الفصل الرابع

خطوة فرنسية على الطريق

(٢٠) ظلَّت الشيزوفرينيا الصريحة باقية وماثلة في فلسفة القرن العشرين، خصوصًا مع جوزيا رويس J. Royce (١٨٥٥–١٩١٦) في أمريكا، وبيرجسون في أوروبا، إلا أن هذا استمرار لأصل قد كان، ووصل إلى ذروته بنهاية القرن الثامن عشر، كما أوضحنا في الفصل السابق.
وعلينا الآن أن نركز الأنظار على هذا الأصل، لنجد أن عملية الفصم في زعمها بأن العقل أو الروح أو الإرادة، خارج دائرة الحتمية العقلية، قد لقت سندًا قويًّا يتمثَّل في أن أعماق النفس ودخيلة الإنسان مجال لم يغزه العلم بعد، وستظل ذروة هذا الفصم وأنضج صورة في النومينا والفينومينا عند كانط، وحتى عصر كانط — أي حتى بداية القرن التاسع عشر — لم يفكر أحدٌ تفكيرًا جديًّا في فكرة العلوم الإنسانية والأخلاقية، أي في إمكان أن تخضع هذه الظواهر للدراسة العلمية.١

ولكن، إذا دلفنا إلى قلب هذا القرن — التاسع عشر — فسنجد الاجتياح الحتمي وقد عم وشمل، وأصبحت بحوث علم النفس والاجتماع علومًا تسعى نحو المثال الحتمي المنشود، ففقدت القسمة الشيزوفرينية بريق سندها في أعين العقلانيين الباحثين عن الحُرية في هذا العالم، والذي لم يعد ثمة عالم سواه؛ بعبارة أخرى، لم يعد ثمة مجال تُنفى إليه الحُرية أنطولوجيًّا، فلم يبق إلا الوجه الآخر للعملة: الإبستمولوجيا.

ولما كانت فرنسا هي التي شهدت أقوى صورة للحتمية في العلوم الإنسانية مع وضعية أوجست كونت، وهي في الآن نفسه الأمة الحريصة على جعل الحُرية خاصة من خصائص شخصيتها، فقد ظهر في هذا البلد المستنير، وكرد فعل لسيطرة الوضعية على الفلسفة الفرنسية ومحاولة تحقيق شيء من التوازن معها، ظهرت طائفة من فلاسفة الحُرية، يقرُّون تمامًا بفاعلية وجدوى ومشروعية العلم الوضعي، شريطة التخلي عن حتميته الصارمة التي سحقت الحُرية الإنسانية، إنهم باحثون عن الحُرية الأصيلة غير المفارقة ولا المتعالية، فكرسوا جهودهم من أجل هذا لا في النيل من العلم ذاته — وإلا لما كان لنا لقاء معهم — وإنما في النيل من حتميته.

إنهم تيار يكافح ضد سيطرة الحتمية العلمية، يمكن تسميته بحركة نقد العلم، فهي حركة أو محاولة لتعيين حدود العلم؛ بعبارة أدق، لتعيين حدوده الإبستمولوجية، وتقليم أظافره الأنطولوجية؛ بغية ردع حتميته التي طغت. وبقليل من التعسف، يمكن التمييز بين فرعين التقيا في هذا التيار.

الفرع الأول: وضعية ميتافيزيقية أو روحية: متأثرة بالوضعية، وبمين دي بيران Main De Biran (١٧٦٦–١٨٢٤) بإقراره أن الواقع الحق ليس الجوهر النفسي الديكارتي، بل هو الحياة الروحية الباطنية، أي الحياة النفسية والنشاط الروحي المستور، وأن العلامة المميزة للحياة الإنسانية هي معرفة الذات للذات، أي الشعور، والواقعة الأولية للشعور هي الأنا بوصفه العلة والقوة والإرادة والفعل.٢
وفي الشعور بالجهد أو المجهود توجد بالتضمن معانٍ أولية هي شروط الفكر وأصول العلم، هذه المعاني هي الوجود والجوهر والوحدة والذاتية والقوة والعلة، وأهمها «معنى الحُرية متجليًا في معارضة الإرادة للنزوع».٣
أما الفرع الثاني الوضعية النقدية: فهو الأقوى والأهم، متأثر بالوضعية وبالكانطية على السواء، وعلى الرغم من أن عماد الحُرية عندهم هو الرفض البات للتصور النومينالي الكانطي المفارق؛ لأنهم رأوا «أن ذلك المطلق المطرود من الوجود لا ينتج غير مشاحنات كلامية»،٤ وعلى الرغم أيضًا — وبالتالي — من رفضهم البات لما رآه كانط من حتمية عِلِّية شاملة لكل الظواهر، فإنهم كانطيون، يفخرون بانتسابهم لكانط، وبأن يُنعتوا بأصحاب النقدية المثالية المحدثة، هم نقديون مثاليون إبستمولوجيون مثل كانط، ولكن حداثتهم تجعلهم يرفضون حتميته الشاملة للظواهر، ونفيه للحرية من هذا العالم: عالم الظواهر.
مع هذا التيار بفرعيه، اتخذ نقد العلم أو محاولة تعيين حدوده، صورة حملة شعواء على الحتمية العلمية، وكانت مع الفرع النقدي أقوى؛ لأنها متسلحة بالمنهاج الكانطي، فراحوا يؤكِّدون الدور الإيجابي للعقل بالنسبة للحواس، وحجتهم في هذا أنه لا علم بغير فرض، وهذا معناه أنه ليس ثمة علم إذا لم نقر بشيء لا يُقاس ولا يُحسب ولا يُوزن … وأن فكرة الاحتمالية تلعب دورًا كبيرًا في العلم، ولا ينبغي رد الأعلى (الحياة) إلى الأدنى (المادة) كما تفعل الميكانيكية، والقوانين الطبيعية ليست نسخًا من الواقع، وليست سلاسل تفرض علينا من خارج، إنها تؤلف لغة ذات كمال لا شك فيه، بيد أن هذه اللغة تنتسب إلى ميدان المعقول؛ ولهذا لا ينبغي أن نبدأ من الواقعة، بل من الفكرة،٥ ولم تكن فلسفات الحُرية العديدة في هذا التيار بفرعيه إلا تنويعات مختلفة لهذه النغمة: إنهم يثبتون الحُرية بأن يبدءوا منها كفكرة.

