جهاد مصر ضد المعتدين

كانت الدولتان قد اتفقتا قبل مأساة الإسكندرية على وجوب العمل على حل المسألة المصرية، إذ لم يفد وجود الأسطولين شيئًا؛ وقد اقترح رئيس حكومة فرنسا على إنجلترة في ٣٠ مايو سنة ١٨٨٢ عقد مؤتمر دولي للنظر في الأمر، إذ إن الحالة في مصر تتطلب ذلك. وكانت فرنسا ترمي من وراء ذلك في الواقع أن تحول بين إنجلترة وبين الانفراد بالعمل، فقد باتت تتوجس خيفة من سياستها، ووافقت إنجلترة على ذلك لتخفي نياتها. ولن تعجز إنجلترة أن تتخذ من المؤتمر أداة تنتفع بها إذا لزم الحال، كما أنها لن تعدم حيلة للانفراد بالعمل إذا دعت الضرورة، كما سيأتي بيانه.

وكانت تركيا تعارض فكرة هذا المؤتمر؛ لأنها صاحبة الحق الشرعي في مصر ولا حق لغيرها من الدول في النظر في المسألة المصرية؛ لذلك أوفد السلطان درويشًا ورأى في ذلك سببًا عمليًّا يبرر به رفضه فكرة المؤتمر؛ وكان في إنعامه على عرابي وشكره إياه على إخلاصه في أداء واجبه ما يتضمن ألا محل لما تدعيه إنجلترة وفرنسا من خطر العسكريين في مصر.

ولكن أين ما يعمل السلطان مما كان يدبر الإنجليز؟ لقد دبر الإنجليز وشركاؤهم مأساة الإسكندرية؛ لتكون كما أسلفنا حجة لهم على صحة ما يقولون، ومن هنا يتبين لنا خطر هذا الحادث المشؤوم.

انعقاد المؤتمر بالآستانة

انعقد المؤتمر في ٢٣ يونيه في السفارة الإيطالية بالآستانة، ولم يشترك فيه السلطان وذلك على الرغم من أن البلد الذي يبحث المؤتمر في شؤونه تابع للسلطان. وكان المؤتمر ينظر في إرسال قوة تركية إلى مصر، ويبحث الشروط التي توضع لذلك؛ والحق أن المؤتمر كان مهزلة من المهازل السياسية: فقد كان مما أصدره المؤتمر الميثاق الآتي، وذلك في ٢٥ يونيه: «تتعهد الحكومات التي يمثلها الموقعون على هذا أنها في كل تسوية يقتضيها عملها المشترك؛ لتنظيم شؤون مصر ألا تسعى إلى امتلاك شيء من أراضيها، ولا إلى أي إذن خاص ولا إلى أي فائدة تجارية لرعاياها إلا ما كان عامًّا يمكن أن تناله أية أمة أخرى».

وفي ٦ يولية أعلن المؤتمر في جلسته السابعة قرارًا يقضي بإرسال قوة تركية إلى مصر لإعادة الأمن والنظام فيها. وبعد ستة عشر يومًا من الميثاق وخمسة أيام فقط من ذلك القرار، ضربت إنجلترة الإسكندرية بمدافعها الضخمة وبدأت تحتل مصر، ولا يزال المؤتمر قائمًا في الآستانة للنظر في المسألة المصرية على أساس دولي؛ وستبلغ مهزلة المؤتمر غايتها حين يعقد ذلك المؤتمر جلسته الثامنة بعد ضرب الإسكندرية بأربعة أيام لينظر في الأمر! ولقد كان من قرارات المؤتمر الصريحة، قبل ذلك أن وافق المجتمعون نيابة عن حكوماتهم على عدم التدخل في مصر أثناء انعقاد المؤتمر.

ولقد استطاع لورد دفرين مندوب إنجلترة في المؤتمر بعبارة واحدة أن يجعل الأمر كله لعبة لاعب، وذلك بأن حمل المؤتمر على إضافة تحفظ على قرار عدم التدخل نصه: «إلا عند الضرورة القصوى»، وما أيسر أن تخلق إنجلترة في أية لحظة تلك الضرورة القصوى. والواقع إن إنجلترة كانت قد وطدت العزم على الانفراد بالعمل، انظر إلى قول كرومر في كتابه وقد جاء ذكر المؤتمر: «ليس من الضروري أن نقف طويلًا عند إجراءات المؤتمر المملة … وقد كان اللورد جرانفل واللورد دوفرين يفهمن تمام الفهم ماذا يريدان، ولقد رغبا في أن يوطدا النظام في مصر، وكانا يقظين إلى تلك الحقيقة التي مؤداها أنه بغير استخدام القوة المادية فلن يوطد ذلك النظام».

الضرورة القصوى

ما كانت هذه الضرورة القصوى التي برر بها الإنجليز اعتداءهم الغاشم على مصر، إلا خرافة الذئب والحمل تعرض في صورة جديدة هي قصة النزاع بين بوارج الأسطول الإنجليزي وقلاع الشواطئ بالإسكندرية.

في اليوم التاسع والعشرين من مايو، أي: قبل تحفظ دوفرين بنحو شهر، أخبر سير بوشامب سيمور أدميرال الأسطول البريطاني بالإسكندرية لورد جرانفل أن المصريين يقيمون تحصينات في شواطئ الإسكندرية، وأن هذا يعد عملًا عدائيًّا موجهًا إلى الأسطول!

واستفهمت إنجلترة الباب العالي فردت تركيا بأنه لا تحصين هناك، وإنما هو إصلاح في بعض الحصون المتهدمة؛ ومع ذلك فقد أمرت بوقفه.

وفي أول يوليه كتب سيمور إلى حكومته أن عرابيًّا يستعد بجمع السلاح، وأنه سوف يضع الأسطولين في فخ، وذلك بسد البوغاز بالأحجار. وتلقى سيمور في ٣ يوليه هذه البرقية الخطيرة: «امنع كل محاولة لسد البوغاز إلى الميناء، وإذا استؤنف العمل في التحصينات أو إذا وضعت مدافع جديدة، فأخبر القائد الحربي بأن لديك أوامر بمنع ذلك؛ فإذا لم يوقف ذلك فورًا فحطم التحصينات، وأسكت البطاريات إذا أطلقت نيرانها».

وفي ٦ يولية أرسل سيمور إلى طلبة عصمت قائد حامية الإسكندرية يقول «سيدي: لي الشرف أن أحيط سعادتكم علمًا، بأني علمت من مصدر رسمي أن مدفعين أو أكثر أضيفا بالأمس إلى خطوط الدفاع البحرية، وأن استعدادات حربية يجري عملها في الواجهة الشمالية للإسكندرية ضد الأسطول الذي تحت قيادتي؛ وأرى لزامًا علي والحالة هذه أن أنبه سعادتكم إلى أنه إذا لم توقف الأعمال، أو إذا أوقفت ثم استؤنفت. فإن واجبي يقضي بأن أطلق مدافعي على الأعمال الجاري بناؤها».

ورد طلبة باشا برسالة جاء فيها «وردًّا على ذلك أؤكد لكم أنه لا أساس لهذه الأخبار، وأنها من قبيل خبر التهديد بسد مدخل البوغاز الذي اتصل بكم وتحققتم من كذبه، وإني لمعتمد على مشاعركم الإنسانية الصادقة وأرجو أن تتقبلوا احتراماتي».

وأبرق سيمور إلى حكومته في ٩ يوليه يقول: «إنه ليس لدي أي شك في حدوث الاستعدادات الحربية، وقد وضعت مدافع جديدة في حصن السلسلة، وسأخطر قناصل الدول الأجنبية صباح غد، وأبدأ بالضرب بعد أربع وعشرين ساعة ما لم تسلم إلى الحصون القائمة في شبه جزيرة رأس التين، والحصون المشرفة على مدخل الميناء».

وفي صباح ١٠ يوليه تلقى طلبة باشا إنذارًا نهائيًّا هذا نصه: «لي الشرف أن أخطر سعادتكم أنه لما كانت أعمال الاستعدادات العدائية الموجهة ضد الأسطول، الذي أتولى قيادته آخذة في الازدياد طول نهار أمس في حصون صالح وقايتباي والسلسلة، فقد عقدت العزم أن أنفذ غدًا ١١ الحالي عند شروق الشمس ما أعربت لكم عنه من عمل في كتابي المؤرخ يوم ٦ الحالي، وذلك إن لم تسلموا إلي في الحال قبل هذه الساعة البطاريات الموضوعة في شبه جزيرة رأس التين، وعلى شاطئ ميناء الإسكندرية الجنوبي بقصد تجريدها من السلاح».

هذه هي أقصوصة الذئب والحمل في صورتها الجديدة. ولا نستطيع أن نتصور كيف يكون تحصين أمة شواطئها تلقاء سفن أجنبية تتهددها عملًا عدائيًّا يسوغ الشر والعدوان؟ إن مثل ذلك كمثل لص أراد أن يقتحم دارًا وسلاحه في يده، فإذا تناول صاحب الدار شيئًا يدفع به عن نفسه هذا العدوان جعل اللص من ذلك مسوغًا لأن يقتله، ويأخذ متاعه وداره! وكيف تكون قلاع الإسكندرية هي المعتدية على بوارج الأسطول، والقلاع التي لم تنتقل إلى السفن لتضربها، وإنما السفن هي التي جاءت تتهدد المدينة في غير موجب، والمؤتمر الدولي قائم في الآستانة ينظر في المسألة المصرية؟

ومع ذلك فقد قرر دي فرسنيه رئيس الوزارة الفرنسية في كتابه المسألة المصرية «أن المعلومات التي لديه لم تكن بالخطورة التي تبدو من رسائل الأدميرال سيمور، بحيث إن ضرب الإسكندرية في الظروف التي وقع فيها، إنما كان عملًا هجوميًّا لا دفاعيًّا»، وقرر كذلك أن «سد البوغاز لم يشرع فيه في وقت من الأوقات».

ويقول جون نينيه السويسري في كتابه «عرابي باشا»: إني أؤكد بشرفي ما تحققته إذ كنت أزور الحصون يوميًّا مصحوبًا بكبار الضباط، أنه منذ مجيء أوامر السلطان بالكف عن الترميمات لم يطرأ أي تغيير على أية بطارية من جهة الميناء أو على البحر، ولم يحصل أي ترميم في الحصون ولم ينصب فيها أي مدفع جديد».

موقف فرنسا وتركيا

أما فرنسا فإنها منذ يوم ٣ يوليه قد رفضت أن تعمل مع إنجلترة، وذلك احترامًا منها لما أقره مؤتمر الأستانة؛ ولأنها تعد مثل هذا التدخل عملًا عدائيًّا لا دفاعيًّا، وكتبت الحكومة الفرنسية إلى قائد الأسطول الفرنسي بالإسكندرية بأن يبتعد إلى بورسعيد إذا أصر القائد الإنجليزي على الإنذار النهائي بضرب الإسكندرية. وتنفست إنجلترة الصعداء، فذلك ما كانت تتمناه من زمن لتنفرد بالعلم ولتلتهم مصر وحدها.

أما تركيا فإن موقفها من الأزمة من أول الأمر موقف المتردد الحائر كما تجلى في بعثة درويش.

وقد ظلت حكومة تركيا حائرة بين أن تأخذ جانب توفيق، وقد انحاز إلى الأجانب على حساب مصالحها وحقها في مصر، أو أن تأخذ جانب عرابي فتؤيد بذلك الحركة الدستورية الحرة، العمل الذي كانت تخشاه شر خشية، وبخاصة في ولاية تابعة لها فهي ما تزال تحكم بلادها حكمًا مطلقًا.

ولقد اتصفت إزاء مؤتمر الآستانة بالتردد والغفلة حتى صارت إنجلترة لا تقيم لها وزنًا، وأقبلت تعتدي على مصر كأنه لا علاقة بين مصر وبين السلطان.

