مقدمة

الاختراعات العشرة العظيمة للتطور

في جوف الفضاء المظلم، تلمع الأرض ككرة بلونيها الأزرق والأخضر. لم تُتَحْ فرصة معايشة إحساس رؤية الأرض من القمر وما وراءه إلا لعددٍ قليلٍ فقط من الناس، ومع هذا فقد ظَلَّ الجمال الرقيق للصور التي أرسلوها إلى الأرض محفورًا في الأذهان على امتداد جيل كامل. لا شيء يُقارَن بهذه الصورة. إن صراعات البشر التافهة على الحدود وعلى النفط والأديان تتلاشى عند معرفة أن هذه الكرة الحية المحاطة بخواء لا نهائي هي موطننا المشترك، بل وأكثر من هذا؛ الموطن الذي نتشارك معه، وندين له بأكثر اختراعات الحياة روعة.

لقد حوَّلَتِ الحياةُ كوكبَنا من صخرة قاحلة متَّقِدة كانت ذات مرة تَدُور حول نجم يافع إلى عالمنا المنتصب كمنارةٍ مضيئةٍ تُرى من الفضاء. لقد منحَتِ الحياةُ كوكبَنا اللونين الأخضر والأزرق؛ وذلك حين نظَّفَتِ البكتيريا القائمةُ بعملية البناء الضوئي المحيطاتِ وهواءَ الغلاف الجوي وملأتْها بالأكسجين. وبفَضْل هذا المصدر الجديد القويِّ للطاقة، تفجَّرَتِ الحياةُ بأزهارها المتفتِّحة المتمايلة، والمرجان بتركيبه المُعقَّد الذي يخفي الأسماك الذهبية الرشيقة، والوحوش الضخمة القابعة في الأعماق المظلمة، والأشجار السامقة التي تشق عنان السماء، والحيوانات الصاخبة المتحركة الناظرة لما حولها. ووسط كل هذا، تُحرِّكنا جميعًا تلك الألغازُ غير المحكية الكامنة وراء هذا الخلق، وما نحن سوى تجميعات كونية من الجزيئات تشعر وتفكر وتتعجب وتتساءل عن الكيفية التي جئنا بها إلى هنا.

ولأول مرة في تاريخ كوكبنا، صرنا نعرف. ليست هذه بمعرفة خاصة، أو حقيقة منقوشة على لوح حجري، بل هي ثمرة ناضجة لمسعى البشر الأعظم، مسعانا خلف معرفة وفهم العالم الحي المحيط بنا والكامن داخلنا. اكتسبنا بطبيعة الحال فهمًا عامًّا للأمر منذ وقت داروين، الذي نشر كتابه «أصل الأنواع» منذ ١٥٠ عامًا. ومنذ داروين نَمَتْ معرفتنا بالماضي ليس فقط بفضل الحفريات التي تملأ الفجوات، بل أيضًا بفهمنا للبنية الدقيقة للجينات، وهو الفهم الذي يقوم عليه الآن كل تفصيلة من تفاصيل الحياة المعقدة. ومع هذا، ففي العقود الأخيرة وحسبُ بدَأْنا في الانتقال من النظريات والمعرفة المجردة إلى الصورة الحية المُفصَّلة للحياة والمكتوبة بلغةٍ بدَأْنا منذ وقت حديث للغاية في فَكِّ طلاسمها، وتحمُّل مفاتيح فهم العالم من حولنا وأيضًا فهم الماضي البعيد.

إن القصة المكتشفة أكثر تأثيرًا، وأكثر إلحاحًا، وأكثر تعقيدًا من أي قصة عن الخَلْق. لكن، شأن أي قصة عن الخلق، هي قصة طفرات وتغيُّرات مفاجئة مذهلة، تفجر للاختراعات التي غيرت وجه كوكبنا ومحت الثورات السابقة بطبقات جديدة من التعقيد. إن الجمال الهادئ الذي يبدو عليه كوكبنا من الفضاء يخفي التاريخ الحقيقي لهذا الكوكب، ذلك التاريخ المليء بالنضال والإبداع والتغيير. ومن قبيل المفارقة أن تعكس صراعاتُنا التافهةُ ماضيَ كوكبنا المضطرب، وأننا وحدنا مُفسِدِي الأرض من نستطيع الارتقاء فوقها لنرى الوحدة الجميلة للكوكب ككلٍّ.

