واقعة قوز ابا العير

وتحرك الركب الهاشمي من الحجاز في فصل الأسد، في حمارة القيظ، فوصلنا القنفذة، والإنسان لا يستطيع أن يطأ الأرض الملتهبة كالنار، وليس بالقنفذة من عربان البلاد المجاورة أحد سوى أهلها. وكان في الصحبة ثلاثة طوابير نظامية، يبلغ عددها ثلاثة آلاف جندي. وبعد أخذ الأهبة، كانت الحركة نحو (قوز ابا العير) وكان فيه قائد للسيد الإدريسي، اسمه ابن خرشان، ومعه عشائر تهامة. فأمرت أن ستصحب معي مائتي خيال وألف هجان، مع تلك الطوابير والمدفعية، فتوجهنا وكان معي المرحوم الملك فيصل؛ وحيث إن التدريب العسكري للحركات الليلية كان غير كامل الترتيب، فلم تتمكن القوى التركية من قطع المسافة في الوقت المناسب، إلا بعد تأخر تسع ساعات. فوصلنا إلى نقطة بساحل البحر جنوبي القنفذة، بها ماء يستطيع الإنسان شربه، اسمه (أم الدبة). وبعد استراحة ثلاث ساعات، توجهنا فأَدركنا الزوال، ونحن على طرف سهل صلب من رمل دمث، والبحر بالناحية الغربية، وأمامنا وادي (يبا) الكثير الحراج الملتف الأشجار؛ والجيش يسير ويتقدمه الطابور الأول، ثم الثاني، ثم الأثقال، ثم الطابور الثالث، وعلى الجناح الأيسر القوى الهاشمية والخيل، وعليها الأمير فيصل (الملك فيصل).

وكانت القوتان تأتمران بإمرتي، وقائد الطوابير الثلاثة هو القائد زكي بك الشركسي. ولدى قدومنا إلى ذلك المحل، عاد إلينا ضيف الله العبود، أحد الشيوخ، وقد أرسل — ومعه كوكبة من الخيل — عينًا ليكشف ما وراء الحرجة وما بها، فقال إنها محشوة بالرجال. وفي تلك الأثناء، وإذا بالبقية من العيون — أي القوة الكشافة — تعود مسرعة ثُمَّ عادت المقدمة من الهجانة وهي منهزمة متوجهة نحو الغرب إلى ناحية البحر، وإذا بجحيم من النار يطلق فجأة من تلك الحراج. فأمرت زكي بك بالتوقف، وأشرت عليه بأن يسوق الطابور في شكل الصيادة، ويكون الطابور الثاني احتياطيه، وأن تقف الأثقال، وأن تقف أيضًا القوى الهاشمية فإذا دفعناهم وجاء الوقت المناسب، أمرت القوى الهاشمية بالهجوم، والتعقيب من ناحيتها. فحرر هذا الأمر، ووقع منه ومني، وأرسل إلى الأمير فيصل وإلى قواد الطوابير، فسرنا والتحمنا مع القوى الكامنة في الحراج، فدفعناهم وتوغلنا.

وقبل أن يأتي الوقت ويصدر الأمر بهجوم القوة المعاونة، وإذا بنا نراهم يهجمون مسرعين، وأن ليس أمامهم إلا زرع يحصد، فقلت لزكي بك: مر الطابور الاحتياطي يتقدم إلى الميسرة، حيث كانت فيه القوة المعاونة، فإنني لست آمن عليهم الهزيمة الآن. فقال إنه لا يستطيع ترك القوة الآن، ورجاني أن أبلغ هذا الأمر بذاتي. وقبل أن أتم المحاورة، وإذا بالمرافق يقول لي: انظر يا سيدي إلى يسارنا! فإذا بالقوة المعاونة ترتد لا تلوي على شيء. وقد بلغت إلى حيث الطابور الثاني، وكان يقوده إسماعيل بك، فقلت: سر بالطابور وخذ موقعًا إلي يسار الطابور الأول، أما القافلة فمرها لترجع إلى (أم الدبة)، وليكن الطابور الثالث هو الاحتياطي. وإذا بالرجل يمسك بعرف جواد يتقيأ، ولم يكن في حالة ترضيني، ورأيت فيه من الجبن ما أزعجني؛ فكررت الأمر فلم يصغ، وإذا بنا نُضرب من الميسرة ضربًا مروعًا.

