هدية الأحراج إلى عالم المدنية

أقام لنكولن في الفندق ينتظر يوم الاحتفال، وإنه ليحس أنه كالغريب في هذه المدينة العظيمة، ولقد كان كثير من أهلها يتوقعون قبل وصوله أن تصلهم الأنباء عن مقتله في الطريق، فلما فوت على الماكرين قصدهم ودخل المدينة ولم تزل غافية، أصاب المؤتمرين به كمد وغم، ولكن هل فاتت الفرصة فلا سبيل لهم إليه بعدها؟ كلا، فما يزال الكائدون يتربصون به حتى لقد سرت في الناس إشاعة قوية أنه لن يحتفل بالرئيس الجديد، وأنه راجع إلى سبرنجفيلد قبل ذلك اليوم حيًّا أو ميتًا.

وكانت المدينة إلى أهل الجنوب أكثر ميلًا منها إلى أهل الشمال، وكان سادتها وكبراؤها ممن يقتنون العبيد ويتمسكون بنظام العبيد، وكانت تقع عين القادم إلى المدينة على العبيد رائحين غادين، ولقد كان هذا منظرًا تنفر منه عينا لنكولن وهو يطل من الفندق على المدينة، وكان ذوو النفوذ من أهلها يكرهون الجمهوريين ولا يشيرون إليهم إلا بقولهم الجمهوريين السود؛ لذلك أحس أبراهام أنه في جو غير جوه، كالنبات نقل إلى حيث لا يجدي معه ري ولا ينفع غذاء.

وجلس أبراهام يفكر ويتدبر؛ فإذا امتد إلى الحاضر فكره رأى كيف تشيع الفتنة، وكيف يستفحل الشر، وكيف يزلزل بناء الاتحاد حتى لينهار حجرًا بعد حجر؛ وإذا استشرفت للمستقبل نفسه، رأى ظلمات فوقها ظلمات؛ فالحرب — كما يبدو له — واقعة لا محالة، ما لم يحدث ما ليس في حسبان أحد، وهي إذا شبت نارها واستعرت اكتوى بسعيرها أبناء الوطن الواحد وأصحاب المصلحة الواحدة، إنها حرب سوف تكون بين نصفي شعب لن يكون بقاؤه وسعادته إلا في اتحاد كلمته والتئام شمله.

وليت الفتنة اقتصرت على الناس ولم تمتد إلى الحكومة، إذن لكان أهون على الرئيس وعلى الشعب، فها هي ذي كما رأينا قد اندست حتى تغلغلت في وحدات الجيش والبحرية والسادة المسئولين من رجال الدولة، ولقد وقف بوكانون حائرًا لا يدري ما يأخذ مما يدع، حتى لم يعد في إمكانه أن يحسم الشر، فكان وجوده حتى ذلك اليوم على رأس الحكومة شرًّا على شر.

ولكن أبراهام لم يك من طراز بوكانون، وحسبه عزمه المصمم الجبار في هذا الموقف الرهيب، هذا إلى إخلاصه وكراهته للعدوان، ويقينه الذي لا يداخله شك ولا يحوم حوله شيء مما ينسج الباطل من وهم، وما يصور من ريبة.

ولقد أشفق من لم يكونوا يعرفونه، بل لقد جزع بعض الناس من أن تُلقى أزمَّة الحكم في مثل هذه الظروف في يدي رجل هو، في زعمهم، لم تحسن يداه أن تقبضا على شيء غير المعول. وعجبوا أن تترك الأمور للرجل القادم من الغرب، لذلك المحامي الذي كان من قبل يخطط الأرض ويوزع البريد، والذي نشأ بين الأحراج ونما كما ينمو وحشي النبات. وسخط أعداؤه ممن لا يجهلون مقدرته، واشتد بهم الغيظ ألا يجلس في كرسي الرياسة يومئذ إلا هذا الجمهوري الأسود، كما شاء لهم حنقهم أن ينعتوه، هذا الذي يعد — كما يزعمون — في الجمهوريين كبيرهم الذي علمهم ما يلوكونه من عبارات تؤذي الأسماع وتخز القلوب وتقبض الصدور!

