الفصل السادس

الواقع الافتراضي

قاد ميكانيكي الكَم أليس قدمًا في الطريق وعبر بوابة من الحديد المطاوع إلى داخل حديقة جذابة. مشيَا مُتمهِّلَيْن في ممر، على جانبَيه صفان من أحواض الورود الجميلة اليانعة وهو ما منحَهُما أمتع شعور بالسعادة خاصة مع الطقس الصيفي الدافئ. سطعت الشمس في السماء مشرقةً، تصب ضوءها على المشهد البديع. وعلى جانب الطريق رفرفت فراشات ملوَّنة من زهرة متألِّقة إلى زهرة متألقة أخرى، وتدفَّقَ جدول صغير مُترقرقًا من منحدر على قاع من حصًى صغير دائري، وعلى طول مجرى هذا الجدول الصغير هنا وهناك كان الماء يتدفَّق في شلالات مُتناهية الصغر. رأت أليس كل هذا في غاية الجمال وكانت تتأمَّل فيما حولها في فرح حين رأت كيانًا آخر يَقترب منها في طريق يتقاطَع مع طريقها.

كان من الواضح أن القادم الجديد فتاة أخرى صغيرة، لكن كان هناك شيء مميَّز للغاية بخصوصها. لقد بدَت على نحوٍ ما مشابِهة لأليس تمامًا، لكنها ماثلت بشكلٍ أكبرَ الهيئة التي كانت أليس قد رأتها مصادفة في نيجاتيف اللقطات الفوتوغرافية خاصتها. تذكرت أليس الجسيمات المضادة للإلكترونات التي كانت قد رأتها في البنك. ولدهشتها لاحظت أن الفتاة على الرغم من أنها كانت آتية نحوها، فقد كانت تنظر في الاتجاه المعاكس وكانت تمشي إلى الخلف.

كانت أليس مأخوذةً بمظهر هذه الفتاة الغريب لدرجة أنها لم تَنتبِه إلى السرعة الكبيرة التي كانا يَقتربان بها بعضهما من بعض؛ فقبل أن تُدرك تمامًا ماذا يحدث كانا قد اصطدما. كان ثمَّةَ وميضٌ يذهب بالأبصار، غيَّب حواسَّها. عندما تعافَت من هذا وجدت نفسها تمشي بمفردها في الممر الذي جاءت منه الفتاة الأخرى. حين نظرت خلفها استطاعت أن ترى الفتاة العكسية تَمشي مُبتعِدة — وهي ما زالت تمشي إلى الخلف — على طول الممر الأصلي الذي كانت أليس تَمشي فيه. ومع ذلك فقد كانت الآن مصحوبة بكيان آخر سالب، والذي كان يَمشي بمصاحبتها على طول الطريق بشكل عكسي إلى جانبها. كان هذا الكيان الثاني يُشبه مرافقها السابق ميكانيكي الكَم.

عندما نظرت حولها، جفلت أليس لاكتشافها أن كل ما يحيطها قد تغير تمامًا. بدا كل شيء وكأنه معكوس. ففي السماء ظهرت الشمس معتمة، تمتص الضوء من المشهد أسفلها. وعلى جانبي الطريق، ترفرف الفراشات للخلف من زهرة مُعتِمَة إلى زهرة معتمة، وثمة جدول صغير يتدفق مترقرقًا في صعود على حصى صغير مستدير، وعلى طول المجرى هنا وهناك كان الماء يرتفع قافزًا إلى قمم شلالات مُتناهية الصغر. لم ترَ أليس شيئًا مثل هذا من قبل.

لقد كانت مفتونة بذلك المشهد اللافت للنظر، حتى إنها لم تلاحظ مرةً أخرى فتاة صغيرة تهرع نحوها سريعًا بشكل معكوس. نظرت أليس حولها بالضبط في لحظة اصطدامهما الذي صاحبه وميضٌ يَذهب بالأبصار مرةً أخرى. وعندما تعافت من صدمتها، رأت الفتاة تتراجَع إلى الخلف مُبتعِدة على طول الممر الذي جاءت منه أليس لتوِّها. لاحظت بالإضافة إلى ذلك أن المشهد الآن قد عاد إلى حالته الطبيعية. قالت أليس في نفسها: «أعجبُ فأعجب. أدى الاصطدام الأول بطريقةٍ ما إلى جعل كل الريف يعكس نفسه، بينما أعاده الثاني إلى حالته الطبيعية. أنا متأكدة من أني لا أدرك كيف يمكن لهذا أن يحدث. كيف يمكن لاصطدامي بتلك الفتاة — مهما كان عنيفًا — أن يُؤثر في جدول الماء والشمس؟ لا يوجد في هذا أي منطق على الإطلاق.» واصلت أليس جدالها مع نفسها حول معنى تجربتها الأخيرة. لقد كانت ذاهلةً للغاية لدرجة أنها لم تُبدِ أي اهتمام عندما سمعت صوت انفجار حادٍّ على أحد جانبَيها، وبعدها بفترة وجيزة اندفع فوتون مفعَم بطاقة شديدة عبر الممر.

لم تصل أليس إلى أي تفسيرٍ مرضٍ لتجربتها الأخيرة عندما قادها الممر إلى خارج الحديقة إلى مساحة واسعة ومنبسطة. بدت خالية من أي تضاريس بخلاف مبنًى غير جذاب ضخم، يقف أمامها على مسافة غير بعيدة.

عندما اقتربت كان في مقدورها أن ترى أن للمبنى لوحة تحمل اسمه معلَّقة في منتصَف واجهته، أعلى قليلًا من مُستوى رأس أليس. حملت إحدى نهايتَي هذه اللافتة كلمتَي «وكيل الحالات»، وفي النهاية الأخرى كلمتَي «سمسار افتراضي». وفي مركز واجهة المبنى الضخمة الجرداء كان ثمة باب ونافذة صغيرة، كانت مليئة بالإعلانات.

اختزالاتٌ حقيقية للسعات للبيع السريع

سمات دورية دقيقة.

سعات تقع في نطاق الطاقة المرغوب.

أسعار جذابة لانتقالاتٍ مبكِّرة.

لمَّا لم تَستطِع أليس أن ترى أحدًا في الخارج، فتحت الباب ودخلت. وجدت داخل المبنى مباشرةً منصَّة قصيرة، ومن خَلفِها حجرة ضخمة خالية تقريبًا إلا مما بدا كطبقاتٍ مِن أرفُف ترتفع عاليًا حتى تغيب بعيدًا في الظلال. في منتصَف الحجرة كان ثمة كيان واحد مرئي يجلس أمام مكتب ويتحدث في الهاتف. عندما رأى أليس نهض واتجه إليها في عجالة.

أسند يدَيه على المنصَّة وابتسم ابتسامة عريضة حتى بدت نواجذُه في سلوكٍ مُراءٍ إلى حدٍّ ما. قال لها: «ادخلي، ادخلي.» مُتجاهلًا حقيقة أن أليس كانت قد دخلَت بالفعل. «ما الذي يُمكنني أن أريه لكِ بكل سرور؟ ربما تُخطِّطين للانتقال إلى أولى حالاتك؟ أنا واثق من أننا سوف نكون قادِرين على إرضائك تمامًا.»