وبعد ثلاثة أرباع الساعة، كان الموقف في غاية من الحرج؛ وإذا بفريق من الهجانة، فأنخته بين السبخاء والموقع الرملي، وشرعت أدافع ما استطعت؛ وإذا بأناس من المنهزمين يلتحقون بي، وهم فرسان عرفوا بالنجدة، كفاجر بن شليويح، وحبيليص الشيباني، وفهد العرافة بن سعود، وبعض الأشراف، ثم لحق بي الشريف شاكر بن زيد؛ ولم يكن لنا منهم إلا الثبات لتخليص القوة العثمانية من موقفها القتال. وبالنتيجة لم يسلم من الطوابير الثلاثة إلا سبعون نفرًا. ولما أن أعيدت الحملة والمدافع إلى أم الدبة، كنت آخر من ترك الموقف، بعد أن قتل ابن خيرة أمير الجناح الأيمن للقوة الإدريسية. ووصلنا القنفذة في اليوم الثاني بخسارة عظيمة. ولو كرَّ الأدارسة ليلتها أو الليلة الثانية، لقضوا على الجميع. ولكن خسائرهم كانت أفدح.

كانت هذه الواقعة، واقعة (قوز ابا العير)، والتراجع الذي وقع من القوة المعاونة العربية، السبب الأول في سوء الظن الموجه إلينا من باقي قوات الحملة التركية، وأولهم المير الاي نظيف بك. وكأنهم نسوا ما كان يحيق بهم من حركات كهذه، في اليمن وعسير وفي جبل الدروز والكرك وفي كل محل.

وبعد خمسة عشر يومًا، تكررت الحملة بقوات جديدة وردت وأُمِّرَ على الجميع الشريف زيد بن فواز، وقد صدر الأمر إليَّ بأن أكون أحد أمراء الحملة؛ فتوجهنا من القنفذة صباحًا ووصلنا ظهرًا إلى (أم الدبة)، وكانت القوة التركية هي هذه: ثلاثة طوابير نظامية، كل طابور ثمانمائة وخمسون جنديًّا، بقيادة القائد زكي بك؛ وثلاثة طوابير رديف، بقيادة القائمقام إسماعيل بك، وكان عدد هذه الطوابير ألفًا ومائتي جندي؛ وطابور آخر اسمه طابور اليمن، لأنه جلب من اليمن، يقوده قائد اسمه ضياء الدين بك، وعلى المجموعة هذه كلها الأمير الآي نظيف بك، أما القوة المعاونة، فكانت هي هي، خيلها وهجانتها. فتحركنا وقت الظهر، ولما وصلت القوة إلى محل المعركة الأولى، وكانت الساعة الحادية عشرة غروبية، وجدنا قوة الأدارسة في تلك الحالة الحرجة نفسها، فقابلونا بنار حامية كسالف عادتهم. فقال نظيف بك للشريف زيد: ماذا تأمر؟ قال: لا أمر لي إلا بعد أن تعرض عليَّ ما تراه أنت، فإذا رأيت ما يجب تنبيهكم إليه فعلت. فالتفت إليَّ وقال: ما رأيك؟ فقلت: الأمر بالمبيت واستئناف الحركة صباحًا، لأني أخشى ألَّا تكون الحركات العسكرية ناجحة ليلًا، ونحن في أرض دغل لا نعرف مخارجها ومداخلها. فقال: تقول هذا من أجل أن يرى الناس، أن سبعة طوابير عثمانية أوقفتها شرذمة بدوية. فجلَّى عما كان يكتم فقلت له: هذا رأي أكتبه كتابة. ثم التفت إلى اليوزباشي أركان الحرب بهاء الدين بك فقال له: ماذا تقول؟ فقال: أقول إن كل شبر تتقدمه الآن في وقت الغروب والليل مقبل، يسوقك إلى الاضمحلال، وإني أضم رأيي إلى رأي عبد الله بك. فقال: اكتب الأمر بالمبيت: الآي زكي بك الجبهة. الاي سعيد بك الميسرة. الأثقال في الوسط. طابور اليمن في الساقة. القوة الهاشمية المعاونة الميمنة. فلما كتبه عرضه على الشريف زيد، فوافق عليه وصدق. ثم أمرت بأن أكون مع زكي بك في الجبهة، وأن الأمير فيصل (الملك فيصل) على القوى الهاشمية في اليمين، وبقي الشريف زيد بن فواز ونظيف بك في مقر القيادة.