أما الذين عرفوا لنكولن وخبروا خلاله، فما خالطهم شك في أنه الرجل الذي ليس غيره في الرجال تكون على يده السلامة ويتم الخلاص. والحق لقد خلقت الحوادث هذه الأزمة، وخلقت في الوقت نفسه الرجل الذي ينهض لها، والذي لا يقوى على حمل أعبائها سواه، ولو لم يكن في أمريكا يومئذ ذلك الرجل الذي أخرجته أحراجها، لتغير تاريخها باتخاذه وجهة غير التي سار فيها.

وإنا لنرى في أبراهام أحد الأفذاذ الذين يبرهنون بأعمالهم على فساد الرأي القائل بأن الظروف هي التي تكون العظماء؛ فهذا رجلٌ نَجَمَ عن أبوين فقيرين، ودرج بين أحراج الغابة وألفافها، فلما واجه الحياة وأخذ يعول نفسه، راح يشق طريقه في زحمتها ومفاوزها كما كان يشق طريقه بين الأدغال، ولا عاصم له مما كان يحيط به إلا عزيمته وفتوته.

راح أبراهام يستقبل الحياة ويمشي في مناكبها، وكأن الظروف كلها من عدوه، فما زال يغالب الظروف وتغالبه ويعركها وتعركه، حتى بلغ موضع الرياسة في قومه دون أن يستمد العون مرة من أحد، أو أن تكون له وسيلة من جاه أو مال أو حظوة عند ذي قوة، أو غير هذا وذاك مما يبتغي به الناس الوسائل إلى ما يطمحون إليه من غايات.

ولما أن بلغ هذا الموضع كانت البلاد تتوثب فيها الفتنة ويتحفز الشر، فكانت الظروف يومئذ كأسوأ ما تكون الظروف، ولكنه على الرغم من ذلك سار إلى غايته غير خائف ولا وانٍ ولا منصرف عن وجهته إلى وجهة غيرها، حتى عقد له النصر وتم له أداء رسالته.

وكيف لعمري تخلق الظروف العظماء؟ وكيف يسمى عظيمًا ذلك الذي تخدمه الظروف، فلا يكون له من فضل إلا ما يجيء عن طريق المصادفة؟ ألا إن العظيم الحق لهو الذي تخاصمه الظروف فينجح على الرغم مما تكيد به الظروف، وتتجهم له الأيام فيقدم على العظائم على الرغم من تجهم الأيام، وتعترضه الصعاب الشداد، فلا تثني عزيمته أشد الصعاب، بذلك تكون الظروف هي التي تخلق العظماء، فيكون الرجل الذي يظهر عليها ويظفر على الرغم منها هو العظيم، ويكون في ذلك كالدر تُظهر النار حقيقة جوهره.

لبث أبراهام في الفندق ينتظر حتى يتخلى له بوكانون الشيخ عن قيادة السفينة، وكان أبراهام يستمع إلى دوي العاصفة يزداد يومًا بعد يوم، فيتلفت فلا يرى حوله غير سيوارد، ولكن سيوارد لا يلبث أن يدب بينه وبين صاحبه خلاف شديد، فلقد كبر على سيوارد ألا يشاوره أبراهام في الخطبة التي أعدها ليوم الاحتفال، وكان قد كتبها قبل أن يسافر من سبرنجفيلد.

وعلم أبراهام بالأمر فألقى بالخطبة بين يدي صاحبه، فاقترح عليه سيوارد أن يغير فيها أشياء وأن يضيف إليها أشياء، فلم ير أبراهام رأيه، على أنه قبل أن يضيف إلى الخطبة خاتمة كتبها سيوارد وتناولها أبراهام بالتغيير، ليلتئم أسلوبها مع أسلوب الخطبة، وظن أبراهام أنه أرضى بذلك صديقه، ولكنه فوجئ في اليوم السابق ليوم الاحتفال بكتاب من عند صاحبه، ينبئه فيه أنه يتحلل من وعده الذي سبق أن قطعه على نفسه بالاشتراك معه في الحكم! وطوى أبراهام الكتاب متألمًا مكتئبًا؛ ألا ما أشد عنت الأيام! حتى سيوارد ذلك الذي ليس غيره ترجى منه المعونة تكون من جانبه العقبات؟

