يا لطيف!١

تعلم أن رمضان يقظان الليل نائم النهار، يَجْمُد الناس وتَفْتُر الحركة في نهاره ويسهرون ليله، ويقضونه في وجوه السمر، ولهذا تُؤَخِّر الحكومة مواعيد افتتاح الدواوين والمصالح والمحاكم والمدارس، ولهذا تُعَطَّل المعاهد الدينية طوال الشهر المبارك، لأنه إذا كان قُدِّر على الناس أن يسهروا عامة ليلهم في رمضان، فليس من المستطاع أن يَنْشَطوا في الصباح الباكر لقضاء مصالحهم ومعالجة أسبابهم، على أنك فوق هذا، تَجِد سائر الأعمال جامدة راكدة في نهار رمضان، بحكم صيام الصائمين، واختلال أمزجتهم، وفتور أعضائهم من جهة، وبحكم قضاء الليل في السهر، وحاجة الناس إلى التزود من النوم في النهار من جهة أخرى، إلا أن إخواننا الباعة وسادتنا الشحَّاذين لم يُسَلِّموا إلى الآن بقضاء الله، ولا بقضاء الطبيعة، ولا بقضاء العادة، ولا بقضاء الحكومة، ولا بقضاء أمزجة الناس، وإنك لتقضي ليلك كله في السهر إلى الساعة الثالثة بعد نصف الليل أو الرابعة أو الخامسة، ويكون من حق الطبيعة، ومن حق بدنك عليك، ومن حق العمل الذي تعالجه أن تنام، على الأقل، إلى الساعة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، وإلا انْهَدَّ جِسْمُك، واخْتَلَّتْ أعصابك، وفسد عليك شأنك كله

فتَصَوَّر يا سيدي أنك نِمْتَ خلال تلك الساعات، فلم يَرُعْكَ إلا النداء القوي المزعج يَبْعَثُك من أحلى رقداتك في الساعة السادسة: «ونبيض النحاس، ونبيض النحاس»؛ أو: «البدارى السمان»؛ أو غير ذلك مما يحمله أولئك الباعة المترفقون بأبدانهم المضطربون بسلعهم، وإني لأسمع صرخة الرجل منهم فأجزم بأنه لا يعرض سلعته على أهل الأرض، ولكنه إنما يعرضها على سكان الملأ الأعلى، حتى إنك لتكون في ضجعتك الهانئة بعد قضاء ليلك الأطول، فإذا بك قد هَبَبْتَ من نَوْمِك وأنت تَظُنُّ أن الحرب قد نشبت، أو أن النار قد أَكَلَتْ أثاث بيتك، أو أن سقوف الدار قد خَرَّت على عيالك، فإذا الخطب كله أن بائعًا ينادي «البدارى السمان» أو أن شحاذًا يصيح: «من فطر صايم له أجر دايم هنيالك يا فاعل الخير»، والناس إنما يشترون صغار الفراريج ليطهوها لإفطارهم إذا نزلت الشمس للمغيب، ولا أدري لماذا يسشترونها في فجر يومهم، اللهم إلا أن يكون قد دَخَلَ في وَهْم أولئك الباعة أنها ستَكْبُر عند «الزباين» وتَسْمُن، حتى إذا دَخَلَ وقت الغروب استحالت «عتاقي» وأمْسَت «بيجاوي».

•••

أما أمر الشحاذين فأعجب وأغرب «من فطر صايم له أجر دايم إلخ» وذلك من منتصف الساعة السادسة صباحًا، أي أن على الأمة أن تَسْهَر، بحكم طبيعة رمضان، إلى الساعة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة صباحًا، ولكن عليها في الوقت نفسه أن تَهُبَّ من منتصف الساعة السادسة، وتُشَمِّر عن سواعدها وتنشط في «تقشير البصل»، وإنضاج «التقلية»، وخرط «الملوخية»، و«تقميع البامية»، و«تحمير البطاطس»، و«فلفلة الأرز» و«دق الكفتة» و«تسوية الكنافة»، و«قلي السمك البربون»، و«نقع الخشاف» للسادة الشحاذين!

نعم يجب على الأمة كلها أن تَنْثُر أيديها من كل عمل إلا ما يجب عليها من معالجة الطعام وتهيئته لسادتها الشحاذين، حتى إذا حان وَقْت الإفطار قُرِّبَتْ إليهم كل ما ساغ من لحوم طرية، وأطعمة شهية، وفواكه جنية!

وبعْدُ فإن على الحكومة أن تختار بين أمرين: إما مَنْع الشحاذين وحَسْم الباعة من أن يصيحوا ويهتفوا في رمضان قبل الساعة التاسعة على الأقل، حتى تَسْتَطِيع الأُمَّة أن تُرِيح بدنها وتستجم لأعمالها، وإما أن تَأْمُر بإلغاء شهر رمضان بتاتًا، لِتُوَفِّر الأمة جهودها على الباعة والشحاذين، بحيث «تنخمد» من الساعة التاسعة مساء ليتهيأ لها أن تَهُبَّ من الفجر «لتشتري البدارى السمان»، أو «لتبيض النحاس»، ولتهيئ أشهى الطعام وأجنى الفاكهة لسادتها «الشحاذين» وعلى الحكومة السلام، وعلى الأمة هجْر المنام وترك الصيام!

١  نُشِرَتْ في جريدة «السياسة» تحت عنوان «ليالي رمضان».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