تبلور السواد الأعظم من هذا الحراك الذي مَرَّ به كوكبنا بفعل عددٍ قليلٍ من الاختراعات التطورية؛ اختراعات غيَّرَت العالم وفي النهاية مكَّنَتْنا من الحياة. يجب أن أوضح أنني لا أود أن أعني ضمنًا من وراء كلمة «اختراع» وجود مخترع متعمد. يُعرِّف قاموسُ أكسفورد الاختراعَ بأنه: «الاستحداث أو الإنتاج الأصلي لطريقة أو وسيلة جديدة لِعَمَلِ شيءٍ ما، لم تكن معروفة من قبل، ومن مرادفاتها الابتداء والابتداع.» ليس للتطور بصيرة مستقبلية، ولا يخطط للمستقبل. فما من مخترع، ولا تصميم ذكي. ومع ذلك، يُعرِّض الانتقاءُ الطبيعي جميعَ السمات لأكثر الاختبارات قسوة، وصاحب التصميم الأفضل يفوز. إنه مختبر طبيعيٌّ يستخفُّ بالمسرح البشري، ويمحص تريليونات الفوارق الضئيلة في الوقت نفسه، مع كل جيل بعينه. التصميم موجود حولنا في كل مكان، وهو نتاج عمليات عمياء لكن مبدعة. عادة ما يتحدث التطوريون على نحو غير رسمي عن الاختراع، ولا تُوجَد كلمة أفضل منها تُعبِّر عن الإبداع المذهل للطبيعة. إن اكتساب المعرفة عن الكيفية التي حدث بها كل هذا هو الهدف المشترك بين جميع العلماء، بغضِّ النظر عن معتقداتهم الدينية، وهو أيضًا هدف أي شخص يهتم بوجودنا.

هذا الكتاب يدور حول أعظم اختراعات التطور، وكيف غيَّرَ كل اختراع منها من وجه العالم الحي، وكيف تعلمنا نحن البشر أن نقرأ هذا الماضي ببراعة تضاهي براعة الطبيعة ذاتها. إنه احتفاء بقدرة الابتكار العجيبة للحياة، وبقدرتنا نحن أيضًا. وهو يستعرض، في الواقع، قصة وجودنا الطويلة؛ أبرز المعالم القائمة على امتداد هذه الرحلة الملحمية بدايةً من أصل الحياة وحتى حياتنا وموتنا نفسيهما. إن نطاق هذا الكتاب واسع، وسنتعرَّض من خلاله للحياة بطولها وعرضها؛ من منشئها في الفوهات البحرية العميقة وحتى الوعي البشري، ومن البكتيريا الدقيقة إلى الديناصورات العملاقة. وسنتعرض لمختلف العلوم؛ من الجيولوجيا والكيمياء إلى التصوير العصبي، ومن فيزياء الكم إلى علم الكواكب. كما سنتعرض لنطاق الإنجازات البشرية؛ من أكثر العلماء شهرة في التاريخ إلى الباحثين الذين لم يُعرَفوا بعد والذين قد يُكتَب لهم يومًا ما أن يصيروا من المشاهير.

بطبيعة الحال قائمة الاختراعات الواردة هنا ذاتية تمامًا، وكان من الممكن أن تضم اختراعات مختلفة، بيد أنني طبَّقْتُ أربعة معايير رأيتُ أنها تحكم عملية الانتقاء في نطاق الأحداث القليلة المحورية في تاريخ الحياة.