•••

(٢١) «الفرع الأول: الوضعية الروحية»: ويعتبر فليكس رافيسون Felix Ravisson (١٨١٣–١٩٠٠) رائدًا لهذا التيار من حيث كونه فلسفة للحرية على أساس الشعور أو الفكرة، وخصوصًا في هذا الفرع البيراني أو الروحي، واستنادًا إلى مين دي بيران، يبرز رافيسون التأثير الكبير الذي للعادة، العادة٦ بمعنى الاستعداد والفضيلة، ويقرر أنه في الشعور بالمجهود تتجلى الشخصية لنفسها على شكل نشاط إرادي، فالمجهود ليس فقط الشرط الأول، بل هو أيضًا النموذج الكامل والموجز للشعور.

على هذا نُلاحظ أن «العادة» عند رافيسون ليست البتة العادة بالمفهوم السيكولوجي أو المعنى المتعارف عليه، بل المقصود بها الإشارة إلى استعداد معين يتميَّز وينفرد به كائن حي. إنه الاستعداد للتغير الذي يتولَّد ويتخلَّق في الكائن الحي، عن طريق استمرار وتكرار هذا التغير نفسه، وبالمجهود المبذول في هذا الصدد، المادة الجامدة التي هي ميدان التجانس التام والتشابه المطلق لا تعرف البتة العادة — أي الاستعداد للتغير — على العكس من الحياة التي يقوم جوهرها على هذا، من هنا كانت العادة التي هي مستحيلة على المادة أمرًا خاصًّا بالكائن الحي، مميزًا له. هي إذن ميدان الفردية والتميز، وفيها — في العادة أو في الاستعداد للتغير — تتجلى الإرادة والحُرية. إن ميدان الحياة هو ميدان التغير والدوام، ميدان العادة، ميدان الإرادة والحُرية، رافيسون إذن يجعل العادة (الاستعداد للتغير) تفتح لنا الباب على مصراعيه للخروج من غياهب الحتمية الميكانيكية، إلى رحاب الحُرية والاختيار، والإيمان أيضًا، فقد أكد أن الإرادة تبحث دائمًا عن الرب.

إن القائلين بالحتمية يبدءون بالمادة أي بالطبيعة الفيزيقية الخاضعة للحتمية، ومنها يخرجون إلى الإنسان ويخضعونه للحتمية نفسها، ربما لأنه من الأيسر والأسلس أن نبدأ بالبسيط أي المادة، ونتدرج منه إلى الأكثر تعقيدًا … إلى ظاهرة الحياة ثم الإنسان، ولكن هذا التيار الروحي رفض هذا، رفض البدء من المادة وأكد على العكس تمامًا، على البدء من الروح والوجدان، فيصل إلى الحياة، ومنها أخيرًا إلى المادة.

وطبعًا رافيسون الرائد قد أكد على هذا، بل وتوغَّل فيه حتى عمل على إذابة الفلسفات الوضعية والتجريبية في الفلسفة المثالية الروحية، كي تستوعبَ الروحية الواقع بأسره، حتى الواقع المادي. بل وأكد رافيسون أن المادية سطحية قاصرة، غير قادرة على الاستقلال أو الاستمرار ما لم تُرَد إلى الروحية، وأخرج عام ١٨٦٧ كتابه «تقرير عن الفلسفة الفرنسية»، ليُثبتَ أن كل فلاسفة فرنسا بلا استثناء، حتى أولئك الذين يبدون مسرفين في المادية وفي الإيمان بالحتمية وعلى رأسهم أوجست كونت، يفترضون مبدأ الروح الميتافيزيقي ضمنًا، أو على الأقل يعودون إليه، ثم جعل رافيسون من هذه الفرضية أساسًا لتأريخ الفلسفة بجملتها، وليست فقط الفلسفة الفرنسية.

وعلى هذا النحو يؤكد رافيسون اتصال الروح والمادة، خلافًا لما يذهب إليه ديكارت، وسائر أتباعه الشيزوفرينيين من انفصال بينهما، وواقعيته الروحية ستنسخ الفرضية القائلة إن المادة الآلية الميكانيكية هي الأصل والحياة ظاهرة لاحقة، بل ستجعل الأصل الحياة، والغائية هي التي تستخدم الآلية وتُسخر العلية … فطالما أن الحياة أصلٌ والمادة فرعٌ، والحياة مبدؤها الغائية والمادة مبدؤها الآلية، فستغدو الغائية هي الأصل المنظم للوجود، والآلية عنصرًا من عناصر الغائية، هكذا تستخدم الغائية الآلية.

رافيسون إذن يجري على وتيرة هذا التيار من معارضته للمنهج الميكانيكي الذي يرُدُّ الأعلى إلى الأدنى، وهدفه تمييز الحياة عن المادة البحتة، فأكد أن هذا التمييز يلاحظه جميع الفلاسفة والعلماء حين يتعمقون في دراسة طبيعة الحياة، مما يؤذن بقيام مذهب جديد هو الواقعية الروحية، التي تتصور الوجود على مثال الوجدان، إنها مقولة الحياة، التي أصبحت بفضل رافيسون عنصرًا خصيبًا في كل فلسفات الحُرية، يتجلى هذا خصوصًا عند بيرجسون، أخلص تلاميذه، وبصفة عامة انفصل رافيسون انفصالًا نهائيًّا عن التجريبية، ثم أصبح رائدًا للنزعة اللاعقلانية المنتشرة في الفلسفة المعاصرة من حيث هي فلسفات للحرية.