وأشرقت شمس اليوم الرابع من مارس عام ١٨٦١، وكان يومًا من أيام الربيع طلق المحيا رخي النسائم، فخرج الناس يشهدون موكب الرئيس الجديد، وكان موكب الاحتفال بولاية الرئيس من أعظم ما تهتم به البلاد، وهو في هذه المرة أجل قدرًا منه في كل ما سلف من الأيام؛ وذلك لما كان يحيط بولاية أبراهام من معان تجيش بها نفوس الخصوم والأنصار!

وقضى أبراهام صباح ذلك اليوم يقرأ خطبته ويهذبها بالحذف والإضافة، حتى متع النهار فجاء الرئيس بوكانون في عربة إلى الفندق، فركب إلى جانبه أبراهام والناس على جانبي الطريق إلى الكابتول، تقع أعينهم على الرجلين، فهذا هو الرئيس القديم يشيع في رأسه الشيب، ويبدو على بدنه ومحياه الهزال من أثر السنين، ومِن أثَرِ ما حَمَلَ مِن عبءٍ أوشك أن يلقيه عن كاهله، وقد أربى اليوم على السبعين، وهذا هو الرئيس الجديد يبدو فتيًّا قويًّا وهو يومئذ في الثانية والخمسين، هذا هو الرجل القادم من الغرب! هذا هو ابن الغابة! تملأ الأعين قامته الطويلة التي تلوح أكثر طولًا إلى جانب صاحبه الشيخ الضئيل الجرم، وهو يرتدي اليوم حلة ما ارتدى مثلها من قبل، حلة ارتضتها له ماري وهيأتها لذلك اليوم، ثم هو يقبض على عصا جميلة أنيقة بيده الضخمة التي أكسبها في صدر أيامه حمل المعول كبرها وخشونتها.

وضاقت الناس بالطرقات، وكان رجال الشرطة قد أبعدوا الجموع قليلًا عن حافتي الطِوارَين، وقد أمرهم كبيرهم ألا يسمحوا بأي عبث بالنظام مهما خيل إليهم أنه تافه، وكان كبير الشرطة يخاف أن تمتد أيدي الآثمين إلى الرئيس بالعدوان؛ إذ كانت الإشاعات قد اتخذت مجراها في كل سبيل، وملأ الهمس بها الآذان ووجفت من هول ما تتصور الجريمة قلوب الكثيرين من المخلصين.

وبلغ الرئيس مكان الاحتفال، وهو مرتفع أعد لهذا الغرض، وقد امتلأت الساحة المحيطة به بجموع من الناس حي ما تتسع لقدم. وكان على مقربة من المكان تمثال وشنطون المنحوت من المرمر الأبيض، يتلألأ في ضوء الشمس وتنبعث منه معاني العظمة والبطولة والحرية والفداء.

ووقف الرئيس لنكولن يوجه الكلام للشعب جميعًا لأول مرة، وقف ابن الأحراج أمام هاتيك الجموع ثبت الجنان، مستوي القامة، مرفوع الهامة، وألقى نظرة أمامه على علية القوم من الشيوخ والأعيان ورجال الجيش ورجال الدين والقضاة وغيرهم وغيرهم، ثم مد بصره في الجموع وقد سكنت ريحهم فتهيأ للكلام، ولكن ماذا عراه؟ لقد وقف يمسك بإحدى يديه قبعته وبالأخرى عصاه، فكيف يمسك الورق ليتلو منه خطبته؟! ها هو ذا يسند العصا إلى الحاجز الخشبي أمامه، فأين يضع القبعة؟ لقد أوشك أن يقع في ورطة وأوشك أن يثير ضحك الخصوم بحيرته، ولكن ها هو ذا رجل يثب من مكانه — وكان يجلس منه في سمت بصره — فيأخذ القبعة من يده، ومن هو ذلك الرجل؟ إنه دوجلاس خصمه القديم ومنافسه بالأمس ذو البأس الشديد.