المعيار الأول: هو أن يتسبب الاختراع في إحداث ثورة في العالم الحي، ومن ثم الكوكب ككلٍّ. تحدثت عن البناء الضوئي بالفعل، الذي حوَّلَ الأرض إلى الكوكب العامر بالطاقة والغني بالأكسجين الذي نعرفه (ودون هذه العملية كان من المستحيل للحيوانات أن تُوجَد). التغيرات الأخرى أقل بروزًا، لكنها لا تقل في أثرها. ثمة اختراعان كان لهما أوسع الأثر؛ وهما: الحركة التي مكَّنَتِ الحيوانات من أن تهيم بحثًا عن الطعام، والبصر الذي غيَّرَ من شخصية جميع الكائنات الحية وسلوكها. ومن المحتمل أن التطور المفاجئ للعين، منذ نحو ٥٤٠ مليون عام، قد أسهم بقدر ليس باليسير في الظهور المفاجئ للحيوانات في موضعها الملائم في سجل الحفريات، والمعروف بالانفجار الكمبري. وسأناقش التبعات المزلزلة لكل اختراع في مقدمة الفصل الذي يتناوله.

المعيار الثاني: هو ضرورة أن يكون للاختراع أهمية استثنائية اليوم. أَفْضَل الأمثلة هي التكاثر الجنسي والموت. ولقد وُصِف التكاثر الجنسي بأنه السخافة الوجودية العظمى، وذلك إذا تجاهلنا كل ما يرتبط بالجنس من أفكار، من الخوف إلى ابتغاء النشوة، والتركيز فقط على آليات التكاثر الجنسي الخاصة بين الخلايا. إن ما يدعو كل تلك الحيوانات، بل وحتى النباتات، إلى الانغماس في سلوكيات التكاثر الجنسي مع أنه كان بمقدورها أن تنتج نسخًا من نفسها في هدوء هو لغز؛ لغز صِرْنا الآن قريبين جدًّا من الإجابة عنه. لكن إذا كان التكاثر الجنسي هو السخافة الوجودية العظمى، فلا بد أن الموت هو السخافة اللاوجودية العظمى. لِمَ نكبر في العمر ونموت، ونعاني على مَرِّ الطريق من أبشع الأمراض وأبغضها؟ هذا الاهتمام الحديث لا تمليه قوانين الديناميكا الحرارية ولا القوانين القاضية بتعاظم الفوضى والفساد؛ فليس كل الكائنات الحية تهرم، وحتى تلك التي تهرم يمكنها التوقف عن ذلك. سنرى أن التطور قد مَدَّ المدى العمري للحيوانات بقدر كبير، مرارًا وتكرارًا. فالحبة المضادة للشيخوخة ليست بخرافة.

المعيار الثالث: هو أن كل اختراع يجب أن يأتي نتيجة مباشرة للتطور بواسطة الانتقاء الطبيعي وليس، مثلًا، التطور الثقافي. أنا متخصص في الكيمياء الحيوية، وليس لدي من جديد أضيفه بشأن اللغة أو المجتمع. ومع هذا، فإن ركيزة كل ما حققناه، كل ما هو بشريٌّ، هو الوعي. من الصعب تصوُّر أي نوع من اللغة المشتركة أو المجتمع لا يقوم على القيم أو الفهم أو المشاعر المشتركة؛ تلك المشاعر التي لا تُعبِّر عنها الكلمات كالحب والسعادة والحزن والخوف والاشتياق والأمل والإيمان. وما دام العقل البشري تطوَّرَ، فعلينا أن نُفسِّر كيف يمكن للتواصل العصبي داخل المخ أن يؤدي إلى الإحساس الروحي غير الملموس، إلى قوة المشاعر الذاتية. أرى أن هذه مشكلة بيولوجية، وإن كانت مربكة، وسأحاول تفسير ذلك في الفصل التاسع. وبهذا يكون الوعي أحد الاختراعات العظيمة، بينما اللغة والمجتمع ليسا كذلك؛ لأنهما ناتجان بالأساس عن التطور الثقافي.

