تمهيد

السفر ميسور لكل إنسان

إنَّ كثيرين ممن لم يُسافروا إلى خارج القطر يعتقدون أنَّ السفر مُتعة غالية لا يقدر على تَحَمُّلِ أعبائها غير الأثرياء من الناس، وقد ظلَّ هذا الاعتقاد الخاطئ سائدًا على الأفكار مُدَّة طويلة من الزمن حتى وقف حائلًا بين أفراد الطبقة الوُسطى وبين السفر إلى الخارج ورُؤية العالم على حقيقته.

ولكن يكفي أن تُسافر مرَّة واحدة، وتختلط بالسَّائحين هنا وهناك لتعرف أنَّ السفر إلى خارج القطر في مُتناول كل شخص، وأن في وسعك أن تسافر إلى أي مكان في الأرض لترى الأقطار والأمصار دُون أن تتكبَّد أكثر من نفقاتك المُعتادة في بلدك علاوة على نفقات السفر طبعًا.

إنَّ ما يحدث في العالم من تطوُّر الطبقات الاجتماعية، بعد الحرب العالمية الثانية، كان من أثره انتشار الفنادق المُخصَّصة للطبقة الوسطى، والإقلال قدر الإمكان من الفنادق المُمتازة الفاخرة التي يُطلقون عليها اسم «بالاس».

ولم يقتصر هذا الاتجاه على الفنادق فقط، بل عَمَّ المطاعم أيضًا، ولا شك أنَّ كل هذا حدث بدافع الرغبة في اجتذاب السائحين من أفراد الطَّبقة الوسطى، وتوفير جميع الوسائل الضرورية لتشجيعهم على الأسفار، ذلك أنَّ المسئولين عن السياحة في مُختلف البلدان عرفوا أن خمسمائة سائح من الطبقة الوسطى أعظم نفعًا وأجزل فائدة من مائة سائح ثري.

وكان من أثر هذا أن انتشرت الدعوة لضرورة خفض نفقات الإقامة في الفنادق الكُبرى بحيث يمكن لمتوسطي الحال النزول فيها، وفي كل بلد تحل به يجب أن تعرف مُقدَّمًا أنَّ في وسعك أن تُنفق كثيرًا إذا شِئت، وفي وسعك أيضًا أن تُنفق في حدود طاقتك وميزانيتك، بشرط أن تكون مُعتدلًا وأن يكون هدفك الأول هو «العلم» لا أي شيء آخر، بل إنَّني لا أُبالغ إذا قلت إنَّ الإقامة في كثير من المصايف الأوروبية أقل نفقة من بعض المصايف المصرية.

ومن السخف أن يُفكِّر إنسان أنَّ السفر إلى الخارج معناه «العبث» أو سهر الليالي الحمراء، والتردد على المراقص ودور اللهو والأندية الليلية، فكل هذه من المتع الرخيصة التي يمكن أن يحظى بها المرء في بلده دون أن يُكلِّف نفسه عناء السفر.

ولو رأيت جموع السائحين الأوروبيين والأمريكيين وهم يتنقلون بين ربوع أوروبا ومتاحفها ومعاهدها وآثارها، ومنهم النساء والرجال الذين بلغوا أو تعدوا سن السبعين، ولو رأيتهم جميعًا وهم يدوِّنُون المُلاحظات ويلتقطون الصور الفوتوغرافية والسينمائية، ويصغون إلى شرح الأدلاء ويناقشونهم، ويقرءون النشرات، لو رأيت كل هذا لعرفت ما هي السياحة الحقيقة!

والسَّفر إلى الخارج لا يحتاج منك — إلى جانب المال — إلا إلى شيء من الشجاعة وحسن التصرف، فأقْدِمْ لكي تزداد علمًا، ولكي تنكشف لك الآفاق الجديدة!