مصر تجاهد وحدها ضد العدوان

وقفت مصر موقف البطولة والشرف في هذه العزلة الدولية، فقد عقد مجلس الوزراء برياسة الخديو وحضره درويش باشا. واضطر توفيق أن يجاري الوطنيين ريثما تحين له الفرصة كعادته في جميع مواقفه، وأرسلت مصر ردها التاريخي على الإنذار ونصه: «نحن هنا وفي بلادنا، ومن حقنا بل ومن واجبنا أن نصونها ضد كل عدو يبادئنا بالعدوان … إن مصر المحافظة على حقوقها وعلى شرفها لا تستطيع أن تسلم أي مدفع أو أية قلعة مهما تكن إلا إذا اضطرتها الحرب؛ إن مصر لتحتج على إرسالكم إنذار اليوم، وتلقي مسئولية تعدي الأسطول وضرب الإسكندرية ونتائجه المباشرة وغير المباشرة على رأس الدولة التي تجرؤ في وسط هذا السلام الشامل على قذف القنبلة الأولى ضد الإسكندرية، تلك المدينة المسالمة، مستهترة بحقوق الأمم وقوانين الحرب».

وكان الخديو قد تدبر من قبل أين يقيم عند الضرب، فقد أرسل مستر كارتريت الذي ناب عن مالت برقية إلى حكومته يوم ٧ يوليه جاء فيها: «أتشرف بإخبار فخامتكم أن الخديو استدعى السير أوكلند كلڨن هذا الصباح؛ ليدلي إليه بالطريق الذي يقترح سموه اتباعه في مواقف معينة تتصل بحركاته الشخصية، وفي حالة ضرب الإسكندرية بمدافع الأسطول البريطاني سيأوى سموه إلى قصر ترعة المحمودية حيث يرافقه درويش باشا، وكلما كان الفراغ من الأمر كله أسرع قل الخطر الذي يتعرض له شخصيًّا، وكانت لهجة سموه أثناء المقابلة هادئة، وكان يضبط نفسه واختتم حديثه بأن رجا من السير أوكلند كلڨن أن يطلع فخامتكم على ما اعتزم، وإني أقترح في حالة الضرب أن أخبر درويش باشا قبل إقلاعي، أن حكومة جلالة الملكة تلقي على عاتقه تبعة سلامة سموه الشخصية».

وتلقى في اليوم التالي ردًّا بموافقة حكومته على أن يلقي على عاتق درويش سلامة الخديو.

ضرب الإسكندرية

في الساعة السابعة من صباح ذلك اليوم المشؤوم ١١ يوليه سنة ١٨٨٢ أطلق الأدميرال الإنجليزي سيمور أولى قذائفه على مدينة الإسكندرية دون أي اعتداء منها؛ بحجة الدفاع العادل المشروع عن النفس! وذلك على مسمع من العالم المتمدن كله. وبدأ بذلك هذا العدوان الشنيع على مصر، وليس في العالم يومذاك دولة يتأثم ضميرها؛ مما تصبه إنجلترة على الحركة القومية الوطنية وعلى السلم والدستور في مصر.

وكان الأسطول البريطاني مكونًا من ثماني مدرعات كبيرة وخمس مدفعيات، وسفينة للطوربيد وأخرى لأعمال الكشف، وكانت مدافع الأسطول سبعة وسبعين من النوع الضخم القوي من طراز أرمسترونج.

وكانت حصون الشاطئ تمتد من ناحية العجمي في الغرب إلى أبو قير في الشرق، وكان عددها نحو عشرين حصنًا أو طابية، ويدخل في ذلك اثنان في داخل المدينة هما كوم الناضورة وكوم الدكة.

وإذا استثنينا الحصنين الأخيرين وهما من منشآت نابليون وقلعة قايتباي، وهي ترجع إلى القرن الخامس عشر، كانت بقية الحصون من منشآت محمد علي، وكانت مدافعها ويبلغ عددها تسعة وعشرين ومئتين قديمة الطراز ضعيفة، قريبة المرمى، إلا تسعة وأربعين منها كانت من طراز آرمسترونج.

ومما يحاول بعض المؤرخين إلصاقه بعرابي من المآخذ، أنه ترك حصون الإسكندرية ضعيفة فلم تستطع مقاومة السفن الإنجليزية، وينسى هؤلاء أنه ما دام أن الخديو كان في جانب الإنجليز والفرنسيين منذ حضرت سفن الدولتين، ومنذ قدمت المذكرة المشتركة لم يكن في وسع عرابي أن يعمل كما يحب. وماذا عسى أن يكون الحال إذا رفض الخديو؟ إن وزارة البارودي لم تستطع أن تنفذ حكم المجلس العسكري على الشراكسة؛ لأن الخديو عارض في ذلك. هذا إلى أن الأجانب كانوا لمصر بالمرصاد، وقد رأينا كيف أقام سيمور الدنيا وأقعدها؛ لأنه كما زعم رأى تحصينات في السواحل المصرية.

وكان طوبجية السواحل تحت قيادة إسماعيل بك صبري، ويقول عرابي في مذكراته: إنهم لم يكونوا يزيدون عن ستة مئة.

وكان بالمدينة من قوات الجيش اثنا عشر ألفًا من المشاة؛ وقد أصدر عرابي تعليماته إلى صبري في ليلة ١٠ يوليو، وأعلمه أن مجلس الوزراء قرر ألا تجيب الحصون إلا بعد الضربة الخامسة من الأسطول؛ ووزع صبري ضباطه على الحصون استعدادًا للمعركة، ووزع عرابي حامية المدينة وراء الحصون من قلعة العجمي إلى برج السلسلة، وعهد إلى أورطتين من المشاة بالمراسلة بين الحصون.

وأجابت الحصون بعد خمس دقائق من ابتداء الضرب، واستمات آلاي السواحل في الدفاع، وأبدى همة ونشاطًا وحماسة وطنية شهد بها كثير من الأجانب، وذلك على الرغم من عنف المدافع الإنجليزية وشدة فتكها وعظم تدميرها، ومهارة السفن الإنجليزية في الاقتراب والابتعاد، والاعتصام بدخان كثيف أثناء الضرب، وشباك قوية من الفولاذ كانت ترد عنها قذائف الحصون.

واستمر الضرب من الجانبين حتى الساعة الحادية عشرة، وكانت قذائف الإنجليز تلقي النار والدمار على المدينة في شدة مروعة، وسكتت السفن قليلًا، ثم استأنفت الضرب وجاوبتها الحصون حتى الساعة الثانية بعد الظهر، واستأنف الأسطول الضرب في شدة وظلت تجاوبه الحصون حتى منتصف الساعة السادسة. ثم أظلم الليل وقد سكتت الحصون فلن تجيب بعد ذلك. فقد دمرتها مدافع الأسطول تدميرًا … وتهدمت في المدينة أبنية كثيرة ومساكن واحترق بعضها، وقد هجرها كثير من أهلها منذ بدأ الضرب في هرولة ورعب.

figure
مدافع الإنجليز تهدم الإسكندرية (ميدان المنشية).

وقف المصريون وإن حلت بهم الهزيمة موقف الكرامة والبطولة فبذلوا غاية ما في طوقهم، ولطالما ألقي في روع الناس أن مصر لم تجاهد حين اعتدي عليها، مع أن المصريين من الجند ومن أهالي الإسكندرية أثبتوا شجاعتهم في هذا اليوم وفي الأيام التي جاءت بعده وتطلبت دفاعًا وإباءً، قال جون نينيه وقد شهد هذا اليوم: «ولا يسعنا إلا أن نعترف بأنها كانت مجزرة وحشية لا موجب لها ولا مسوغ، ولم يكن الباعث عليها إلا الشهوة الوحشية المتعطشة للدماء، وكنت أتوق إلى أن أسأل أولئك الذين كانوا يضربون، ويطلقون مدافعهم هل يستطيعون حين يعودون إلى بلادهم، ويتحلقون حول موائد الشاي في بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عما فعلته تلك المجازر البشرية من الفتك والتخريب؟ إني لفي شك من ذلك، فأية إهانة لحقت الأمة البريطانية حتى تثأر من مصر على هذه الصورة الفظيعة؟ ومع ذلك فما كان أروع منظر الرماة المصريين الذين كانوا خلف مدافعهم المكشوفة، كأنما هم في استعراض حربي لا يخافون الموت الذي يحيط بهم، وكانت معظم الحصون بلا حواجز تقيها ولا متاريس، ومع هذا فقد كنا نلمح هؤلاء البواسل من أبناء النيل خلال الدخان الكثيف، وكأنهم أرواح الأبطال الذين سقطوا في حومة الموت قد بعثوا ليناضلوا العدو ويواجهوا نيران مدافعه. وكان القادة يزورون الحصون ويستحثون الرجال، وقد أدى الجميع واجبهم رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، ولم تكن ثمة أوسمة أو مكافآت يستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم. وإنما كانت تثير الحماسة في نفوسهم عاطفة الوطنية والثورة على ما استهدفوا له من فظائع، وهم في مواقفهم البواسل المجهولون الذين لم يفكر أحد فيما تحملوا من آلام».

وقال الشيخ محمد عبده: «تحت مطر الكلل ونيران المدافع كان الرجال والنساء من أهالي الإسكندرية، هم الذين ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأدميرال ومن أرسله».

figure
مدافع الإنجليز تدمر الإسكندرية (شارع جامع إبراهيم).

وفي اليوم التالي عادت السفن إلى الضرب في الساعة العاشرة. وكان مجلس الوزراء قد اجتمع في اليوم السابق، وقرر إبلاغ سيمور أن ما كان يطلبه قد تحقق له بتهديم الحصون، فلا داعي بعد ذلك للضرب وليس بين إنجلترة ومصر ما يستوجب العدوان، وقرر أن ترفع الأعلام البيضاء لطلب الهدنة توطئة للمفاوضة. وقد تم ذلك بعد أن استؤنف الضرب.

ولكن سيمور طلب الترخيص له بإنزال جند من بحارة السفن؛ لاحتلال ثلاث قلاع هي العجمي والدخيلة والمكس. وعرض هذا الطلب على الخديو، ولكنه لم يجرؤ على قبول هذا الطلب، ثم إنه كان لا بد له أن يرجع إلى السلطان؛ لأنه لا يملك التنازل عن أي جزء من الأراضي المصرية.

واستأنفت السفن الضرب في الساعة الرابعة، ثم رفعت الراية البيضاء ثانية على بعض الطوابي فسكتت السفن. وقد بلغ عدد الضحايا من المصريين نحو ألفين غير من جرحوا، أما الإنجليز فلم يزد قتلاهم على خمسة وجرحاهم على تسعة عشر.

وأما المدينة التي كانت تراوحها نسائم البحر الندية، وتغاديها فقد اندلعت فيها ألسنة النيران في صورة مروعة كأن الجحيم كانت تزفر عليها بنارها، وقد لبثت النار بها بضعة أيام، وظلت سحب الدخان تتراكم وتنعقد فوق شوارعها الموحشة المتهدمة، وخيمت الكآبة على ذلك الثغر الذي انطفأت بسمته أيامًا طويلة نتيجة لعدوان سيمور.

ولقد ذهبت الآراء عدة مذاهب بشأن هذا الحريق، وقد حاول الإنجليز أن يعزوه إلى عرابي كما عزوا إليه من قبل مذبحة الإسكندرية التي اقترفوها، وذهب جون نينيه إلى أن النيران كانت من فعل قذائف الأسطول في الغالب، وإن كانت عدة عناصر في رأيه اشتركت في هذا الحريق، منها بعض الأوروبيين الذين بقوا في المدينة بقصد النهب، ومنها بعض الأروام والمالطيين من أصحاب الدكاكين؛ كي يطلبوا بعد ذلك تعويضًا كبيرًا، ومنها بعض البدو من قبيلة أولاد علي.

ويقول الشيخ محمد عبده: «بين من حرقوا الإسكندرية أروام بلباس عرب رؤيت جثثهم بتلك الثياب أثناء الحريق، ومنهم عربان من أولاد علي ممن كانوا على صلة بالخديو، ومنهم أوروبيون بقصد المبالغة في التعويضات».

وهناك من يذهب إلى أن سليمان سامي داود قائد الآلاي السادس هو الذي أمر جنوده بإضرام النار في المدينة، كعمل يقتضيه الدفاع إذا أراد أن يعرقل به نزول الإنجليز إلى البر. أو لعله فعل ذلك بدافع الغيظ من عزم الإنجليز على دخول المدينة، ومهما يكن من الأمر، فمن الخطأ أن يرد الحريق إلى سبب واحد من الأسباب التي ذكرت، والمعقول أن تسببه هذه العناصر جميعًا وبخاصة قذائف الأسطول.

figure
مدافع الإنجليز تحرق الإسكندرية (شارع شريف).

وغادر عرابي وقواده وجنوده المدينة ليتخذوا ما يلزم من عدة للدفاع عن البلاد.