بدأت أليس حديثها: «كي أكون صادقة معك، أنا في الواقع لا أبحث عن أي شيء. لقد قيل لي إنه سيكون بإمكانك أن تُخبرَني ببعض الأشياء عن طريقة تحرُّك الإلكترونات والجسيمات الأخرى بين الحالات.» ولم يكن هذا يعني أنها كانت بأي حالٍ تَنوي الكذب على الإطلاق.

«حسنًا، لقد جئتِ بكل تأكيد إلى المكان الصحيح؛ فلقد قضَينا وقتًا طويلًا في أعمال انتقال الجسيمات. إذا أردتِ يُمكنكِ أن تأتي معي إلى واحد من مواقعنا، فسأسعى جاهدًا إلى توضيح الموقف بالدرجة التي تُرضيكِ تمامًا.»

فهمتْ أليس أن هذا يعني أنه سوف يَشرح لها الأمور؛ لذلك فقد استدارت حول المنصَّة وتبعته إلى إحدى مجموعات الأرفف أو أيًّا ما كانت. إما كانت هذه الأرفف ضخمة والطريق إليها بعيد، أو أن أليس ووكيل الحالات قد تقلص حجمهما مع اقترابهما منها، لكن بصرف النظر عما حدث، فحين اقتربت أليس منها وجدتها قد أصبحت تبدو الآن أكثر ككتلة مُرتفعة من المباني السكنية. حملت هذه الكتلة لافتةً مكتوب عليها:

وحدات سكنية دورية.

كانت مفتوحة تمامًا من واجهتها وكان في استطاعتها أن ترى الإلكترونات وهي تتجوَّل في كل مستوًى.

«هناك ترين مثالًا جيدًا على الحالات الكيفية المبنيَّة على مُستويات طاقة مُتباعِدة بشكل مدروس فكل مستوًى يشغله العدد المسموح به من الإلكترونات وصولًا إلى أعلى مستوًى مشغول على الإطلاق. فوق هذا المستوى تُوجد العديد من الحالات الخالية، لكن في الوقت الحالي لا توجد أي مساحة لأيِّ إلكترونات في المستويات المنخفِضة. عندما يكون الإلكترون نزيلًا مُستقرًّا في إحدى الحالات، لا يوجد بالتأكيد أي مساحة لإلكترون آخر. وعادةً إذا ما تُرك الإلكترون ليتصرَّف كما يحلو له فإنه لا يَميل أبدًا للتحرُّك من الحالة بمجرد أن يستقرَّ فيها. ومع ذلك، إذا انتظرنا لوقتٍ قصير قد نكون محظوظين برؤية حركة إجبارية.»

وقفَت أليس ونظرت إلى الصرح الضخم وبعد انتظار قصير، رأت فوتونًا يندفع إلى الواجهة. حدث هياجٌ وقفَز فجأة أحد الإلكترونات في المستوى الأدنى عاليًا محلقًا إلى خارج مجال الرؤية. نظرت أليس حولها كي ترى من أين جاء الفوتون. كان ثمَّة شاحنة صغيرة تقف في مكان قريب، رُسِمَ على جانبها شعار:
فوتونات للإزاحة

نقوم بأعمال الإضاءة الخاصة بالانتقالات.

صاح وكيل الحالات فرحًا: «إنها ساعة حظِّي. فقد منح فوتون طاقته إلى إلكترون في المستوى الأدنى واستثاره مباشَرةً نحو الأعلى إلى واحد من المستويات الخالية في القمة. ليس من المعتاد أن تحدُث انتقالات من الحالة القاعِدية الأرضية. فهذا يترك فراغًا جذابًا للغاية، يجب أن أتأكَّد منه على الفور.»

اندفع مغادرًا، وسرعان ما عاد وهو يحمل لافتة إعلانات على عمود، قام بغرسها في الأرض. مكتوبٌ في الإعلان:
ملكية شاغرة

حالة جذابة في مستوًى قاعِدي أرضي.

لم يكدْ يضع اللوحة في مكانها حتى صدَرت عن أحد الإلكترونات في المستوى الثاني صرخة قصيرة وخرَّ ساقطًا إلى الحالة الخالية. وبمجرَّد أن استقرَّ هناك واصل وكأن لم يكن هناك أي ظرف صعب قد مرَّ به. وفي أثناء سقوطِه رأت أليس فوتونًا يَندفع خارجًا. ولأن الإلكترون لم يسقط بعيدًا للغاية؛ فقد كانت الطاقة التي يحملها هذا الفوتون أقل بكثير من الطاقة التي يحملها الفوتون الذي أطلق الإلكترون الأصلي.

تنهَّد وكيل الحالات، والتقط فرشاة طلاءٍ من وعاء كان قد جاء به معه عندما جلَبَ لافتة الإعلان وشرع في محو كلمة «قاعدي أرضي» وكتب «ثانٍ» مكانها. لم يكد الطلاء يجف حتى سمعت أليس صرخة أخرى مُدوية. لقد سقط إلكترون في المستوى الثالث إلى المكان الخالي في المستوى الثاني. تذمَّر وكيل الحالة وغيَّر لوحته مجددًا ليكون مكتوبًا عليها «الثالث». ثم قذف الفرشاة بعنف في وعاء الطلاء وحملق في المبنى.

دوَّت صرخة قوية أخرى. فقد سقط إلكترون من مُستوًى ما زال عاليًا إلى المستوى الثالث. انتزع وكيل الحالة لافتته الإعلانية من على العمود، وطرحها أرضًا ودهسها بقوة.١

قالت أليس، في تردُّد إلى حدٍّ ما مخافة أن تقطع هذا التعبير الحاد عن الانفعال: «معذرة، أعتقد أنك قد قلت إن الإلكترونات تبقى في حالاتها إلى أجل غير مُسمَّى، إذا ما تُركت وحدها، لكن يبدو أن هذه الإلكترونات قد سقطَت تلقائيًّا.»

ردَّ الوكيل وقد بدا مسرورًا للغاية بتشتيت انتباهِه عن ثورته الانفعالية الخاطفة: «هذا ما قد يبدو. في الواقع إن جميع تلك الانتقالات التي قامت بها الإلكترونات كانت مدفوعةً بالفوتونات، لكنَّك لم تُلاحظيها؛ لأنها قد كانت فوتونات افتراضية. تلعب الفوتونات الافتراضية دورًا مهمًّا جدًّا في جميع تفاعُلات الإلكترونات. فهي لا تُحدث فقط هذه الانتقالات التلقائية ظاهريًّا بين الحالات، بل تُساعد أيضًا في خلق الحالات نفسها في المقام الأول. لذلك كما ترين، فإن الجسيمات التي تُحافظ على الإلكترون في حالته المستقرة هي أيضًا تلك التي تجبر الإلكترون على مغادرتِها.

