكولن يشفقون من مطاولة دوجلاس، ويظنون أنه تورط في هذا الأمر. لقيه أحدهم في سبرنجفيلد قبيل سفره للقاء الأول، فصارحه بخوفه وأظهره على مخاوف كثير من أصحابه، فمشت في وجه لنكولن كدرة، ثم ما لبث أن أشرقت صفحته وابتسم ابتسامة عذبة، وقال وقد التمعت عيناه: «اجلس هنا دقيقة يا صاحبي سأقص عليك قصة: لقد سافرنا في الجولات القضائية معًا وشهدنا جلسات المحاكم، وكثيرًا ما رأينا رجلين على وشك أن يتصارعا؛ أما أحدهما، وهو المارد الكبير أو الصغير حسبما تكون الحالة، ففخور ذو جلبة يقفز عاليًا في الهواء، ويضرب قدميه إحداهما بالأخرى، ويدق جُمعي يديه واحدة بأختها يشير إلى ما يعتزم أن يصنع محاولًا أن يخيف خصمه. وأما الثاني فلا ينطق بكلمة وذراعاه إلى جانبيه وكفاه مبسوطتان ورأسه ثابت فوق عاتقيه، وهو يدخر نفسه وقوته للصراع. سيضرب هذا الرجل إذا وقع الصراع، وسيكون له فيه مثل ما ترى من ثباته قِبله. اذكر ذلك ولا تنسه … رافقتك السلامة.»

والتقى الرجلان في أُتاوا واحتشد الناس في الموعد المضروب فضاق بهم مكان الاجتماع، وحانت ساعة الكلام، فوثب «المارد الصغير» إلى موقع مرتفع أطل منه على الناس، فتمزقت بالتصفيق أكف أنصاره وتشققت بالهتاف حناجرهم، وهو يرسل نظراته في جنبات المكان ويوزع إيماءاته هناك وهنا حتى سكنت ريحهم فبدأ الكلام.

وكان يومئذ في الخامسة والأربعين بادي الفتوة مرموق الشباب، يتهلل وجهه لولا كدرة طفيفة هي مما فعلته به ابنة العنقود وسكنى المدن، ولكنها كدرة كانت تنقشع حين تلتهب بالحماسة وجنتاه، وكان في موقفه بارز الصدر قوي العاتقين، تتجه نظرات الجمع إلى رأسه الضخم، فما تلبث أن تلتقي بعينيه الزرقاوين السريعتين، فترتد حاسرة كأنما عشيت من ضوء وهاج، وكانت تفتن الأنظار أناقة ملبسه ونظام هندامه، كما كانت تسحرها لفتاته وحركاته، كأنما كان يحس مثل ما يحس الممثل القدير قد عرف سبيله إلى قلوب محبيه، فهو يحرص الحرص كله ألا ينحرف قيد شعرة عما يشيع في نفوسهم السحر من مظهره.

وتكلم فكان في كلامه ثبت الجنان زلق اللسان، وكانت له في هذا الاجتماع خطة بالغ في إحكامها، ومؤداها أن يرمي لنكولن والمتشيعين له بأنهم من المتطرفين الذين يريدون حل مسألة الرق بالقوة، ثم يحمل على بقية الجمهوريين فيرميهم بالتذبذب، وراح يلقي تلك التهم فيتحمس ويعلو صوته ويكثر من الإشارات، يحسب أن ذلك يغني عن الإقناع بالحجة، وكان يسمو بعباراته أحيانًا فلا ترتقي إليها أفهام الكثيرين، أو كما يقول الإنجليز كان يتكلم من فوق رءوس سامعيه، على أنه كان له من جاهه ونفوذه وهيبته في قلوب الجماهير عوض عن ذلك أي عوض، فحسبهم أنهم يستمعون إلى ذلك الذي بات يتحدث باسمه كل إنسان، حسبهم أنهم يستمعون إلى دوجلاس السياسي الأشهر والثري العريض الثراء، والأمريكي العزيز الجانب الذي سافر إلى أوروبا وحظى بلقاء بعض الرءوس المتوَّجة، وإن في كثير من النفوس البشرية من الغرائز ما يميل بها إلى الخضوع للسلطان والانقياد للقوة، ولو كان فيما تأمُر به القوة ما هو جدير أن يقابل بالعصيان.