وكان الخديو مقيمًا في سراي الرمل أثناء الضرب ليبعد عن الخطر، وفي يوم ١٣ يوليه شاور الخديو من كان معه من الأمراء والأعيان ماذا يعمل إذا احتل الإنجليز الإسكندرية، فلم يرض أحد أن يبقى بها، وأشار عليه درويش باشا بالسفر إلى بنها ثم إلى السويس، وأشار غيره بالذهاب إلى العاصمة فما يليق بحاكم البلاد أن يظل مقيمًا في بلد تقع في يد أعدائه.

ولكن الخديو كان قد عقد العزم على الالتجاء إلى الإنجليز. وهذا من أخطر الحوادث في تاريخ هذه الثورة؛ لأن الإنجليز سيزعمون أنهم يدافعون عن سلطته الشرعية ضد الثائرين.

وفاجأ الخديو الحاضرين بقوله: «إن أهم الأمور أن نجعل الأدميرال سيمور على علم بأمرنا إذا أمكن ذلك».

وفي نفس اليوم أرسل توفيق إلى سيمور يخبره أنه اعتزم الحضور إلى سراي رأس التين، وبلغ توفيق السراي في الساعة الرابعة بعد الظهر، ومعه أسرته وحاشيته ودرويش باشا فإذا به يرى الحرس ببابها من الجنود البريطانيين، وإذا بسيمور يتلقاه في ساحتها يحيط به كبار رجاله، ولقد هنأوا الخديو بسلامته، كما هنأه قناصل الدول، ودخل توفيق القصر وحرسه اليوم من البريطانيين.

وفي ١٤ يوليه أبرق سيمور إلى حكومته يقول: «لقد احتلت رأس التين ووضعنا فيها بحارة ومدفعية كما وضعنا ست بطاريات تواجهها. لا تزال الإسكندرية تحترق، ولكني أرفع الأنقاض من الشوارع، والخديو سالم في قصره يحرسه ٧٠٠ من البحارة». ومعنى ذلك أن الخديو أصبح نهائيًّا تحت حماية الإنجليز، ولم يعد يبالي بالسلطان ولا بمندوب السلطان.

وتوالى نزول الإنجليز إلى المدينة يوم ١٥ يوليه توطئة لاحتلال البلاد، وإذا كان الإنجليز قد ضربوا قلاع الشواطئ؛ لأنها كانت تهدد سفنهم كما زعموا، ففيم نزولهم بعد ذلك إلى المدينة؟

الأمة تقاوم الاحتلال

انسحبت حامية الإسكندرية لتتخذ مكانًا حصينًا؛ وذلك لإقامة خطوط للدفاع عن داخل البلاد، وقد اختارت جهة كفر الدوار موطنًا لهذا الدفاع.

وهكذا ينتقل تاريخ الثورة القومية إلى طور جديد، هو الحرب بين هذه الثورة وبين الطامعين المستعمرين من الإنجليز.

ولم يكن أمام مصر في الواقع إلا أن تختار إحدى سبيلين: التسليم طائعة مختارة للإنجليز ليقضوا على نهضتها القومية الحرة، أو الحرب التي تبذل فيها الأنفس والأموال والتي تتنهي إما إلى نصر يتحقق به كل شيء، وإما إلى هزيمة تذهب بكل شيء إلا الشرف والكرامة.

وقد اختارت مصر السبيل الثانية تحت زعامة عرابي، وتركت للخديو السبيل الأولى. وما كان لعرابي وأصحابه أن يفعلوا غير ما فعلوا، وإلا فقد كانت حركتهم إذن من أول الأمر هزوًا ولعبًا.

تنكر راغب باشا رئيس الوزراء كما تنكر الخديو للحركة القومية، فأرسل في ١٧ يوليه إلى سيمور يقول: «لي الشرف أن أعلن لحضرتكم أن عرابي يشتغل الآن بإعداد وسائل الدفاع، وذلك مخافة لأوامر الجناب الخديوي، وقد صدر له الأمر بالكف عن هذه التجهيزات، فكونوا إذن على علم بأن الجناب الخديوي عزم على عزله من وظيفته فهو لذلك وحده المسئول عما يحدث، فأرجوكم أن تعلنوا مآل هذه الرسالة إلى حكومة جلالة الملكة».

وأرسل توفيق إلى عرابي بكفر الدوار يدعوه إلى الإسكندرية، ومن عجيب أمر توفيق الذي وافق بالأمس على أن ترد الحصون على السفن إذا ضربت المدينة، أنه يقول في رسالته هذه إن ضرب المدينة «إنما كان السبب فيه استمرار الأعمال التي كانت جارية بالطوابي، وتركيب المدافع التي كلما كان يصير الاستفهام عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها».

وكانت دعوة عرابي إلى الإسكندرية خدعة للقبض عليه. أرسل كارتريت في ١٥ يوليه إلى حكومته برقية جاء فيها: «أبرق عرابي باشا هذا الصباح من كفر الدوار إلى الخديو يقول إنه سوف يسر سموه أن يعلم أن الرديف قادمون؛ ليعينوه في محاربة الإنجليز وأجاب الخديو بدعوته إلى هنا. إذا حضر فسيقبض عليه وإذا رفض فسيعلن عصيانه وخروجه على القانون».

ورد عرابي على توفيق يقول إن البلاد في حالة حرب مع إنجلترة، وأنه إذا جلا الإنجليز عن الإسكندرية فإنه لا يتردد عن الحضور، وإلا فواجب الحكومة أن تأخذ الأهبة لصدهم عن البلاد.

وفطن عرابي إلى أن توفيقًا سوف يصدر قرارات ضده تذيع الانقسام في البلاد، فبادر هو بإحباط ذلك قبل وقوعه، فأرسل إلى جميع المديريات والمحافظات يعلن للناس فيها انضمام الخديو إلى الإنجليز، ويحذرهم من اتباع أوامره ويدعوهم إلى الاستعداد وجمع ما يلزم للقتال، وكذلك أرسل يحذر من راغب قائلًا: «إن ما يأتي من رئيس الوزراء من البرقيات بطلب الكف عن الاستعداد، إنما هو مجبر عليه فلا طاعة له».

وأرسل رسالة خطيرة في ١٧ يوليو إلى يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الجهادية بالقاهرة، يعلن إليه فيها خيانة الخديو، وأنه سبب ما نزل بها من الكوارث ويدعوه إلى عقد جمعية من الكبراء والعلماء للنظر في الأمر، وإصدار قرار بشأن الخديو وفيما يجب عمله لصالح الأمة وتقرير مدى «صلاحية هذا الوالي عليها».

وقد اهتم الإنجليز بأنباء هذه الاتصالات وغاظهم أن يسبقهم عرابي إلى ما أرادوا أن يحاربوه به، وأبرق كارتريت في ٢١ يوليو إلى حكومته يقص عليها ذلك، فجاءته برقية في نفس اليوم هذا نصها: «بالنظر إلى لهجة عرابي باشا في بلاغاته التي ذكرتها لي في برقيتك اليوم رأيت أن أوجهك بشدة إلى أن تؤثر على الخديو بضرورة إصدار بلاغات مضادة من جانبه إلى الشعب المصري، وأن تخبر سموه بأن حكومة جلالة الملكة تعد العدة لإرسال قوة كبيرة إلى البحر الأبيض المتوسط».

وقد جمع يعقوب سامي عند وصول برقية عرابي عددًا من أنصاره وكان من المتحمسين لعرابي، فاستقر رأيهم على دعوة مجلس من وكلاء الوزارات، وبعض كبار الضباط وكبار الموظفين، وقد انعقد هذا المجلس وعرف باسم المجلس العرفي، وسيبقى يدير شؤون الحرب والإدارة طول مدة القتال.

وقرر المجلس العرفي في نفس اليوم دعوة جمعية عمومية. وقد انعقدت هذه الجمعية في المساء في وزارة الداخلية، وشهد هذا الاجتماع الخطير نحو أربعة مئة كان بينهم الأمراء الموجودون بالقاهرة ورؤساء الأديان، وفي مقدمتهم الشيخ الإنبابي شيخ الإسلام، ثم كبار العلماء وقاضي قضاة مصر ومفتي الديار المصرية والنواب، ووكلاء الوزارات والقضاة وكبار الأعيان والتجار.

وقد اتخذت الجمعية بعد التشاور في الأمر قرارًا خطيرًا يدل على قوة روح الأمة، وعلى أن نهضتها حقيقية. ومؤداه أن تعد الأمة العدة للقتال ما دامت سفن الإنجليز في الشواطئ المصرية وجنودهم في الإسكندرية، كما قررت استدعاء الوزراء إلى القاهرة، وأوفدت لجنة من أعضائها للسفر إلى الإسكندرية لإبلاغ الوزراء قرار الجمعية.

ولما بلغ توفيقًا هذا القرار أصدر أمره بعزل عرابي من وزارة الجهادية، وعده وحده مسئولًا عما يحدث لإصراره على الاستعداد للحرب، ورفضه الحضور إلى الإسكندرية.

ولم يكتف توفيق بذلك بل إنه مع الأسف الشديد كان قد أرسل منذ يومين يستعدي الإنجليز صراحة على بلاده. أبرق كارتريت في ١٩ يوليو إلى حكومته يقول: «أرسل الخديو في طلب سير أوكلند كلڨن صباح اليوم، وطلب إليه أن يستحث حكومة جلالة الملك لتخطو خطوة جديدة بلا إبطاء. ويقول سموه: إنه من ناحية يرى أن هذا العمل ضروري جدًّا وأنه يسر سموه إذا أحيط علمًا بالخطوات التي ينظر فيها، وقد وصف سموه قوة عرابي باشا بأنها الآن بلغت من العظمة حدًّا ينشر الرعب في عقول الوطنيين جميعًا. ومن ناحية أخرى فإن هناك إشاعة مستفيضة بأن إنجلترة سوف يحال بينها وبين خططها بسبب الخلاف بينها وبين الدول، وستكون عاقبة هذا أن يصبح من الصعب على سموه أن يحتفظ بمن يشايعونه متحدين».

لم تحفل الأمة بأمر توفيق القاضي بعزل عرابي، بل لقد زادها ذلك استمساكًا به والتفافًا حوله؛ لأن الناس باتوا لا يطيقون اسم توفيق، بينما كانوا يرون في عرابي المدافع عن كيان البلاد، وأضاف الناس إلى ألقاب عرابي لقبًا جديدًا هو «حامي حمى الديار المصرية»، وهذا ما خاطبته به الجمعية العامة.

وفي يوم ٢٢ يوليو عقدت الجمعية جلسة أخرى، وكان اجتماعًا قوميًّا أعظم وأشمل من الاجتماع السابق. فقد كان أشبه بمؤتمر وطني عام شهده نحو خمسة مئة من كبار المصريين وفي مقدمتهم الأمراء ورجال الدين، وقد انضم إلى الجمعية هذه المرة رؤساء العشائر من الأقاليم، فكانت بذلك تمثل الأمة المصرية أصدق تمثيل.

وقد تليت في الاجتماع فتوى شرعية من بعض العلماء مؤادها أن الخديو بانحيازه إلى العدو المحارب لبلاده يعد مارقًا عن الدين.

ثم تداول المجتمعون في الموقف الحربي، وانتهوا إلى قرار بالغ الخطورة أجمعوا عليه، وذلك هو عدم الاعتراف بعزل عرابي باشا من نظارة الجهادية والبحرية، ووجوب استمراره للدفاع عن البلاد، وكذلك قرر المؤتمر عدم إطاعة أوامر الوزارة.

وهذان القراران في الواقع مضافًا إليهما فتوى مروق الخديو من الدين هو بمثابة خلع توفيق من منصبه بإرادة الأمة. وإن في تكوين هذا المؤتمر الوطني على هذه الصورة، وفيما قرره لأبلغ رد على الذين يزعمون أن الثورة العرابية ما كانت إلا فتنة عسكرية لم تؤيدها الأمة، وأي تأييد أعظم من أن تقول الأمة بجميع طوائفها قولها الفاصل في موقف من أعظم مواقف الثورة، موقف الجهاد والذود عن كيان البلاد تحت راية زعيم الثورة أحمد عرابي؟

عين عرابي باشا محمود فهمي رئيسًا لهيئة أركان حرب الجيش المصري، وكان من أكفأ رجال الهندسة الحربية في مصر. تخرج في مدرسة المهندسخانة ونبغ في الفنون الهندسية، ثم عين أستاذًا لعلم بناء الاستحكامات في المدارس الحربية، وقد اشترك في حرب البلقان التي نشبت بين تركيا وروسيا سنة ١٨٧٦ واكتسب خبرة عملية.