قبل أن أُحدِّثك بشأن الجسيمات الافتراضية يجب علينا فحصُ الجسيمات الطبيعية، تلك التي ليست افتراضية. إنها تَعرف عادةً باسم الجسيمات الحقيقية. الشيء المُميَّز فيها أن ثمة علاقة وطيدة بين كتلها الخاصة والطاقة وزخم الحركة التي يمكنها الحصول عليها. هذا هو المكتوب في اللافتة هناك.»

أشار الوكيل إلى مُلصَق صغير مطبوع على ورقة خضراء مُضيئة لامعة، والتي كانت معلَّقة على واجهة البناية، ومكتوب فيها:

الجسيمات الحقيقية تَعتمِد على غلاف الكُتلة.

قد تُستثار الإلكترونات من الفوتونات كي تقوم بانتقالات في أيٍّ من الاتجاهَين، مما يُؤدِّي إلى امتصاصٍ مُستحَث أو انبعاث مُستحَث. في النهاية تتراجَع الإلكترونات التي تعرَّضَت للاستثارة لتنتقل إلى حالة أعلى في الطاقة، فتعود إلى حالة أدنى في حال توفُّر واحدة، حتى ولو لم يكن ثمَّة أي فوتونات موجودة ظاهريًّا. هذا يُدعى الاضمحلال التلقائي. وتضمَن ميكانيكا الكَم أن تكون جميع الانتقالات مدفوعة بشيءٍ ما؛ فهي لا تحدث من تلقاء نفسها. إنَّ حالات الاضمحلال التلقائي التي تَحدُث ظاهريًّا هي في الواقع بفعل الفوتونات، لكنها ليست فوتونات حقيقية. إنها تكون مدفوعة بفوتونات افتراضية؛ وهي تقلباتٌ كَميَّة في الفراغ.

توجد حول أي شحنة كهربية سحابة من الفوتونات الافتراضية، يُنتجُ تفاعلها مع الجسيمات الأخرى المشحونة حقلًا كهربيًّا. وبما أن الحقل الكهربي يتكون من هذه الفوتونات، فإنها توجد دائمًا داخل ذرة ويُمكنها أن تُحدِث حالات الاضمحلال التلقائي ظاهريًّا لحالات الإلكترون.

فكَّرَت أليس بينها وبين نفسها: «إنهم بالتأكيد مغرمون جدًّا باللافتات هنا. هذه اللافتة يبدو أن لها معنًى عميقًا، لكني لا بد أن أعترف بأني لا أعرف ماذا تعني.»

واصَلَ الوكيل حديثه وكأنه يُجيب عن أفكارها: «إنَّ غلاف الكتلة هو المنطقة حيث تكون الطاقة وزخم الحركة مرتبطَين ارتباطًا وثيقًا على النحو اللازم للجسيمات الحقيقية. إنه المسار المستقيم والضيق الذي تتبعه الجسيمات التقليدية الضيقة الأفق.»

«إذا أراد المرءُ أن يكون ذا قوة في المجتمع وأن تخضع الأشياء لأوامره، فلا بد أن تكون لديه القدرة على نقل زخم الحركة. فإذا أردتِ لشيءٍ أن يتحرَّك من مكانه الموجود فيه، أو إذا أردتِ أن تمنعي شيئًا من التحرك بعيدًا، فعليكِ أن تنقلي زخم الحركة. وفي كلتا الحالتين، ينصبُّ الاهتمام على الحركة والحركة تعني الزخم. فسواءٌ أردتِ أن تبدئي حركة أو أن تُوقِفي أخرى، فإن الفارق ليس كبيرًا بينهما. فالتغير في زخم الحركة هو الذي يتسبَّب في انحراف الأجسام عن مساراتها ويجعل الأشياء تتغيَّر، كما أن التحكُّم في زخم الحركة هو الذي يجعل الجسيمات تتَّخذ مساراتٍ معيَّنة، في هذا الشأن.»

«وفي غلاف الكُتلة، لا يُمكنكِ الحصول على زخم حركة دون توفير الطاقة الحركية المناسبة التي تلائم كتلتك. والجسيم الضخم للغاية، الذي لديه طاقة كبيرة بالفعل في كتلة سكونه، لا يحتاج إلى طاقة حركية إضافية كبيرة لإمداده بقدر معين من زخم الحركة مثل الجسيم الأخف وزنًا. على كل الجسيمات الحقيقية أن تَمتلك القدر المناسب من الطاقة إذا أرادت أن تحظى بزخم حركة. وينطبق هذا أيضًا حتى على الفوتونات التي لا تمتلك أي كتلة سكون على الإطلاق.»

وضع الوكيل يدَيهِ داخل جيبه وأخرج عددًا من الوثائق التي تبدو رسمية. «الشروط دقيقة للغاية. فالجسيمات الحقيقية مُعفاة، مُعفاة من أي دَين للطاقة شريطة أن تَلتزم بالشروط. يُمكنها التجوُّل كما تشاء، وإلى الحد الذي ترغب فيه. إنها حرة تمامًا في أن تجيء وتذهب.» كما أشار قائلًا: «وربما قد رأيتِ مبدأ: «ما لم يكن ممنوعًا فهو إلزامي.»»

ردَّت أليس متلهِّفة كي تستعرض معلوماتها: «نعم، رأيته. لقد رأيت ذلك في بنك هايزنبرج وقد أخبرتْني المديرة عن زخم الحركة و…»

واصل الوكيل حديثه في حماس دون أن يتوقَّفَ في الواقع ليَستمِعَ إلى رد أليس: «ثمة مبدأ آخر ينصُّ على أن «الممنوع من الأفضل فعله بسرعة كبيرة». هذا هو المبدأ الذي تتبعُه الجسيمات الافتراضية. ليس من المعتاد أن تُناقَش مثل هذه المسائل في المُجتمَعات الكلاسيكية المحافظة إلا أن لها دورًا مهمًّا للغاية لتلعبَه في العالم. تتصرَّف الجسيمات الافتراضية بطرق تنصُّ القوانين الكلاسيكية على أنها ببساطة غير مسموح بها.»

سألت أليس في براءة: «كيف يُمكن لذلك أن يحدث؟ فبالتأكيد إذا كان شيء ما غير مسموح به، فمن غير المُمكِن لأيِّ جُسَيم أن يكون قادرًا على فعله.»

في هذه المرة استمَعَ الوكيل إليها وأجاب سؤالها. قال الوكيل: «إن التذبذُبات الكَميَّة هي التي تسمَح بهذا. إذا كنتِ قد ذهبتِ إلى البنك فستذكُرينَ أنه من المُمكن للجُسَيمات أن تحصل على قروض للطاقة لفترة زمنية قصيرة، وكلَّما زادت كمية الطاقة قصر الوقت بالتأكيد. وربما تكونين قد سمعتِ تعبير: «الصعب نفعله على الفور، والمستحيل يتطلب وقتًا أطول بقليل.» حسنًا، في ميكانيكا الكَم المستحيل لا يستغرق وقتًا أطول قليلًا، بل يستمرُّ لفترة أقصر قليلًا. يُمكن للجُسَيمات الافتراضية التمتُّع بكل فوائد الطاقة التي لا تَمتلكُها، لفترة قصيرة على سبيل التجربة المجانية. ويَشمل هذا القُدرةَ على نقل زخم الحركة.»