فتقدمنا تحت وابل من الرصاص، وقومنا الجبهة من طابورين، ومن كل طابور بلك فئة احتياطًا له، والطابور الثالث احتياطًا للكل. ونظمت الجبهة في شكل مربع: فنحن جبهتنا الجنوب، والآي سعيد بك جبهته الشرق، وطابور اليمن جبهة الشمال، والقوى الهاشمية جبهتها الغرب. وعند إتمام هذا الترتيب، حمل أهل اليمن علينا من الجبهة حملة صادقة، استمرت ثلث ساعة، وقوبلت بجحيم من النار، فتراجعوا. ثم بعد ربع ساعة، كرُّوا على الجبهة الشرقية، فقوبلوا بمثلها على أننا كنا في خطر من نار أتت من جبهة مكشوفة، فاضطر كل واحد منا أن يعمل له مجثمًا جنبيًّا؛ ولما كف هجومهم علا الصياح في الميمنة، حيث كانت النوبة على القوى المعاونة، فترجرجت ثم كرَّت، وبعد لأي أوقف الهجوم. ثم كانت الحملة على طابور اليمن، فأمد من الاحتياطي العام؛ ولم تدم هذه الحملة كثيرًا، فتراجعوا، وكانت الليلة ليلاء حتى الصبح، فكنت متى سمعت بطلقة من ناحية أهل اليمن، تقابل بمئات الألوف من الطلقات من هذا الجانب؛ وكنت تسمع الإيعاز حالًا من الجبهات بالبوق «اتش كس اتش كس» «اقطع النار اقطع النار».

وبعد الساعة الرابعة، طُلِبتُ إلى مركز القيادة، فحضرت. وإذا بالمرحوم الشريف زيد ونظيف بك يقولان: كانت نجاة القوة هذه نتيجة لرأيك الميمون، فلو سرنا لكنا في خسران عظيم. فقلت: التجربة السالفة هي التي هدت إلى ما وقع. فقالا: كيف الجبهة؟ قلت: على ما يرام، كل جندي قد نال قسطه من العشاء وزوِّد بمطَّارتين من الماء، فلا خوف إن شاء الله.

ولم نذق تلك الليلة النوم إلا غرارًا أو نعسةً. ولما أصبح الصبح ونادى منادي الصلاة، بالبوق أولًا ثم بالأذان ثانيًا، كبَّر أهل اليمن من كل ناحية، فصلَّت كل فئة في محلها؛ ثم جلب الحرس إلى مصافه، وقرأ مفتي الجيش سورة الصف؛ ثم ابتدأت المدفعية تُصْلِي الحرجة نارًا حامية فتمسح الأرض مسحًا. وإذا بميسرة اليمن يقودها الشيخ بيطري تتقدم على أعلامها، فلما خرجت من الأدغال وتبينت في أرض صحصح، باغتتها القوى الهاشمية بهجوم بالخيل من ناحية البحر، ثم أصلتها المدفعية نارًا حامية، فاهتزت يمنة ويسرة كشجرة في مهب الريح، ثم ولت الأدبار، فاتبعتها القوة الهاشمية الراكبة.

وتقدم الآي زكي بك، وأنا معه، فلما وصلنا الحرجة، لم يرعنا إلا وأهل اليمن بمآزرهم، وليس على ظهورهم من الثياب شيء، غير المحازم والخناجر في أواسطهم، فقابلوا الجيش بطلقة أو طلقتين من كل واحد منهم؛ ثم استلوا الخناجر وحلوا تلك العربية؛ فأصلتهم القوة التركية نارًا حامية، فوقع الأكثر وهُزِمَ من بقي. وكنا حين ذاك نسمع لعلعة البنادق والمدافع من ناحية الآي سعيد بك، ثم أخذت الأصوات تبتعد كلما تقدمنا، فقال زكي بك: نحن في خطر، حيث تمكن هؤلاء من إحداث فجوات بين الميمنة والقلب والميسرة.