وقد وضع هذا المهندس الكبير خطة حكيمة للدفاع عن مصر كانت كفيلة بأن تصد الإنجليز، وتنقذ مصر من تدبيرهم وسوء مكرهم، لولا عوامل الدس والخيانة.

عين فهمي باشا خمسة مواقع رئيسية للدفاع، أولها في كفر الدوار، وثانيها في رشيد وثالثها بين رشيد وبحيرة البرلس، ورابعها في دمياط، وخامسها في الصالحية والتل الكبير، وكان الغرض من الموقع الأخير تحاشي هجوم الإنجليز من الناحية الشرقية لمصر.

وقد سد محمود باشا ترعة المحمودية بالقرب من كنج عثمان، ووضع المدافع على السد لحمايته، كما أنه وضع في خطته سد ترعة الإسماعيلية لمنع المياه العذبة عن الإسماعيلية والسويس وبورسعيد عند اللزوم، وسد قناة السويس نفسها لمنع اتخاذها قاعدة عسكرية للإنجليز.

ومن الصحائف المشرفة لمصر حقًّا تبرع البلاد لهذه الحرب، فإنه قل أن تجد في تاريخ الحروب حربًا كهذه لم ينفق فيها قرش واحد من خزانة الدولة، بل قامت على ما بذل الشعب المصري طائعًا من أقواته وأمواله لجيشه الباسل. فلقد أخذ مستر كلڨن جميع الأموال من الخزانة، ووضعها لدى الإنجليز في الإسكندرية.

figure
محمود فهمي باشا رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري.

وكانت حماسة الأمة للتبرع عظيمة قال عرابي: «جادت الأمة على اختلاف مذاهبها ونحلها بالمال والغلال، والدواب والفاكهة والخضروات، حتى حطب الحريق … وذلك فضلًا عمَّا مدوا به الجيش من الأقمشة والأربطة اللازمة لتضميد جراح العساكر، ومن الأهالي من تبرع بنصف ما يملكه من الغلال والمواشي، ومنهم من خرج عن جميع مقتنياته، ومنهم من عرض أولاده للدفاع عن الوطن لعدم قدرته على الدفاع بنفسه».

وقال الشيخ محمد عبده: «هل يقدر أحد أن يشك في كون جهادنا وطنيًّا صرفًا بعد أن آزره رجال من جميع الأجناس والأديان؟ وقد تبرع الأعيان والأمراء والعلماء حتى النساء بالخيل والحبوب والنقود والميرة اللازمة للجيش، وأظهر المديرون والموظفون على اختلاف مراتبهم، والكتبة، غيرة وحمية في جميع الميرة المطلوبة وحشد المتطوعة للجيش ولسائر الأشغال العسكرية، وقد رأيت الناس من فلاحين وبدو ذاهبين إلى الحرب برضاهم واختيارهم متشوقين لمقاتلة الإنجليز، وقد شمل هذا الحماس الأقباط وكان يشجعهم على ذلك رؤساؤهم».

وقال نينيه: «كانت ترد كل يوم إلى كفر الدوار إعانات الشعب من المال والقمح والشعير والفول والسمن والخضر والفاكهة والخيل والماشية، وقد أبدى أعيان الوجهين البحري والقبلي شهامة عظيمة في إمداد الجيش».

ومع هذه النخوة العظيمة من جانب الأمة درج بعض المؤرخين على أن يصفوا هذه الحركة الوطنية المشرفة، بأنها كانت فتنة عسكرية طائشة جرت إلى احتلال مصر، وعذر هؤلاء المؤرخين — إن صح هذا عذرًا — أنهم كانوا يأخذون عن كتاب الإحتلال.

figure
عبد الله نديم

وقد تجلت حماسة الأمة كذلك للثورة والجهاد فيما ألقاه نفر من أبنائها من الخطب، وما كتبوه من المقالات وما نظموه من الشعر، وكلها ناطقة بأنها حركة صادقة قوية جديرة بكل ثناء وإعجاب، ومن زعماء الخطباء والكتاب الشيخ محمد عبده وعبد الله نديم والشيخ خليل الهجرسي.

في الميدان الغربي — كفر الدوار

كانت قيادة كفر الدوار لطلبة عصمت تحت إمرة عرابي. وكان عدد الجيش هناك نحو عشرة آلاف، وكانت خطوط الدفاع في هذا الميدان ثلاثة، يبعد كل واحد عن الذي يليه بأربعة أو خمسة آلاف متر، وكان بين كل خطين خندق عمقه خمسة عشر قدمًا، وبنيت على جميع المرتفعات الصالحة قلاع وضع فيها نحو خمسين مدفعًا، وقد عمل في بناء هذه الاستحكامات مع الجيش نحو خمسة آلاف رجل من أهالي البحيرة والغربية والمنوفية.

وأقام عرابي خيمته عند كنج عثمان، وجعل هذا المكان المركز العام للقيادة وكانت هذه الخيمة خيمة سعيد باشا نفسه، قدمتها أرملته هدية مشفوعة بأصدق أمانيها أن يؤيده الله بنصره.

كان أول عمل من جانب المصريين هو سد ترعة المحمودية لمنع المياه العذبة عن الإسكندرية، ولقد انزعج الإنجليز من هذا العمل وأخذتهم منه حيرة، وخافوا أن يهاجر الوطنيون إلى داخل البلاد وأن يلجأ الأوروبيون للسفن؛ ليشربوا من ماء الأسطول وبقي الحال على ذلك بقية شهر يوليو، وإنجلترة تعد العدة لحملتها على الرغم من مؤتمر الآستانة وتعهداتها فيه.

وفي ٥ أغسطس هجم الإنجليز قبل أن تأتي حملتهم، على كفر الدوار، فزحفوا من الرمل في نحو ألفي مقاتل، حتى صاروا على مقربة من الخطوط المصرية فحمل المصريون عليهم حملة قوية، اضطرتهم إلى التقهقر بعد ثلاث ساعات فعادوا إلى الإسكندرية.

وجدد الإنجليز هجومهم في اليوم التالي، واستمرت المعركة بينهم وبين المصريين ست ساعات، ثم اختلط الجيشان وتقاتلا بالسلاح الأبيض، وارتد الإنجليز مهزومين إلى الإسكندرية، وتبعهم المصريون حتى حجبهم الظلام عنهم.

وزخرت كفر الدوار بالوفود من المصريين يشدون أزر عرابي ويقدمون له تبرعاتهم، أما توفيق فقد أصدر بلاغًا عقب المعركتين يحذر فيه المصريين من مشايعة عرابي، ورماه فيه بالثورة والعصيان، وتوعد كل من يشايعه بعقاب شديد.

وفي ١٣ أغسطس وصل إلى الإسكندرية سير جارنت ولسلي قائد الحملة الإنجليزية، وبدأت إنجلترة تحقق حلمها الذي أخذ يساورها منذ رحل نابليون عن مصر، وكان عدد الحملة الإنجليزية نحو أربعين ألفًا من الفرسان والمشاة والمدفعية، وذلك عدا تسعة آلاف من الهنود جاءوا عن طريق السويس.

وفي ١٩ أغسطس أذاع ولسلي بلاغًا جاء فيه أنه «بأمر الحضرة الخديوية يعلن الجنرال قائد الجيوش الإنجليزية، بأن مقاصد الدولة البريطانية ليست إلا لتأييد سلطة الخديو؛ ولردع العصاة والقضاء على الفتن، ولا مقصد لإنجلترة في غزو أو فتح».

وهجم الإنجليز في نفس اليوم على كفر الدوار، وزحفوا هذه المرة بقوات كبيرة نقلتها القطارات المسلحة من جهة القباري، وأعانتها قوات أخرى من جهة الرمل، والتحم الجيشان ودارت معركة كبيرة، كاد يظهر فيها المصريون على الإنجليز، وارتد الإنجليز إلى الإسكندرية وكانت خسائرهم كثيرة.

ثم أعاد الإنجليز الكرة أيامًا ثلاثة متوالية، كانت تنشب فيها المعارك حامية بينهم وبين المصريين، والمصريون يردونهم كل يوم إلى الإسكندرية بعد دفاع قوي مجيد.

وهكذا كانت وقائع كفر الدوار أو الميدان الغربي سجلًّا مجيدًا لحرب الثورة، وحسب المصريين فخرًا هذا الثبات الذي لم يكن يتوقعه الإنجليز من هؤلاء الذين سموهم العصاة.

ورد توفيق على هذه الجهود الوطنية ببلاغ جعل عنوانه: «إلى جميع أهالي وسكان القطر المصري»، وقد جاء فيه: «ليس خافيًا ما أقدم عليه أحمد عرابي وشيعته الضالة من الأفعال المغايرة، والتشبثات الفوضوية التي أخلت بنظام القطر وأضعفت الثقة به، … ولما كانت الدولة البريطانية الإنجليزية لها فيه المنافع الكبرى، ولا سيما بالنظر إلى ترعة السويس التي هي طريقها الوحيد للخطة الهندية المهمة؛ فقد أخذت على عهدتها وتحت إمرتها التداخل الفعلي لقمع هؤلاء المفسدين ومحو آثار الفتن … وبما أن العساكر الإنجليزية يعدون في هذه الحالة نائبين عنا في قطع دابر المفسدين وتطهير البلاد منهم؛ ومن كانت هذه صفتهم فإنهم جديرون بالمعاونة والمساعدة».

وأصدر توفيق كذلك منشورًا إلى ضباط الجيش وعساكره، يدعوهم فيه إلى طاعة ولسلي وأوامره كما لو كانت صادرة منه «فمن يخضع له، فكأنه خضع لنا شخصيًّا ومن خالفه كان عاصيًا لنا ويعامل معاملة العصاة».

في الميدان الشرقي

لما أيقن الإنجليز بعد خمسة أسابيع من بدء هجومهم على كفر الدوار أن اختراق هذا الموقف من الأمور العسيرة، صمموا على مهاجمة مصر من الجهة الشرقية، ولقد دارت في هذا الميدان الشرقي معارك في مجال أوسع، وفي أعداد أكبر مما كان في الميدان الغربي، وفي تاريخ هذه المعارك الشرقية صفحات مجيدة مشرفة يطرب لها كل مصري وصفحات مخجلة مظلمة، يندى لها جبين كل وطني.

وقبل أن نذكر ما فعل المصريون في هذا الميدان، يجدر بنا أن نوضح مسألة طالما ساقها المغرضون من المؤرخين والجاهلون مساق الحقائق المقررة، مع بعدها كل البعد عن الحق، وتلك هي أن دي ليسبس خدع عرابيًّا فلم يردم قناة السويس، وبذلك سهل على الإنجليز الدخول.

أما عن بعد هذه المسألة عن الحق، فيكفي في هذا المجال أن نقول: إن دي ليسبس لم يخادع عرابيًّا قط، وإنه كان جادًّا في المحافظة على حيدة القناة، تجد أدلة ذلك فيما يأتي:

في ٤ أغسطس أبرق وزير الخارجية البريطانية إلى سفير إنجلترة في فرنسا يشكو من دي ليسبس قائلًا: «أرغب في أن تبسط للحكومة الفرنسية أن حكومة جلالة الملكة، وصل إلى علمها أن المسيو دي ليسبس يعارض معارضة قوية في أعمال حكومة جلالة الملكة في مصر، وذلك بتهديده بتعطيل قناة السويس، إذا أنزلت جنود بريطانية في أي مكان بالقناة أو على مقربة منها».

ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده: «وبعد واقعة مهمة في كفر الدوار جاء الخبر عقبها بأن اثنين وثلاثين مركبًا، توجهت إلى القناة فورد تلغراف من دي ليسبس يقول: لا تسرع في شيء يمس القناة، لا يمر عسكري إنجليزي إلا ومعه فرنساوي، أنا مسئول عن كل ما يحصل. فأجيب بأن هذا غير كاف وتقرر إرسال جيش، ثم أرسل الجواب ببطء، وقبل أن يتحرك عسكري إلى ناحية القناة، كان الجيش الفرنساوي قد احتله؛ وذلك لتأخر الجيش ١٥ ساعة في مخابرة دي ليسبس»، ويقول جون نينيه: «وقد وقع نزاع خطير في فرنسا حول الدفاع عن قناة السويس؛ وذلك لكي يبر دي ليسبس بما وعده به عرابيًّا، فإنه تعهد لزعيم الثورة المصرية وقائد الجيش المصري بأن تقاوم قوة حربية إلى جانبه إذا أنزلت إنجلترة جنودها في الإسماعيلية، أو اعتدت على حيدة القناة الدولية … ولم يكن دي ليسبس كاذبًا، ولكن السياسة عرضته للكذب، فقد تقدم مسيو دي فرسنيه إلى المجلس التشريعي بفتح اعتماد لإعداد الحملة الحربية للدفاع عن القناة، ولكنه استقال في أول أغسطس سنة ١٨٨٢».

أما رد عرابي على دي ليسبس فهو «لما كنت أحترم حيدة القناة احترامًا كليًّا، وبخاصة لاعتبار أنها عمل من الأعمال العظيمة؛ ولأن اسم سعادتكم سيقترن بها في التاريخ، فإنني أتشرف بإخباركم أن الحكومة المصرية سوف لا تعتدي على هذه الحيدة إلا عند الضرورة القصوى، وفي حالة ما إذا ارتكب الإنجليز بعض الأعمال العدائية في الإسماعيلية وبور سعيد أو في أي جزء آخر من القناة».

وقد ذكرنا أن ردم القناة كان من الخطط التي وضعها محمود باشا فهمي للدفاع. فلم يكن في المسألة إذن خداع وإنما هي مسألة وقت، ولم يتسع الوقت لهذا العمل الذي يحتاج إلى جهود جبارة، وذلك أن الإنجليز ما كادوا يفرغون من ضرب الإسكندرية حتى اتجهوا إلى حماية القناة، وكان على عرابي أن ينشئ خطوط كفر الدوار؛ ليصد الإنجليز الذين دخلوا الإسكندرية فعلًا، فإذا ذكرنا أنهم فرغوا من ضرب الإسكندرية في ١٢ يوليه، وأنهم سيطروا على مدخل القناة قبل نهاية الشهر وأخلوا السويس في ٢ يوليه، إذا ذكرنا ذلك أدركنا مقدار ما كان يواجهه عرابي ورجاله من صعوبة إذا هم أقدموا على عمل جبار كردم قناة السويس، ويجب أن نذكر كذلك أنه ما دام أن عرابي كان وزيرًا في وزارة يملك الخديو إسقاطها في أي وقت، وما دام أن الخديو كان في صف الإنجليز، فلم يكن ليستطيع عرابي أن يبادر بهذا العمل، وقد رأينا موقف الإنجليز في أقصوصة تحصين شواطئ الإسكندرية.

figure
أهم المعارك في الميدانين الغربي والشرقي.

الحرب في الميدان الشرقي

استعان الإنجليز والخديو في هذا الميدان بالرشوة، فاشتروا ذمم بعض رؤساء البدو، وبعض الضباط المصريين مع عظيم الأسف. وكان من أعوان الإنجليز وتوفيق في الاستعانة بالرشوة إنجليزيان هما پالمر وچل، ومصري هو سلطان باشا. أما پالمر فكانت منطقة عمله شرقي القناة، وكان من قبل أستاذ اللغات الشرقية في جامعة كمبردچ، وكان له إلمام بهذه المنطقة؛ لأنه كان عضوًا في جمعية كشف فلسطين، وقد اتصل بالبدو من قبيلتي الطياحة والطرابين قبل مجيء الحملة إلى السويس، وقد أقبلوا عليه إذ كان يسمعهم الشعر العربي، وقد شهد احتلال السويس، ثم خرج ثانية إلى الصحراء ليستعين بالبدو على التجسس، ولكنه لم يلبث أن قتل طمعًا فيما كان معه من المال.

وأما چل فكان نشاطه غربي القناة وقد اتصل باثنين من أكبر مشايخ البدو وهما سعود الطحاوي في الصالحية، ومحمد البقلي في وادي الطميلات، وسوف يكون لتجسس الطحاوي أثر كبير في هزيمة المصريين كما سنرى.

وأما سلطان فقد كان يرافق الجيش الإنجليزي نائبًا عن توفيق، فقد أصدر الخديو أمره بتعيينه نائبًا عنه؛ لمرافقة الجنرال ولسلي في زحفه على العاصمة.

قال الشيخ محمد عبده في مذكراته: «مركز الدسائس والمخابرات كان في الإسكندرية، اجتمع فيه كثير من الإنجليز من موظفي الحكومة المصرية ومن المقيمين بمصر، وكان روح الجميع سلطان باشا … أخذ في توزيع النقود باسم الخديو، واختار لبث الأفكار الحاوي الطحاوي أحد ثقاة عرابي».

أما من اشتراهم سلطان بالمال، فمن أشهرهم غير سعيد الطحاوي علي يوسف الشهير بخنفس، قائد قلب الجيش المصري، وعبد الرحمن حسن قائد فرقة الاستطلاع السواري، وراغب ناشد قائمقام في المقدمة، ولسوف يكافأ سلطان الذي كان من قبل أحد زعماء الوطنيين، بعد انتهاء الحرب، بلقب السير من الإنجليز وبعشرة آلاف جنيه من الخديو».

في ٢٠ أغسطس اقتحمت السفن الإنجليزية قناة السويس، وهم الجيش المصري بتعطيل الملاحة في القناة، ولكن قوارب الإنجليز كانت تصلي العمال نيران مدافعها فيولون مبتعدين. ولم يتسن للمصريين إلا سد الترعة العذبة، فمنعوا الماء عن السويس والإسماعيلية.

وبلغ ولسلي الإسماعيلية في ٢١ أغسطس. وبدأ يعد العدة للزحف على الصحراء وفي نفس اليوم وصلت القوات الهندية إلى السويس؛ وفي الثالث والعشرين من أغسطس التحم الإنجليز والمصريون في نفيشة، وبعد قتال شديد ارتد المصريون عن نفيشة، وكانت تبعد نحو ثلاثة مئة كيلو مترات عن الإسماعيلية فاحتلها الإنجليز، وفي اليوم التالي استولى الإنجليز على موضع سد الترعة وكان يسمى المجفر.

ودارت معركة عنيفة بين الجيشين في المسخوطة بعد يومين، وقد أبلى الفريق راشد باشا حسني قائد المعركة بلاءً حسنًا، ولكن تكاثر الإنجليز اضطره إلى الانسحاب، وقد منى الدفاع الوطني بخسارة كبرى في هذه الموقعة إذ أسر محمود باشا فهمي رئيس أركان حرب الجيش. وفي نفس اليوم استولى الإنجليز على المحسمة، وكانت خسائر المصريين فيها سبعة مدافع وكمية كبيرة من البنادق وقطارًا محملًا بالذخيرة.

ودخل الإنجليز القصاصين، بعد مناوشة صغيرة، فأصبحوا على خمسة عشرة كيلو مترًا من التل الكبير. وحضر عرابي إلى الميدان الشرقي فاتخذ المصريون خطة الهجوم.

وفي الثامن والعشرين من أغسطس تهيأ الجيش المصري للهجوم بقيادة راشد باشا حسني، بعد أن وضعت خطة محكمة، وكان عدد المصريين ثلاثة عشر ألفًا من الجنود النظامية.

وهجم المصريون على مواقع الإنجليز، ودار قتال شديد جدًّا وتحمس المصريون، وقد تذكروا المبادئ التي يحاربون من أجلها عدوهم المغتصب، واستطاعوا أن يجلوا الإنجليز عن مواقعهم الأمامية فاستولوا عليها. واستعاد الإنجليز قوتهم وهجم فرسانهم بقيادة الجنرال لو وبعد تلاحم شديد استردوا مواقعهم من المصريين، وقد هبط الليل والحرب سجال بين الجانبين.

figure
الفريق راشد باشا حسني (بطل القصاصين).

وتوقف الإنجليز بعد هذه المعركة أيامًا وهم الذين كانوا يوالون الزحف؛ وما ذلك إلا لأن دسائس سلطان وأقرانه لم تكن قد أفرخت بعد، فخشى الإنجليز التقدم حتى يستوثقوا من نجاح هذا السلاح الدنيء.

وفي اليوم التاسع من سبتمبر عاد المصريون إلى الهجوم، وكانت خطة المعركة في جوهرها هي خطة المعركة الأولى، وكان مقررًا أن يهجم البارودي من الصالحية على ميسرة العدو عند الفجر فيباغته، ويشيع في صفوفه الارتباك.

ولكن ما جدوى إحكام الخطة مع الخيانة في أشنع صورها؟ لقد أرسلت خطة الجيش المصري إلى الإنجليز قبل المعركة! يقول في ذلك الشيخ محمد عبده: «في واقعة القصاصين كان الرسم كما ينبغي، وكانت العساكر المصرية يجب أن تزحف في الساعة الثانية بعد منتصف الليل على الجيش الإنجليزي، وما راع القواد المصريين إلا وجود الفرق الإنجليزية زاحفة، وآخذة جميع الطرق في الساعة واحدة … وكانت الخيانة وصلت والنقود قد وصلت إلى قلب الجيش، وإلى كثير من الضباط بسعي سلطان باشا ومراسلة العربان».

بدأ راشد باشا حسني الهجوم في الثلث الأخير من الليل، والتحم الجيشان والعدو على علم فلم يباغت. وأسفر الصبح والمعركة حامية بين الجيشين، وتكافأ الفريقان على الرغم من تفوق الإنجليز في العدد، وتلفت قواد المصريين يتوقعون دخول البارودي الميدان، ولكنه لم يأت في موعده، فقد كان الإنجليز على علم بمقدمه فرصدوا له قوة من المدفعيات حالت بينه وبين الوصول إلى موضعه من المعركة. ومما يذكر مع الأسف أن رجال سعيد الطحاوي هم الذين أضلوه عن وجهته في الصحراء فتأخر وصوله.

وارتفع النهار ونار الحرب مستعرة بين الجانبين، وقد أثبت كل من البطلين علي باشا فهمي وراشد باشا حسني بطولة فذة ومن حولهم الجيش المصري لا يتزحزح عن موضعه. وظل القتال على أشده حتى استطاع المصريون أن يوقعوا خسائر جمة بصفوف الإنجليز، ثم زحزحوهم عن مواقعهم، وكادوا يكسبون المعركة. ولكن ما كاد يلوح النصر في جانبهم حتى منوا بمصيبة أعظم من أسر محمود فهمي. وذلك أن كلًّا من بطلي المعركة راشد حسني وعلي فهمي قد أصيب برصاصة أخرجته من الميدان، وبخروجهما ضعف هجوم المصريين، وانقضى اليوم ولم يظفر بالنصر الحاسم أحد الجانبين.

وفي هذه المعركة، معركة القصاصين الثانية، أبلغ رد على الذين يقولون: إن المصريين لم يحاربوا، فما هو أن رأوا الإنجليز حتى فروا. وإن وقفة المصريين على هذه الصورة مع قلة عددهم بالنسبة للإنجليز، إذ كان هؤلاء يقربون فيها من ضعف عددهم، لتجعلنا نعتقد أنه لولا الخيانة لأحاط المصريون بجيش ولسلي فهزموه في صحرائهم، وهم القادرون على شمسها وحرها، ولولد في هذا المكان عصر جديد في تاريخ مصر ولازدانت ميادين عواصمنا بتماثيل عرابي.

مهد الإنجليز بعد ذلك للزحف على التل الكبير بما أعدوه من الرشوة، وبسلاح آخر كان أشد فتكًا ألا هو قرار من السلطان يعلن فيه عصيان عرابي.

