الفصل الثالث

معهد الميكانيكا

تفحَّصت أليس المبنى أمامها؛ فوجدته بناءً بسيطًا وغير لافت للنظر ومصنوعًا من الطوب، وكان في حالٍ يرثى لها. وجدت أمامها اللوحة التي تشير إلى أن هذا المبنى هو «معهد الميكانيكا». وبجانب هذه اللوحة وجدت بابًا خشبيًّا، علَّق عليه أحدهم بمسمارٍ ملاحظةً كُتِبَ عليها: «لا تطرق الباب، ادخل فقط.» جرَّبت أليس فتح الباب فوجدته غير مغلق لذلك فتحته ودخلت عبره.

في الداخل وجدت نفسها في حجرةٍ واسعة ومُظلِمة، في منتصفها مساحة مضاءة ومُشرقة. وداخل هذه المساحة المحدَّدة كان بإمكانها ملاحظة مجموعة معقولة من التفاصيل. ووراء هذه المساحة كانت توجد مساحة شاسعة من الظلام تبدو بلا حدود، لا يُمكن رؤية أي شيء محدَّد فيها. أما في مساحة الضوء فقد كانت توجد طاولة بلياردو وجسمان يتحرَّكان حولها. سارت أليس نحوهما ومع اقترابها منهما تحوَّلا لينظرا إليها. كانا زوجًا من الغريب اجتماعهما معًا. فأحدهما كان طويلًا وزوايا جسده محدَّدة، ويرتدي قميصًا أبيض منشًّى برقبةٍ طويلة مُتيبسة وربطة عنق رفيعة، وبدلة عمل مثَّلت مفاجأةً إلى حدٍّ ما لأليس. كان وجهه معقوفًا ولديه سوالف كثيفة. تفحَّصها بنظرةٍ محدقة نافذة جعلت أليس تشعر كما لو كانت لديه القدرة على معرفة أدق التفاصيل بوضوح في أي شيء ينظر إليه. أما رفيقه فقد كان أصغر حجمًا وأصغر سنًّا. كان وجهه مُستديرًا ويرتدي عليه نظارة كبيرة مستديرة لها إطار معدني. كان من الصعب رؤية عينيه من خلف النظارة؛ فقد كان من الصعب تحديد إذا ما كان ينظر إليك أم لا، أو حتى تحديد مكان عينيه بالضبط. كان يرتدي معطفَ مختبرٍ أبيض اللون وقد تركه مفتوحًا ليظهر من تحته قميص قطني عليه صورة شيء ما ذرِّي غير واضح المعالم. لم يكن من السهل تحديد ما الذي كان مقصودًا بهذه الصورة؛ إذ كان من الواضح أن الألوان قد ذهبت مع الغسيل.

سألت أليس، على سبيل فتح حوار في الأغلب، فقد كانت تعرف من اللوحة في الخارج أن هذا هو المعهد بالتأكيد: «عذرًا، هل هذا هو معهد الميكانيكا، من فضلكما؟»

قال الأطول ذو المظهر الأكثر إثارة للإعجاب من بين الاثنين: «أجل، يا عزيزتي، فأنا نفسي ميكانيكي كلاسيكي من العالم الكلاسيكي وأنا أزور زميلي هنا ميكانيكي الكَمْ. فأيًّا كانت مشكلتُك أنا واثق أنه في وجودنا نحن الاثنين سنتمكَّن من مساعدتك، هذا إن انتظرتِ لحظةً حتى ننتهي من تصويباتنا.»

تحوَّل الرجلان إلى طاولة البلياردو. حدَّد الميكانيكي الكلاسيكي هدفه بحرصٍ بالغ، فدرسَ بوضوح جميع الزوايا المتداخِلة في جزء صغير من الدرجة. وفي النهاية سدَّد ضربته بتأنٍّ شديد. وثبَّت الكرة جيئةً وذهابًا في سلسلةٍ من الارتدادات اللافتة، وانتهى بها الحال إلى الاصطدام بالكرة الحمراء ودفعها مباشرةً إلى منتصَف فتحة الهدف. هتفَ في سعادةٍ وهو يسترجع الكرة من الفجوة: «هكذا يكون التصويب. فهذه هي الطريقة المثلى للعب، كما تعلمين؛ الملاحظة الدقيقة والمتأنِّية التي يتبعها تصرُّفٌ دقيق. فإذا اتبعتِ هذه الطريقة في فعل الأشياء، فستحصلين على النتيجة التي ترغبين فيها.»

لم يردَّ رفيقه على الإطلاق، لكنه اتخذ موضعَه على الطاولة ووجَّه ضربةً غير مفهومة عند الإشارة إليه. بعد ما مرَّت به أليس مؤخرًا لم تكن تتفاجأ في الواقع حين اكتشفت أن الكرة اندفعت كالقذيفة في جميع الاتجاهات في الوقت نفسه، بحيث لم يكن ثمة جزء من الطاولة لا يُمكنها الجزم بأن الكرة لم تذهب إليه، على الرغم من أنها في الوقت نفسه لا يمكنها الجزم على الإطلاق بالمكان الفعلي للكرة. بعد لحظةٍ تحرَّك اللاعب نحو إحدى فتحات الأهداف وحدَّق فيها، ثم مدَّ يده فيها وأخرج كرةً حمراء.

قالت أليس: «إذا لم تكن تمانع قولي هذا، لكن يبدو لي أنك تمارس اللعبة بشكلٍ مختلفٍ تمامًا.»

ردَّ الميكانيكي الكلاسيكي: «هذا حقيقي بالفعل، فأنا أكره الطريقة التي يصوِّب بها كراته بهذا الشكل. فأنا أحب إنجاز كل شيء بحرص وإتقان بالغَين، وأن تخضع كل التفاصيل لتخطيط مُسبَق.» ثم أضاف قائلًا: «ومع ذلك، أتصوَّر أنك لم تأتِ إلى هنا لتشاهدينا ونحن نلعب البلياردو، ولذلك فلتُخبرينا بما تريدين معرفته.»

حكت أليس كل ما مرَّت به منذ جاءت إلى بلاد الكَم، وشرحت لهما مدى إصابتها بالتشوش والارتباك من كل هذا، وكيف بدا لها كل شيء غريبًا للغاية وغامضًا. أنهت حديثها قائلة: «بل إني حتى لا أعرف كيف استطعتُ العثور على هذا المبنى. فقد أخبروني أن التداخُل على الأرجح سيُحضرني إلى المكان الصحيح، لكنِّي لا أفهم ما حدث على الإطلاق.»

بادر الميكانيكي الكلاسيكي بالكلام، وقد بدا أنه قد عيَّن نفسه متحدثًا بالنيابة عنهما هما الاثنين؛ فهمس لها بثقة قائلًا: «حسنًا، الآن، لا يُمكنني القول إني أيضًا أفهم أيًّا من هذا كله. فكما قلت لكِ سابقًا، أنا أحب أن تكون الأشياء واضحةً ومحددة، بحيث يتبع السببُ المسبِّبَ بطريقة منطقية، وأن يكون كل شيء واضحًا ومتوقعًا. وإن أردتِ معرفة الحقيقة، فلا يُمثِّل كثيرٌ مما يحدث هنا أيَّ منطق بالنسبة إليَّ. فأنا مجرد زائر من العالم الكلاسيكي، وهو مكان رائع يحدث فيه كل شيء بدقة ميكانيكية. كذلك يتبع السببُ المسبِّبَ، في أسلوبٍ رائع يُمكن توقُّعه، ولهذا كل شيء فيه له منطق، ويُمكنك معرفة ما سيحدث. والأكثر من هذا، أن جميع القطارات تَنطلِق في مواعيدها.» أضاف هذا كفكرة إضافية.١

قالت أليس بأسلوبٍ مهذَّب: «يبدو هذا مثيرًا للإعجاب. إن كانت كل الأمور مرتبةً جيدًا هكذا، فهل يُدار كلُّ شيء باستخدام الكمبيوتر؟»

أجاب الميكانيكي الكلاسيكي: «حسنًا، لا؛ نحن لا نستخدم أجهزة الكمبيوتر على الإطلاق. ففي الواقع الأدوات الإلكترونية لا تعمل في العالم الكلاسيكي. فالوضع لدينا أفضل مع وجود المحرِّكات البخارية. فأنا أشعر بالفعل بالغربة في بلاد الكَم. أما صديقي هنا فهو أكثر ألفةً مني بالظروف الكَميَّة.»