وجاء دور أبراهام فطلع على الناس بقامته الطويلة، فهتف باسمه أنصاره وتحمسوا له، واتجهت إليه الأنظار، وإنه ليبدو كأنما أخذته من الموقف ربكة، فليس له تطلع دوجلاس وتحفزه، ونظر الناس إلى شعره الأشعث وملابسه المتهدلة، وبخاصة سرواله الذي يكشف — لقصره — عن جزء من ساقيه، وقارنوا دون أن يشعروا بين تلك الملابس وبين حلة دوجلاس الأنيقة، فبدت أكثر حقارة مما هي عليه، وكانت تستقر الألحاظ من حين إلى حين على محياه، وقد ازدادت مسحة الهم فيه وضوحًا، وبدا عليه ما يشبه المسكنة والانكسار، ولكن الناس على الرغم من ذلك أو بسبب ذلك على الأصح يرتاحون إلى مظهر ذلك المحيا، ويشعرون نحو صاحبه بالحب.

بدأ الخطيب في صوت أجش تتخلله حشرجة ثقيلة، ثم ما هي إلا برهة حتى انطلقت نفسه على سجيتها، فإذا ذلك المحيا يتهلل ويشرق وتتشكل أساريره بما يهجس في خاطره، وإذا تلك العينان الواسعتان المتسائلتان تنفذان إلى أعماق القلوب، وإذا الرجل يبدو في هيئة يتقاصر عن وصفها الكلام، وتتفتح مسالك صوته، فينطلق رائقًا له نبرات تتشكل حسبما يعبر عنه من المعاني، وكان إذا تحمس يعلو صوته فيدوِّي في أرجاء المكان، ويكون لفحولته وروعته وقع في النفوس أي وقع.

تدافعت إلى ذهنه الألفاظ، وقد جاءت كما يحب وكما يتطلب المعنى في غير زيادة أو نقص، وتزاحمت عليه المعاني وقد أسفرت عن وجوهها ومشت إلى غايتها في غير تحرج أو التواء. وبرزت في ذلك الموقف مواهبه في كمالها، فكان له ما شاء من سهولة اللفظ مع إشراقه وبلاغته ودقة المنطق مع سلاسته وسلامته، هذا إلى يقين ينفث في قوله الحرارة وتمكُّن مما يقول يذيع فيه الروعة، وأمثلة يسوقها للناس من حياتهم فتستقر في نفوسهم وكثرتهم من العامة، ومن وراء ذلك العبقرية التي تستعصي على التحليل وتسمو على التأويل.

وينساب السيل لا يصده عن وجهه شيء ولا تمشي — على تدفقه وجيشانه — في صفائه كدرة، والناس مفتونون وإنْ هم لم يفطنوا إلى سر فتنتهم، فهم مأخوذون بما يسمعون عن أن يفكروا فيما سحرهم، وإنهم لفي سكرة أشبه بما يجدون فيه أنفسهم إذ يصغون إلى لحن من تلك الألحان التي تسحر الأنفس وتملك الألباب.

ونزل لنكولن وله في قلوب السامعين من أنصاره وخصومه مكانة فوق ما كان له من قبل من مكانة، فلقد استطاع أن يقنعهم، كما استطاع أن يشعرهم بما هو أقوى من الإقناع وأبعد أثرًا؛ ألا وهو الإعجاب، وإنهم ليتهامسون بعضهم إلى بعض: ليت لسادتنا وكبرائنا قلوبًا مثل قلب هذا الرجل.

ولقد ارتكب دوجلاس من الخطأ في هذا الاجتماع الأول ما عده عليه المنصفون أنه أفحش أخطائه جميعًا في هذا النزال كله؛ وذلك أنه أبرز مكتوبًا موقعًا عليه باسم لنكولن يفهم منه أن أبراهام من زعماء المتطرفين، ولكن سرعان ما أقام أبراهام الدليل في دوره على أنه زائف، وأنه مما جاء فيه براءٌ، وكانت لطمة قوية استخزى لها دوجلاس في سامي منزلته، وفقد بعدها ثقة الكثيرين.

وحل موعد الاجتماع الثاني فتسابق الناس إليه أفواجًا، وقد اشتهر أمر ذلك الصراع؛ إذ لم تبق صحيفة إلا وقد أسهبت في الحديث عنه، وفي هذا الاجتماع طعن لنكولن خصمه طعنة لم يفطن أول الأمر إلى خطرها، فلقد أعد له سؤالًا ليلقيه عليه: إذا أرادت ولاية أن تلغي الرق فيها، فهل هي مستطيعة أن تفعل ذلك دون أي حرج؟ ولقد أنكر عليه أنصاره هذا السؤال؛ إذ لم يفهموا الغرض منه، وهم يعلمون أن دوجلاس سيجيبه: بلى، تستطيع الولاية ذلك. فقال لهم ولكنه يفقد بذلك عطف الجنوبيين وإن كسب عطف أهل إلينوى من خصوم الرق، ولن يضير لنكولن أن يظفر دوجلاس اليوم بمقعد في مجلس الشيوخ ويفشل غدًا إذا هو تطلع للرياسة!