كانت إنجلترة تضغط من زمن على السلطان ليعلن عصيان عرابي، فقد كان الجيش والوطنيون يعدون توفيقًا من الخونة لخروجه على خليفة المسلمين، وكانوا يرون عرابيًّا مدافعًا عن الخليفة ضد إنجلترة المعتدية. وما زالت إنجلترة بالسلطان عبد الحميد الذي أنعم على عرابي بالأمس بالوسام المجيدي الأكبر حتى حملته على أن يطعنه طعنة قاتلة بذلك القرار، وقد نشر بجريدة الجوائب التركية في ٦ سبتمبر. واستحضر الإنجليز آلاف النسخ من هذه الجريدة، وأخذ أعوان سلطان يوزعونها سرًّا في صفوف الجيش. ولسنا نغالي إذا قلنا: إن هذا القرار وحده قد فعل بعرابي وجيشه أكثر مما فعله الجيش الإنجليزي! فقد أخذت تضعف الروح المعنوية ضعفًا شديدًا، ومما جاء فيه قول الخليفة: «إن الدولة العلية السلطانية تعلن أن وكيلها بمصر هو حضرة فخامتلو دولتلو محمد توفيق باشا، وأن أعمال عرابي باشا كانت مخالفة لإرادة الدولة العلية … وأن تصرف الدولة العلية السلطانية إلى عرابي باشا ورفقائه وأعوانه يكون بصفة أنهم عصاة، ويتعين على سكان الأقطار المصرية حالة كونهم رعية مولانا وسيدنا الخليفة الأعظم، أن يطيعوا أوامر الخديو المعظم الذي هو في مصر وكيل الخليفة».

كان مركز الجيش المصري على هضبة وراء خنادق الدفاع الأمامية، وهي خنادق ضعيفة أنشأها محمود فهمي على عجل، وقد أقيمت خيمة عرابي على بعد أربعة كيلو مترات من الخطوط الأمامية.

وكان لا يزيد جيش عرابي على اثني عشر ألفًا من الجنود النظامية، وقد استدعى عرابي للقيادة علي باشا الروبي من دمياط فحضر قبل المعركة بيوم واحد، فلم يكن يعرف حقيقة الحال في الميدان؛ وكانت مدفعية الجيش تتألف من نحو سبعين مدفعًا، أما الجيش الذي زحف به ولسلي فكان يتألف من ثلاثة عشر ألفًا، وكان معه نحو ستين مدفعًا.

وكان سعيد الطحاوي يلقي في روع عرابي أن الإنجليز لم يعدو العدة للزحف بعد، ثم يذهب إلى المعسكر الإنجليزي فيطلع ولسلي على كل ما يهمه معرفته، ويبسط يده لذهب الإنجليز ولا ينسى نصيبه من سلطان.

وفي اليوم الثاني عشر من سبتمبر أرسل علي يوسف خنفس من المقدمة إلى عرابي يقول: إن الإنجليز لن يتحركوا اليوم فركن الجيش إلى الراحة بأمر قواده …

figure
الخيانة كما رمزت إليها صحيفة فرنسية.

وفي مساء ذلك اليوم زحف ولسلي واختار الليل ليتقي حر النهار، وليكون الليل ستارًا له في خطته القائمة على المباغتة، والتي هيأ نجاحها سعيد الطحاوي وعلي خنفس وتحرك الإنجليز في سكون، وقد شدد ولسلي التحذير وأمر بألا يرتفع صوت أو توقد نار إلا نار المعسكر الإنجليزي التي تركوها وراءهم؛ إيهامًا للجيش المصري بأنهم لا يتحركون.

وتقدم جيش ولسلي مطمئنًّا لا يتهيب طلائع الجيش المصري، وفيم التهيب؟ لقد كان في مقدمة الطلائع عبد الرحمن حسن الذي اشتراه سلطان، وكان خنفس وراءه.

وكان عبد الرحمن يحرس الطريق الآتي إلى الصحراء من الشرق، فاتجه بفرقته إلى الشمال. وترك الجيش الإنجليزي يمر في أمن! ولن نجد في تاريخ الحروب أشنع من هذه الخيانة إلا خيانة خنفس الذي لم يكتف بأن ترك جيش العدو يمر، بل وضع له المصابيح على المسالك ليخترقها في يسر! وقد كان خنفس هو الذي أرسل خطة معركة القصاصين إلى الإنجليز.

وكان هجوم الإنجليز على نصف دائرة فأحاطوا بميمنة المصريين وميسرتهم، وتقدمت فرقة من المدفعية حتى صارت وراء خطوطهم، وفتكت بنادي الإنجليز ومدافعهم بالمصريين فتكًا ذريعًا، ولم تكن هذه معركة في الواقع فهي أشبه بأعمال القراصنة في الصحراء، ولقد فر أكثر الجنود مذعورين.

ولكن الميدان في هذه المحنة وفي هذه المباغتة التي تطيش فيها عقول الرجال، لم يخل من نفر من المصريين حفظوا شرف قومهم من الانهيار، فأثبتوا في مستنقع الموت أرجلهم، والهول محيط بهم، والموت يأتيهم من كل مكان، وهؤلاء البواسل هم الشهيد البطل محمد عبيد ثم أحمد بك فرج وعبد القادر بك عبد الصمد وحسن أفندي رضوان، وإن جلال عملهم ليمحوا من النفوس شيئًا مما تركته فيها خيانة خنفس، ومن حذا حذوه، من الخزي والألم.

figure
البطل المصري الشهيد محمد عبيد

وقف هؤلاء الأربعة بفرقهم مستبسلين وكان مجموعها لا يزيد عن ثلاثة آلاف، وكان أكثرهم بسالة وإقدامًا محمد عبيد بطل الهجوم على قصر النيل، فقد وقف للإنجليز برجاله السودانيين وأوقف زحفهم وقاتلهم قتالًا شديدًا فني فيه معظم رجاله، فتقدم واستقبل الموت راضيًا مرضيًّا، وذهب شهيد وفائه وبطولته. ويلي محمد عبيد في البسالة حسن رضوان قومندان الطوبجية الذي أصلى الإنجليز نارًا حامية بمدافعه، وأوقع بهم على تفوقهم خسائر جسيمة حتى سقط جريحًا في الميدان. ولما حمل أسيرًا إلى ولسلي، وأقبل يقدم له سيفه لم يشأ ولسلي أن يأخذه منه احترامًا له وأثنى على بسالته.

figure
حسن رضوان من أبطال معركة التل الكبير.

وبلغ قتلى المصريين نحو ألفين، أما الجرحى فلم يحص عددهم لفرارهم، وأما الإنجليز، فقد قتل منهم سبعة وخمسون منهم تسعة ضباط، وجرح أربعة مئة منهم سبعة وعشرون من الضباط، وقد غنم الإنجليز مدافع الجيش المصري ومهماته وذخائره.

وفي هذه الأثناء اتجه عرابي نحو الميدان، وكان يوجد نحو ألفين من الرجال على مقربة من خيمته فدعاهم ليذهبوا معه، ولكن كان أكثرهم من الاحتياطي فولوا الأدبار خائفين، وعبثًا حاول عرابي أن يوقف فرار الفارين من المعركة، واقترب الإنجليز حتى صاروا على نحو ستة مئة متر من خيمته، وأطلقوا عليها قذيفة أطارتها في الهواء. وألح عليه خادمه محمد سيد أحمد أن ينجو بنفسه إذ لا فائدة من القتال، ولوى عنان فرسه بالقوة، ويذكر جون نينيه في كتابه أن الذي حمل عرابيًّا على طلب النجاة هو طبيبه قال: «وكنت بجانب عرابي وبيدي بندقية، ولما أوشك الإنجليز أن يطبقوا على عرابي رجوته في الثبات فاستعد للموت والاستشهاد، ولكن طبيبه الدكتور مصطفى بك نصح له بالفرار على صهوة جواده».

وفر عرابي لا لينجو بنفسه؛ ولكن كي يدافع عن القاهرة كما سنبينه، وما أشبه فراره هذا بفرار نابليون من ميدان وترو ليدافع عن باريس.

وقبل أن نذكر ما فعل عرابي للدفاع عن القاهرة، نرى ألا بد من الكلام عن مسألة يوردها دائمًا مؤرخو الاحتلال ساخرين بها من عرابي، كما سخروا من دعوى انخداعه بأقوال دي ليسبس، ألا وهي أنه سهر طول ليلة المعركة في حلقة ذكر مع جيشه! وفي قراءة الأدعية مع رجال الطرق الصوفية، فلم ينم العساكر وبذلك لم يستيطعوا الحرب في الصباح!

ألا ليت هؤلاء صدقوا! إذن لما استطاع العدو أن يباغت المصريين وهم نيام. وإذا صح أن عرابيًّا قد استدعى عددًا من رجال الطرق الصوفية، فأرسلهم إلى الفرق في مراكزها يثيرون حماستهم في الله والوطن، وهذا ما حدث فعلًا، فما وجه العيب في ذلك؟

وأي فرق بين أن ينشد رجال الدين بين الفرق أناشيدهم الدينية يقصدون بها إثارة حماستهم، وبين الأناشيد التي يهتف بها الجند في الجيوش الحديثة جمعاء؟ وما الغرض من الموسيقى الحربية والخطب والنشرات؟ أليست كلها وسائل تبعث الروح الوطنية في الجند، وتهز عواطفهم النبيلة للفداء والنضال؟ وإذا لجأ عرابي إلى الوسائل كانت التي تتفق مع البيئة، ومع العصر وهي لا تخرج في جوهرها، وفي الغرض منها عن وسائل الجيوش الحديثة، فلماذا يعد ذلك مما يسخر به منه، ولا يعد من أدلة انتباهه إلى كل ما عسى أن يكسبه النصر؟

ومن أحسن ما يذكر في هذا الصدد أن هذه الحملة الإنجليزية بالذات قد أقيمت لها الصلوات عند خروجها من إنجلترة، وباركها كبير الأساقفة مع عدد من رجال الدين، وقد أورد ذلك هوبرت سبنسر في كتابه «أصول علم الاجتماع»، ومن أجمل ما علق به على ذلك قوله: إن «هذه الحملة كانت موجهة إلى قوم يحاربون في سبيل الحرية والاستقلال».

وما قصد المؤرخون المغرضون بهذه القصة، إلا أن يقللوا من شأن الخيانة في هزيمة عرابي أو يصرفوا عنها الأنظار. وما أودى بعرابي إلا الخيانة، وهي من مخازي الإنجليز، ولقد كانت مثلها كفيلة بأن تودي بأي قائد غيره في مكانه.

عرابي يحاول الدفاع عن القاهرة

بلغ عرابي القاهرة قبل الظهر في قطار كان قد صادفه عند بلدة إنشاص، وذهب إلى مقر المجلس العرفي فتلقاه الأعضاء واجمين وكان الأسف باديًا على محياه. وانضم إلى المجلس بعض الأمراء والكبراء، وتشاوروا في الأمر: أيسلمون القاهرة إلى الإنجليز أم يدافعون عنها؟

وأخذ عرابي يستحثهم على الدفاع ذاكرًا لهم أنه من الوجهة الحربية لا يزال الأمل قويًّا، فهناك حامية القاهرة في القلعة بمدفعيتها، وهناك حامية دمياط بقيادة عبد العال، وفي إمكانها التحرك أثناء الدفاع عن القاهرة؛ وكذلك يمكن أن يأتي المدد من كفر الدوار، وبالثبات والصبر يمكن معالجة الأمر.

وثار في وجه عرابي بعض الأعضاء، ولكن أغلبية المجلس وافقته على وجوب الدفاع. وأخذ شبح اليأس يبتعد عنه، ونهض من فوره ليعد العدة للدفاع، وكان قد ترك في بلبيس عددًا من البرقيات في مكتب التلغراف يستنهض بها البلاد لترسل المدد لمقاومة زحف الإنجليز. ومضى عرابي إلى العباسية، ومعه محمد باشا المرعشلي باشمهندس الاستحكامات لإنشاء خط للدفاع عن القاهرة.

بعد ذلك أرسل عرابي يطلب الحامية؛ وهنا أدرك للمرة الثانية ما فعلته الخيانة، وما فعله قرار السلطان بإعلان عصيانه، فقد انحلت العزائم وهرب الرجال، وعاد اليأس فأحاط بعرابي ووقف وحده لا يجد من يمد المعونة إليه، والإنجليز يزحفون على القاهرة في غير إبطاء.

الإنجليز يدخلون القاهرة

بلغ الإنجليز العباسية في ١٥ سبتمبر، ومنها ساروا إلى القلعة وكان بها أربعة آلاف جندي فسلم لهم خنفس مفاتيحها، ثم احتل الإنجليز معسكر قصر النيل. وهكذا صح حلمهم الذي ظل يساورهم منذ عهد محمد علي، وقد نزل ولسلي وكان معه سلطان نائبًا عن الخديو، في قصر عابدين، وقد أعد له بأمر من توفيق.

figure
صورة تاريخية نادرة لعرابي في معتقله بعد سقوط القاهرة.