واصل حديثه قائلًا بثقة: «ومع هذا، فأنا أستطيع أن أخبرك عن التداخل؛ فهو يحدث في الميكانيكا الكلاسيكية أيضًا. فقط اتبعيني وسوف أوضح لك طريقة عمله.»

أرشد أليس إلى الخارج عبر باب، وسارا في ممرٍّ قصير، ودخلا في غرفة أخرى، كانت هذه الغرفة جيدة الإضاءة، بها نور ساطع مُتساوي الشدة في كل مكان، ولم يكن واضحَ المصدر. وقَفا على ممرٍّ خشبي ضيق، يحيط بأطراف الحجرة. كانت الأرضية في منتصَف الغرفة مُغطاةً بمادة رمادية برَّاقة، لم يكن يبدو أنها صلبة. وكانت مُغطاةً بالكامل بومضات ضوءٍ عشوائية، بدت أشبه بشكل جهاز التليفزيون، حين لا يستقبل صورة.

شرح لها مرشدها أكثر قائلًا: «هذه غرفة الأفكار، وهي مختصَّة بالتفكير. أنتِ تعرفين أن كثيرًا من نوادي الرجال بها حُجرة للكتابة وحجرة للمطالعة. أما نحن فلدينا غرفة للتفكير. في هذه الغرفة يُمكن لأفكار أي شخص أن تتَّخذ شكلًا ملموسًا، وبذلك يمكن لأي شخص النظر إليها. ويسمح لنا هذا بإجراء تجارب ذهنية، وتسمح لنا هذه التجارب باستكشاف ما سيحدث في مختلف الأوضاع الفيزيائية، كما أن هذا بالتأكيد أرخص من التجارب الفعلية.»

سألت أليس: «كيف يحدُث هذا؟ هل يكفي أن تفكر فقط في شيءٍ ما حتى يظهر؟»

«هذا حقيقي، ففي الحقيقة هذا كل ما عليكِ فعله.»

سألت أليس: «من فضلك، هل يُمكنني تجربة هذا؟»

«أجل، بالتأكيد، إذا أردتِ.»

فكرت أليس بشدة وهي تنظر إلى السطح المتحوِّل ذي الوميض. وتفاجأت وابتهجت حين رأت أنَّ السطح الذي كان يخلو من الملامح من قبل، قد تحوَّل الآن إلى مجموعة من الأرانب المكسوَّة بالفراء تَقفز في كل مكان.

قال الميكانيكي بنفاد صبر: «حسنًا، هذا رائع للغاية، لكن هذا لا يُساعد في تفسير التداخل.» لوَّح بيده فاختفت كل الأرانب، كلها ما عدا واحدًا صغيرًا، وكان قد بقيَ دون أن يلاحظه أحد في أحد الأركان.

بدأ يتحدَّث بتسلُّط: «إن التداخل شيء يحدث مع الموجات. فقد تشمل النظم الفيزيائية جميع أنواع الموجات، لكن من الأسهل لنا تناول موجات الماء.» حدق بشدة في الأرض التي تحوَّلت أمام عينَي أليس إلى صفحة من الماء بها موجات بسيطة على سطحها. وفي الركن اختفى الأرنب تحت السطح إذ غطس على الفور حين تحوَّلت الأرض من تحته إلى ماء. سرعان ما كافح الماء للخروج مجدَّدًا وحدق فيهما بنظرة ساخطة، ثم هزَّ نفسه، ونظر في حزن إلى فروته المبتلَّة واختفى.

واصل الميكانيكي الكلاسيكي كلامه، دون إبداء أي اهتمام بالأرنب الحزين: «والآن نحن في حاجة إلى بعض الأمواج.» ظلَّت أليس تفكر بلطف وهي تنظر إلى الأرض، ثم جاءت موجةٌ طويلة شديدة التموج تكتسح السطح وانكسرت حتى اختفَت تمامًا على شاطئٍ على أحد الجوانب.

«لا، ليس هذا هو نوع الأمواج التي نريدها. فهذه الأمواج الضخمة المتكسِّرة معقَّدة للغاية، فنحن نحتاج إلى النوع ذي التموُّجات الخفيفة التي تنتشر حينما تُلقين بحجر في الماء.» وبينما كان يتحدَّث انتشرت مجموعة من التموجات الدائرية من وسط الماء إلى الخارج.

«لكنَّنا في حاجة إلى التفكير في نوع الأمواج الذي يُطلق عليه اسم «الموجات المستوية» التي تتحرَّك جميعها في الاتجاه نفسه.» تغيرت الموجات الدائرية إلى سلسلة من تموُّجات طويلة متوازية، تشبه حقلًا محروثًا مبللًا، تتحرَّك جميعها عبر الأرضية من جانبٍ إلى آخر.

«والآن نضع حاجزًا في المنتصف.» ظهر فجأةً سور صغير في المنتصف، وقسَّم الأرض إلى نصفين. تدفقت الأمواج نحو الحاجز، وكانت تصطدم به وترتدُّ عنه وتتدافع لأعلى وأسفل، لكن لم يكن ثمة سبيل لهما للعبور، وكان الماء من خلف كل هذا ساكنًا وهادئًا.

«والآن علينا بعمل ثقب في هذا الحاجز، حتى تمرَّ الموجات عبره.» ظهرت فجوة صغيرة مُتقَنة جهة اليسار من مركز السور. وحين ارتطمت الموجات بهذه الفجوة الضيقة استطاعَت المرور عبرها والانتشار إلى الخارج في صورة تموُّجات دائرية في داخل المنطقة الهادئة خلف السور.

صاح الميكانيكي: «والآن انظري ماذا يَحدث عندما يكون لدينا فتحتان في الحاجز». وفجأة ظهرَت فجوتان على يمين نقطة المركز ويسارها. انتشرت تموجات دائرية من كلتا هاتين الفجوتين نحو الخارج. وعند تقاطعها استطاعت أليس أن ترى أن الماء كان يندفع صعودًا وهبوطًا في بعض المناطق بشدة أكبر مما كان عليه حين كانت توجد فتحة واحدة فقط، في حين أنه لم يكن بالكاد يتحرك في مناطق أخرى وكانت المياه راكدة في مكانها.

«يمكنكِ رؤية ما يحدث إذا جمَّدنا الحركة، ويمكننا فعل هذا بالتأكيد في تجربة ذهنية.» توقفت كل حركة في الماء وتجمدت أنماط التموجات في مكانها، كما لو أن المنطقة بأكملها قد تحولت إلى جليد.

واصل الميكانيكي الكلاسيكي حديثه في إصرار: «والآن سوف نحدد المناطق ذات السعات القصوى والدنيا. والسعة هي مقدار تحرُّك الماء من مستوى السطح الذي كانت عليه حين كانت هادئة.» ظهر سهمان مضيئان معلقان في الفضاء فوق السطح. كان أحدهما بلون التفاح الأخضر وكان يشير إلى الأسفل نحو نقطة اشتد فيها اضطرابُ الماء إلى أقصى حد. وكان الآخر لونه أحمر باهت ويشير إلى نقطة لم يكن السطح فيها مضطربًا على الإطلاق.