ووجه لنكولن السؤال إلى دوجلاس فأجاب بقوله: «نعم، تستطيع الولاية أن تفعل ذلك في غير حرج.» وابتسم أبراهام وهو يدرك ما سيكون من وقعها في نفوس أهل الجنوب، ولقد برهنت الأيام فيما بعد على بعد نظره، ومما قاله لنكولن في ذلك: «إن دوجلاس يتبعه عدد كبير من العميان، وإني أريد أن أجعل بعض هؤلاء يبصرون.»

وفي الاجتماعين الثالث والرابع لم يأت كلاهما بجديد، وإنما اجتهد لنكولن في مدافعة ما رماه به خصمه من اتهامات، ولوحظ على دوجلاس في الاجتماع الرابع أنه كان ضائق الصدر، يروح ويغدو على المنصة أثناء تكلم خصمه وهو مربد الوجه زائغ البصر، ينظر الفينة بعد الفينة في ساعته حتى نفد الوقت المحدد فصاح به: «اجلس يا لنكولن! اجلس قد انتهى زمنك.» ونظر الخطيب إليه في هدوء وقال: «أجل، أحسب وقتي انتهى.» ورد أحد الجلوس قائلًا: «حسب دوجلاس ما لاقى.»

وفي الخامس من هاتيك الاجتماعات اتخذ لنكولن خطة الهجوم، بعد أن أخذ ينشر خصمه ويطويه في الاجتماعين الماضيين حتى دوخه، وكان هجومه شديدًا ضاق به دوجلاس وانخلع عنه مكره، فقد عاب عليه لنكولن أنه لا يحفل بالاعتبار الخلقي في النظر إلى الرق، مع أن النظرة الخلقية بعد الخروج على اتفاق مسوري هي الوسيلة الوحيدة التي يعول عليها في منع انتشار الرق، وعلى ذلك يكون دوجلاس داعية إلى أن يصبح الرق مسألة قومية عامة، لا تحرُّج ولا تأثُّم منها!

وأحس دوجلاس مهارة الرمية فراح يرد على رمية برمية، وعاد فاتَّهم لنكولن والحزب الجمهوري أنهم من دعاة الثورة، وأنهم يدفعون البلاد إلى الدمار.

ولكن لنكولن جعل الاجتماع السادس لتحديد مذهب الحزب الجمهوري، فقال في جلاء:

إن الجمهوريين هم أولئك الذين يعدون الرق خطأ من النواحي الخلقية والاجتماعية والسياسية، ولكنهم يتمسكون بدستور الاتحاد ويسيرون في تحقيق أغراضهم على نهجه، أما الذين لا يرون عيبًا في الرق فهم الديمقراطيون، وهم ليسوا من الجمهوريين في شيء، كذلك ليس من الجمهوريين من لا يعبَئون بالدستور في موقفهم من مشكلة الرق، مهما بلغ من مقتهم لذلك الوزر.

وحار دوجلاس ماذا يفعل أمام تلك القوة وأمام ذلك الوضوح الذي لا يدع مجالًا لمُسْتَرِيب، فأخذ يداجي ويعبث، وتثعلب بعدما سبق أن استأسد.

وضيق لنكولن عليه الخناق بسؤال آخر طلب إليه أن يجيب عنه في غير مداجاة، فقال: «أيعد الرق صوابًا أم خطأ؟» وازدادت حيرة المارد الصغير، وأحس أنه على جبروته يتلوى في قبضة ذلك العملاق، وأحس لنكولن مثل ما كان يحسه من ثقة في قوة ساعده، أيام كان يهوى بفأسه في الغابة على جذع من تلك الجذوع التي ما كانت تقوى عليه مهما بلغ من متانتها، ولكنه اليوم يحس الثقة في قوة قلمه ولسانه.