وكمثل رافيسون، نجد شارل سكريتان Charl Sacretan (١٨١٥–١٨٩٥). إنه لا ينتمي لحركة نقد العلم، ولا لأية وضعية، ولا حتى لفرنسا، فهو من سويسرا الفرنسية، ولكنه يدخل في زمرتهم لأنه كتب بلغة فرنسية ولأنه نابع لمين دي بيران، وبذل جهدًا فائقًا من أجل الحُرية، أكد أن المطلق حرية مطلقة و«أنا أريد ما أريد» والواقع والروح والإرادة والنشاط مترادفات،٧ على أن سكريتان تحمس للحرية لأن الأخلاق لا تستغني عنها، ومن الضروري البحث عن مبدأ أعلى يكون أصلًا وقانونًا لها، فأعرض عن العلم وعالمه، وأقام فلسفته للحرية على اللاهوت المسيحي؛ لينتهي إلى أن الرب هو الحُرية المطلقة يريد الخليقة لذاتها لا لذاته وهذه هي المحبة، ويريدها كغاية، إذن يريدها حرة، والأخلاق لتحقيق الحُرية.٨
وبطبيعة هذه الحركة، يبدأ جول لكي Goul Laquier (١٨١٤–١٨٦٢) من الفكرة، من الحُرية كفكرة، ليؤكد أنها شرط المعرفة، أو أنها الحقيقة الأولى التي نوفَّق إلى اكتسابها حين نبحث: كيف نحدِّد الغاية ونقاطع المألوف والمعتاد، إنه يريد إثبات الحُرية بحرية؛ لأن ذلك هو السبيل الأوحد الذي لا سبيل سواه، فإن بدأت بالضرورة أو مع الضرورة، لن أصل أبدًا إلى الممكن، ولا إلى أية حرية حقيقية بأية صورة من الصور.
على أن جول لاشيليه Goul Lachelier أبرزهم، إنه رائد عظيم لهذا التيار، جمع بين تأثير مين دي بيران وتأثير كانط، وبالطبع، بدأ من الفكرة ومن أن «الامتداد بحكم طبيعته لا يمكن أن يوجد في ذاته، إنه لا يوجد في الشعور لأن الشعور وحده يمكن أن يكون هو ما هو، إنه كل معطى في ذاته قبل أجزائه، وأجزاؤه تقسمه لكنها لا تقومه،٩ وحقيقة الشعور بمنأى عن الشك».
ولاشيليه أكثر أعضاء الفرع البيراني تحملًا لمسئولية المواجهة الصريحة مع الحتمية العلمية، فقد سعى إلى البرهنة على أن العلم من صنع العقل وليس نسخة من الواقع؛ لأنه يتوقف على عناصر قبلية وكل واقعة ممكنة عرضية … وعلى العكس، القانون تعبير عن ضرورة مفترضة، عن طريق الاستنتاج من الوقائع إلى القوانين، إنه استنتاج من الجزئي إلى الكلي ومن الممكن إلى الواجب ومن المحتمل إلى الضروري، فمن المستحيل إذن أن نعد الاستقراء عملية منطقية.١٠ بعبارة أخرى: يهاجم لاشيليه الحتمية عن طريق الإطاحة بأساسها الميثودولوجي الذي يؤدي إلى قانون علمي حتمي، وهذا في الواقع موقع وجيه للإطاحة بالحتمية العلمية.١١
وكان موضوع رسالة لاشيليه للحصول على الدكتوراه: «في أساس الاستقراء» انتهى فيها إلى أن الاستقراء بوضعه مع الحتميين بلا أساس البتة، وهذه مسألة معروفة في فلسفة العلم، ومنذ أيام ديفيد هيوم، ولكي ينقذ لاشيليه الاستقراء، أدخل العلة الغائية على العلة الفاعلة، وأيضًا لكي يجعل الكل ينتج وجود أجزائه، ولكي ينتهي إلى أن التجريبية ليست كافية، وأن الشك أو نفي العلم ثمرة متجددة لها، ومثلها — أي مثل التجريبية — نظريات الجوهر التي هي تلاعب لغوي، ولم يبقَ غير حل واحد: في الفكر وعلاقته بالظواهر نبحث عن أسس الاستقراء وعن وجود العلل الفاعلة والعلل الغائبة، الأولى حتمية وفي الثانية حرية إنسانية؛ لينتهي إلى أن ما نسميه حريتنا هو الشعور بالضرورة، وهي التي تحدد الغاية التي يتصور عقلنا في سلسلة أفعالنا، وجود الوسائل التي يجب بدورها أن تحدد وجودها.١٢

هكذا لست أرى لاشيليه انتهى إلى حرية حقيقية، بل إلى موقف في ظاهرة الحتمية الرخوة، والتي اتفقنا على أنها في جوهرها الحتمية الصارمة.