قال في حماسٍ مطرد: «سنتمكن من رؤية ما يحدث بالضبط إن نظرنا إلى تأثير فتحة واحدة فقط في كل مرة.» اختفت إحدى الفجوتين في السور ولم يتبقَّ سوى التموجات الدائرية المنتشرة نحو الخارج من الفتحة الأخرى، على الرغم من بقائها متجمدة في مكانها كما لو كانت مصنوعة من زجاج. «والآن سننتقل إلى الفتحة الأخرى.» لم تستطع أليس إلا أن ترى اختلافًا طفيفًا للغاية عندما حدث هذا. تحرَّك مكان الفجوة قليلًا، وتحرَّك نمط التموجات الدائرية الخارجة منها على نحوٍ طفيف للغاية، لكنها بوجهٍ عام بدت كما كانت من قبل. قالت أليس: «أخشى أني لا أستطيع فهم ما تحاول أن توضحه لي. فتبدو الحالتان متماثلتين تمامًا بالنسبة إليَّ.»

«ستتمكنين من رؤية الاختلاف إذا انتقلنا سريعًا من حالة إلى أخرى.» والآن قفزت الفجوة في السور ذهابًا وإيابًا، أولًا إلى اليمين، ثم إلى جهة اليسار. ومع تحرُّكها انتقل نمط التموجات الموجودة على السطح قليلًا إلى الخلف والأمام.

صاح الميكانيكي، الذي بدا لأليس أن حماسه قد تزايد بشأن الموضوع دون مبرر: «انظري إلى أنماط الموجات تحت السهم الأخضر». ومع ذلك، فعلت ما طُلب منها ورأت أنه عند النقطة المشار إليها كان ثمة نتوءٌ في كل حالة من الحالتين. «فقد أنتجت كل فجوة في السور موجةً مرتفعةً عند هذه النقطة تحديدًا، ولهذا حين كانت الفجوتان مفتوحتين كان ارتفاع الموجة ضعف هذا الارتفاع، وإجمالي ارتفاع الماء وانخفاضه أكبر بكثير مما كان عليه عند فتحة واحدة. يطلق على هذا «التداخل البنَّاء».»

«والآن انظري إلى أنماط الموجات تحت السهم الأحمر.» وهنا رأت أليس أنه في حين أدت إحدى الفجوتين إلى حدوث قمة في الماء عند تلك النقطة، أحدثت الأخرى قاعًا في السطح. «يمكنك رؤية أنه في هذا المكان ترتفع الموجة من إحدى الفجوتين إلى الأعلى، بينما تنخفض الموجه من الفجوة الأخرى إلى الأسفل، ولهذا حين توجد قمة وقاع معًا يلغي كلٌّ منهما الآخر، ولا يظهر أي تأثير بوجه عام. ويطلق على هذا «التداخل الهدَّام».»

«هذا بالفعل كل ما يتعلق بتداخل الموجات. فحين تتداخل موجتان وتندمج إحداهما بالأخرى فإن سعاتهما؛ مقدار ارتفاعهما أو انخفاضهما، تندمجان معًا. ففي بعض الأماكن تتجه الموجات المشاركة جميعها نحو الاتجاه ذاته، ولهذا تتراكم الاضطرابات ونحصل على تأثير هائل. وقد تذهب، في مواضع أخرى، في اتجاهات مختلفة ويلغي بعضها بعضًا.»

قالت أليس: «أجل، أعتقد أني أفهم هذا. إذن فأنت تقول إن الأبواب في البنك كانت تتصرف إلى حدٍّ ما مثل الفجوات في السور هنا، وأحدثت نوعًا ما من التأثيرات الضخمة في المكان الذي كنت أرغب في الذهاب إليه، وألغت تأثير بعضها في المواضع الأخرى. ومع ذلك لا أستطيع أن أرى كيف ينطبق هذا في حالتي. ففي حالة موجات الماء هذه، فأنت تقول إن ثمة وفرة من الموجات في أحد الأماكن وندرة في مكان آخر بسبب هذا التداخل، لكن الموجة منتشرة على المساحة بأكملها، في حين أكون أنا طوال الوقت في مكان واحد فقط في أي وقت.»

صاح الميكانيكي الكلاسيكي في انتصار: «بالضبط؛ فهذه هي المشكلة. فكما تقولين، أنت تكونين في مكان واحد فقط. فأنت أقرب في الشبه إلى الجسيم منك إلى الموجة، والجسيمات تتصرف بشكل مختلف تمامًا في العالم الكلاسيكي المنطقي. فالموجة تنتشر فوق مساحة واسعة وأنتِ تنظرين فقط إلى جزءٍ صغير منها من أي موضع. وبسبب التداخل يمكنك رؤية قدر أكثر أو أقل منها في أماكن مختلفة، لكنك مع ذلك لا ترين إلا جزءًا صغيرًا فقط من الموجة الكاملة أينما نظرتِ. ومن ناحية أخرى، فإن الجسيم يوضع في نقطة ما. فحين تنظرين في الأماكن المختلفة إما تجدين الجسيم بأكمله أو أنك ببساطة لا ترينه. ففي الميكانيكا الكلاسيكية لا يوجد مجال لإظهار الجسيمات لآثار التداخل، كما نظهر نحن.»

إن التداخل كلاسيكيًّا هو خاصية للموجات؛ فهو يحدث عند تلاقي سعات أو اضطرابات من مصادر مختلفة معًا، حيث من الممكن أن تتراكم في بعض الأماكن أو يلغي بعضها بعضًا. وينتج عن هذا مناطق ذات نشاط كثيف وأخرى ذات نشاط منخفض على التوالي. ويمكن للمرء رؤية مثل هذا التأثير في النمط الناتج عن الآثار التي يخلفها زورقان في الماء تتقاطع مساراتهما معًا. كذلك قد ينتج عن آثار التداخل استقبال سيئ في جهاز التليفزيون عندما تتداخل موجات منعكسة من مبنًى مع إشارة البث المباشرة. فالتداخل يتطلب توزيعات ممتدة ومتداخلة. أما الجسيمات فتتواجد كلاسيكيًّا في موضع واحد ولا تتداخل.

تحوَّل بعد ذلك نحو أرضية «غرفة الأفكار» وحدِّق فيها بجدية. فإذا بالسطح يتحول من ماء إلى مساحة ملساء من درع فولاذي، بحواجز مدرعة حول الحواف، مرتفعة بما يكفي كي يختبئوا خلفها. وبات هناك الآن حائط مصفح مرتفع مارًّا في منتصف الأرضية حيث كان السور المنخفض يمتد عبر الماء. وكان بهذا الحائط المصفح شق ضيق إلى اليسار قليلًا من مركزه. قال: «والآن يمكننا النظر إلى الشكل نفسه، لكنني غيَّرته بحيث نستطيع رؤية الجسيمات السريعة. فهذه الجسيمات تشبه الرصاصات المنطلقة من مسدس؛ لذلك فهذا هو ما سنستخدمه.»

أومأ تجاه نهاية الغرفة حيث ظهرت بندقية آلية قبيحة الشكل مع صناديق ذخيرة كثيرة مكدسة بجوارها. ثم قال فجأة: «ركيزة هذه البندقية الآلية غير ثابتة، ولهذا فإنها لن تطلق النار في الاتجاه نفسه طوال الوقت. فبعض الرصاصات ستصيب الفجوة في الحائط وتمر عبرها، تمامًا مثلما فعل جزء الموجة الذي رأيناه في آخر تجربة ذهنية أجريناها. أما الأغلب فسيصيب، بكل تأكيد، الحائط الفولاذي وترتد عنه. آه، وهذا يذكِّرني أنه من الأفضل لنا أن نرتدي هذه في حال ما إذا أُصبنا بأيٍّ من الرصاصات المرتدة.» استحضر خوذتين من الفولاذ وأعطى أليس واحدةً منهما.