وعجب الناس لهذا الرجل الذي لا يرى نظيره في الرجال، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ماذا دهى المارد الصغير؟ وكيف تسنى لابن سبرنجفيلد المتواضع، الذي لم يعرف سلطانًا ولا جاهًا، أن يأخذ الطريق هكذا على ابن وشنطون الجبار المدل بماله ومنعته ونفوذه؟

ولكن هاجسًا يهجس في نفوسهم أن للحق سلطانًا دونه كل سلطان، وعزة يستخزي عندها كل اعتزاز، ومنعة ترتد عنها كل مطاولة؛ وأن الباطل مهما تنمر ومهما استعدى على الحق من أساليب بهتانه وألاعيب مكره، لا يكون منه إلا كما يكون الليل من وجه الصباح. أدرك الناس أن خير خادم للناس من يدرج بينهم فيحس إحساسهم، ولا يزال مهما بلغ من سمو منزلته واتساع ثقافته قادرًا على أن يشاركهم عواطفهم وألا يضيق بأحلامهم، وأي هذين الرجلين أخلق بهذا؟ أهو دوجلاس الذي أثرى بغتة بحيلة لم تتطلب منه إلا أن يشتري مساحات من الأرض بأبخس الأثمان، ثم يعمل بنفوذه على أن تتخذ سكة الحديد فيها مجراها فيبيعها بما تمتلئ به خزانته، والذي باعد بينه وبين الناس وتكلف مظهرًا أرستقراطيًّا تطرب له نفسه ولا ترتاح إلا له؟! أم هو لنكولن الذي ما برح يأكل من كده، والذي ظل في الناس على رجاحة عقله وعلو همته أحد الناس، والذي لا يطيب له العيش إلا إذا استشعرت نفسه آمال الناس وآلامهم، ولا يحلو له السمر إلا حيث يجلس في قوم ارتفعت بينه وبينهم الكلفة، وازدادت الألفة مهما يكن من الفوارق العلمية أو الفوارق المدنية؟!

تحدث أبراهام مرة يصف دوجلاس فقال: «لقد سوته الطبيعة بحيث إن ضربه السوط إذا نزلت على ظهره تؤلمه وتؤذيه، بينما هي لا تؤلم ولا تؤذى إذا نزلت على ظهر أي شخص غيره!» وما كان أبراهام مسرفًا في قوله، وما نحن بمسرفين إذا قلنا إن أبراهام قد سوته الطبيعة بحيث يحس ضربة السوط على ظهره إذا نزلت على ظهر أحد غيره من الناس.

وما كان أبراهام يطمع من وراء هذا النزال أن ينال لنفسه شيئًا، وهل عرفت في خلقه غميزة منذ كان يقطع الأخشاب في الغابة ليشتري بالمئات من شرائحها سروالًا؟ إنه منذ صدْر شبابه يسير إلى غاية، شعر بذلك أو لم يشعر به، فلقد استقر في نفسه من مقت الرق ما لا يستطيع أن يقعد معه عن العمل أو ينصرف عن الغاية، فكانت ثمة عزيمة تهون أمامها جسيمات الأمور، وكانت ثمة رسالة يحلو في سبيلها الجهاد، ومرد ذلك كله إلى قلب إنساني كبير ونفس مطمئنة صابرة وبصيرة، كأنما تشرف من حاضره على المستقبل فلا تقف من دونها حجب الغيب.

إنه اليوم ينافس دوجلاس على مقعد مجلس الشيوخ، فهل كان ذلك قصارى همه؟ كلا، وما كان بعض همه أن يرقى إلى كرسي الرياسة ذاته، وإنما كان همه أن تتحقق مبادئه ولو بذل في سبيلها نفسه، ولن يكون مقعد الشيوخ أو كرسي الرياسة عنده أمرًا ذا بال، إلا أن يكون وسيلة إلى السير بمبادئه إلى حيث يعتنقها الناس، وإلا فالجاه والثراء والحكم عنده من صغيرات الأمور، وهو إنما ينفر من كل أولئك بطبعه الذي يعزف عن الزهو ويتخوف دواعي البطر.

وإن أمثال ابن الأحراج هذا في تاريخ البشرية لقليلون، ولكنهم هم الذين رسموا لها طريقها، وولوها قبلتها التي ارتضوها لها، وما كان أتعس البشرية لو لم يوجد هؤلاء الذين يتمثل بهم ضميرها أناسًا يمشون على الأرض.