دروس

إنَّ أول ما يقع عليه نظرك عندما تصل إلى «ستكهلم» في أقصى الشمال، أو في مطار «كوبنهاجن» لافتة كبيرة كُتِبَ عليها بأحرف كبيرة باللغة الإنجليزية:

مرحبًا بك في السويد أو مرحبًا بك في الدانيمرك …

وإنَّ الأجنبي الذي يزور هذه البلاد لأول مرة ليشعر بفيضٍ من السُّرور وهو يقرأ هذه العبارة، ويُخيَّلُ إليه أنها كُتِبَت خصِّيصًا للترحيب بشخصه، وأنَّ هذه البلاد إنما تفتح ذراعيها لتُعانقه وتُقبِّله وهي ترحب به!

وفي مطار سخيبهول، القريب من أمستردام في هولندا، تمرُّ قبل خروجك من الجمرك بموظف لطيف يسألك في أدب ورقة: هل حجزت مكانًا في أحد الفنادق يا سيدي؟

فإذا أجبته بنعم، اتَّصل في الحال بآلة تليفونية أمامه، بذلك الفندق وسأل مديره: هل حجزتم غرفة باسم … وما نمرتها؟

فإذا استوثق من حجز الحجرة، ابتسم لك من جديد، وكتب لك نمرتها على ورقة صغيرة أمامه وسلَّمها إليك وهو يقول لك: أتمنَّى لك طيب الإقامة في هولندا يا سيدي؟

وإذا لم يجد لك حجرة في الفندق الَّذي ذكرته له، عرض عليك الأمر، وأخذ يتَّصل بالفنادق الأخرى بحيث لا يتركك إلا بعد أن يُعيِّن لك الفندق الذي تنزل به والحجرة التي خُصِّصت لك والأجر الذي تدفعه.

•••

إنَّ مُؤلف هذا الكتاب يُسافر إلى أوروبا كل عام، وقد يُسافر في العام الواحد أكثر من مرَّة، وهو يمرُّ في حلِّه وترحاله بعشرات الجمارك التابعة للدول المختلفة، وهو يمرُّ أحيانًا بجمارك المطارات، وأحيانًا بجمارك المواني، وقد يمرُّ به مندوب الجمارك وهو جالس أو نائم في قطار السكة الحديدية.

إنَّ مندوب الجمارك — كما يعرفه المسافر في أوروبا — رجلٌ جمُّ الأدب، لا تكاد الابتسامة تُفارِق فمه، وهو يرفع يده إلى رأسه، أو يرفع قبعته عن رأسه بالتحية لكل أجنبيٍّ يُصادفه.

وقلَّما يُطالَب أجنبي في أوروبا بفتح حقائبه اللهم إلا إذا اشتبه في أمره أو اشتبه في أمر مُواطن من مواطنيه.

كثيرًا ما كان موظف الجمارك يسألني، بعد فحص جواز سفري والتأشير عليه: أظنُّ يا سيدي، أنَّ حقائبك لا تضمُّ غير حاجياتك الشخصية؟

فأجيبه وأنا أُخرِجُ مفاتيحي من جيبي: نعم! هل تحب أن أفتحها لك؟

ويهز الرجل رأسه وهو يقول: لا! شكرًا لك.

ثم ينصرف بعد أن يُصافحني، مُرحِّبًا بي في بلاده.

وإذا اجتزنا الحدود بالليل، وجاء مندوب البوليس أو الجمرك ووجدني نائمًا في عربة النوم، فإنَّه كان يحرص على أن ينقر على الباب نقرًا خفيفًا، فإذا استيقظت كان أول ما يبتدرني به: مساء الخير يا سيدي … عفوًا إذا أزعجناك.

ولا يكاد يستغرق مرورهم وتفتيشهم دقائق معدودات.

إنَّ مندوب البوليس أو الجمرك في أي بلدٍ أوروبي ليقدِّر تمامًا واجبه الوطني حيال الأجنبي ويعرف أنَّه يُمثِّل بلاده أمام هذا الأجنبي، وأنَّ على تصرفه يتوقف نوع الفكرة الأولى التي تنطبع في عقل الأجنبي عن هذه البلاد، فمتى يكون لموظفينا مثل هذه العقلية، ومتى يفكِّرون كما يُفكِّر أمثالهم في الدول الأخرى؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