وكان دعاة الانسحاب من أنصار الجنوب يأملون أن يتهدد لنكولن الولايات الجنوبية ويتوعدها؛ فيشتد بذلك الهياج في تلك الولايات ويتعذر بعدها أن يجنح أهلها للسلم، ولكن لنكولن خيب ظنونهم وزادهم بحكمته وحصافته ويقظته وبعد نظره غمًّا على غم.

كانت خطبته خير مثال للاعتدال في غير تفريط، وللتواضع في غير استخزاء أو استسلام، وللتحذير في غير إثارة أو استفزاز، وللمرونة في غير رياء أو التواء، وللعدالة في غير جفاء أو عداء، كما كانت كالسلسل العذب سهولة لفظ وفصاحة عبارة، هذا إلى ما امتازت به من نصوع البرهان ومتانة الحجة واستقامة المنطق، وبراعة السياق ودقة الإلمام بالموضوع والإحاطة به من أقطاره جميعًا، وحسن التفطن إلى ما كان يشغل يومئذ الأذهان.

وكان الخطيب رنان الصوت، قوي الجرس، حسن الإشارات بيديه، على محياه الجد والهيبة والعزم، وفي كلماته حرارة الإيمان وقوة اليقين وصدق الإخلاص؛ ولذلك كانت عباراته تنفذ إلى قلوب أنصاره وخصومه على السواء، وإن كان خصومه ليكرهون فوزه وينكرون مبادئه.

قال يشير إلى مخاوف أهل الجنوب: «يظهر أن المخاوف تنتشر في الولايات الجنوبية، ومبعثها أن قبولهم حكم الجمهوريين من شأنه أن يعرض أملاكهم وسلامتهم وأمنهم على أشخاصهم للمخاطر، ألا إنه ليس ثمة من سبب معقول لهذه المخاوف، بل لقد قامت بينهم أقوى شهادة على نقيض ذلك، وكانت دائمًا تحت أسماعهم وأبصارهم، إنها كانت توجد في كل خطبة من خطب محدثكم الآن، وإني لأقتبس من إحدى تلك الخطب؛ إذ أقول إنه ليس لي من غرض مباشر أو غير مباشر للتدخل في نظام الرق في الولايات التي يقوم فيها هذا النظام، وإني لأعتقد أنه ليس من حقي أن أفعل ذلك، وأن الذين رشحوني وانتخبوني إنما فعلوا ذلك وهم على أتم علم بأني كثيرًا ما صرحت بمثل هذا، وما تزحزحت مرة عما قلت.»

ولم يقف الرئيس في اعتداله عند هذا الحد، بل لقد ذهب إلى التصريح بأن العبد الآبق إلى الولايات الحرة لا تمنح له الحرية، ولقد أشفق كثير من أنصاره من هذا التصريح، ولكن لنكولن يستند في ذلك إلى مبادئ الحزب، التي لا يمنح بمقتضاها العبد حريته إلا إذا ذهب مع سيده غير آبق إلى ولاية حرة فأقام فيها.

وتكلم لنكولن عن انسحاب الولايات من الاتحاد فقال: «لن يخول القانون لأية ولاية حق الانسحاب …» ثم أردف قائلًا إن القسم الذي أقسمه على المحافظة على الدستور يجعل لزامًا عليه أن يؤدي واجبه، فيعمل على أن يكون قانون الولايات المتحدة نافذًا في جميع الولايات، واختتم الحديث في هذا الموضوع بقوله: «إني واثق من أنكم لن تحملوا على التهديد كلامي، بل إنها كلمة الاتحاد يعلن أنه سوف يحمي بناءه ويدعمه على أساس من الدستور، وهو إذ يفعل ذلك لا يرى ثمة حاجة إلى سفك الدماء أو العنف، ولن يكون شيء من هذا إلا إذا أجبرت عليه السلطة القومية.»