قال أبراهام ذات يوم من أيام هذا النزال:

لست أدعي أيها السادة أني غير أناني، ولن أتظاهر بأني لا أحب الذهاب إلى مجلس الشيوخ، لن آتي هذا الادعاء المنافق، ولكني أقول لكم إنه في هذا الجدال الصارم ليس يعنيكم، ولا يعني عامة الناس في هذه الأمة، ما إذا كان القاضي دوجلاس أو ما إذا كنت أنا بحيث تسمعون عنا شيئًا بعد هذه الليلة أو لا تسمعون، ربما كان هذا أمرًا تافهًا بالنسبة لنا كلينا، وهو إذا نُظر إليه تلقاء هذه المسألة العظيمة التي ربما يتوقف عليها مصير البلاد، فإنما يكون في حكم العدم.» وقال في معرض آخر: «لا تشغلوا أنفسكم بالتفكير فيما عسى أن يكون المصير السياسي لأي رجل مهما يكن ذلك الرجل، ولكن انظروا فيما تنطوي عليه وثيقة إعلان الاستقلال من حق، وإنكم لتظفرون مني بكل ما تريدون إذا وعيتم تلك المبادئ المقدسة … وفي الوقت الذي لست أدعي فيه عدم المبالاة بأي مجد من أمجاد هذه الدنيا، أعلن أنه ما ساقني إلى هذا التطلعُ إلى منصب. وإني لأطلب إليكم أن تسقطوا من عقولكم أية فكرة لا مغزى لها من نجاح شخص ما، إن تلك الفكرة ليست بشيء يذكر، ولست أنا شيئًا مذكورًا، وكذلك ليس القاضي دوجلاس، ولكن لا تقضوا على ذلك الرمز الخالد للإنسانية؛ ألا وهو قرار استقلال أمريكا.

هذا هو أبراهام رجل المبدأ، لا يعنيه أن يظفر أو أن ينهزم، وإنما تعنيه قضية البلاد الكبرى، بل قضية الإنسانية كلها، ولن يهدأ له بال حتى تحل أو تسير في سبيلها إلى الحل.

وأنَّى لدوجلاس أن يقف في وجه تلك القوة العاتية؟! أنى له أن ينال من ذلك الذي يتكلم فيخيل إلى سامعيه أن الأخلاق نفسها تقول كلمتها؟! حاول دوجلاس ذات مرة أن يعبر عن عدم مبالاته بقضية الرق، فانبرى له أبراهام قائلًا: «إنني أبغض مثل هذا المظهر، مظهر عدم المبالاة، إن من شأنه أن يضعف حاسة العدالة في دولتنا، وإنه ليمد أعداء النظام الدستوري السلمي بما يشبه الحق أن ينظروا إلينا كأننا منافقون، كما أنه في الوقت نفسه يمد أنصار الحرية الحقيقيين بسبب وجيه لتشككهم في إخلاصنا.» وقال أبراهام في مجال آخر: «إنكم باعتيادكم أن تطَئُوا حقوق غيركم إنما تفقدون بذلك حقيقة استقلالكم، وتصبحون طعمة لكل طاغية يخرج من بينكم. دعوني أخبركم أن مثل هذا إنما يعده لكم منطق التاريخ، إذا جاءت أدوار الانتخاب الآتية بحيث تجعل الحكم في قضية دردسكوت التالية وغيره من الأحكام أمرًا يقبله الناس. إنكم تستطيعون أن تخدعوا كافة الناس ردحًا من الوقت، وأن تخدعوا بعض الناس طول الوقت، ولكنكم لن تستطيعوا أن تخدعوا إلى الأبد جميع الناس.»

بمثل هذا المنطق السائغ، وبمثل هذه العبارات السهلة، كان أبراهام يأخذ الطريق على دوجلاس في غير مشقة، وكان الناس يلمسون الصدق في هذه العبارات وأمثالها وهم واثقون من نزاهة غرضه وشرف مقصده.

ويريد أبراهام أن يصور موقف كل من الولايات القديمة والجديدة من الرق، فيصل إلى غايته في وضوح ويسر إذ يقول: «إذا أنا أبصرت ثعبانًا قاتلًا يزحف في الطريق، فإن أي رجل يقرني على أن أعمد إلى أقرب عصا فأقتله، ولكنني إذا وجدت هذا الثعبان بين أطفالي في سريرهم، فإن المسألة تتخذ وضعًا آخر، فإني ربما آذيت أطفالي أكثر مما أوذي الثعبان، وربما عضني ذلك الثعبان. وتختلف المسألة أكثر من ذلك إذا أنا وجدت ذلك الثعبان في سرير جاري، وكنت على اتفاق وثيق مع ذلك الجار ألا أتدخل في شئون أطفاله مهما يكن من أمر، ولكن إذا كان ثمة سرير صنع حديثًا وأزمع حمل الأطفال إليه، واقتُرح في نفس الوقت أن يحمل إليه عدد من الثعابين، فليس في الناس من يرى خلافًا في أي الطرق أسلك.»