سألت أليس: «هل نحن فعليًّا بحاجة لهذه؟ فإن كانت هذه مجرد تجربة ذهنية، فمن المؤكد أن هذه مجرد رصاصات ذهنية، ولا يمكن أن تسبب لنا أي ضرر.»

«حسنًا، ربما، لكنك ربما تعتقدين أنكِ قد أُصبت بالرصاص فعليًّا، وهذا لن يكون شعورًا لطيفًا، كما تعلمين.»

ارتدت أليس الخوذة، ولم تشعر بوجودها فوق رأسها، ولم تعتقد أنها ستكون ذات أدنى فائدة، ولكن لم يبدُ أن ثمة أي فائدة من الاستمرار في الجدال أكثر من هذا. وقف الميكانيكي منتصبًا ولوَّح بيده في مهابة، فبدأت البندقية في إطلاق الطلقات في صخب شديد. اندفعت الطلقات إلى خارج البندقية في تيار غير ثابت، وضربَ معظمها الحاجز المصفَّح وارتدت في جميع الاتجاهات، لكن مرَّ القليلُ منها عبر الفتحات الموجودة في الحاجز وضربت الحائط المقابل. رغبت أليس بشدة في الإشارة إلى أن الرصاصات عندما تضرب هذا الحائط، فإنها تتوقف على الفور، ثم ترتفع ببطء في الهواء وتبقى معلَّقة في الفضاء، فوق النقطة التي ضربت الحائط فيها مباشرةً.

«وكما ترين، فبينما كانت موجة الماء منتشرةً على الحائط البعيد بأكمله، فإن الرصاصة تصطدم به في مكان واحد فقط. ومع ذلك، ففي هذه التجربة ثمة احتمال أكبر أن تضرب الرصاصة الحائط البعيد في المكان المقابل للتجويف في الحاجز أكثر من احتمال ارتدادها عن حافة التجويف وانتهاء الحال بها في مكان بعيد على الجانب. وإذا انتظرنا قليلًا فسنرى مدى اختلاف الاحتمالات بين النقاط المختلفة على طول الحائط.» وبمرور الوقت وامتلاء الهواء بالرصاص المتطاير، تزايد عدد الرصاصات المعلقة فوق الحائط على نحو ثابت. وبينما كانت أليس تنظر استطاعت رؤية نمط محدد يتكون على الحائط.

أشار الميكانيكي حين سكتت البندقية: «هناك، ترَين كيف توزع الرصاص الذي مر عبر الشق على طول الحائط. فقد انتهى الحال بالغالبية العظمى منه قبالة الثقب مباشرةً، ويقل العدد تدريجيًّا بثبات على الجانبين. والآن انظري إلى ما سيحدث عند تغيير موضع الشق قليلًا نحو اليمين.» وبإشارة أخرى من يده سقط الرصاص المعلق في الهواء على الأرض، وبدأت البندقية في إطلاق الرصاص من جديد. وعلى الرغم من أن هذا العرض كان صاخبًا ويثير الاضطراب إلى حد ما، فقد رأت أليس أن النتيجة النهائية كانت تمامًا كتلك التي حدثت في المرة السابقة. بصراحة، كان هذا مخيبًا للآمال.

قال الميكانيكي بثقة في غير محلها: «كما ترين فإن هذا التوزيع يشبه تمامًا التوزيع السابق، لكنه تحرك قليلًا جهة اليمين لأن مركزه الآن أصبح أمام الموقع الجديد للشق.» لم تستطع أليس رؤية أي فارق على الإطلاق، لكنها كانت مستعدة لقبول كلامه على أنه مسلَّم به.

واصل الميكانيكي حديثه في تأثر بالغ: «والآن، فلتنظري إلى ما سيحدث عند فتح الشقين معًا.» بحسب ما رأته أليس لم يحدث هذا فرقًا كبيرًا، فيما عدا أن رصاص أكثر قد مرَّ عبر الحاجز ليضرب الحائط البعيد … وهذه المرة قررت أليس أن تعلِّق على الأمر، فقالت معتذرةً: «أخشى أنها في كل مرة تبدو لي وكأنها هي نفسها بالضبط.»

ردَّ الميكانيكي في رضًا وحبور: «بالضبط، فيما عدا أن مركز توزيع الرصاص يقع في المنتصف بين الثقبين، كما لاحظتِ بالتأكيد. فلدينا توزيع واحد لاحتمال مرور الرصاص عبر الشق الأيسر، واحتمال واحد آخر لتوزيع احتمال مرور الرصاص عبر الثقب الأيمن. وعند فتح الشقين معًا فإن الرصاص من الممكن أن يمر عبر أي من الشقين؛ لذلك فإن التوزيع الكلي يأتي من مجموع الاحتمالات التي نحصل عليها من احتمالات الشقين بمفردهما، بما أن الرصاص يجب أن يمر عبر أيٍّ منهما. فلا يمكن لها أن تمر عبر الاثنين معًا، كما تعلمين.» قال هذا الكلام مخاطبًا ميكانيكي الكَم الذي دخل الحجرة للتو.

ردَّ زميله: «أنت تقول هذا، لكن كيف يمكنك أن تكون متأكدًا بهذه الدرجة؟ فقط انظر إلى ما سيحدث عندما نكرر تجربتك الذهنية باستخدام الإلكترونات.»

لوَّح ميكانيكي الكَم هذه المرة نحو أرضية الحجرة بيده. لم تكن إيماءاته حازمةً مثل حركات رفيقه، لكن بدا أنها كانت فعالة تمامًا بالقدر نفسه. اختفت البندقية والجدران المدرعة، اختفت جميعًا. عادت الأرضية إلى المادة البراقة التي رأتها أليس في البداية، لكن الحائط ذا الشقين بالقرب من منتصفه، والذي بات وجوده مألوفًا الآن، كان ما زال موجودًا ويمتد عبر منتصف الأرضية. وفي الجانب البعيد من الأرضية كانت ثمة شاشة عريضة تُصدِر وهجًا أخضر اللون. همسَ الميكانيكي في أذن أليس قائلًا: «هذه شاشة مشعة؛ فهي تومض إذا اصطدم بها إلكترون، ولهذا يمكن استخدامها في الكشف عن أماكن وجودها.»

في طرف الأرضية المقابل، حيث كانت البندقية الآلية من قبل، كان ثمة مدفع آخر. كانت بندقية قصيرة وصغيرة، مثل نسخة مصغرة من المدافع التي يُطلق منها الناس أحيانًا في عروض السيرك. تساءلت أليس: «ما هذا؟»

«إنه مدفع إلكترونات بكل تأكيد.» عندما أمعنت أليس النظر أكثر، استطاعت أن ترى بضع درجات من السلم تؤدي إلى فوهة المدفع وصفًّا من الإلكترونات في انتظار إطلاقها منه. بدت هذه الإلكترونات أصغر كثيرًا مما كانت عليه حين رأتها في آخر مرة. قالت أليس في نفسها: «لكن بالتأكيد، هذه مجرد إلكترونات ذهنية.»

عندما نظرت إليها تفاجأت حين رأتها تلتفت وتلوِّح إليها. تسألت أليس في نفسها: «أتساءل، كيف تعرفني؟ لكني أفترض أنها جميعًا نفس الإلكترون الذي قابلته من قبل!»

أصدر ميكانيكي الكَم أمرًا فقال: «ابدأ الإطلاق!» فأسرعت الإلكترونات تصعد درجات السلم وتدخل في المدفع لتنطلق منه في تدفقٍ ثابت. لم تستطع أليس التمييز بينها على الإطلاق عندما انطلقت محلِّقة في الهواء، لكنها رأت وميضًا لامعًا في مكان اصطدام كلٍّ منها بالشاشة. مع تلاشي كل وميض كان يترك وراءه نجمة لامعة صغيرة، ترتفع فوق الشاشة وتبقى مكان هذا الوميض كي تمثل علامة على الموضع الذي هبط فيه الإلكترون.