وأرسل الجنرال لو قائد خيالة الإنجليز إلى حكمدار القاهرة يقول: إنه يريد مقابلة عرابي وطلبة عصمت بالعباسية، فتوجه عرابي وصاحبه إلى العباسية، وتلقاهم لو فسأل عرابيًّا: هل يقبلون أن يكونوا أسرى حرب لجلالة الملكة؟ فقال عرابي: «لو أن عندنا من القوى الحربية ما يمكننا به إطالة زمن القتال والمدافعة عن البلاد لما قبلنا ذلك»، ثم رضي بالأسر حقنًا للدماء.

وعصف الغضب برؤوس بعض المدنيين من سكان القاهرة، ولم تكن الرشوة قد فعلت بهم ما فعلته بالجيش، فتجمعوا من باب الشعرية والحسينية وتهيأوا للثورة، وكادت القاهرة ترى ما رأته أيام نابليون وكليبر. ولكن محافظ المدينة بذل أقصى جهده للقضاء على الفتنة في مهدها مبينًا للثائرين أن عملهم لا يجدي نفعًا، وليس وراءه إلا سفك الدماء.

توفيق يدخل العاصمة

انتظر توفيق بضعة أيام حتى تم تسليم المعاقل؛ كي يدخل القاهرة دخول الظافر. وفي اليوم الخامس والعشرين من سبتمبر، سافر الخديو إلى القاهرة وفي معيته كبير وزرائه شريف باشا. وحيا توفيقًا في محطة العاصمة ولسلي قائد جيش الاحتلال، ودوق كنوت نجل ملكة الإنجليز وكان في الحملة، وإدوارد مالت ومحمد سلطان باشا، وكبار العلماء والأعيان.

وجلس عن يسار الخديو في مركبته دوق كنوت وجلس أمامه ولسلي ومالت، وأحاطت بالمركبة كوكبة من الفرسان الإنجليز، واصطف على جانبي الطريق إلى سراي الإسماعيلية نحو خمسة آلاف جندي بريطاني؛ ليمر من بينهم خديو مصر القادم إلى مقر حكمه.

وفي ٣٠ سبتمبر اصطف الجيش الإنجليزي في ميدان عابدين في المكان نفسه، الذي وقف فيه عرابي قبل ذلك بنحو سنة وقفته المشهودة، ومعه الجيش المصري يسمع الخديو مطالب الأمة.

وكان الخديو في المقصورة التي أعدت له يرتدي ملابسه الرسمية، وكان الجنرال ولسلي ودوق كنوت على ظهر جواديهما إلى جانب مقصورة الخديو، وسارت فرق الجيش الإنجليزي أمامه حتى انتهى عرضها.

وقد جاء في عدد الوقائع الصادر في أول أكتوبر أنه قد «انشرحت صدور الحاضرين، وأعجب الجناب الخديو المعظم بما رآه من مهارة رؤسائهم وضباطهم وحسن انتظام العساكر وكمال نظامهم، وشكر الكل لهم ما قاموا به من إخماد فتنة العصاة وإطفاء ثورتهم».

وفي ليلة الثلاثاء ٣ أكتوبر أقام الخديو مأدبة كبرى، وحفلة سمر باهرة في سراي الجيزة تكريمًا للقواد والضباط الإنجليز، وكان في مقدمة من شهدها سيمور وولسلي ودوق كنوت، ومالت، ولو. وفي هذه الحفلة الكبرى أنعم الخديو على ستين من هؤلاء الإنجليز بالأوسمة المختلفة.

الانتقام من زعماء الثورة

بدأ الخديو بإلغاء الجيش المصري جملة؛ بحجة أنه انضم إلى العصاة، وكان هذا توطئة لمحاكمة قواده وضباطه إلا من انحاز أثناء الحرب إلى الخديو.

وكان سلطان باشا يأمر بالقبض على من يشاء وإلقائه في السجن، وقد اعتقل كبار رجال الجيش وجميع زعماء الثورة من المدنيين، إلا عبد الله نديم فقد اختفى زمنًا ولم يعرف له مقر، وعدد كبير من العلماء والأعيان والموظفين والعمد ومشايخ البلاد، حتى لقد بلغ عدد المقبوض عليهم ثلاثين ألفًا.

وصدر أمر من الخديو بتأليف محكمة عسكرية، تقدم إليها لجنة ألفت للتحقيق مع من ترى تقديمه من المتهمين، وكان رئيس المحكمة محمد رؤوف باشا من أنصار الخديو، وكان الأعضاء إلا واحدًا من أصل شركسي ومن الناقمين على عرابي.

وسجن عرابي مع زعماء الثورة في بناء الدائرة السنية وقد جعل معتقلًا عامًّا، وكان توفيق يتطلع إلى اليوم الذي يساق فيه عرابي وأصحابه إلى المشنقة ولم يكن رياض باشا وزير الداخلية أقل تطلعًا إلى ذلك اليوم من توفيق.

ومن أسوأ ما يذكر أن توفيقًا كان يرسل بعض خدمه إلى عرابي في السجن فيسبونه ويهددونه. وقد وضع عرابي في حجرة صغيرة مرتفعة السقف، حالكة الظلمة وبخاصة بالليل حيث لم يكن يسمح للسجناء بمصابيح، وكانت الحجرة خالية من الكراسي، وليس بها إلا بساط وحشية وملحفة ووسادتين وبعض الآنية من الخزف والنحاس.

وكان المقرر أن يعدم عرابي، وأن تترك الحكومة الإنجليزية ذلك إلى توفيق، ولكن صديقه مستر بلنت أثار حملة صحفية على جلادستون ووزارته في إنجلترة، حتى اضطر إلى السماح لعرابي بأن يتولى الدفاع عنه محام إنجليزي هو مستر برودلي وقد استأجره بلنت.

وكانت المحاكمة مهزلة من المهازل، فقد وضع لورد دوفرين، وكان قد حضر إلى مصر عقب الاحتلال، الخطة الآتية: تستبعد جميع التهم عن عرابي ما عدا تهمة عصيان أمر الخديو حين دعاه إلى الحضور إلى الإسكندرية، ويقدم إلى المحكمة فيعترف بالتهمة، وتصدر المحكمة حكمها عليه بالموت؛ ولكن مرسومًا خديويًّا بتعديل الحكم يتلى في قاعة الجلسة، ويقضي بنفيه من مصر ومصادرة أملاكه.

وذهب محاميه إليه في السجن ومعه ترجمانه، وأطلعه على ذلك فبدت عليه الدهشة ثم قال: «أعترف بصراحة أني كنت أفضل المحاكمة لأسمع أوروبا كلها قضيتي، وألقي من اتهموني وجهًا لوجه في ساحة المحكمة»، وذكر له مستر برودلي ما يكون من الخطر عليه من محكمة كهذه المحكمة، وقال عرابي: «كيف أقول: إني عاص؟ ألم أفعل ما أمر به السلطان والخديو؟ وإذا كان الخديو قد انحاز إلى الإنجليز، فهل أسمى أنا عاصيًا؛ لأني أطعت إرادة الأمة المصرية؟» وحار برودلي لحظة ماذا يقول ثم أجاب بقوله: «إن الحكومة الإنجليزية لا يمكنها أن تتراجع عما أعلنته؛ ولذلك قضت الضرورة بهذا الحل»، ثم تساءل عرابي: «إذا قبلت ما تتحدث عنه من شروط فماذا عسى أن يكون مصير إخواني؟» وأخبره محاميه أنهم سيعاملون مثل معاملته، وخرج عرابي من المأزق بأن قال لمحاميه: «سأكتب لك كتابًا يتيح لك من السلطة ما توافق به على ما تراه عادلًا مشرفًا من الشروط، ولكني أرجو منك أن تكون شهيدًا على أني أفعل ذلك ابتغاء انقاذ إخواني أكثر مما أفعله من أجل شخصي».

figure
برودلي المحامي الإنجليزي يخبر عرابيًّا في سجنه أنه نفي إلى سرنديب.
ومثلت هذه المهزلة الهازلة في المحكمة، ولم يتكلم عرابي حين وجه إليه الاتهام وإنما أحال الأمر على محاميه، وقد عومل معاملة عرابي كل من محمود سامي وعبد العال حلمي وطلبة عصمت وعلي فهمي ومحمود فهمي ويعقوب سامي، ونفوا جميعًا إلى جزيرة سرنديب،١ وبذلك أسدل الستار على الثورة العرابية.

آراء بعض المنصفين في هذه الثورة وزعيمها

يجدر بنا أن نعرض ما يتسع له هذا المجال من آراء المنصفين في هذه الثورة التي ظلمها المغرضون من المؤرخين، ومن هؤلاء سير ماكنزي ولاس الذي رافق لورد دوفرين إلى مصر قال «في كتابه مصر والمسألة المصرية»: «لم يظهر من عهد محمد علي أو من قبل ذلك بزمن بعيد رجل في مصر كان له من السيطرة مثل ما كان لعرابي، فإنه لم يقتصر أمره على أن الجيش والشرطة كانا رهن إشارته، بحيث يستطيع أن يأخذ بالإرهاب كيف يشاء، بل كان يتمتع كذلك بعطف كل الطبقات في مصر تقريبًّا. ولم يحصل عرابي على نفوذه أو يحافظ عليه بالإرهاب؛ لأنه عند بدء حركته لم يكن لديه أية قوة يضرُّ بها أحدًا. ولم يعلم عنه أنه في أثناء قوته ذبح شخصًا أو شنقه أو رماه بالرصاص. ولو أنه خاض معركة انتخابية خالية من وسائل الغش، وكان خصمه فيها توفيق لفاز عليه بأغلبية هائلة من أصوات الناخبين الأحرار».

وقال في موضع آخر: «إذا كنا لم نرد أن نقيم نظامًا دائمًا في مصر فلماذا ذهبنا إلى هناك؟ وإذا كنا لم نرد إقامة حكومة صالحة حقًّا، فلماذا قضينا على الحزب القومي الذي كان لديه فرصة لإقامة نظام من أي نوع آخر، كان خيرًا مما يصنع الخديو الذي أعدناه إلى سلطته؟»

وكتب لورد شالرز برسفورد الذي اشترك في ضرب الإسكندرية، يقول في جريدة التيمس في ٨ يناير سنة ١٨٨٣: «حقًّا إنه من الممكن أن تسمى حركة عرابي حركة قومية، فقد نعتها بعض الإنجليز بهذا في شهر مايو سنة ١٨٨٢ عندما تحرجت الأمور تحرجًا خطيرًا … ونحن إذا نظرنا إلى المسألة من وجهة النظر المصرية لا يخالجنا أدنى شك في أن عرابيًّا كان يحظى بعطف الشعب المصري، ويستطيع عرابي وأصحابه أن يقولوا إنهم كانوا يحاربون في سبيل الإصلاح، وإن الدليل الذي يؤيد عدالة قضيتهم هو أن إنجلترة آخذة في تنفيذ إصلاحاتهم بالذات، ويستطيعون كذلك أن يبرهنوا بحقيقة أخرى هي أنهم لم يأخذوا من الشعب قرشًا واحدًا إلا ما رأوا أنه ضروري لخير الشعب، الأمر الذي يعد نادرًا في الشرق».

ويقول برودلي: «إني لا أكتفي بأن أقول: إن الأمة كلها كانت في جانب عرابي، بل إني أقرر في غير خوف من نقض آرائي أن عرابيًّا وأصحابه قد أظهروا في أداء رسالتهم أمانة تامة واعتدالًا وروحًا إنسانية تشرفهم على مدى العصور»، وقال في موضع آخر: «ليس يخامرني شك في أن عرابيًّا وأصحابه كانت لديهم كل المقدرة على أن ينهضوا بحكم أمتهم حكمًا شعبيًّا، وأن ينفذوا في جدارة التغييرات والإصلاحات التي خلفوها لنا بصفتنا ورثتهم وخلفاءهم. لم يكن عرابي من ذوي الأحلام أو من ذوي التحمس، وإنما كان — إذا قيس بالمقياس المصري — رجلًا متعلمًا ذا مقدرة، ملمًّا بشؤون وطنه، وما تحتاج إليه بلاده وهب كثيرًا من النشاط وقدرًا عظيمًا من أمانة الغرض».