ويعمد أبراهام إلى تهكمه في عذوبة روح وترفع عن الإساءة وحذر شديد أن يجرح شعور أحد، ومهارة يضيق عنها ذكاء خصمه وتتخلف دونها بديهته، ويذهل عندها مكره. استمع إليه كيف يسفه وسائله ويزيف رأيه، وقد رأى منه أنه أنكر ما سلف أن أقره، قال أبراهام: «أقول إنك خلعت قبعتك، ولكنك تريد أن تكذبني، فتضعها على رأسك وتثبت بذلك أني كاذب، وهذا قصارى ما لك من قوة في هذا الجدل.» ثم انظر إليه كيف يحمل الناس على الضحك بأن يستخرج من إحدى عبارات دوجلاس ما يشبه القانون الرياضي، قال دوجلاس: «إذا كان ثمة عراك بين رجل من البيض وبين زنجي فإني أقف إلى جانب الأبيض، أما إذا كان بين زنجي وتمساح فإني مع الزنجي.» فأجاب أبراهام بقوله: «يستخلص من ذلك أن الأبيض من الزنجي كالزنجي من التمساح، وعلى ذلك فبقدر ما يكون من الحق في معاملة الزنجي للتمساح يكون منه في معاملة الأبيض للزنجي.»

ورأى دوجلاس يعمد إلى المداجاة ويجهد أن يلبس الحق بالباطل، فشبهه بنوع من السمك من خصائصه أن يفرز مادة سوداء كالمداد يضل بها الصيادين؛ فهو لا يفتأ يرسل من العبارات الجوفاء ما يرمي به إلى التعمية وطمس الحقائق، والناس يضحكون مما يقول أبراهام معجبين به مستزيدين منه.

ويتساءل لنكولن ضاحكًا ذات مرة: «لماذا لا يجيب القاضي دوجلاس عن الحقائق؟ لو كنتَ درست علم الهندسة فإنك تتذكر أن إقليدس أثبت بالبرهان أن مجموع زوايا المثل يساوي زاويتين قائمتين، وقد بين إقليدس الخطوات التي توصل بها إلى هذا، فإذا أردت أن تنقض هذه النظرية وأن تبرهن على خطئها، أتفعل ذلك بقولك إن إقليدس كاذب؟» ويضحك الناس فيدعهم لنكولن حتى يسكتوا ثم يقول: «بمثل هذه الطريقة يجيب القاضي دوجلاس عما يجادل فيه.»

ولم يدع أبراهام قولًا مما ساقه دوجلاس مساق المبادئ إلا حمل عليه وكشف عما فيه من بهرج، ومن ذلك ما أعلنه دوجلاس في مسألة نبراسكا وسماه مبدأ سيادة الشعب، قال أبراهام: «مبدأ سيادة الشعب معناه حق الشعب أن يتولى حكم نفسه، فهل اخترع القاضي دوجلاس هذا المبدأ، كلا … فقد اتخذت فكرة سيادة الشعب طريقها إلى النفوس قبل أن يولد صاحب مشروع نبراسكا بعصور، بل قبل أن يطأ كولمبس بقدميه أرض هذه القارة، فإذا لم يكن القاضي دوجلاس هو مخترع ذلك المبدأ، فدعنا نتتبع الأمر لنتبين ماذا اخترع غيره؛ أهو حق المهاجرين إلى كنساس ونبراسكا في أن يحكموا أنفسهم وعددًا من الزنوج معهم إذا أرادوا ذلك؟ يظهر في وضوح أن ذلك لم يكن من اختراعه؛ لأن الجنرال كاس أعلن ذلك من قبل أن يفكر دوجلاس في مثله بست سنوات؛ وإذن فماذا اخترع «المارد الصغير»؟ لم يخطر على بال الجنرال كاس أن يسمي اكتشافه بذلك الاسم القديم؛ ألا وهو سيادة الشعب، أجل … لقد استحى أن يقول إن حق الناس في أن يحكموا الزنوج هو حق الناس في أن يحكموا أنفسهم، وهنا أضعُ تحت أنظاركم اكتشاف القاضي دوجلاس بكل ما فيه؛ لقد اكتشف أن تربية الرقيق والإكثار منهم في نبراسكا هو سيادة الشعب.»