وحين ذاك كان المقر معه فئتان ومدفعان، وبه الشريف زيد بن فواز والأمير الآي نظيف بك. فقال زكي بك: سآمر بالتوقف، وهذه الشجرة الدوحاء علامة لك؛ فاذهب إلى المقر، وليكن بيننا وبين قوة سعيد بك، التي ينبغي أن تسرع السير حتى توازينا من يسارنا؛ أما القوة الهاشمية فلا سبيل إلى اللحاق بها. فلما وصلت، وإذا بالشريف زيد بن فواز، ومعه مائة وخمسون هجانًا وأرباب الأسنان من المشايخ والشرفاء، فسألته عن نظيف بك، فقال: تقدم بالفئتين والمدفعين إلى الكعدية — بئر بأعلى أبهى — وإذا بالملك فيصل معه، فلما سألته عن قواته قال: العهد بها يوم أن أغارت. فبعثت بمرافقي إلى زكي بك، ومعه مَن يرشده إلى الكعدية، حيث قائد المفرزة والمقر النظامي، وسرت مع ربعي؛ فلما سرنا نحو خمس دقائق، وإذا بنا نخرج إلى أرض جرداء، فتبينت لنا منها الكعدية، وبها نظيف بك والبلكان الفئتان، تضرب مدافعه بالقذائف الخاصة للرمي من قرب والتي تدعى (شبرا).

ولما برزنا وعلم القيادة معنا، ورأوا الهجانة، ترك أهل اليمن نظيف بك وحملوا علينا، فأنخنا ونزلنا؛ فكانت ملحمة من أفظع ما رأيت، وكان الشريف زيد يصاب أحيانًا بالرعاف، ولا يطيق الشمس، وهو واقف وعلى رأسه المظلة البيضاء، فأقول له: يا عم اندرق هنا. فيقول: لو أحببت الاندراق لكنت بالطائف، اصبروا سينكشفون الآن.

وهرع الملك فيصل إلى الأمير الآي نظيف بك، ونحن في تلك الساعة الكربة، وإذا بحملة الأثقال ومعها طابور اليمن يتصلون بنا. فتقدم ذلك الطابور الشجاع، وانتشر حتى كانت أقسامه اليمنى متصلة بنظيف بك على الكعدية؛ وأمر الشريف زيد، ومعه الشيخ جابر بن هليل عظيم الثبتة من عشائر عتيبة، الحملة بالتقدم، وصاحوا: يا حاملوه يا حاملوه! فحملنا نحن من مرابضنا، والعلم الهاشمي بيد ابن جنيح — وكان رجلًا طويلًا أسمر — وكانت الهزيمة على أهل اليمن. ثم أخذنا نسمع أصوات الطلقات من ناحية المشرق، فتبين أنها قوات سعيد بك وقد أقبلت.

وعند وقت العصر، كنا بقوز أبا العير، وليس من قوات اليمن أحد، فقد اضمحلوا وتراجع ابن خرشان إلى القحبة. ثم قبيل المغرب، جاء التقرير الطبي إلى مقر القيادة، بأن الوفيات اليوم في الجيش بلغت مائتين وثمانين، وأن الوباء وباء الكوليرا. وفي اليوم الثالث، نزلت القوة إلى ثلثها، وقدم المرحوم إلى القوز؛ ولقد رأيت بعيني رأس الغفير القائم على خيمتي، يقع ميتًا كأن قد ضرب برصاصة. وأصبحت القوى المسلحة التركية ألفًا وسبعمائة نفر من سبعة آلاف، فأمر بالحركة نحو أبهى، وكلما تقدمنا تناقص المرض. وكانت وقائع، في بارق وفي الثنية، ثم صعدنا الجبل من عقبة ساقين المشهورة، ولما اجتزناها بعد ثالث، أيقنَّا بالسلامة من شر تهامة وأوبائها.

ثم كانت واقعة سدوان، ثم واقعة اثني خريم؛ وكان قائد الأدارسة السيد مصطفى الإدريسي والسيد الفصال، وكانت الهزائم تتالى على أهل اليمن. وكانت الفظاعة من الجند التركي، في إحراق القرى وتقتيل الأبرياء، السبب الأول في الانقلاب الأخير، حيث قال الأمير: ليس من هؤلاء خير للعرب. ولقد عرضت عليه أربع مرات جثث شويت على النار شيًّا، بأن تدخل أعمدة الخيام من أدبارهم حتى تخرج من أفواههم. وقد عرض عليه في اثني خريم، ست رؤوس وقد قطعت عن أجسادها، ووضع ذكر كل رجل منهم في فمه؛ فقال الأمير لنظيف بك: هذا يليق؟! فأجابه: أليسوا قد حرقوا قلوبنا؟! فسكت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١