وكتب مستر أردرن بيمان أحد مندوبي إنجلترة في لجنة التحقيق، في سنة ١٨٨٣: «إن عرابيًّا الذي كان يستطيع أن يجمع لنفسه مليونًا من الجنيهات لم يجد ما يشتري به ملابس له عند سفره، وقد أرسل له بعض أصدقائه حقيبة ملأى بالملابس والقطار على أهبة السفر. وكانت أسرته تعيش وهو في السجن على صدقات يدفعها بعض محبيه سرًّا، وكنت أنا الذي أحملها إليه بيدي … ولست أكتب هذا بدافع عبادة البطولة، وإنما لأبين لماذا اختار الشعب المصري رجلًا نشأ من طبقة الفلاحين وتعلق به؛ لأنه يعرف ما يشكو منه، وكيف يدافع عن حقوقه المكتسبة، وآثر ذلك على أن يظل خاضعًا للسلطان الموروث».

وفي كتاب لمستر بيمان نفسه صدر سنة ١٩٢٩ بعنوان «عزل الخديوي» أعني الخديوي عباس، قال: «حين تظفر مصر باستقلالها الحقيقي كما يجب أن يحدث ذلك في يوم ما، فإن أول تمثال يجب أن يقام في أحد ميادين القاهرة هو تمثال أحمد عرابي».

ولم يستطع حتى كرومر أن ينكر قومية هذه الحركة قال: «إن حركة عرابي أكثر من أن تكون مجرد فتنة عسكرية. لقد كان فيها إلى حد ما طبيعة الحركة القومية الحقيقية، ولم تكن هذه الحركة موجهة كلها أو في جوهرها ضد الأوروبيين والتدخل الأوروبي في الشؤون المصرية، ولو أن النفور من الأوروبيين والتجني عليهم كانا يسيطران على عقول قواد هذه الحركة. وإنما كانت هذه الحركة إلى مدى عظيم موجهة من المصريين ضد الحكم التركي».

وقال الشيخ محمد عبده فيما كتبه لمستر برودلي، بعد أن ذكر ما كان بينه وبين عرابي من خلاف في الرأي قبل يوم عابدين: «إن الاجتماعات العامة المتنوعة التي عقدت بعد ذلك للحصول على دستور برياسة سلطان باشا، حولت في الحال مقام عرابي من قائد جيش إلى قائد مصر؛ وحينئذ أصبحت وسلطان باشا والبلاد المصرية قاطبة من أتباع أحمد عرابي».

وذكر برودلي كيف أمده الشيخ محمد عبده بمعلومات عن الأيام الأولى للحركة القومية «ووصف وصفًا حيًّا كيف أصبح عرابي بطل مصر الذائع الصيت، وكيف أن آلافًا من المصريين سموا أبناءهم باسمه وكيف ذهب اسم توفيق من الأرض».

عرابي في المنفى

قضى عرابي في جزيرة سرنديب تسعة عشر عامًا، وكانت هذه الجزيرة ملكًا للإنجليز منذ سنة ١٧٨٥ وكانت ملحقة بمدارس، ثم جعلوا منها مستعمرة قائمة بذاتها سنة ١٨٠١، ومن سكانها الأصليين قبائل السنهاليز، وأصلهم من الهنود من حوض نهر الكنج وديانتهم البوذية، ثم قبائل التامل وقد نزحوا إليها من جنوب الهند وديانتهم الهندوكية، وكان بالجزيرة نحو ربع مليون من المسلمين من أصل عربي ومن أصل هندي، وهم من أزكى سكانها وأكثرهم نشاطًا. وعاصمة هذه الجزيرة كولومبو. ومناخ الجزيرة استوائي لكن البحر يلطف حرارتها.

ولقد رحب سكان الجزيرة وبخاصة المسلمين منهم بعرابي وأصحابه ترحيبًا عظيمًا وأولموا لهم الولائم، وظلوا على مودتهم وولائهم له طول مدة إقامته. وقد جعلت الحكومة المصرية لعرابي معاشًا مقداره خمسون جنيهًا كل شهر.

وكان عرابي وأصحابه يقضون أوقاتهم في القراءة والكتابة وتعلم اللغة الإنجليزية، وقد زاره في الجزيرة صديقه المستر بلنت سنة ١٨٨٣.

وفي سنة ١٨٨٤ وردت إلى عرابي بكولومبو رسالة خطيرة من المستر بلنت، ذكر فيها بلنت أن الحكومة الإنجليزية تفكر في تعيين عرابي سفيرًا مؤقتًا إلى المهدي لرفع الحصار عن غوردون. وأن النية متجهة إلى إعادة إسماعيل إلى مصر على أن يكون عرابي رئيسًا لوزارته باعتباره زعيم مصر المختار، وطلب بلنت رأي عرابي فأبرق إليه عرابي أنه يرفض ذلك وأنه يؤثر المنفى على مثل هذه العودة؛ لأنه لا يستطيع أن يعمل مع إسماعيل. وقد أدى مقتل غوردون إلى الانصراف عن هذا.

وأصبح لعرابي مكانة عظيمة بين سكان الجزيرة والجزر المجاورة. وقد سارع المسلمون إلى استيراد الطرابيش من الخارج، ولبسوها أسوة به وبأصحابه.

غاب عرابي عن مصر هذه الأعوام الطويلة، فعمل الاحتلال على مد جذور وبسط فروعه على الرغم من وعود الإنجليز المتكررة بالجلاء. ولم تكد تمضي خمسة أشهر على دخول الإنجليز مصر حتى تمت لهم السيطرة على الجيش والشرطة، فقد حل توفيق الجيش بجرة قلم كما ذكرنا، وأحل محله جيشًا جديدًا تحت رياسة سردار إنجليزي. وأما الشرطة فقد عين لهم رئيس عام من البريطانيين كان له الإشراف التام عليهم.

figure
عرابي في سرنديب بين اثنين من أنجاله.

وسيطر الإنجليز على الشئون المالية، وذلك بأن ألغوا الرقابة الثنائية، وعينوا مستشارًا عامًّا ماليًّا إنجليزيًّا في أوائل سنة ١٨٨٣ لا يبرم أمر يتصل بالمال إلا بإذنه.

وملك الإنجليز ناصية الحكم والإدارة، فكان لكبار موظفيهم وصغارهم في الدواوين الكلمة العليا والجاه والهيبة. تكفي كلمة من أحدهم لنقض أي أمر لأي وزير؛ تجد الدليل على ذلك في هذا البلاغ الذي أصدرته الحكومة البريطانية إلى معتمدها في مصر؛ ليبلغه شريف باشا بمناسبة إصراره على الاحتفاظ بالسودان «ما دام الاحتلال المؤقت قائمًا، فيلزم أن تكونوا على يقين من أن النصائح التي تزجونها لسمو الخديو وحكومته يؤخذ بها وتنفذ؛ ويجب أن يعلم النظار والمديرون صراحة، أنه ما دامت إنجلترة مضطلعة بالمسئولية في مصر فإن حكومة جلالة الملك لا بد أن تطمئن إلى تنفيذ سياستها المرسومة، وإلا وجب على النظار والمديرين أن يتركوا كراسيهم».

وأما الدستور فقد ألغاه الاحتلال وأحل محله في مايو سنة ١٨٨٣ ما عرف بالقانون النظامي، وبمقتضاه أنشئ مجلس شورى القوانين، وأنشئت الجمعية العمومية وهما هيئتان لا سلطة لهما ولا شبه سلطة، أريد بهما مخادعة الأمة بأن لها مجلسين بدلًا من مجلس واحد. وشتان بين هذين المجلسين وبين ذلك المجلس النيابي الذي كانت الوزارة مسؤولة أمامه، والذي وضعت وزارة البارودي أو وزارة الثورة دستوره، فجعلت الأمة مصدر السلطات كما هو الحال في الدساتير الحديثة.

هكذا قضى الاحتلال على كل شيء، وجعل همه بث هيبة إنجلترة في نفوس المصريين والقضاء في عنف على أية محاولة لبعث الروح الوطنية. وألقيت مقاليد الأمور إلى كرومر أحد بناة الإمبراطورية البريطانية وأحد أساطين الاستعمار.

وراح الإنجليز يبثون في عقول الناس أن عرابيًّا هو سبب النكبة؛ ومما يؤسف له حقًّا أن كثيرًا من المصريين كانوا إلى زمن قريب يرددون هذا الكلام السخيف مخدوعين بما أوحى به كتاب الاحتلال.

ولقد شاع في تلك السنين التي أعقبت الاحتلال، الانحلال القومي في الأمة، وماتت روح المقاومة، وخيل للناس أن الاحتلال قوة لا تقاوم وأن الإنجليز لن يغلبهم غالب.

عرابي يعود إلى وطنه

حدث في الثاني عشر من شهر مايو سنة ١٩٠١ أن زار الجزيرة ولي عهد إنجلترة (الملك جورج الخامس فيما بعد)، ولقي عرابيًّا وترفَّقَ به وأظهر له البشاشة وسأله عن صحته وعن حاله، فكانت هذه الزيارة سببًا في عودة عرابي إلى مصر. فإن الأمير قد سعى سعيه حتى وافقت الحكومة الإنجليزية على أن يصدر الخديو عفوًا عن عرابي وأصحابه.

وقد سافر عرابي من كولمبو إلى مصر في سبتمبر سنة ١٩٠١، وودعه أهل سرنديب وداعًا عظيمًا. وبلغ عرابي مصر في أواخر ذلك الشهر فلم يجد الزعيم العائد أحدًا من الجيل الناشئ يذكره ويذكر ثورته إلا بالسوء من القول، ولولا بقية ممن شهدوا الثورة وعرفوا حقيقة أمرها، احتفوا بعودته، ما لقيه في مصر أحد. ولم يكن عرابي ليستطيع بعد أن بسط الاحتلال سلطانه على الصورة التي ذكرناها أن يعيد حياته سيرتها الأولى من الجهاد؛ لذلك قضى أيامه بمصر في هدوء تحت مراقبة الاحتلال، وكان يتألم عرابي أشد الألم مما آلت إليه مصر من حكم الأجنبي إياها، وقضائه على دستورها كما كانت تملأ الحسرة نفسه كلما علم أن الجيل الناشئ لم يكن يعلم حقيقة حركته التي شوهها الاحتلال والتي لم تجد من يدافع عنها.

figure
عرابي بعد عودته من المنفى.

ولم يستطع عرابي أن ينشر في مصر شيئًا عن ثورته؛ لأن الاحتلال كان يمنع ذلك كما يمنعه الخديو عباس الذي كان ينقم على عرابي أشد النقمة لموقفه من أبيه.

وعكف عرابي على كتابة مذكراته عن الثورة، فكتبها في ثلاثة دفاتر كبيرة وقد فرغ من كتابتها سنة ١٩١٠. وقد اختتمها بقوله: «فعلى الناشئة المصرية أن تجد وتجتهد وتعمل ليلًا ونهارًا على استرداد مجدها واستقلالها وحريتها المطلوبة منها، ومطالبة الإنجليز بالجلاء حتى ينكشف عنها هذا البلاء». إلى أن قال: «ثم أناشدهم أن يقووا أواصر الإخاء بين أبناء وطنهم، ويخرجوا ما في قلوبهم من غل وضغينة، ويعملوا يدًا واحدة ورجلًا واحدًا لرفع شأن بلادهم … هنالك يخرج الله أعداءكم ويولي عليكم خياركم، والله على كل شيء قدير». وفي العشرين من شهر سبتمبر سنة ١٩١١ اشتدت وطأة المرض على الزعيم الشيخ. وبعد يومين قضى الزعيم نحبه. ولم يشيعه إلى مقره الأخير أو يحضر في مأتمه رجل رسمي واحد مخافة الاحتلال والخديو. ولكن مصر الوفية أبت إلا أن تكرمه ميتًا وإن تباعدت عنه حيًّا، فأحاط بنعشه الألوف من أبنائها وتألفت منهم جنازة شعبية عظيمة سارت في صمت وخشوع حتى قبره بالإمام الشافعي (رحمة الله عليه). وستطوى العصور ويبقى في أذهان بني مصر أن أحمد عرابي كان زعيم القومية المصرية الأول، وكان الفلاح المصري الأول الذي دعا إلى حرية قومه، وحارب في سبيلها وذاق ألم النفي والفاقة من أجل مصر وكرامة مصر.

١  تجد تفصيل الدفاع والمحاكمة في كتاب: أحمد عرابي للمؤلف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