وأشار إلى الوحدة من الوجهة العضوية، فقال إن نصف الشعب لا يستطيع أن يقوم بغير النصف الآخر، وإذا كان في الدستور عيب فمن الممكن إصلاحه بمؤتمر يجتمع فيه ممثلو الشعب، فإذا رأى الشعب الانفصال حقًّا لكل ولاية فله رأيه وليفعل كما يرى، أما هو فما يملك من قوة إلا ما منحه الشعب.

وتكلم عن الداعين إلى الثورة، فقال إنه لا مبرر للثورة إلا إذا لجأت الأغلبية إلى الطغيان، ومثل هذا المبرر لا وجود له، وإن الانسحاب معناه الفوضى، ولا نتيجة للفوضى إلا الاستبداد.

واختتم لنكولن خطبته بتلك العبارة التي اقترحها سيوارد وتناولها هو بالتعديل قال: «لسنا أعداء بل نحن أصدقاء، ويجب ألا نكون أعداء، ولو أن الغضب قد جذب حبال مودتنا إلا أنه يجب ألا يقطعها، وإن الأناشيد الخفية التي ترن في الذاكرة منبعثة من كل ميدان من ميادين القتال، ومن كل قبر من قبور الوطنيين، إلى كل قلب حي وإلى جانب كل موقد في هذه البلاد العريضة، لتزيد جوقة الاتحاد إذا ما مسها ثانية وحي من طبيعتنا، كما نثق أنه واقع.»

وأقسم أبراهام ويُمناه على الإنجيل، وتولى صيغة القسم القاضي تين، صاحب قضية دردسكوت الشهيرة، وكان يومئذ القاضي الأعلى للبلاد. وبعد أن أدى أبراهام القسم على أن يحترم الدستور ويحافظ على قوانين البلاد، سار إلى البيت الأبيض، وكان أول عمل له عقب وصوله أن تناول القلم فكتب إلى سيوارد الكتاب الآتي:

سيدي العزيز

تسلمت رقعتك المؤرخة في اليوم الثاني من الشهر الحالي، والتي تسألني فيها أن أقبل انسحابك من الاشتراك معي في إدارة شئون الحكم، ولقد كانت رقعتك هذه سببًا لأعظم القلق عندي إيلامًا، وإني لأشعر أني مضطر إلى أن أرجو منك أن تلغي هذا الانسحاب. إن الصالح العام ليدعوك أن تفعل هذا، وإن شعوري الشخصي ليتجه في قوةٍ نفس الاتجاه، أرجو أن تتدبر في الأمر وأن يصلني رد منك في الساعة التاسعة من صباح الغد …

خادمك المطيع أبراهام

جلس أبراهام ينتظر رد سيوارد بصبرٍ فارغ وفؤاد قلق، فإنه ليعجب كيف يقف منه صاحبه مثل هذا الموقف، على أنه لن يحجم عن مواجهة العاصفة وحده مهما بلغ من شدتها، وإن كان ليرجو بينه وبين نفسه أن يظل سيوارد إلى جانبه في تلك الشدة التي تطيش في مثلها أحلام الرجال، وإن كانت تزن الجبال.

يود أبراهام أن يستعين بصاحبه، فهو واثق من كفايته مطمئن إلى إخلاصه. وما بال الرئيس تزداد سحابة الهم كدرة على محياه حتى ليبدو للأعين كمن أخذته غاشية من حزن أليم؟! ما باله طويل الإطراق كثير الصمت، لا يستمع إلى حديث زوجته إلا قليلًا، ولا يشاطرها جذلها ومرحها، ولا يشاركها فيما دب في قلبه من الزهو بما باتا يتلقبان فيه من نعمة ويحظيان به من جاه؟!

إنما يكرب الريس ما آلت إليه حال بلاده، فما به خاف أو تردد وما هو عن بذل روحه بضنين، وإنه ليحزنه أن يكون بنو قومه بعضهم لبعض عدوًّا في غير موجب لذلك، وهم في عماية عن الحق من تبلبل أفكارهم وتسلط العناد على نفوسهم، وما له إلى هديهم بالتي هي أحسن، حيلة.