وكما حدث في حالة البندقية الآلية من قبل، فقد استمر مدفع الإلكترونات في إطلاق تدفق من الإلكترونات، وبدأت مجموعات من النجوم الصغيرة اللامعة تتكدس في توزيع واضح المعالم. في البداية لم تكن أليس متأكدة من ماهية الشكل الذي تراه، لكن مع تزايد عدد النجوم الصغيرة المنتشرة، كان من الواضح أن توزيعها كان مختلفًا تمامًا عن ذلك التوزيع السابق لأكوام الرصاص.

فبدلًا من الانخفاض الثابت البطيء من العدد الأكبر عند المركز، كانت النجوم مرتبة الآن في شكل شرائط بها فجوات معتمة بين مواضع العلامات المضيئة القليلة، إن وجدت. أدركت أليس أن هذا الأمر أشبه نوعًا ما بما رأته في حالة موجات الماء؛ إذ كانت توجد مناطق ذات نشاط مرتفع تتخللها مساحات هادئة. والآن كانت توجد مناطق تُرصد فيها أعداد كبيرة من الإلكترونات، في حين توجد أعداد قليلة جدًّا من الإلكترونات في المساحات التي تتخللها. ولذلك عندما تكلم ميكانيكي الكَم، لم يكن لكلامه وقعٌ مفاجئ على أليس: «يوجد هناك، كما ترين، تأثير تداخل واضح. فمع موجات الماء كانت ثمة مناطق أكثر حركة وأقل حركة على سطح الماء. والآن فإن كل إلكترون سيُرصَد في موضع واحد فقط، لكن تختلف احتمالية رصد الإلكترون من موضع لآخر. فقد استبدل توزيع شدة الموجة، الذي رأيته من قبل، بتوزيع الاحتمالات. لا يكون هذا التوزيع واضحًا في ظل وجود إلكترون واحد أو اثنين، ولكن عند استخدام الكثير من الإلكترونات فسنجد عددًا أكبر منها في المناطق ذات الاحتمال المرتفع. وفي ظل وجود شق واحد فقط، سنجد أن التوزيع ينخفض بسلاسة ليقتصر على أحد الجانبين، تمامًا مثلما حدث في حالة الرصاص أو موجات الماء، عند وجود شقٍ واحد فقط. وفي هذه الحالة نرى أنه عند وجود شقين مفتوحين فإن السعة من كلا الشقين تتداخل وينتج عن هذا قمم وقيعان واضحة في توزيع الاحتمالات. إذن فإن سلوك الإلكترونات مختلف تمامًا عما في رصاص صديقك.»

البرهان التجريبي الأقوى للسلوك الكَمِّي يمكن الحصول عليه من ظاهرة التداخل. فعندما يكون من المحتمل أن تحدث إحدى النتائج المرصودة بطرقٍ عدة، فستوجد إذن سعة لكل طريقة محتمَلة لحدوث تلك النتيجة. علاوةً على ذلك، إذا حدث واجتمعت هذه السعات معًا على نحو ما، فحينئذٍ يمكن أن تضاف معًا هذه السعات أو تُطرَح ويُظهِر التوزيع الكلي للاحتمالات حدًّا أعلى وحدًّا أدنى مميزين؛ نطاقاتٍ من الكثافة والفراغ بالتبادل. يُرى ذلك التأثير عمليًّا حيثما يحتمل توقعه. ويؤدي نوع من التداخل إلى ظهور حالات الطاقة المميزة والمحددة التي تحدث في الذرات. ووحدها الحالات التي تتوافق توافقًا تامًا ضمن الاحتمالات سوف تتداخل إيجابيًّا منتجةً حدًّا أقصى ذا احتمالٍ قوي. وأي حالات أخرى سوف يلغي بعضها بعضًا ومن ثمَّ لن تكون موجودة.

قالت أليس: «أنا لا أفهم.» فقد بدا لها أن هذا هو ما تقوله طوال الوقت. «هل تعني أن ثمة الكثير من الإلكترونات التي تمر، ولهذا فإن الإلكترونات التي تمر عبر إحدى الفتحات تتداخل، بشكلٍ ما، مع تلك التي تمر عبر الفتحة الأخرى؟»

«لا، ليس هذا ما قصدته، ليس هذا على الإطلاق. فسترين الآن ما يحدث عندما يوجد إلكترون واحد فقط محلِّقًا في أي وقت.» صفق بيديه وصاح قائلًا: «حسنًا! دعونا نكرر هذا، لكن ببطء هذه المرة.» اندفعت الإلكترونات، أو لتحري الدقة، تسلق إلكترون واحد إلى داخل المدفع وانطلق. ظلت البقية جالسة حيث كانت. وبعد فترة تسلق إلكترون آخر إلى داخل المدفع ثم انطلق أيضًا. استمر هذا الحال لبعض الوقت، واستطاعت أليس ملاحظة ظهور النمط نفسه من التكتلات والفجوات. إن هذه التكتلات والفجوات ليست على القدر نفسه من الوضوح كما كانت من قبل؛ وذلك لأن المعدل البطيء الذي تصل به هذه الإلكترونات يعني عدم وجود عدد كبير منها في التكتلات، لكن النمط كان واضحًا بما يكفي. «ترين هناك أن تأثير التداخل يعمل بالكفاءة نفسها بالضبط حتى عندما لا يوجد إلا إلكترون واحد فقط في أي وقت. فيمكن لإلكترون واحد بمفرده أن يُظهر تداخلًا. فيمكنه المرور عبر الشقين معًا ويتداخل مع نفسه، إن جاز التعبير.»

صاحت أليس: «لكن ذلك سخيف! فلا يمكن لإلكترون واحد أن يمر عبر الشقين. فكما قال الميكانيكي الكلاسيكي، إن هذا غير معقول تمامًا.» ذهبت نحو الحاجز ودققت النظر فيه، في محاولة لرؤية المكان الذي مرت منه الإلكترونات في أثناء عبورها خلال الشقين. مع الأسف كانت الإضاءة ضعيفة وكانت الإلكترونات تتحرك بسرعة شديدة، حتى إنها لم تستطع أبدًا تحديد أي من الشقين كان كل إلكترون يعبر. فكرت أليس: «هذا سخيف، فأنا أحتاج إلى المزيد من الضوء.» لقد نسيت أنها كانت في «غرفة الأفكار»، جفلت عندما ظهر مصدر ضوء شديد معلقًا على حامل بجوار مرفقها. وجَّهت الضوء بسرعة نحو الشقين وفرحت للغاية حين رأت أنه قد أصبح من الواضح الآن ظهور ومضة مرئية بالقرب من أحد الشقين عندما يمر الإلكترون عبر أي منهما. صاحت: «لقد فعلتها! أستطيع رؤية الإلكترونات وهي تمر عبر الشقين، والأمر يحدث بالضبط كما قلتُ؛ فكل واحد من الإلكترونات يمر بالفعل عبر شق واحد فقط.»

ردَّ ميكانيكي الكَم بجدية: «حسنًا، لكن هل نظرتِ لترَي ما الذي يحدث لنمط التداخل؟» عادت أليس لتنظر نحو الشاشة البعيدة، فأصابها الذهول عندما رأت أن توزيع النجوم الصغيرة قد تضاءل بسلاسة مع الابتعاد عن المركز الممتلئ بالحد الأقصى من النجوم، بالضبط مثل التوزيع الذي رأته للرصاصات الكلاسيكية. لم يبدُ هذا الأمر عادلًا على الإطلاق.