وإلى مثل هذا انتهى أيضًا ألفريد فوييه Alfred Fouillee (١٨٣٨–١٩١٢) على أن ناموس التيار: «البدء من الفكرة» قد أصبح معه أقوى وأعنف من كل ما سبق، حتى إنه جعل من «الفكرة-قوة» وهذا هو اسم نظريته Idea-Force التي حاول بها تشييد التركيب النهائي المنظم للعلم المعاصر له، وفي الآن نفسه إنقاذ الحُرية عن طريق دعوته إلى فلسفة للشعور، وليس فلسفة للاشعور، رفض فوييه اعتبار الظاهرة الوجدانية عرضًا طارئًا على التغير العصبي، كما يقول الماديون، فإنها لو كانت كذلك، لكانت عديمة النفع للحياة وأن قليلًا من التأمُّل يرينا أن الفكرة (أي الظاهرة الوجدانية) هي قوة تبعث فكرات أخرى، وتدفع إلى العمل، أجل إن كل فكرة هي قوة وميل للحركة يتحقق من تلقاء ذاته، إذا لم تعارضها فكرة أخرى، فلا ينبغي التمييز بين عقل وإرادة، أو بين فكرة معلومة فحسب وفعل يحققها.١٣
ولتطبيق «الفكرة/القوة» على الحياة النفسية يصل فوييه إلى علم نفس تركيبي، وبتطبيقها على الاجتماع يصل إلى أن «الأفكار» أشكال للشعور الاجتماعي حاضرة في الشعور الفردي، وبتطبيقها على الوجود بأسره وصل إلى تطورية دارونية، على أن عوامل التطور نفسية لا آلية، ولما كانت الأفكار قوى فما علينا إلا أن نجعل الحُرية فكرة لتصبح قوة، أي أن نؤمن بها فتصير أمرًا واقعًا، وبهذا تصبح الحُرية «وليدة اعتقادنا بالحُرية وحبنا لها»١٤ على اعتبار أنها تنحصر في شعورنا في فعل هذه الفكرة (فكرة الحُرية) في نفوسنا، وما يستتبع ذلك من عمل على تحقيق تلك الفكرة تدريجيًّا في الحياة الشخصية، والحُرية بهذا مثل أعلى ينبغي العمل على بلوغه في تقدم مطرد.١٥
تصور فوييه أنه بهذا أنقذ الحُرية والأخلاق والحياة الروحية، غير أنه في الحقيقة لم يفعل شيئًا وانتهى مثل رائده لاشيليه إلى نفس الموقف: الحتمية الصارمة؛ حتى يمكن الحكم بأن نظريته أضعف نظرية في هذا التيار بفرعيه، برغم أنه أكثرهم إنتاجًا، ولكنه أيضًا أقلهم دقة، فهو أولًا واحدي روحي، والواحدية أفضت وكان لا بد وأن تفضي به إلى الحتمية، وهو ثانيًا: اصطفائي توفيقي «على الرغم من نزعته الروحية الصريحة، يؤمن بإمكان قيام توفيق متعدد الجوانب بين المثالية والوضعية، بين العيانية والنزعة العقلية، الفلسفة والعلم، وبين الحتمية والحُرية»، فأقر بحاجتنا المطلقة إلى حتمية في المعرفة وإلى نوع من اللاحتمية في العمل، ولم تكن نظريته إلا محاولة للتوفيق بين الحتمية والحُرية كما ينصُّ عنوان كتابه «الحُرية والحتمية» سنة ١٨٧٢، وذلك هو المحال، والذي انتهى به إلى حرية هي عينها اللاحرية، أو كما قال هو نفسه حرية عِلِّية معقولة للذات تتجلَّى وتعبر عن نفسها في حتمية معلولاتها وآثارها، أعني في آلاتها وأعضائها (وسائلها) وتتجلَّى أولًا كفكرة ثم كرغبة ثم كمحبة، على هذا الشكل الأخير تكون حقًّا الروح الحية لهذا الجسم الباطن، وفي المحبة تكون الضرورة مشمولة بالحُرية،١٦ والحُرية مشمولة بالضرورة، ولا حرية حقيقية؛ ولهذا كان جول لكي أفضل منه، بل وأفضل من لاشيليه حين أدرك أن الحُرية لا تثبت إلا بحُرية، وقصارى ما نستطيع استخلاصه من فوييه هو أنه رأى ببساطة غريبة ومرفوضة — طالما لم يأتِ بمبررات — أن الإبستمولوجيا للحتمية والأنطولوجيا للحرية.

إنه إذن يكاد يكون من زاوية ما مجرد تعميق للشيزوفرينيا، يضع الإبستمولوجيا والأنطولوجيا في موقف التعارض الصريح!

على أن إميل بوترو Eimlle Boutroux (١٨٤٥–١٩٢١) لم يقل ذلك ببساطة، فجهوده للإطاحة بالحتمية الإبستمولوجية رصينة وعميقة، وكانت رسالته للدكتوراه عام ١٨٧٤ في «إمكان قوانين الطبيعة» ترمي إلى إثبات ما أكده بعد هذا أكثر وأكثر في بحثه «القانون الطبيعي في الفلسفة المعاصرة» سنة ١٨٩٥، أي إثبات أن الضرورة العقلية لا تتحقَّق في الأشياء كما يزعم الحتميون الآليون؛ وذلك لأن قوانين العلم كما يرى بوترو مجرد مناهج للملاءمة بين الأشياء وبين عقولنا، إنها تعبر عن طريقنا في النظر إلى الأشياء، بعبارة أخرى هي كيانات إبستمولوجية فحسب ولا شأن لها بالواقع الأنطولوجي، وهذا اتجاه هام أو فرع أساسي في فلسفة العلم هو الاتجاه الأداتي، كانت فرنسا — بشكل عام — موطنًا ومرتعًا له وقد تعاظم شأنه في القرن العشرين.١٧
وبالتالي فإن القوانين الطبيعية ليست مستكفية بذاتها بل ذات علل أرفع منها، والواقع أن هناك من القوانين بقدر ما هناك من درجات الوجود، وفي هذه الدرجات المترتبة من الأقل كمالًا إلى الأكمل والأكمل كل درجة ممكنة بالإضافة إلى الدرجات السفلى، هذا في حين أن الآلية الميكانيكية تقوم على وحدة مادة الوجود وعلى الدرجات، درجات تركيب هذه المادة وقواها لا أكثر، والحقيقة أنه لا معادلة بين الجسم وعناصره وبخاصةً إذا أخذنا في اعتبارنا الجسم الحي من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان.١٨

وعنى بوترو عناية شديدة بتبيان تميز الكائن الحي عن المادة؛ لأن ذلك الخلط بين درجات الوجود يؤدي إلى التصور الحتمي الذي هو خاطئ وإلى الرد الميكانيكي: رد الحياة إلى المادة.