معياري الأخير: هو ضرورة أن يُمثِّل الاختراع رمزًا بارزًا للتطور في حد ذاته بصورة ما. ربما يُعَدُّ الكمال المفترض للعين هو التحدي التقليدي؛ إذ يعود إلى عصر داروين وما قبله. ومنذ ذلك الوقت تَمَّ التعرض لهذا الموضوع عدة مرات، وبطرق عديدة، لكن التزايد الهائل في المعلومات الخاصة بالجينات في العقد الأخير يُقدِّم لنا تحديًا جديدًا، وغير متوقع. يُعَدُّ لولب الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين (الدي إن إيه) المزدوج الملتف حول ذاته أعظم رموز عصر المعلومات الذي نعيش فيه. كما أن منشأ الخلية المعقدة (الخلية حقيقية النواة) يُعَدُّ رمزًا بارزًا هو الآخر، وإن كان معروفًا بين العلماء أكثر منه بين العامة. ظل هذا المَعلَم البارز أحد أهم الموضوعات التي يجري النقاش حولها بين التطوريين على مدار العقود الأربعة الماضية، وله أهمية عظيمة في مسألة مدى انتشار الحياة المعقدة في أرجاء الكون. يتعامل كل فصل على حدة مع قضايا بارزة مثل هذه. في البداية، ناقشت قائمتي مع صديق لي، وقد اقترح عليَّ أن تكون «الأمعاء» رمزًا للحيوانات، عوضًا عن الحركة. هذه الفكرة قد لا تفي بمعيار الرمز البارز؛ ففي رأيي — على الأقل — قوة العضلات رمز بارز — فقط فكِّرْ في عظمة الطيران — أما الأمعاء، فبدون قوةٍ تُحرِّكها ما هي إلا نفاخات؛ أعمدة متمايلة من الأحشاء الملتصقة بصخرة. وهي بهذا ليست رمزًا بارزًا.

بالإضافة إلى هذه المعايير الرسمية، كان على كل اختراع أن يأسر خيالي. فهذه هي الاختراعات التي أردت أنا نفسي، بوصفي إنسانًا حريصًا على المعرفة، أن أفهمها. كتبت عن بعض هذه الاختراعات من قبل، وأردت أن أتعرض لها ثانية على نطاق أوسع، وهناك اختراعات أخرى، على شاكلة الدي إن إيه، لها جاذبية آسرة لكل العقول المحبة للمعرفة. إن الكشف عن الأدلة المدفونة داخل بنية الدي إن إيه لهو من أعظم قصص حل الألغاز العلمية على مدار نصف القرن المنصرم، ومع هذا فلم يُعرَف عنه سوى القليل، حتى بين العلماء أنفسهم. آملُ أن أكون قد نجحت في توصيل بعضٍ من حماسي حيال هذا المسعى. مثال آخر: هو الدم الحار. إذ إنه لا يزال مسرحًا لخلاف محتدم؛ نظرًا لعدم اتفاق الرأي حول ما إذا كانت الديناصورات حيوانات قاتلة نشطة ذات دم حار أم عظايا عملاقة تميل للكسل، وحول ما إذا كانت الطيور ذات الدم الحار قد تطورت مباشرة من أقرباء الديناصور تي ريكس المقربين أم أنه لا علاقة تربطها على الإطلاق مع الديناصورات. فلن أجد فرصة أفضل من هذه لمراجعة الأدلة بنفسي!

لدينا إذن قائمة. سنبدأ بأصل الحياة نفسها، وننتهي بموتنا وباحتمالات الخلود، ونمر في طريقنا بأهم المعالم البارزة؛ وهي: الدي إن إيه، والبناء الضوئي، والخلايا المعقدة، والتكاثر الجنسي، والحركة، والبصر، والدم الحار، والوعي.