ورأى أبراهام في هذا الصراع فرصة قلما تتاح له مثلها، فعول ألا يدع في مسألة الرق شيئًا غامضًا، وأخذ يقلبها على وجوهها في سهولة تستهوي الألباب، تلمس ذلك في قوله هذا عن المتمسكين بالرق، قال: «يظهر لي مبدأ الاستعباد عندهم كما يأتي: ليست العبودية صوابًا من جميع الوجوه، وليست كذلك خطأ من جميع الوجوه، وإن من الخير لبعض الناس أن يكونوا عبيدًا، وإنهم في هذه الحالة يكونون خاضعين لإرادة الله. حقًّا ما كان لنا أن نعارض مشيئة الله، ولكن لا تزال ثمة صعوبة في تطبيقها على بعض الحالات الخاصة، فلنفرض مثلًا أن شخصًا يدعى الدكتور روس الموقر يملك عبدًا اسمه سامبو، فإنا نتساءل: هل مشيئة الله هي أن يظل سامبو عبدًا، أم هي أن يطلق سراحه؟ ولن نظفر من الله بإجابة سريعة عن هذا السؤال، ولن نجد في كتابه جوابًا لذلك، أو لا نجد في الغالب إلا ما يثير الجدل حول معناه. وليس يفكر أحد أن يسأل سامبو ما رأيه في ذلك، وعلى ذلك يترك الأمر للدكتور روس ليفصل فيه، وبينما يفكر في الأمر تراه يجلس في الظل وعلى يده قفازه يقتات بالخبز الذي يكسبه سامبو تحت الشمس المحرقة، فإذا هو قرر أن مشيئة الله هي أن يظل سامبو عبدًا، فإنه بذلك يحتفظ بمكانه المريح، أما إذا قرر أن مشيئة الله هي أن يصير سامبو حرًّا، فإن عليه أن يخرج من الظل وينزع قفازه ويكدح من أجل خبزه، فهل يفصل الدكتور روس الموقر في الأمر بما تقضي به النزاهة المطلقة التي لا بد منها في كل فصل حق؟»

وانتهى بعد ثلاثة أشهر ذلك الصراع الذي اشتهر أمره، فكان نصيب لنكولن من المؤيدين مائة وخمسة وعشرين ألفًا، ونصيب دوجلاس دون ذلك بأربعة آلاف، ولكن مجلس الولاية كان هو الذي يختار عضو مجلس الشيوخ وفق القانون، وكان بهذا المجلس أربعة وخمسون عضوًا من الديمقراطيين وستة وأربعون من الجمهوريين؛ لذلك فاز دوجلاس فصار عضو مجلس الشيوخ، ولقد عد انتصاره في نظر بعض المؤرخين بعد هذا الصراع أعظم انتصار شخصي في تاريخ أمريكا السياسي.

وهكذا يفشل أبراهام مرة أخرى في محاولة الحصول على مقعد في مجلس الشيوخ، ويحظى دوجلاس دونه بذلك المقعد، ولكن أبراهام على عادته لا يعبأ بهذا الفشل، بل إنه ليستشعر الراحة بينه وبين نفسه أن استطاع أن يُسمع هاتيك الألوف صوته، وإنه ليحس أن مبادئه قد أخذت سبيلها إلى قلوب الكثيرين منهم على صورة طالما منَّى نفسه بها، وأي شيء أحب إليه من ذلك؟ لقد أصبح اسمه على كل لسان، وتسامعت أمريكا كلها باسم أبراهام لنكولن، وصار يعد من رجال وطنه الأفذاذ، وأضاف الناس إلى ألقابه في الشمال لقبًا جديدًا؛ فقالوا لنكولن قاتل المارد، وطنطنت باسمه الصحف، ومن ذلك ما قالته إيفننج نيويورك بوست: «لم يصل رجل في هذا الجيل إلى الشهرة في قومه بمثل تلك السرعة التي وصل بها لنكولن في هذا الانتخاب.» وكتب إليه شخص يقول: «إن مثلك اليوم كمثل لورد بيرون، الذي أفاق ذات يوم من نومه ليجد نفسه ذائع الصيت. إن الناس يستنبئون عنك بعضُهم بعضًا. لقد قفزتَ دفعة واحدة من محام له الصدارة في إلينوى إلى سياسي له الشهرة في قومه.»