قال ميكانيكي الكَم محاولًا التلطيف: «هذه هي الطريقة التي تجري بها الأمور دائمًا، وليس في استطاعتك فعل أي شيء حيال هذا. فإن لم تتمكني من ملاحظة أي ثقب تمر الإلكترونات عبره، فهذا يعني حدوث تداخل لديكِ بين تأثيرات الثقبين. أما إذا لاحظتِ بالفعل الإلكترونات، فستجدينها في الواقع في مكان واحد فقط من الاثنين، وليست في الاثنين معًا، ولكنها في هذه الحالة ستتصرف أيضًا كما تتوقعين لو أنها عبرت من خلال ثقب واحد فقط ولن تحصلي على أي تداخل. المعضلة تكمن في أنه لا توجد أي طريقة يمكن بها النظر إلى الإلكترونات دون إزعاجها، مثلما فعلتِ عندما سطلتِ هذا الضوء عليها؛ ذلك أن عملية الرصد في حد ذاتها تدفع الإلكترونات إلى اختيار مسار فعل واحد. لا يهم إذا ما حددتِ أي ثقب يمر عبره الإلكترون، أو لم تحددي. ولا يهم أيضًا إذا كنتِ على دراية بالثقب الذي قد مر من خلاله؛ فأي رصد قد يخبرك بهذا من شأنه أن يزعج الإلكترون ويوقف التداخل. فتأثيرات التداخل لا تحدث إلا عندما لا يكون ثمة أي وسيلة يمكنك من خلالها معرفة أي شق مر الإلكترون من خلاله. فلا يهم سواء كنت تعرفين هذا أو لا.

ومن ثَمَّ كما ترين، فعندما يوجد تداخل يبدو كما لو أن كل إلكترون يمر من خلال الشقين معًا. وإذا حاولتِ تفقُّد هذا فستجدين أن الإلكترونات مرت عبر ثقب واحد فقط، ولكن عندها يختفي التداخل. فأنتِ لن تستطيعي الانتصار أبدًا!»

فكرت أليس في ذلك لوهلة وحسمت الأمر فقالت: «هذا سخيف للغاية!»

ردَّ عليها الميكانيكي بابتسامة فيها قدر كبير من الاعتداد بالنفس: «بكل تأكيد هو كذلك. أتفق معك أنه بالفعل أمر سخيف للغاية، ولكن بما أنه قد تصادف أيضًا أن تكون هذه هي الطريقة التي تتصرف بها الطبيعة فيجب علينا التأقلم معها. إنه التكامل، وهذا بالضبط ما أقوله!»

سألته أليس: «هلا أخبرتني من فضلك عما تقصده بالتكامل؟»

«بكل تأكيد، أقصد بالتكامل أن هناك أشياء معينة لا يمكنك معرفتها، أو على الأقل ليس جميعها في الوقت نفسه.»

عارضته أليس وقالت: «كلمة التكامل لا تعني هذا.»

ردَّ الميكانيكي: «إنها تعني هذا عندما أستخدمها أنا. فالكلمات تعني ما أختاره لها. إن المسألة تكمن فيمن تكون له السيادة، هذا كل ما في الأمر. إنه تكامل، وهذا ما أقوله.»

حاولت أليس، التي لم تقتنع تمام الاقتناع بتأكيده الأخير، لفت انتباهه فقالت: «لقد قلت هذا من قبل.»

في ميكانيكا الكَم، الجسيم يشبه الموجة والموجة تشبه الجسيم؛ إنهما الشيء نفسه. فيُظهر كل من الضوء والإلكترونات تأثيرات التداخل، لكن عند رصدهما فإنهما يظهران في صورة كموم مفردة ويُرصد كل منهما في مكان واحد. إن التداخل بين المسارات المختلفة التي يمكن للجسيم أن يتخذها يسفر عن نمط من توزيع الاحتمالات، له حدود عليا وحدود دنيا، يزيد فيها احتمال رصد الجسيم في موضع معين عن موضع آخر.

ردَّ الميكانيكي: «لا، لم أفعل. فهذه المرة تعني هذه الكلمة وجود أسئلة لا يمكنك طرحها عن الجسيم، مثل أين يوجد، وفي الوقت نفسه، ما السرعة التي يتحرك بها. في الحقيقة ربما لا يوجد معنًى فعليًّا للحديث عن وجود موقع محدد للإلكترون.»

قالت أليس بحدة: «إن هذا موضوع كبير لا يمكن وصفه في كلمة واحدة!»

أجاب الميكانيكي: «هذا مؤكد، لكنني عندما أجعل كلمةً تحمل معنًى إضافيًّا مثل هذا فإني أتحمل تبعاتها بقدر أكبر. أخشى أني بالفعل لا أستطيع تفسير ما يحدث للإلكترونات. فالتفسير يكون مطلوبًا عادةً من أجل التوصل إلى فهم على ضوء الأشياء التي نعرفها، وهذا لا ينطبق على فيزياء الكَم. فتبدو الأمور فيها غير منطقية، ولكنها فعَّالة. وأعتقد أنه من الأسلم أن نقول إنه فعليًّا لا أحد يفهم ميكانيكا الكَم؛ لذلك لا يمكنني التفسير. إلا أنه يمكنني أن أخبركِ بطريقةٍ ما وصف ما يحدث. تعالَي لندخل الحجرة الخلفية وسأبذل كل ما في وسعي حتى أشرح لكِ.»٢

تركا حجرة الأفكار، التي عادت أرضيتها إلى شكلها الأصلي البراق، ومشيا معًا في ممرٍّ قادهما إلى حجرة أخرى مؤثَّثة بمقاعد وثيرة منتشرةٍ في أرجاء الغرفة. وعندما استقرَّا في جلستهما واصل ميكانيكي الكَم حديثه قائلًا: «عندما نتحدث عن حالة مثل حالة مرور الإلكترونات عبر الشقين، فإننا نصف هذا في صورة سعة. وهذه السعات تشبه الموجة التي سبق ورأيتها وفي الواقع يُطلق عليها «دالة الموجة» بدلًا من هذا. يمكن للسعة أن تمر عبر الشقين معًا، ولا تكون دومًا موجبة مثل الاحتمال. فإن أقل احتمال يمكن الحصول عليه هو صفر، لكن السعة قد تكون موجبة أو سالبة؛ لذلك فالأجزاء من المسارات المختلفة من الممكن أن يلغي بعضها بعضًا أو تُضاف بعضها إلى بعض فتصنع تداخلًا، مرةً أخرى بالضبط مثل موجة الماء.»

سألت أليس: «إذن فأين الجسيمات؟ وأي شق بالضبط الذي تمر من خلاله بالفعل؟»

«في الواقع، لا تخبركِ السعة عن ذلك، ولكن إذا عملتِ على تربيع السعة، وذلك عن طريق ضربها في نفسها، فتنتج عن ذلك قيمة موجبة دائمًا، فإن هذا يعطيكِ توزيعًا للاحتمالات. فإذا اخترتِ أي موضع فإن هذا سيخبرك باحتمالية عثورك على الجسيم في ذلك الموضع عندما تحاولين رصده.»

صاحت أليس: «هل هذا هو كل ما يمكنها أن تخبرك به؟ لا أجد أمامي غير أن أقول إن هذا لا يبدو مُرضيًا بقدر كبير؛ فلا يمكنك أبدًا معرفة المكان الذي سيوجد فيه أي شيء.»