الواقعية الروحية التي أينعت مع هذا الفرع من التيار جعلت بوترو يؤمن بأن سلم الموجودات يرينا أن الحُرية تنمو شيئًا فشيئًا على حساب الآلية، حتى إذا ما تركنا الوجهة الخارجية التي تبدو فيها الأشياء، وكأنها موجودات جامدة محددة، ولكي نلج إلى أعمق أعماق أنفسنا وندرك ذاتنا في منبعها — إن أمكن هذا — وجدنا الحُرية قوة لا متناهية، ونحن نشعر بهذه القوة كلما عملنا حقًّا، أي كلما نزعنا إلى الخير والحياة الخلقية.١٩

وسار بوترو بعد ذلك في مقولة الإمكان إلى أقصى حد، إلى حد أن بحثها في ذات الرب وذلك في رسالة له بعنوان «الحقائق الأزلية عند ديكارت».

والرأي عندي أن بوترو يتربَّع على عرش الفرع الوضعي الروحي؛ ذلك لأنه دونهم جميعًا فيلسوف عظيم من فلاسفة إمكانية العلم، وبالتالي لا حتميته، وبالتالي حرية الإنسان، فضلًا عن أنه فيلسوف علم من فلاسفة الأداتية التي تصرُّ على أن تنزع عن العلم أية دلالة أنطولوجية أصلًا، وهو تيار لا نأخذ نحن به في هذه المعالجة أصلًا، ونتمسَّك بالرأي المقابل أي الواقعية التي تؤكد أن العلم له دلالة إبستمولوجية وأنطولوجية معًا، ولكن مهما يكن الأمر فإن موقف إميل بوترو في حد ذاته موقف متسق.

•••

(٢٢) «الفرع الثاني: الوضعية النقدية أو الكانطية»: أهم كثيرًا، فهو أقوى باعًا وأطول ذراعًا في النيل من الحتمية العلمية، وبما لا يقارن، حتى إنه تمكَّن تمامًا من الإطاحة بإبستمولوجية الحتمية، جملة فلاسفته علماء ورياضيون، أمدتهم الرياضيات بمنهاج حاسم لإثبات أن كل الأنساق الإبستمولوجية لاحتمية، وبالتالي لن يصعب عليهم إثبات الحُرية الأنطولوجية، يأتي في مقدمتهم الرياضي أنطوان أوجست كورنو A. A. Cournot (١٨٠١–١٨٧٧) الذي يمكن اعتباره أكثرهم وضعية، وهو رائد عظيم لحركة نقد العلم أكد أن الفلسفة لا يمكنها الاستغناء عن العلم الوضعي والعكس صحيح «فالفلسفة بدون علم جوفاء، والعلم بدون فلسفة أعمى».٢٠
وكان كورنو أحدَ الآباء الكبار لعلم حساب الاحتمال، وأول من صاغ نظرية موضوعية للمصادفة في الفكر الحديث ولحساب احتمالها بالمعنى الموضوعي السليم، أي أنها نظرية تحسب احتمالية الحدوث الفعلي لبدائل عدة لواقعة من وقائع الطبيعة، فلا تعتمد الاحتمالية على الذات العارفة ولا تطورات علمها وانحسار جهلها،٢١ ولكنه مع هذا شأنه شأن كل أقطاب تيار حركة نقد العلم، لم يتطاول على أنطولوجية الحتمية بل أكد أنها ضرورية لقيام العلم، وأنها أساس كل علم،٢٢ فكانت موضوعية الاحتمال عنده تقوم على مصادرة مؤداها أن الحوادث التي تنشأ عن ترابط أو التقاء ظواهر تنتمي إلى سلاسل مستقلة في نظام العملية، هي تلك الحوادث التي نسميها بالحوادث العشوائية، أو التي هي نتيجة للمصادفة،٢٣ وبهذا تحدث المصادفة في قلب الحتمية والعِلية الطبيعية … ففي داخل الضرورة العقلية الرياضية يتحقَّق نوع من الالتقاء بين سلاسل مستقلة من الظواهر، ويتم بهذا الالتقاء واقعة نسميها بالمصادفة،٢٤ ويمكن اعتبارها مصادفة مستقلة عن الذات العارفة، ومعتمدة على وقائع الكون الموضوعية.
وهو أيضًا شأن كل أقطاب التيار النقدي، حقق لاحتمية إبستمولوجية على الوجه الأتم، فقد أقنعه حساب الاحتمال بالطبيعة النسبية للمعرفة، واستحالة إدراك المطلق وكان شد ما أخذه كورنو على كانط هو أنه بحث عن اليقين، واليقين وهم «لأنه الاحتمال جزء لا يتجزأ من كل العلوم، وحتى الفلسفة ينبغي عليها الاكتفاء بالاحتمالات العالية»،٢٥ وليست اللاحتمية البادية هي التي ينبغي تفسيرها تفسيرًا ذاتيًّا، أي بوصفها حتمية مجهولة، بل العكس هو الصواب، الحتمية البادية هي التي ينبغي تأويلها ذاتيًّا، العلم بصميم طبيعته لا يمكن أن يصل إلى اليقين المطلق أبدًا فكيف يزعم بشمولية الحتمية وكيف ينفي الحُرية، الحُرية هي الأصل وإمكانية أو احتمالية أو لاحتمية العلم هي النتيجة.
أما العالم الرياضي شارل رينوفيه Charl Renouvier (١٨١٥–١٩٠٣) فهو من أهم فلاسفة الحُرية بصفة عامة، أقام فلسفته على أسس ثلاثة: التناهي – النسبية – الحُرية.