أما هو فقد وصف شعوره يومئذ بقوله: «مثلي كمثل الصبي اصطدم إصبع قدمه بشيء آلمه، فكان الألم أشد من أن يصحبه ضحك، وكان الصبي أكبر من أن يبكي.»

ولاقى أبراهام عنتًا من بعض خصومه في بيتسبرج وبعض جهات غيرها، فأرادوا إيذاءه وتصايحوا ضده، فأسمعوه من البذاء ما أعرض عنه إعراض المؤمنين الصابرين، وكانوا يطلقون عليه اسم الجمهوري الأسود؛ مبالغة في الزراية به، تقدمت سيدة تحمل في يدها عروسًا سوداء من الخشب فرفعتها أمام وجهه، فنظر أبراهام إليها باسمًا وقال: «أهذا طفلك الرضيع يا سيدتي؟» فاستخزت أيما استخزاء، ولم يقو خصومه أنفسهم على كتم ضحكاتهم منها، وجاء شاب على ظهر جوداه فمشى به قِبل لنكولن حتى أصبح في محاذاته، ورأى أبراهام في وجهه أمارات السفه، فما زاد على أن نظر إليه نظرة حملته على الفرار في فرق وخزي.

ولكنه استقبل في أُتاوا استقبال الفاتحين، فحمله شباب المدينة فوق أعناقهم والألوف تهتف به، إذ هو ضائق بهذا يطيقه على رغمه، ولو أنه استطاع أن يفلت منه لفعل مسرعًا، وما كان أشبهه ساعتئذ بخليفة المسلمين عمر حين صاح بقومه في موقف لهم من مواقف الزهو أن كاد يقتله الزهو.

أجل! تبرم أبراهام بهذا الزهو فما كان من شيمته أن يُزهى، ولا كان من خلقه أن يترفع أو أن يطغى، بل إنه كان لا يزداد حظه من الصيت إلا تَواضَع، ولا يعظم نصيبه من الجاه إلا خفض جناحه وألان جانبه للناس جميعًا، أنصاره وخصومه في ذلك سواء.

يحكي صديق له أن عاصفة ألجأته وأبراهام أثناء ذلك الصراع إلى عربة مظلمة من عربات سفن الشحن، وجلس أبراهام القرفصاء على أرض العربة كما كان يفعل في كوخ أبيه في الغابة، وكلم صديقه وسط الظلام فقال: «كانت أعظم أمنية لي أيام كنت أبيع في حانوت بمدينة نيو سالم أن أدخل المجلس التشريعي للولاية.» وسكت لحظة ثم استأنف قوله ضاحكًا: «أما أن أطمح إلى عضوية مجلس الشيوخ في وشنطون، فذلك ما دفعتني صاحبتي إليه … والآن أحس أني — إذا أردت الحق — كفؤٌ لذلك، ولكني مع هذا لا أبرح أقول لنفسي إن هذا الأمر أكبر من أن أضطلع به ولن أصل إليه أبدًا، على أن ماري لا تزال مصرة على رأيها في أني سوف أكون عضوًا في مجلس الشيوخ ورئيسًا للولايات المتحدة.» ثم ضحك من قول زوجته ضحكة اهتز لها كيانه كله، وقال ويداه تعتقلان ركبتيه وإنه لا يزال يضحك ملء نفسه: «صوِّر لنفسك يا صاحبي كيف يكون أبلهُ مثلي رئيسًا!»

وعاد أبراهام إلى سبرنجفيلد بعد أن قضى في ذلك النزال أكثر من شهرين، عاد إلى زوجه وأولاده فلقيته ماري راضية عنه على الرغم من إخفاقه؛ أوَليست ترى الصحف كلها تذكر زوجها، وترى أكثر صحف الشمال تطنب في مدحه وتعده بطلًا من أبطال قومه؟ أوَليست هذه هي النغمة الحلوة التي تحب سماعها؟ وأي شيء هو أحلى وقعًا في قلبها من أن ترى نفسَها زوج رجل عظيم يعترف الناس بعظمته؟!

وأقبل على المحاماة من جديد؛ فلقد أنفق في هذا الصراع من المال ما أرهقه من أمره عسرًا، هذا إلى أنه بانقطاعه عن مهنته طوال تلك الأيام لم يكسب من المال شيئًا، وهكذا يعود ابن الغابة إلى كدحه ليقيم أوْده وأود أسرته، بينما يذهب دوجلاس يرفل في النعمة إلى وشنطون، ويجر ذيل الخيلاء السابغ الضافي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