لكن قبل أن نبدأ، يجب أن أتحدث قليلًا عن الفكرة الأساسية المهيمنة على هذه المقدمة؛ «اللغات» الجديدة التي قدمت مثل هذه الرؤى في أعماق التاريخ التطوري. حتى وقت قريب، كان هناك سبيلان رئيسيان لمعرفة الماضي: الحفريات، والجينات. ولكلٍّ منهما قدرة هائلة على بَثِّ الحياة في الماضي، لكن لكلٍّ منهما نقائصه. إن «الفجوات» المفترضة في سجل الحفريات مبالغ في أهميتها كثيرًا، والعديد منها تَمَّ رأبه بعملٍ شاقٍّ على مدار ١٥٠ عامًا منذ أن قلق داروين بشأنها. المشكلة هي أن الحفريات، بفعل الظروف نفسها التي أدَّتْ إلى الحفاظ عليها، تعجز عن أن تمدنا بمرآة صادقة للماضي. وحقيقة تمكننا من جمع هذا الكم من المعلومات منها هي أمر استثنائي. وبالمثل، تُمكِّننا مقارنةُ تفاصيل التتابعات الجينية من بناء شجر للأنساب، الأمر الذي يبيِّن لنا كيفية ارتباطنا بالكائنات الأخرى. لسوء الحظ، من الحتمي أن تفترق الجينات لدرجة ألَّا يصير هناك أي شيء مشترك بينها؛ ففيما وراء نقطة معينة يصير الماضي، كما نقرؤه بواسطة الجينات، مشوَّهًا. لكن تُوجَد طرق فعالة يُمْكِنها تجاوُزُ الجينات والحفريات حتى أعمق أعماق الماضي، وهذا الكتاب يُعَدُّ في جزء منه احتفاءً ببراعة هذه الطرق.

دعني أعطيك مثالًا، وهو من الأمثلة المفضَّلة لديَّ، لم تُتَح لي فرصة الحديث عنه في الكتاب على النحو الملائم. يدور المثال حول أحد البروتينات (أو الإنزيمات أو العوامل المحفزة واسمه سترات سينثاز) المحورية في الحياة، وهو موجود لدى جميع الكائنات الحية، من البكتيريا إلى الإنسان. جَرَتْ مقارنة هذا الإنزيم في نوعين مختلفين من البكتيريا؛ أحدهما يعيش في الفوهات الحرمائية شديدة الحرارة، والثاني في القطب الجنوبي المتجمد. التتابعات الجينية التي تحمل شفرة هذين الإنزيمين مختلفة؛ إذ إنها تباعدت بعضها عن بعض إلى درجة صارت معها متمايزة تمامًا. ونحن نعلم أنها تباعدَتْ من خلال سلف مشترك؛ لأننا نرى طيفًا من المراحل الوسيطة في البكتيريا التي تعيش في الظروف المعتدلة. لكن من منظور التتابعات الجينية وحدها، لا يمكن قول ما هو أكثر من ذلك. لقد تباعد النوعان بالتأكيد لأن ظروفهما المعيشية مختلفة، لكن هذه معرفة نظرية مجردة، معرفة جامدة ذات بعدين فقط.

لكن الآن بوسعنا النظر إلى البنية الجزيئية لهذين الإنزيمين، التي تخترقها الأشعة السينية المكثفة ويفك طلاسمها التقدم الرائع في علم البلوريات. البنيتان متناظرتان، تشبه إحداهما الأخرى لدرجة أن كل ثنية وشق، وكل ركن ونتوء في إحداهما موجود على نحو دقيق في الأخرى، في الأبعاد الثلاثة جميعها. قد تعجز العين غير المدربة عن التفريق بين الاثنتين. بعبارة أخرى، بالرغم من استبدال عدد كبير من الوحدات البنائية مع مرور الوقت، فإن الشكل والبنية الإجماليين للجزيء — ومن ثم وظيفته — ظلَّا محفوظَيْن على مَرِّ عملية التطور، كما لو أن هذا الإنزيم كاتدرائية مبنية بالحجر القديم، ويُعاد بناؤها من الداخل بالطوب، لكن دون فقدان التصميم المعماري الكلي. وهنا يأتي كشف مهم؛ أي الوحدات البنائية تُبدَّل ولماذا؟ في بكتيريا الفوهات الحرمائية يكون الإنزيم على أقسى صور الصلابة الممكنة. تترابط الوحدات البنائية عن كثب بعضها مع بعض، من خلال الروابط الداخلية التي تعمل عمل الأسمنت، وبهذا تحافظ على بنية الإنزيم بالرغم من كَمِّ الطاقة المهول الآتي من الفوهات ذات الحرارة القائظة. إنه كالكاتدرائية المبنية بحيث تتحمل الزلازل المتواصلة. في الجليد، الصورة معكوسة. هنا تتسم الوحدات البنائية بالمرونة، وهو ما يسمح بالحركة مع أنها في درجة التجمد، وكأن الكاتدرائية أُعِيدَ بناؤها على رولمان بلي بدلًا من قوالب الطوب. إذا قارنت بين نشاط الإنزيمين في درجة حرارة قدرها ٦ درجات مئوية، فستجد أن الإنزيم البارد أسرع بتسع وعشرين مرة، لكن عند درجة حرارة ١٠٠ درجة مئوية سيتهشم ذلك الإنزيم تمامًا.