بدأ بدراسة رياضيات اللامتناهي، لينتهي إلى أنه ممتنع، فسلسلة الأعداد الطبيعية ١، ٢، ٣، … لا تفضي إلى أي عدد لا متناهٍ في النهاية، وبالتالي التناهي هو الحقيقة، العالم ككل له حدوده المتناهية، ولكن هذه الحدود تستعصي على المعرفة، وهنا تتمثل النسبية التي تتنافى مع الإطلاقية ومع الشيء في ذاته ومع الجوهر الواحد، وبالتالي تتنافى مع الواحدية التي هي صورة الحتمية، من هنا جعل التناهي من رينوفيه فيلسوف التعددية المفرطة وبالتالي اللاحتمية.

أما عن الحُرية فيقول رينوفيه: «الضرورة والحُرية كلتاهما لا تقبل البرهان، ولكن تُعتَمد احتمالات كبيرة من الناحية التحليلية البعدية للظواهر لصالح الحُرية، وهي في جوهرها تنتسب إلى الغريزة الإنسانية والعقل العملي، والحُرية شرط لأخلاقية الأفعال وهي وحدها التي تفسِّر وجود الخطأ في العالم، وتقرِّر الإمكان الأخلاقي لبلوغ الحق، بالتطبيق المثاب لشعور مستيقظ دائمًا، والحُرية أخيرًا — إذا كنت أؤكدها — فلأنها حياة شخصي وحياة العلم الذي أسعى لتحصيله.»٢٦ هكذا رفض رينوفيه الحتمية رفضًا قاطعًا، ولم تُلهه اهتماماته الميتافيزيقية الرياضية والعلمية حتى عن الحتمية التاريخية، بل بذل جهدًا كبيرًا لدحضها، ووضع نظرية تحليليلة للتاريخ، تصل إلى الدور الهائل الذي تلعبه الحُرية في حياة الإنسانية، وحمايةً للحرية يعمِّم رينوفيه الإمكان واللاحتمية إلى أقصى درجة ويذهب إلى حد القول «إن الحُرية تقوم في النظام الخارجي للأشياء وإنها لا تتحدد كلها بسوابقها ومقدماتها.»٢٧
ورينوفيه كسائر أقطاب هذه الحركة، ليس خصمًا مطلقًا للوضعية، بل أقر معها بأن الغرض الأول من بحث الظواهر هو معرفة قانون الأشياء ووظائفها وأن النظام الموضوعي ترتيب لظواهر وترتيب لقوانين، وموضوع العلوم — منظورًا إليها في مجموعها — هو التشييد التدريجي لهذه التركيبات، ولكنها كما ذكرنا حركة نقد الحتمية وتعيين حدود العلم؛ وعلى ذلك فقد نقد رينوفيه النزعة العلمية المتطرفة Scientism،٢٨ بل اتخذ منها موقف العداء الصريح؛ لأن العلم لا يكفي بمفرده، طالما أنه «لا يفحص المبادئ والمعاني الأساسية ويقتصر على استخدامها، لتسجيل العلاقات بين الظواهر»٢٩ وحين نفحصها سنجد الحُرية، وفي تعيين حدود العلم سعى رينوفييه إلى بيان أن العلم الدقيق محدود، وأنه لا يشمل أبدًا، أو أنه يكاد يبلغ كحد أقصى، وجود الوقائع الأولى وأن موضوعه الكلي يتحدد تحت كل المقولات، ولكنه غير معين بالنسبة إلينا، وأنه ينبغي علينا أخيرًا أن نتخلى عن ذلك الادعاء بالامتلاك الكامل للظواهر والقوانين الجزئية الناجم عن تعيين العام أو النظام الكلي،٣٠ الحتمي بالطبع، ولا ينبغي أن نقول العلم بل العلوم، ويتضح خلوص إبستمولوجيته في قوله الشهير: «ليس هناك يقين بل مُوقنون»؛٣١ لأن اليقين مجرد حالة عقلية وفعل من أفعال الإنسان، يرفض رينوفيه الحسية التجريبية على أساس أن الظاهرة تقوم على الامتثال الذي لدينا فحسب، ولا تمتثل إلا بالقدر الذي يكون به لدينا شعور عنها، بعبارة أخرى الواقعة الأولية للشعور هي القوة الخلَّاقة حقًّا،٣٢ هي الحُرية.
والحُرية عند رينوفييه، مرادفة لمقولة الشخصية؛ ذلك أنه قد وضع نسقًا للمقولات شبيهًا بنسق كانط، وإن كان يرفض اعتبار النقائض غير قابلة للحل، ومن أجل الحُرية أدخل الغائية مع العلية — مثله مثل لاشيليه — في قائمة مقولاته، كما أدخل الشخصية. ويختم تعريفه للحرية بتأكيد أنها الجوهر الأصفى للشخصية الإنسانية، أو هي بمثابة مبدأ الفردانية في الشخصية،٣٣ ويقدم في كتابه «بحث في علم النفس العقلي» الأساس السيكولوجي للحرية الإنسانية، وبالاستناد إلى رافيسون يؤكد رينوفييه أن تطور الإرادة هو الانتقال من التلقائية البسيطة إلى التلقائية الحُرة التي تؤذن ببزوغ الشعور الإنساني في حضن الطبيعة.٣٤
نظرية رينوفييه من النظريات الشامخة في تاريخ فلسفة الحُرية، وقد بعث إليه وليام جيمس أعظم تلامذته يقول: «إليك يرجع الفضل في أنه أصبح لدي ولأول مرة مفهوم واضح معقول للحرية، إنني أكاد أتقبل هذا المفهوم كليةً»،٣٥ وعلى الرغم من هذا، ومن جهوده الرياضية والعلمية من أجل الحُرية فإنها معه لم تحرز أي توفيق حقيقي بينها وبين العلم، وظلَّت أولًا وأخيرًا نظرية ميتافيزيقية، بل ومدرسية على حد تعبير جيمس نفسه، وإليه أهدى كتابه: «بعض مشكلات الفلسفة» حيث يقول: «أظن أن رينوفييه وقع في أخطاء، والرأي عندي أن طريقته إسكولاستيكية [أي مدرسية] إلى أقصى حد.»٣٦ وكان رينوفييه يفضل دائمًا كتاب «علم الأخلاق» من بين مؤلفاته جميعًا؛ لأنه يرى نفسه أساسًا فيلسوفًا أخلاقيًّا، وبهذا يتضح أن لاحتميته لم تكن نزيهة بل مغرضة، إنها من أجل إزاحة معضل الأخلاق في العالم الحتمي.
على أن التالِين لرينوفييه من هذا الفرع الوضعي النقدي، كانوا أكثر إخلاصًا لقضية الحتمية واللاحتمية العلمية، بل وبصرف النظر عن ارتباطها بالحُرية، فثمة جبرييل تارد (١٨٤٣–١٩٠٤)، الذي رفض متأثرًا بكورنو تلك الحتمية التاريخية والاجتماعية والنفسية، بل وفي محاولته لجعل هذه العلوم عملية أكثر، دعا إلى تفسير ظواهرها بالتدخُّل العَرَضي لأفكار صغيرة، وثمة أيضًا الشاعر بوكس بورل (روني الأكبر) الذي أخرج كتابه «الكثرية» أو «التعددية» ليفند الواحدية والحتمية وفكرة الضرورة المطلقة في القوانين، وليُسهم إسهامًا مفيدًا في تعيين حدود العلم وتأكيد المصادفة والاحتمال واللاحتمية، وسيبقى الرياضي جول تانري (١٨٤٨–١٩١٠) صاحب أفضل الأبحاث عن مشكلة حدود المعرفة العلمية، وقد أكد أنها ستظل دائمًا نسبية، واستحق تانري بجدارةٍ لقب الخصم اللدود للحتمية العلمية والميكانيكية، ومثله الرياضي إميل بورل، الذي أخرج عام ١٩١٤ كتابه «المصادفة» يثبت فيه أن التفسير الميكانيكي غير كامل ولا بد من إكماله بتفسيرات إحصائية، ويأتي الرياضي جاستون مليو (١٨٥٨–١٩١٨) لينزع — بتأثير بوترو — الحتمية عن قوانين الطبيعة، وخصوصًا الحتمية السيكولوجية؛ لأنه يستحيل أن يقوم عليها برهان، أما أرتور هانكان (١٨٥٦–١٩٠٥) فقد كرس جهوده لإثبات أن الفرض الذري روح العلم وأساس كل العلوم، حتى الرياضة، وأن «المعرفة التي يعطينا إياها الفرض الذري لا تنطوي على دقة مطلقة، ولا يمكن أن تكون إلا معرفة تقريبية»٣٧ وبالتالي لا يمكن أن يكون العلم إلا لاحتميًّا.