«أجل، هذا صحيح إلى حد كبير، فبالنسبة إلى جسيم واحد لا يمكنك معرفة المكان الذي ستجدينه فيه، فيما عدا أنه بكل تأكيد لن يكون موجودًا في مكانٍ احتمال وجوده فيه صفر. أما في حال وجود عدد كبير من الجسيمات، فيمكنك التأكد تمامًا من أنك ستعثرين على عدد كبير منها حيث يكون الاحتمال مرتفعًا، مع وجود عدد قليل منها في أماكن انخفاض الاحتمال. أما في حال وجود عدد كبير للغاية من الجسيمات، فسيكون في إمكانك تحديد أين سينتهي الحال بأكبر كم منها بدقة. وكان هذا هو حال عمَّال البناء الذين أخبرتنا عنهم. فقد كانوا يعرفون ما الذي سيحصلون عليه بسبب استخدامهم لعدد كبير من قوالب الطوب. فالموثوقية الإجمالية لعدد كبير تكون جيدة جدًّا.»٣

كرَّرَت أليس كلامها، حتى تستوضح فقط هذا الأمر: «ولا يوجد سبيل لمعرفة سلوك كل جسيم على حدة إلا من خلال رصده؟»

«لا، لا يوجد سبيل على الإطلاق. فعندما يكون الشيء الذي ترصدينه يسلك سلوكًا بطرق عدة مختلفة، ففي هذه الحالة توجد سعة لكل طريقة مُحتمَلة. ويُمكن حساب السعة الكلية عن طريق جمع كل تلك السعات معًا. فيحدث في هذه الحالة تراكب كَمِّي للحالات. فهذا يَعني إلى حدٍّ ما أن الجسيم يفعل جميع الأشياء التي يُمكنه فعلها. إن الأمر لا يَقتصِر على عدم معرفتك بما يفعله الجسيم فحسب، بل إنَّ التداخل يظهر أن الاحتمالات المختلفة المُمكنة جميعها موجودة وتُؤثر في بعضها. فبطريقةٍ ما تكون جميعها مُتساوية في كونها حقيقة واقعة؛ فكلُّ ما ليس ممنوعًا يكون إلزاميًّا.»

«حسنًا، فقد رأيتُ هذا في لافتة معلَّقة في البنك، وقد بدَت صارمة للغاية.»

«سيكون من الأفضل لو صدقتِ في مُحتواها! فهي تُمثِّل إحدى القواعد الرئيسية هنا. فحين تُوجد أشياء كثيرة مُحتمَلة الحدوث، فإنها جميعًا تحدث. انظري إلى القطة على سبيل المثال.»

سألت أليس وهي تنظر حولها في تشوُّش: «أيُّ قطة؟»

«قطة شرودنجر بكل تأكيد، تلك الموجودة هناك. لقد تركها معنا كي نعتني بها.» نظرت أليس نحو الركن حيث يُشير الميكانيكي ورأت قطة كبيرة مخطَّطة تنام داخل سلة في الركن. وبدا كما لو أنها استيقظت لمجرَّد سماع اسمها، فوقفت وتمطَّت؛ أو بالأحرى فعلَت هذا ولم تَفعله. استطاعت أليس رؤية هذا، بالإضافة إلى الشكل المُبهَم بعض الشيء للقطة الواقفة بظهرٍ مقوَّس في السلة، فبدا كما لو أن ثمَّة قطة أخرى تُشبهها تمامًا ما زالت مستلقية في قاع السلة. كانت متخشِّبة للغاية ولا تتحرَّك وترقد في وضع غير طبيعي إلى حدٍّ كبير. وكانت أليس تكاد تقسم بأنها ميتة من مظهرها هذا.

«لقد اخترع شرودنجر تجربة ذهنية تقبع فيها قطة تعيسة الحظ حبيسةً داخل صندوق مع قنينة تحتوي على غاز سام، وآلية لكسر تلك القنينة، هذا إن تعرضت عينة من مادة مشعَّة للتحلل. الآن نجد أن هذا التحلُّل عملية كَميَّة بكل تأكيد. ربما تتحلل تلك المادة وربما لا تتحلل، وبحسب قوانين فيزياء الكَم فسيحدث تراكب كَمِّي للحالات، تتحلَّل المادة المشعَّة في بعض من تلك الحالات، وفي البعض الآخر لا يحدث التحلل. وبالطبع في الحالات التي يحدث فيها التحلل تموت القطة، وبذلك يَحدُث تراكب كَمِّي لحالات القطة، فتكون في بعض الحالات ميتة وفي البعض الآخر على قيد الحياة. وعند فتح الصندوق فإن شخصًا ما سيرصد حالة القطة، وعندها ستكون إما ميتة أو على قيد الحياة من هذا الوقت فصاعدًا.» السؤال الذي طرحه شرودنجر كان: «ماذا كانت حالة القطة قبل فتح الصندوق؟»

سألت أليس: «وماذا حدث عند فتح الصندوق؟»

«حسنًا، في الواقع، كان الجميع منشغلًا في مناقشة المسألة، فلم يقدِم أحد ما على فتح الصندوق على بالإطلاق، ولهذا تُركت القطة على هذا الوضع.»

حدَّقت أليس في السلة عن قرب، حيث كانت إحدى هيئتي القطة مُنشغلَة في لعق نفسها، فقالت: «إنها تبدو لي مفعَمة بالحياة إلى حدٍّ كبير.» لم تكدْ هذه الكلمات تخرج من فمها حتى أصبحت القطة مجسَّمة بالكامل وتلاشَت نسختها الميتة. أصدرت القطة صوتًا مُفعَمًا بالسعادة، ووثبَت إلى خارج الصندوق وبدأت في مطارَدة فأرٍ ظهر فجأة من الحائط. لاحظت أليس عدم وجود فتحة مرئية في الحائط يخرج منها الفأر، فقد خرج ببساطة من الحائط المُصمَت. نظر ميكانيكي الكَم في الاتجاه الذي تحدق فيه. «حسنًا، أجل، فهذا مثال على اختراق الحاجز؛ إن هذا يحدث طوال الوقت. فعندما توجد منطقة لا يستطيع الجسيم الدخول إليها على الإطلاق وفقًا للميكانيكا الكلاسيكية، فإن السعة لا تتوقَّف بالضرورة على نحوٍ مفاجئ عند الحدود، على الرغم من أنها تتلاشَى سريعًا داخل المنطقة. وإن كانت المنطقة ضيقة للغاية، فسيبقى جزء صغير من السعة على الجانب الآخر، وهذا يُعطي احتمالًا بسيطًا أن الجسيم من المُمكن أن يظهر هناك؛ إذ مِن الواضح أنه قد نجَح في عبور حائل لا يُمكن عبوره عن طريق إحداث نفق فيه. وهذا الأمر يتكرَّر طوال الوقت.»

كانت أليس تُفكِّر فيما شاهدته ولاحظت وجود إشكالية: «كيف تمكَّنتُ من رصد حالة القطة وتحديدها، في حين لم تتمكَّن هي من فعل هذا لنفسِها؟ فما الذي يُقرِّر وقتَ حدوث الرصد فعليًّا، ومن الذي في استطاعته أن يفعله؟»

ردَّ ميكانيكي الكَم: «حسنًا، هذا سؤال جيد، لكنَّنا في النهاية مجرد ميكانيكيين؛ ولذلك فنحن لا نشغل أنفسنا كثيرًا بمثل هذه الأشياء. فنحن نُواصِل أداء عملنا ونستعمل طرقًا نعرف أنها ستكون فعالة عمليًّا. وإذا أردتِ شخصًا تناقشين معه معضلة القياس، فعليكِ الذهاب إلى مكان أكاديمي أكثر. ولهذا أقترح عليكِ الذهاب إلى أحد الفصول في مدرسة كوبنهاجن.»

سألت أليس وقد سلمت بأنها ستُرسل إلى مكان آخر مرةً أخرى: «وكيف يُمكنني الوصول إلى هناك؟» وردًّا على سؤالها أرشدها الميكانيكي إلى الخارج في الممر وفتح لها بابًا آخر. لم يأخذها هذا إلى داخل الزقاق الذي جاءت منه، ولكن إلى داخل غابة.