ورضي سيوارد آخر الأمر أن يعمل مع أبراهام، وقد كان سيوارد قليل الثقة في كفاية صاحبه في إدارة أمور الحكم؛ لأنه لم يسبق له أن شغل منصبًا إداريًّا قبل هذا المنصب الخطير؛ ولذلك كان يطمع سيوارد أن تكون له السلطة فعلًا وتكون للرئيس الرياسة فحسب، وبهذه الروح بدأ العمل مع صاحبه.

واختار لنكولن رجالًا للحكومة كون منهم مجلسه، ومن أشهر هؤلاء تشيس، وكان من أعظمهم كفاية بعد سيوارد، غير أنه لوحظ على الرئيس أن أربعة من رجال مجلسه كانوا من منافسيه في الرياسة؛ مما يخشى معه أن ينسوا الصالح العام وأن يعمل كل منهم على توطيد مكانته توطئة للانتخاب القادم، ولكن لنكولن يرد على ذلك بما أملاه عليه بعد نظره، فلكل من هؤلاء شيعة وأعوان، وكل منهم يمثل ولاية من الولايات الشمالية، هذا إلى ما يعلمه من كفايتهم، وإنه ليركن إليهم مطمئنًا إلى وطنيتهم، قائلًا إن الوقت عصيب فما يظن أن أحدًا تحدثه نفسه أن يعمل لصالحه الشخصي في ظروف كتلك الظروف.

ولما جلس لنكولن بينهم حول المنضدة عرف كيف يؤلف بين قلوبهم، وكيف يحملهم على احترامه وعلى محبته، ثم على الإذعان له والتسليم بالتفوق، ولقد باتوا جميعًا يعجبون؛ كيف يدبر الأمور — كما يرون ويلمسون — رجلٌ لم يعهد إليه مثل هذا العمل من قبل، ولولا أنهم جميعًا يعرفونه ما صدقوا أن هذه أول مرة يضطلع فيها بمثل هذا العمل.

رأوه يخفض لهم جناحه ويبسط مودته ويوسع صدره، يستمع لآرائهم جميعًا ولا يتكلم حتى يفرغوا من أقوالهم، فإذا أعجبه رأي قبله مغتبطًا، وإذا خالف أحدًا في رأيه أظهر له في دماثة سبب مخالفته إياه، مع شدة الحرص على احترام شخصية من يخالفه، وإظهار الاستعداد للاقتناع إذا استطاع محدثه أن يزيده إيضاحًا أو يسوق له الجديد من الحجج.

وعرفوا خلاله من كثب، فأعجبوا بأدبه وعذوبة روحه ونقاء سريرته وطيبة قلبه، ولمسوا شجاعته في الحق، وأنِسوا نكرانه لِذاته ونسيانه كل شيء إلا رسالته التي يستمد منهم العون في أدائها، وبلوا بأنفسهم صبره في الشدائد وعزيمته إذا همَّ بما اقتنع بصوابه، وتبينوا حصافته وأناته وبعد نظره، وبهرهم فوق هذا ذهنه المصفى ومنطقه المستقيم، وأعجبتهم فصاحته وفطنته، تلك الخلال التي جعلته أقدر الناس فيهم على أن يفصح عن آرائه لمن يستمع إليه، وأن يتبين ما يأخذ مما يدع في كل ما يعرض له من الأمور، مهما تعقدت على غيره والتوت الأمور.

ولقد عد كثير من المؤرخين إدارة لنكولن مجلسه على هذه الصورة مظهرًا قويًّا من مظاهر عظمته، وناحية بارزة من نواحي نجاحه، وسلكوه بها في ثبت كبار الساسة في تاريخ الأمم، ولا عجب؛ فإنه ليندر أن نجد في سجل الأيام مجلسًا حكوميًّا شعر أعضاؤه بمثل ما شعر به أعضاء هذا المجلس من معاني الاحترام نحو رئيسهم، لا يستثنى منهم أحد حتى سيوارد ذلك الذي كان يدل أول الأمر بتجاريبه ودرايته بأساليب الحكم والسياسة، فإنه ما لبث أن اعترف في نبل وكرم نفس أن صاحبه أقدر على ذلك المنصب وأجدر به منه.

figure
لنكولن ومجلس وزرائه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