•••

(٢٣) ألا ما أعظم هذه الحركة الفرنسية التي بوركت بثورة العلم اللاحتمية التالية لها مباشرة بل والموصولة بها، ولا شك أن دور هؤلاء الرياضيين الأجلاء كان جوهريًّا في فتح الطريق المظفر أمامها، وتنقيته من الشوائب الحتمية — لقد علمونا أن الحتمية العلمية ليست «تابو» الاقتراب منه حرام.

ولكن جهودهم كانت إبستمولوجية صرفة وهي أصلًا — على حد تعبير بيري — محاولات «لتقليم أظافر العلم» بحيث يمكن استئناسه وتدجينه دون تعريض الروح للخطر٣٨ ولم يستطيعوا النفاذ من الإبستمولوجيا إلى الأنطولوجيا، بل وصل الأمر معهم إلى حد رفض أية دلالة أنطولوجية للعلم، وهو لهذا وربما لهذا فقط لاحتمي؛ لذا يمكن القول إن اللاحتمية معهم يحق عليها تفسير الحتميين الذاتي لها، لتكون نتيجة لعجز العقل عن الاقتراب من الواقع الأنطولوجي، وانحصاره عن نفسه، لقد أصبحوا ضامين لهنري بوانكاريه وبيير دوهيم، أي للفلسفة الاصطلاحية أو الأداتية في تفسير طبيعة العلم والتي لا بد وأن ننحيها جانبًا؛ وذلك لأنها تصك على العلم ختام القوقعة الإبستمولوجية.

لقد ظلت الحُرية معهم سابحة في الأجواء الإبستمولوجية بل والعقلانية الميتافيزيقية، ولست أراهم وقد استطاع أحد منهم إحراز هدفهم من جلب الحُرية من النوميا الكانطية المفارقة إلى هذا العالم حقيقة، وهذا طبيعي طالما أن اللاحتمية العظيمة معهم ظلت إبستمولوجية فقط.