هوامش

(١) دائمًا ما تُعقَد مقارنة بين ميكانيكا الكَم والميكانيكا الكلاسيكية أو النيوتنية. فتُغطِّي الأخيرة الوصف التفصيلي للأجسام المتحرِّكة، وقد ظهرت قبيل السنوات الأولى من القرن العشرين، وتَرتكِز على النظريات الأصلية لجاليليو ونيوتن وآخرين قبله وبعده. يُمكِن استخدام الميكانيكا النيوتنية على نحو جيد جدًّا في تفسير نطاق أوسع من الظواهر الكونية. فيُمكن التنبؤ بحركة الكواكب على مدى فترات زمنية طويلة وبدقة شديدة. ويُمكِن تطبيقها بالكفاءة نفسها تقريبًا على الأقمار الصناعية ومختلف المهام الاستكشافية للفضاء: فمَن المُمكِن التنبُّؤ بمواضعها لسنوات قادمة، وتَنطبق كذلك بكفاءة عالية على التفاح المتساقط.
وفي حالة التفاح المتساقط ستوجد مقاومة كبيرة من الهواء المحيط بها. تصفُ الميكانيكا الكلاسيكية هذا كتصادمات لأعداد مهولة من جزيئات الهواء بالتفاحة وارتدادها عنها. فحين يسأل المرء عن جزيئات الهواء، يُقال له إنها مجموعات صغيرة من الذرات، وحين يسأل عن الذرات يسودُ صمتٌ مُطبق محرج.
ففي الواقع لم تُسجِّل الميكانيكا النيوتنية أي نجاح في وصف العالم على مستوى الذرات. فيجب على الأشياء بطريقةٍ ما أن تكون مختلفة بالنسبة إلى الأجسام الصغيرة عنها بالنسبة إلى الأشياء الكبيرة. إذا كنت تجادل في هذه النقطة، فيجب عليك أن تطرح هذا السؤال: صغيرة أم كبيرة بالنسبة إلى ماذا؟ فلا بد من وجود أبعاد معيَّنة، بعض الثوابت الأساسية التي تحدد الحجم الذي يصبح عنده هذا السلوك الجديد واضحًا. إنه تغيُّر حاسم في الطريقة التي تتصرَّف بها الأجسام عند الرصد وهو أيضًا سلوك كوني عام. تشعُّ الذرات الموجودة في الشمس وفي النجوم البعيدة ضوءًا له طيف يشبه الضوء الصادر من مصباح يوجد على منضدة بجوارنا. إن بداية السلوك الكَمِّي ليست شيئًا صادف أن يحدث على نطاق ضيق، فيشمل بعض الخصائص الأساسية للطبيعة، يُعبر عنها ثابت h العام، الذي يظهر في أغلب معادلات ميكانيكا الكَم. فالعالم يكون حُبيبيًّا على النطاق المعين بذلك الثابت h. على هذا النطاق يختلط كلٌّ من الطاقة والزمن، والموضع وزخم الحركة معًا … ولا حاجة بنا إلى الإشارة إلى أنه على مستوى الإدراك البشري فإن h يكون صغيرًا للغاية في الواقع، وأن أغلب تأثيرات الكَم ليست واضحة على الإطلاق.
(٢) إنَّ ما تخبرنا به علاقات عدم اليقين لهايزنبرج أننا ننظر إلى الأشياء على نحو خاطئ. إن لدينا فكرة مسبقة بأن علينا أن نملك القدرة على قياس موضع الجسيم وزخم حركته في الوقت نفسه، لكننا نجد أننا لا نستطيع فعل هذا. فليس من طبيعة الجسيمات أن نتمكن من قياسها على هذا النحو، وتخبرنا النظرية بأننا نطرح الأسئلة الخطأ، وهي أسئلة لا توجد لها إجابات صحيحة. استخدم نيلز بَور كلمة «التكامل» كي يعبر عن حقيقة احتمال وجود مفاهيم لا يمكن تحديد معناها بدقة في الوقت نفسه، مثل زوج من المفاهيم، مثل العدالة والشرعية، والعاطفة والعقلانية.
من الواضح أن ثمة خطأ أساسي في اعتقادنا بأننا من الممكن أن نستطيع التحدث عن موضع الجسيم وزخم حركته، أو عن طاقته بالضبط عند زمن محدد. ليس من الواضح جدوى الحديث آنيًّا عن مثل هاتين الخاصيتين المختلفتين، لكن يبدو أنه لا جدوى من هذا.
(٣) لا تدور ميكانيكا الكَم في الواقع عن جسيمات محددة بالمعنى الكلاسيكي التقليدي، وإنما بدلًا من هذا تتحدث عن حالات وسعات. فإذا عملنا على تربيع سعة «أي ضربناها في نفسها»، فإننا نحصل على توزيع للاحتمالات، يُوفِّر إمكانية الحصول على نتائج متنوعة عند الرصد أو القياس. تبدو القيمة الفعلية التي نحصل عليها عند أيِّ قياس عشوائية تمامًا ولا يُمكن التنبؤ بها. وعلى هذا، يبدو الاقتراح الوارد سابقًا بأن الطبيعة غير يقينية وأن «كل شيء مُمكن»، في النهاية، صحيحًا، أليس كذلك؟
حسنًا، لا؛ فإذا أجرَينا عدة قياسات فإن متوسط النتائج يمكن التنبؤ به بدقة. فوكلاء الرهونات لا يعرفون أيَّ حصان سيفوز في كل سباق، ولكنهم يتوقعون بثقة أنهم سيحصدون الأرباح في نهاية اليوم. فهم لا يتوقعون خسائر كبيرة مفاجئة حتى وإن اضطروا للعمل مع مبالغ صغيرة إلى حدٍّ ما، وبالتالي فلا يمكن الاعتماد على المتوسط بقدر كبير. فسيكون عدد المراهنين مجرد بضعة آلاف بدلًا من آلاف الملايين أو ذرات أكثر نجدها في أصغر قطعة من المادة. إن هذا يبدو كنمط ورق حائط متكرر أكثر من كونه رقمًا، لكن لا يُمكن إنكار ضخامته. إن التذبذبات الإحصائية الإجمالية المتوقَّعة للقياسات التي تُجرى على مثل هذا العدد الضخم من الذرات تكون صغيرة للغاية، على الرغم من أن نتيجة كل ذرة على حدة قد تكون عشوائية تمامًا.
يُمكن حساب السعات في ميكانيكا الكَم بدقة كبيرة ومقارنتها بالتجارب. فالنتيجة التي يُستشهَد بها دائمًا تكون للعزم المغناطيسي للإلكترون. فالإلكترونات تدور مثل قِمَم صغيرة، كما أن لها خصائص كهربائية أيضًا؛ فهي تتصرَّف مثل القضبان المغناطيسية الصغيرة. فالقوة المغناطيسية واللفُّ المغزلي للإلكترون مُرتبطان معًا ويُمكن حساب نسبتهما باستخدام وحدات مناسبة.
والنتيجة التي يُصدرها الحساب الكلاسيكي هي ١ (مع افتراضات اعتباطية إلى حدٍّ ما حولَ توزيع الشحنة الكهربية في الإلكترون).
أما النتيجة التي تصدر عن الحساب الكَمِّي فهي ٢٫٠٠٢٣١٩٣٠٤٨ (±٨) (الخطأ في آخر رقم عشري).
أما القياس فقد أعطى النتيجة ٢٫٠٠٢٣١٩٣٠٤٨ (±٤).
إن هذا اتفاق جيد! فاحتمال الحصول مصادفةً على مثل هذا التوافق في القيم، يشبه احتمالية رمي سهم عشوائيًّا على مركز لوحة الهدف للأسهم وإصابته عندما تكون تلك اللوحة بعيدة كبعد القمر. وهذه النتيجة تحديدًا دائمًا ما تُذكر كمثال على نجاح نظرية الكَم. فمن المُمكن حساب سعات العمليات الأخرى بالدقة نفسها، ولكن ثمة مقادير قليلة للغاية يُمكن قياسها بمثل هذه الدقة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