الصورة التي تظهر أمامنا صورة حية وثلاثية الأبعاد؛ فقد صار للتغيرات في تتابعات الجينات معنى؛ فهي تحفظ بنية الإنزيم ووظيفته، بغض النظر عن الحاجة للعمل تحت ظروف مختلفة تمامًا. يمكننا الآن أن نرى ما حدث بالفعل على مدار عملية التطور، وسببه. لم يَعُد الأمر يقتصر على إشارات جامدة، بل صرنا نحصل على رؤًى حقيقية.

وبالمثل، يمكن الحصول على رؤًى حيَّة بشأن ما حدث بالفعل بالاستعانة بأدوات بارعة أخرى متاحة في الوقت الحالي. على سبيل المثال، يُمكِّننا علم الجينوم المقارن ليس فقط من مقارنة الجينات بعضها ببعض، بل مقارنة جينومات كاملة، تحوي آلاف الجينات، بين مئات الأنواع المختلفة. ومجددًا، لم تُتَحْ هذه الطريقة إلا في السنوات القليلة الماضية، مع زيادة أعداد تتابعات الجينومات المكتشفة. بعد ذلك يمكننا علم البروتيومات من الحصول على طيف البروتينات العاملة داخل الخلية في أي وقت بعينه، ومن فهم كيفية التحكم في هذا الطيف بواسطة عدد صغير من الجينات المنظِّمة التي ظلت محفوظة على امتداد دهور من التطور. تمكننا البيولوجيا الحوسبية من تحديد الأشكال والبنى المحددة، المهيمنة، التي تُوجَد دومًا في البروتينات، بالرغم من تغيُّر الجينات. يمكِّننا التحليل النظائري للصخور أو الحفريات من إعادة بناء تغيرات الماضي في الغلاف الجوي وفي المناخ. كما تمكننا تقنيات التصوير من رؤية وظيفة الخلايا العصبية في المخ أثناء عملية التفكير، أو إعادة بناء البنية ثلاثية الأبعاد الخاصة بالحفريات الميكروسكوبية المطمورة داخل الصخور دون التأثير عليها. وهكذا دواليك.

ليس أيٌّ من هذه التقنيات بجديد. الجديد هو التعقيد والسرعة والتوافر الذي صارت تتسم به. وعلى غرار «مشروع الجينوم البشري» الذي سار بسرعة متزايدة متقدمًا على الموعد المحدد له، فإن السرعة التي تُجمَع بها البيانات تذهل العقول. أغلب هذه المعلومات ليس مكتوبًا بلغة كلاسيكية كتلك الخاصة بعلم الوراثة السكاني أو علم الحفريات، بل بلغة الجزيئات، على المستوى الذي يحدث عنده التغيُّر الحقيقي في الطبيعة. وبهذه الوسائل الجديدة ظهر للنور قطاع جديد من العلماء التطوريين، القادرين على رصد آليات عمل التطور وقت حدوثها. الصورة المرسومة على هذا النحو تحبس الأنفاس من فرط اتساع تفاصيلها ونطاقها، الذي يتراوح من المستوى دون الذري إلى المستوى الكوكبي. ولهذا السبب قلت إننا، وللمرة الأولى في التاريخ، صرنا نعلم. لا شك أن قدرًا كبيرًا من معرفتنا المتنامية مؤقت، بيد أنه عامر بالحياة والمعنى. إنه لأمر ممتع أن نعيش في وقتنا هذا، الوقت الذي صرنا نعرف فيه الكثير، ومع ذلك لا يزال بإمكاننا التطلع إلى المستقبل لمعرفة ما هو أكثر بكثير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