لقد كانت محاولاتهم الجادة لقهر معضلات الفلسفة الحتمية، وإزاحة واحديتها، وإرساء التعددية — خصوصًا تعددية رينوفييه — وفي إزاحة وهم اليقين، وفي نقد الميكانيكية والنزعة الآلية، وفي نظريات الاحتمال … إلخ، كانت هذه المحاولات عناصر أساسية في فلسفة اللاحتمية والحُرية المعاصرة، ولكنهم كفلاسفة للحرية كانوا يحاولون تشييد لاحتمية فقط بالجهود الذاتية وبمنأى عن الواقع الأنطولوجي فلا كانت لاحتميتهم تلزم العلم، ولا كانت حريتهم تلزم الفلسفة.

هم على أية حال، خطوة واسعة على الطريق، وليس ينقص جهودهم الرائدة العظيمة إلا الاعتماد الرسمي لمبدأ اللاحتمية الكونية: أي اللاحتمية الأنطولوجية على أساس من اللاحتمية الإبستمولوجية، ذلك هو ما أحرزته ثورة العلم المعاصر بعد بضع سنين، أما بغير اللاحتمية الأنطولوجية فإما أن نصل إلى حرية بيرانية «نسبة إلى مين دي بيران» كحرية لاشيليه وفورييه، أي حرية في حقيقتها حتمية صارمة، وإما إلى حرية كانطية مفارقة كحرية رينوفييه الميتافيزيقية المجتثة الجذور بالواقع الأنطولوجي.

١  Encyclopaedia for Philosophy, vol. 2, p. 45.
٢  ج. بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج٢، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، النهضة العربية، القاهرة، سنة ١٩٦٧، ص٩.
٣  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص٣٠٤.
٤  ج. بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج١، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، الطبعة الثانية، سنة ١٩٨٠، ص٢٧١ (اعتمدنا في الجزء الأول على طبعة مختلفة عن طبعة الجزء الثاني المذكور في الهامش السابق).
٥  المرجع السابق، ص٢٤٧.
٦  عنوان رسالة رافيسون للدكتوراه «في العادة»، وفيها أودع خلاصة نظريته في الحُرية الإنسانية، وهذا العمل «في العادة» أهم أعمال رافيسون ومناط قيمته في عالم الفلسفة.
٧  بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج٢، ص٣١.
٨  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص٢٨٨.
٩  بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج٢، ص٥١.
١٠  المرجع السابق، ص٤٧.
١١  في المقدمة لم أتعرض للأساس المنهجي للعلم الحتمي: الاستقراء، على الرغم من أنه كفيل، أو على الأقل سيساعد جدًّا في الإطاحة بالحتمية والوصول ميثودولوجيًّا إلى لاحتمية؛ وذلك لأنني في رسالتي للماجستير وكان موضوعها «فلسفة العلوم الطبيعية عند كارل بوبر»، قد تعرَّضت بالتفصيل المسهب والمحيط للاستقراء. ودخل لاشيليه في هجوم هذه الدراسة الساحق على الاستقراء والذي انتهيت منه — اتباعًا لكارل بوبر بالطبع — إلى أن الاستقراء خرافة، انظر: د. يمنى طريف الخولي، فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم، الهيئة العامة للكتاب، سنة ١٩٨٩ ص١٣٥–١٦٣، وقارن: د. يمنى طريف الخولي، محاضرات في منهج العلم، دار الثقافة العربية، القاهرة، ط٥، ٢٠١٠، ص١٦٤ وما بعدها.
١٢  المرجع السابق، ص٤٩.
١٣  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص٣٨٨.
١٤  زكريا إبراهيم، مشكلة الحُرية، ص٢٢٨.
١٥  المرجع السابق، ص٢٢٧.
١٦  بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج٢، ص٦٨.
١٧  انظر في تفصيل الأداتية: الجزء الخامس من الفصل الخامس، في: د. يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول … الحصاد … الآفاق المستقبلية، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ديسمبر ٢٠٠٠، ط٢ الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ٢٠٠٨.
١٨  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة … ص٣٨٦.
١٩  المرجع السابق، ص٣٨٧–٧٨٦.
٢٠  ج. بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج١، ص٢٨٥.
٢١  محمود أمين العالم، فلسفة المصادفة، ص١٠٥.
٢٢  المرجع السابق، ص١٠٦.
٢٣  المرجع السابق، ص١١٣-١١٤.
٢٤  المرجع السابق، ص١١٦.
٢٥  المرجع السابق، ص٢٨٤.
٢٦  نقلًا عن: ج. بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج١، ص٢٦٣.
٢٧  المرجع السابق، ص٢٦١.
٢٨  Scientism هي نزعة الإيمان المتطرف بالعلم، ترى أن العلم، والعلم فقط، هو الذي يحل كل المشكلات ويجيب عن كل التساؤلات بلا استثناء، بالتالي لا معنى ولا قيمة ولا حتى مبرر لبقاء أي نشاط عقلي آخر بخلاف العلم.
٢٩  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص٣٧٨.
٣٠  بنروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج١، ص٢٥٩.
٣١  المرجع السابق، ص٢٦٤.
٣٢  المرجع السابق، ص٢٥٨.
٣٣  المرجع السابق، ص٢٦٤.
٣٤  المرجع السابق، ص٢٦٢.
٣٥  رالف باترن بيري، أفكار وشخصية وليام جيمس، د. محمد علي العريان، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة ٦٥ ص٢١٢، ٢١٣.
٣٦  وليام جيمس، بعض مشكلات الفلسفة، هامش ص١٣٩.
٣٧  بنروبي، مصادر … ج١، ص٣٦٣.
٣٨  رالف بارتون بيري، أفكار وشخصية وليام جيمس، ص١٨٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