مفهوم الجُسَيم ليس واضحًا في نظرية الكَم كما هو واضح في الفيزياء الكلاسيكية. تَحمل الجسيمات الطاقة وتقوم بتوصيلها في صورة كَميَّة، في حزم مُنفصِلة ومُتمايزة. ويكون للجسيمات في كثير من الأحيان كتل محدَّدة تُميِّزُها بوضوح عن الجسيمات الأخرى، ويمكنها أن تحمل مقادير معينة من كميات أخرى، مثل الشحنة الكهربية. وتكون للفوتون كتلة سكون تُساوي صفرًا (وهي أيضًا قيمة محدَّدة). وللجُسَيمات الحقيقية — تلك التي لها وجود طويل الأمد — علاقات وطيدة بين قيم الكُتلة والطاقة وزخَم الحركة. وحيثما لا يكون للجُسَيمات سوى وجود عابر ولحظي، فيُمكِن تخليقها وتدميرها، فإنها لا تخضع لمثل هذه القواعد الصارمة، وقد تكون التذبذبات الكَميَّة في طاقتها هائلة. يَنطبق هذا على وجه الخصوص على تلك الجُسَيمات التي تتعرَّض للتبادُل من أجل حث التفاعل بين الجسيمات الأخرى. وتكون كامل طاقة مثل هذه الجسيمات عبارة عن تذبذباتٍ كمية. فهي تنشأ فعليًّا من لا شيء؛ فالفراغ ليس خاليًا بشكل كامل، لكنه عبارة عن كتلة مُضطربة مائجة من هذه الجُسَيمات قصيرة الأجل.

قالت أليس بتفكُّر: «لا بد أن تكون تجربةً لفترة قصيرة.»

«نعم، إنها كذلك، إنها كذلك. لكنها بلا مقابل، كما ترَين، ولذلك فالكلُّ يُريدها. ستفهمين الجسيمات الافتراضية أكثر بمجرَّد رؤيتها.»

تأفَّفت أليس قائلة: «لكني لا أستطيع رؤيتها بكل تأكيد، وتلك هي المعضلة.»

ردَّ الوكيل بصرامة: «لا يُمكنكِ رؤيتها في الوقت الحالي، لكنك ستفعلين عندما تَرتدين خوذتي للواقع الافتراضي.» مشى سريعًا مبتعدًا في الاتجاه الذي أتيا منه، وتمنَّت أليس ألا تكون قد ضايقته. هدأ روعها عندما عاد بعد وقت قصير حاملًا خوذة ضخمة تبدو ذات تقنية عالية. كان لها قناعٌ شفَّاف يغطي الجزء الأمامي منها بالكامل، وكان ثمَّة سلك طويل متصل بمقبس في الجزء الخلفي منها. تلوى السلك مبتعدًا في الممرِّ الذي كان قد جاء منه حتى تلاشى على البعد وأصبح خارج مجال الإبصار. قال في انتصار: «ها هي ذي، معجزة التقنية الحديثة. فقط ارتدِ هذه وسوف ترين عالم الجسيمات الافتراضية.»

شعرت أليس بقليل من التوتُّر وهي تتأمل الخوذة مليًّا. كانت ضخمة وبدت معقدة للغاية، حتى إنها قد شعرت بقليل من التشاؤم. ومع ذلك إن كانت هذه ستُظهر لها الجسيمات الافتراضية التي سمعت عنها طوال الوقت، فقد كانت على استعداد لتجريبها. ارتدَت الخُوذة على رأسها، وكانت ثقيلة جدًّا. مدَّ الوكيل يدَه إلى الخُوذة وأجرى بعض التعديلات على جانب رأسها؛ حيث لم تكن أليس قادرةً على الرؤية. أصبحت الرؤية ضبابية عبر القناع وأصبحت مليئة بنقاط صغيرة متلألئة و…

•••

عندما اتَّضحت الرؤية من خلال القناع، كان المشهد قد تغيَّر تمامًا. كان ما زال في استطاعة أليس أن ترى الإلكترونات في مستوياتها المختلفة، لكنها الآن بدلًا من أن كانت تظهر داخل بناية طويلة، فقد رأتها مُتداخِلة في شبكة من خطوط برَّاقة تربط كل إلكترون بالآخر، بحيث بدَت قريبة الشبه للغاية بذُبابٍ التصق بشبكة عنكبوت ضخمة لها خيوط لامعة. حين أمعنت النظر في هذه الخيوط استطاعت أن ترى أنها قد كانت في الواقع مكوَّنة من فوتونات، لكنها فوتونات مختلفة بوضوح عن تلك التي كانت رأتها من قبل في الأكاديمية.

كانت جميع الفوتونات التي قابلتها من قبل تتحرَّك بسرعة شديدة، لكنها على الأقل كانت تتحرَّك بأسلوبٍ طبيعي. كانت تبدأ في أحد المواضع وبعد وقتٍ قليل تُصبح في موضع جديد، وحتى لو لم تكن مواضعُها تتحدَّد بدقة أبدًا، ففي أثناء الفترة الفاصلة كانت تمرُّ عبر جميع النقاط الموجودة بين الموضعَين. لم تتخيَّل أليس أبدًا أنه من المُمكِن أن تتحرَّك هذه الفوتونات بأيِّ طريقة أخرى، لكن بدا أن بعضَ هذه الفوتونات الافتراضية كانت ناجحةً في فعل هذا. عندما نظرت إليها، وجدت أنه من الصعب للغاية تحديد الاتجاه الذي كانت تتحرَّك فيه، أو في الواقع إذا ما كانت تتحرَّك على الإطلاق بأيِّ أسلوب طبيعي. فأيُّ خيط في الشبكة، يُمثِّل سلوك أحد الفوتونات، يبدو وكأنه يظهر في نفس اللحظة في موضع كلا الإلكترونَين اللذين يربط بينهما دون أن يتحرك ظاهريًّا بالطريقة الطبيعية من أحدهما إلى الآخر. وبعدها تخبو هذه الوصلة بينما تظهر وصلات أخرى في أماكن أخرى في شبكة الفوتونات العظيمة التي تربط الشحنات الكهربائية لجميع الإلكترونات معًا.

لقد كان بالفعل مشهدًا خلابًا، أو بالأحرى كان مُميَّزًا. فكانت الفوتونات الافتراضية تتحرَّك في كل اتجاه يمكن تصوره، وفي هذا الوقت بدت بعض الفوتونات وقد أتقنَت فنَّ الانتقال من موضع إلى آخر دون أن تحتاج إلى قضاء أيِّ وقتٍ بين الحدثين.

بينما كانت أليس تُشاهد هذا المنظر العجيب في اهتمام، أطلقت الخوذة صوتَ طنين بجانب أذنها، متبوعًا في الحال بصوت انفجارٍ صغير مُرتفِع. لمع المشهد أمامها وعاد إلى المنظر العادي الذي كانت قد رأته قبل أن تَعتمر الخوذة. صاحت أليس بصوت عالٍ مُتذمِّرة بسبب فقدانها للصورة الخلابة. قال الوكيل: «أنا آسف، أخشى أن ثمة عدَّاد للوقت مُدمج في آلية العمل، فقد أردتُ جعلها تعمل بالعملات المعدنية. تفهمينني؟»

كانت أليس ما زالت مفتونة للغاية بالمشهد الذي كانت تشاهده منذ قليل كي تُبدي اهتمامًا كبيرًا باعتذار الوكيل، وحاولت أن تصف له ما رأته. ومثله كمثل كل الناس الذين قابلتهم في هذا العالم الغريب، فقد بدأ من فوره شرحًا مطولًا.

وُجِدَ أن الجسيمات في نظرية الكَم تُظهِر خصائص ترتبط كلاسيكيًّا بالموجات المتواصلة. وبالمثل، وُجِدَ أن مجالات الطاقة الكلاسيكية مكونة من جسيمات. وأي تفاعل كهربي بين أي جسيمين مشحونَين سببه تبادل الفوتونات فيما بينهما. ويكون لهذه الفوتونات وجود وجيز، وهذا يعني أن لها تمركزًا جيدًا في الزمن؛ ومن ثمَّ تكون طاقتها غير محددة. إنها جسيمات افتراضية، فمن الممكن أن تتذبذب طاقتها وزخم حركتها بشكلٍ كبيرٍ بعيدًا عن القيم التي تكون طبيعية بالنسبة إلى الجسيم الذي يستمر وجوده لفترة زمنية طويلة.

«تلك مجرَّد سمة أخرى للطريقة التي تؤدِّي بها الجسيمات الافتراضية الأشياء التي لا يمكن للجسيمات الحقيقية أن تؤديها. إنها تشبه بعض الشيء اختراق الحاجز إلى حدٍّ ما. أعتقد أنك قد رأيتِ بعض حالات اختراق الحاجز بالفعل.»

ردَّت أليس في حذر: «قيل لي إني قد فعلت. فقد رأيتُ أحدهم يخترق بابًا عندما جئت إلى هنا في البداية، وقد أخبروني بأنه يستطيع فعل هذا لأن دالَّته الموجية تنتشر إلى داخل الباب وعبره، مما يُعطي احتمالية طفيفة لأن يُرصَد على الجانب الآخر.»

«هذا صحيح تمامًا. فهذا الجانب من دالته الموجية سمح لصديقك أن يخترق الحاجز الذي من شأنه أن يوقف أيَّ جسيم كلاسيكي حقيقي. لم يكن لدى الجسيم طاقة كافية كي يَعبُر الحاجز، ولذلك عندما كان يخترق البابَ كان في نوع ما من الحالات الافتراضية. ثمة عدد قليل جدًّا من الجسيمات — إن وجد — تكون حقيقية بالكامل. فلدى جميع الجسيمات تقريبًا بعض السمات الافتراضية، بالرغم من أن بعضها يكون أكثر افتراضية من البعض الآخر. فوتونات التبادل التي كنتِ تنظرين إليها منذ قليل هي افتراضية بالكامل تقريبًا.

من المتعارَف عليه عمومًا أن الجسيمات الافتراضية لا تتبع القواعد، على الرغم من عدم قدرتها في التملص منها لزمن طويل. وهذا يعني أن في استطاعتها فعل أشياء لا تملك فعليًّا طاقة كافية لفعلها. فجسيمات التبادل الافتراضية هذه، مثل الفوتونات التي رأيتها، هي التي تسبب التفاعُلات بين الجسيمات الأخرى. يُمكنها أن تخترق الحواجز التي قد توقف جسيمًا حقيقيًّا كلاسيكيًّا، وهذا يشمل حاجز الزمن نفسه. ويُمكنها أن تتحرَّك على نحو مكاني، بينما لا يُمكن للجسيمات الحقيقية أن تتحرَّك إلا على نحو زمني … هذا يعني أنه على الرغم من أن الجسيم الحقيقي يمكنه أن يمكث في نفس الموضع بينما يتغيَّر الزمن، فإنه لا يمتلك القدرة على المكوث في نفس الزمن بينما يتغيَّر موضعه. أما الجسيم الافتراضي فلديه القدرة على فعل الأمرين، فيُمكنه التحرُّك صعودًا وهبوطًا في الزمن إذا ما اختار ذلك.»

قالت أليس: «هذا يبدو غريبًا جدًّا في الواقع. أنا لستُ مندهشة من أن الجسيمات الحقيقية ليس في إمكانها فعل هذا، وبأنها تتحرَّك فقط من الماضي إلى المستقبل.»٢

قال الوكيل مُصحِّحًا لها المعلومة بعض الشيء: «حسنًا، في الحقيقة هذا ليس صحيحًا تمامًا. فبالتأكيد صحيح أن أغلب الجسيمات تتحرَّك في الزمن إلى الأمام، بالضبط كما تَفترضين. ومع ذلك تصبح أغلب الجسيمات افتراضية إلى حدٍّ ما أحيانًا، كما في أثناء الاصطدام على سبيل المثال، ولذلك فإنه من الممكن لجسيم حقيقي أن يرجع في الزمن. ففي لحظة يتحرَّك في الزمن إلى الأمام بطريقة جديرة بالاحترام، فيها التزامٌ بالقانون، وفي اللحظة التالية يجد أنه قد استدار تمامًا ويجد نفسه يتحرَّك إلى هبوط نحو الماضي. وبالرغم من أنه قد يُفاجئك أن تسمعيني أقول ذلك، فإن هذه طريقة مسموح للجسيم الحقيقي أن يتصرَّف وفقها.»

صاحت أليس فجأة، ما أفزع الوكيل وهو في خضم شرحه المتأني: «يا إلهي! أعتقد أن هذا بالتأكيد ما حدث لي في وقت سابق. لم أستطع تخيل ما حدث لي عندما كنت أمشي في الحديقة، وبدا كل شيء وكأنه انعكس من حولي، لكني الآن أدرك أنه لم يكن الجدول والفراشات هي التي تتحرَّك إلى الوراء. لقد كنتُ أنا التي تسافر في الزمن إلى الوراء!»

أخبرت أليس مرافقَها بكل ما استطاعت تذكُّره عن الحادثة وقد وافق على تفسيرها. قال لأليس: «إنها بالتأكيد تبدو لي كحالة واضحة لإنتاج جسيم مضاد.»

صاحت أليس: «جسيم مضاد! لم أكن أعرف أن لهذا أي علاقة بالجسيمات المضادة. أتذكَّر رؤيتي لها في بنك هايزنبرج، لكنني لا أفهم لماذا يُمكن أن تكون لها أي علاقة بالحالة الحالية.»

قال الوكيل: «لقد كنتُ أظن أنه أمرٌ واضح.» على الرغم من أن أليس لم تشعر أنه يحمل أدنى درجات الوضوح. «لماذا؟ ألا تُلاحظين أنه عندما يتحرَّك جسيم ما في الزمن إلى الوراء فإنه يبدو للمشاهِد كشيء عكسه تمامًا، يتحرك في الزمن إلى الأمام بالطريقة الطبيعية. فلنتدارس حال الإلكترون. إن لديه شحنة كهربية سالبة؛ لذلك فإنه عندما يتحرَّك من الماضي إلى المستقبل بطريقة طبيعية فإنه يحمل شحنته السالبة إلى المستقبل. ولكنه لو تحرك، من ناحية أخرى، من المستقبل إلى الماضي، فإنه يحمل هذه الشحنة السالبة من المستقبل إلى الماضي، وهو ما يماثل انتقال شحنة موجبة من الماضي إلى المستقبل. بأي من الطريقتَين فإن ذلك يجعل الشحنة الكلية في المستقبل موجبة أكثر. وتبدو لراصِدٍ خارجي كبوزيترون أو جسيم مضاد للإلكترون.

ما حدث لك يبدو لباقي العالم وكأن فوتونًا يحمل طاقة عالية استثنائية يتخلَّى عن طاقته من أجل أن يخلق أليس وأليس مضادَّة. أليس المضادة سوف تَمضي قدمًا حتى تصطدم بأليس ما والاثنتان سوف تُفنيان إحداهما الأخرى بشكل متبادَل، محولتَين طاقتيهما مجددًا إلى فوتونات.»

صاحت أليس في بعض الفزع: «كيف يُمكن لهذا أن يحدث؟ لا أفهم كيف يمكن لأليس المضادة هذه أن تجد أليس ثانية كي تصطدم بها على أيِّ حال.» ثم استنتجت في تحدٍّ: «لا توجد منِّي إلا أليس واحدة فقط وأنا بكل تأكيد لم أفنَ.»

«حسنًا، ولكن ما وصفتِه للتو هو كيف يبدو هذا لبقية العالم. أما الطريقة التي يبدو بها لكِ أمرٌ مختلف تمامًا، مختلف تمامًا بالكلية. بالنسبة إليك فإن الفناء كان سيأتي قبل الخلق بالتأكيد.»

أجابت أليس بحدة نوعًا ما: «لا أفهم أيًّا من ذلك بكل تأكيد. كيف يُمكن لأي شيء أن يفنى قبل أن يُخلق؟»

«بالتأكيد، فهذا هو الترتيب الطبيعي للأشياء عندما ترجعين في الزمن إلى الوراء. وبطبيعة الحال عندما تتحرَّكين في الزمن إلى الأمام، تتوقَّعين أن يأتي الخلق قبل الفناء، أليس كذلك؟»

ردت أليس: «نعم، بالتأكيد، أفعل.»

«حسنًا، في هذه الحالة، إذا تحرَّكت إلى الوراء في الزمن، فطبيعي من وجهة نظرك أن تتوقَّعي أن يأتي الخلق بعد الفناء. في النهاية أنت تختبرين الأحداث في ترتيب معكوس. كنت أتوقع أنك سوف تدركين ذلك بنفسك.»

«في هذه الحالة، كنت تسيرين في هدوء وطمأنينة مع ميكانيكي الكَم وفجأة اصطدمتِ مع أليس المضادة. وبالنسبة إلى مرافقكِ فإنك وأليس المضادة قد حدث لكما إفناءٌ تام وحَملت طاقتيكما فوتوناتٌ عالية الطاقة.»

صاحت أليس: «يا إلهي! يا للميكانيكي المسكين. لا بد أنه يعتقد أني قد دُمِّرت إذن! كيف يُمكنني أن أجده كي أُطمئنَه عليَّ؟»

طمأنها الوكيل: «هذا لا يقلقني كثيرًا؛ فبطبيعة الحال ميكانيكي الكَم على دراية بإفناء الجسيمات المضادة؛ لذلك فسوف يعرف أنك ببساطة قد تحركتِ إلى الوراء في الزمن. بلا شك سوف يتوقَّع أن يصطدم بك لاحقًا أو ربما عاجلًا، بناءً على مدى ذهابك بعيدًا إلى الوراء. على أي حال، فقد حولتك عملية الإفناء هذه إلى أليس مضادة وقد تحرَّكتِ إلى الوراء في الزمن حتى خُلقت أنت وأليس معًا على يد فوتون عالي الطاقة. هكذا يبدو الأمر لأيِّ مشاهد. أما بالنسبة إليك فيبدو الأمر كأنك توقفتِ فجأة عن التحرُّك إلى الوراء في الزمن، بل بدأت التحرُّك إلى الأمام على نحو طبيعي. لم يكن باستطاعتك رؤية الفوتون الذي سبَّب لكِ هذا. لم يكن في استطاعتك لأنه لم يعدْ له وجود في اللحظة التي عكست فيها سيرك عبر الزمن؛ لذلك فكلتاكما، أليس وأليس المضادة، كنتما في مستقبل لم يحدث الوصول إليه أبدًا.»

«تُدركين الآن أنه على الرغم من أنه قد يبدو لأي أحد ينظر إليكِ أنه توجد ثلاثة أليس، اثنان أليس وواحِدة أليس مضادَّة، في الحقيقة كانت جميعها أنتِ نفسك. فلأنكِ رجعتِ إلى الوراء في الزمن إلى الفترة نفسها التي كنتِ قد عشتها بالفعل عندما كنتِ تمشين مع ميكانيكي الكَم. عندما عدتِ إلى طبيعتك بفعل عملية الإنتاج الزوجي، فقد عشت الفترة نفسها لمرة ثالثة، والآن أصبحتِ تتحرَّكين لمرةٍ أخرى إلى الأمام في الزمن.»

«كان هذا الجزء من حياتك يُشبه إلى حدٍّ ما طريقًا متعرِّجًا صعودًا على جانب تل، يصعد في البداية نحو الشرق، ثم يرتدُّ بحدةٍ ليسير نحو الغرب قبل أن يلتفَّ عائدًا إلى الشرق مرةً أخرى. إذا تسلَّقتَ جانب هذا التل صعودًا نحو الشمال فمن المُحتمَل أن تظني أنكِ قد قطعتِ ثلاث طرق مختلفة، بينما في الحقيقة تكونين قد قطعتِ الطريق نفسه ثلاث مرات. يحدث الأمر نفسه في إنتاج الجسيمات المضادة؛ فالجسيم المضاد أو نقيض الجسيم هو جزءٌ من طريق يسير في الاتجاه المعاكس.»

في هذه اللحظة صدر صوت أزيز خافت من الخوذة وسطع ضوء أخضر طفيف في زاوية القناع. قال الوكيل: «أعتقد أن الخوذة مشحونة بالكامل من أجل تجربة عَملية أخرى. إذا نظرتِ بإمعان هذه المرة، فلا بد أن تكوني قادرة على ملاحظة بعض تأثيرات الرتبة الثانية.»

قام بتعديلات على جانب الخوذة ومرةً أخرى أصبح المشهد ضبابيًّا …

•••

اتضحت الرؤية مجددًا وظهر لها منظر تتداخل في جميع أجزائه شبكة من خطوط الفوتونات. وعندما نظرت أليس بإمعان أكثر إلى منطقة معينة، استطاعت أن ترى أن قليلًا من الوصلات الساطعة كانت مقطوعة. فاستطاعت أن ترى في منتصَف خيط فوتون لامع عقدة ما، حيث تغيَّر الفوتون في موضع ما في المنتصف إلى ما استطاعت التعرف عليه بأنه إلكترون وبوزيترون، أي إلكترون ونقيض الإلكترون. وسرعان ما اتحد هذا الزوج مجددًا مكوِّنًا حبلًا من الفوتون واصلَ طريقه كي يصل نفسَه بإلكترون حقيقي.

مع استمرار أليس في التحديق عن قرب أكثر استطاعت أن ترى فوتونًا آخر يصدر بصورة خافتة من الإلكترون في العقدة. وفي مكان ما على طول مسار هذا الفوتون استطاعت أن ترى حدودًا خافتة لعقدة إلكترون وبوزيترون أخرى. وينبثق من هذه العقدة فوتونات أكثر خفوتًا. وإذا أمعنت النظر عن قرب أكثر لاستطاعت أن ترى عقد إلكترون وبوزيترون خافتة على طول حبال هذه الفوتونات. بحسب ما استطاعت رؤيته استطاعت أن ترى فوتونات تخلق عقد إلكترون وبوزيترون مغلقة وإلكترونات أو بوزيترونات تُطلق فوتونات تخلق المزيد من أزواج الإلكترونات والبوزيترونات. استمر هذا طوال الوقت في غزارة لا نهائية واضحة، لكنها كانت تصبح باهتة أكثر فأكثر مع كل مستوى إضافي من التعقيد. أصبحت أليس مشوشة الذهن تمامًا وأصابها الدوار مع ضغطها على عينيها في محاولتها لأن ترى نهاية ما لهذا التواتُر. وأخيرًا جاءت النهاية. سمعت أزيزًا وطقطقةً من الخوذة واختَفى النمط بأكمله من أمام عينيها.

قالت بنبرة اتهام إلى حد ما: «أعتقد أنك قلت إن الإلكترونات كانت مترابطة بتبادل الفوتونات. أنا متأكِّدة من أني قد رأيت إلكترونات بين الجسيمات الافتراضية. الكثير منها جدًّا في الحقيقة.»

«آه، نعم، لقد فعلت. تعمل الإلكترونات الحقيقية الأصلية كمصادر للمجال الكهربي بالرغم من أن الأصح قوله إن الشحنات الكهربية التي تحملها الفوتونات هي ما تنتج المجال. لا تهتم الفوتونات بأي شيء فعليًّا سوى بالشحنة الكهربية، لكن أينما وجدتِ مثل هذه الشحنة فسوف تحصلين دائمًا على سحابة من الفوتونات الافتراضية معلَّقة حولها. فإذا جاء جسيم آخر مشحون بالجوار فإن هذه الفوتونات تكون متاحة للمبادلة، وكي تُنتج قوةً بين الجسيمَين. يجب أن يحدث إنتاج للجسيمات المتبادلة كي تجري مبادلتها ثم تُفنى بعد ذلك عند التقاطها. من الواضح أن عددها لا يظل ثابتًا؛ لذلك يجب أن تكون بوزونات.

تسير العلاقة بين الفوتونات والشحنة في كلا الاتجاهَين؛ فبالضبط كما تُنتج الجسيمات المشحونة فوتونات، تحبُّ الفوتونات أيضًا أن تنتج جسيمات مشحونة، ولكن لا يمكنها أن تُنتج جسيمًا مشحونًا واحدًا فقط؛ لأن كمية الشحنة الكهربية الموجودة لا يجوز لها أن تتغير. وهذه قاعدة أخرى، وهي لا تسمح بأي قدر من عدم اليقين. ومع ذلك ما يمكن للفوتونات أن تفعله هو أن تُنتج إلكترونًا وإلكترونًا مضادًّا أو بوزيترونًا، في الوقت نفسه. وبما أن أحدهما له شحنة سالبة وشحنة الآخر موجبة، فإن الشحنة الإجمالية في الكون لم تتغير. كان ذلك ما رأيته. فتنتج الفوتونات الافتراضية أزواجًا افتراضيةً من الإلكترونات والبوزيترونات، التي يُفني بعضها بعضًا ثم تعود لتكوِّن فوتونات. ومع ذلك، ففي خلال الحياة الوجيزة للزوج، ولأن كليهما جسيمان مشحونان، فمن المحتمل أن ينتجا المزيد من الفوتونات، وتلك الفوتونات من الممكن أن تنتج المزيد من أزواج الإلكترونات والبوزيترونات، وهكذا دواليك.»

لا يُمكن فقط إنتاج الفوتونات، بل يمكن كذلك إنتاج جسيمات مثل الإلكترونات، على الرغم من أن هذه الجسيمات لا بد أن يكون إنتاجها مصحوبًا بإنتاج جسيماتها المضادة، بحيث لا يحدث تغيير في الشحنة الكهربية الكلية. ويلزم وجود الطاقة لإنتاج كتل السكون لمثل هذين الجسيمين، لكن هذه الطاقة اللازمة قد تتوفر لفترة وجيزة على صورة تذبذبات في الطاقة. من الممكن أن تحدث مثل هذه التذبذبات حتى مع عدم وجود طاقة في البداية، ويمكن إنتاج الجسيمات فعليًّا من لا شيء. إن «الفضاء الفارغ» هو في الحقيقة وسط إنتاج هائج لأزواج من الجسيمات والجسيمات المضادة.

قالت أليس: «يا إلهي. تبدو الأمور شديدة التعقيد. أين ينتهي هذا كله؟»

«حسنًا، إن هذا لا ينتهي. إنه يستمر على هذه الصورة إلى الأبد، فتزداد الأمور تعقيدًا أكثر فأكثر. إلا أن احتمال أن ينتج الإلكترون فوتونًا، أو أن ينتج الفوتون زوجًا من الإلكترون والبوزيترون ضئيلٌ إلى حدٍّ كبير. هذا يعني أن السعات الأكثر تعقدًا تكون أضعف، وفي النهاية يحول ضعفها دون رصدها. ولا بد أن تكوني قد رأيتِ هذا.»

قالت أليس: «حسنًا.» وقد كان رأسها ما يزال يدور وهي تحاول أن تتتبَّع ما رصدته منذ قليل وما قيل لها. «كل ما يُمكنني قوله هو أنه لم تَسبق لي رؤية شيء مماثلٍ لهذا من قبل.»

عاد الوكيل ليقول لها: «ربما يكون هذا قد حدث، فما رأيته للتو لا يُشبه أي شيء آخر في أي مكان. مع ذلك فأنا مُندهش قليلًا من أنك قد تمكَّنتِ من رؤية لا شيء قبل أن تأتي إلى هنا.»

ردت أليس بسخط: «أنا متأكِّدة من أني لا أُوافقكَ الرأي في هذا. ربما لم أسافر كثيرًا، لكني رأيتُ شيئًا على الرغم من ذلك. لمعلوماتك فحسب.»

قال وكيل الحالة: «ليس عندي أي شك في أنكِ قد فعلتِ، فأنا متأكِّد من أنك قد جئتِ من مكان جذاب جدًّا، لكنه من السهل نسبيًّا أن يُرى المرءُ شيئًا، كما تعرفين. لكنه من الأصعب كثيرًا أن يرى لا شيء. أنا لا أعرف كيف تمكنتِ من فعل هذا دون مساعدة خوذة الواقع الافتراضي خاصتي.»

قاطعته أليس قائلة: «انتظر لحظة.» فقد بدأت تشكُّ في وجود سوء فهم بينهما. «هل من الممكن أن تخبرني من فضلك ماذا تعني بلا شيء؟»

«بكل تأكيد، نعم. أعني بلا شيء الغياب الكامل لأي جُسَيمات حقيقية على الإطلاق. وكما تعرفين يُطلَق على هذا مسميَّاتٌ كثيرة مثل الفراغ، والخواء، وذهاب كل الأشياء، أو أيًّا كان ما تريدين أن تصفيه به.»

كانت أليس مُندهِشة تمامًا بمدى هذا المفهوم السلبي. «هل يبدو ذلك مختلفًا بأي شكلٍ من خلال خوذتك؟ كنت أعتقد أن لا شيء يبدو مثل لا شيء مهما كانت الطريقة التي تنظر بها إليه.»

«بالتأكيد يوجد فرق، فربما لا يكون الخواء أفضل جار، ولكن ثمة عدد وافر من الأنشطة الخفية، تعالَي لترَي بنفسك.»

انطلق الوكيل بخطًى سريعة نشطة وتبعته أليس عبر أرضية مكتبه. أصبح من الصعب عليها أكثر أن تُصدِّق أنهما ما زالا داخل مكتب أو مبنًى من أي نوع، إذ بدا المكان ضخمًا بشكل ملحوظ. سارا لبعض الوقت وأليس تكافح تحت ثقل الخوذة وكابل الأسلاك الذي كان ما زال يمتد خلفها. قالت لنفسها: «أتساءل ما مدى طول هذه الوصلة. أنا متأكدة من أني سوف أصل إلى نهايتها قريبًا.»

سرعان ما غابت الوحدات السكنية الدورية التي رأت فيها حالات الإلكترون عن نظرها وأصبحت خلفهما، لكنهما واصلا السير. وفي اللحظة التي كانت فيها أليس على وشك أن تتوسل من أجل أن يتوقفا لأخذ قسط من الراحة، رأت أمامهما ما بدا إلى حدٍّ ما مثل شاطئ بحيرة أو بحر هادئ للغاية. ومع اقترابهما أكثر استطاعت أن ترى أنها كانت بحيرة ضخمة للغاية، هذا إذا كانت بحيرة في الأصل. كانت مُمتدَّة أمامهما إلى أبعد مما كانت قادرة على الرؤية، في مساحة ممتدَّة لا تبدو لها حدود. لكن إذا كان هذا بحرًا فقد كان أغرب منظر بحر رأته أليس على الإطلاق. لقد كان هادئا جدًّا، في سكون تام ومطبق باستثناء اهتزازات طفيفة، ترى بالكاد على السطح. لم يكن أزرق اللون أو أخضر أو داكنًا كلَون النبيذ أو له أي لون آخر سمعت أليس به يُستخدم في وصف الماء. كان بلا لون تمامًا؛ فكان مثل ليلة كثيفة وصافية ولكنها بلا نجوم.

قالت أليس وهي تلهث، وقد سيطر عليها فراغ المشهد الذي ملأ عينيها: «ما هذا؟»

ردَّ الوكيل: «لا شيء. هذا لا شيء، إنه الخواء.»

واصَلَ حديثه قائلًا: «تعالَي الآن، دعيني أشغِّل الخوذة، وعندها تستطيعين أن ترصُدي النشاط في الخواء.»

مدَّ يده إلى الخوذة ومرةً أخرى فعل ما فعله من قبل. وأصبحت رؤية أليس، رؤيتها للاشيء ضبابية …

•••

اتضحت رؤيتها لتكشف عن مشهد مماثل جدًّا لآخر مشهد رأته عبر الخوذة. مرةً أخرى رأت شبكةً من حبال براقة. ومع ذلك، في هذه المرة لم تر الحبال تنتهي عند الإلكترونات الحقيقية، والتي كانت تبدو من قبل محتجَزة في الشبكة ولكنها كانت في الواقع مصدرها. الآن لم تكن توجد أي جسيمات حقيقية، فقط الافتراضية. فقد كانت الفوتونات تخلق أزواجًا من الإلكترونات والبوزيترونات. وكانت الإلكترونات والبوزيترونات تُنتج المزيد من الفوتونات، بالضبط كما رأت من قبل. في السابق، نشأت الشبكة من الإلكترونات الحقيقية والتي كانت مصدرها ومرتكزها في عالم الجسيمات الحقيقية. أين كان مصدرها؟ كانت أزواج الإلكترونات والبوزيترونات تنتج عن الفوتونات؛ وكانت الفوتونات تنتج عن أزواج الإلكترونات والبوزيترونات، التي كانت تنتج عن الفوتونات. حاولت أليس تقفِّي الأثر على امتداد مسارات الجسيمات كي تجد مصدرها، لكنها وجدت أنها كانت تدور في دوائر طوال الوقت. شعرت بأنها لا بد أن تكون قد فقدت تركيزها، فحاولت مجدَّدًا تتبُّع المسارات بحرص أكبر حين سمعت صوت الأزيز المعتاد والطقطقة العالية واختفى المشهد كله.

مرةً أخرى، شرحت أليس ما رأته للوكيل وأخبرته كيف كانت غير قادرة على أن تُقرِّر أي الجسيمات هي التي كانت تنتج الأخرى. ردَّ الوكيل: «لست متفاجئًا فهي جميعًا يُنتج بعضها بعضًا، كما تعلمين. إنه موقف مشابه لفكرة الدجاجة والبيضة، لكن في حالتها فهي جميعًا تضع البيض وتفقس في نفس الوقت.»

سألت أليس: «كيف يُمكن لهذا أن يحدث. فلا بد من وجود مصدر ما. لا يمكن أن تكون قد جاءت من لا مكان.»

ردَّ عليها الوكيل: «أخشى أن هذا مُمكِن وهذا ما حدث بالفعل. إن كل ما يمنع إنتاج الجسيم والجسيم المضاد يكون عادةً الحاجة إلى توفير طاقة من أجل كتلة سكون الجسيمات، أما الجسيمات الافتراضية فلا يُثبِّطها هذا حتى. الأمر كله تذبذب كَمي كبير هائل.»

سألت أليس: «هل هو حقيقي إذن؟ هل كل تلك الجسيمات موجودة بالفعل؟»

«آه، نعم، إنها حقيقية تمامًا، حتى لو لم يكن هذا بالمعنى التقني للجسيمات الحقيقية. فهي جزء أساسي من العالم مثلها مثل أي شيء آخر. إلا أنني أعتقد الآن أنك قد رأيتِ من خلال الخوذة بقدر ما تحتاجين.» واصل حديثه وهو يرفع الجهاز الثقيل عن رأس أليس. «لم نعدْ بحاجة إليها بعد الآن؛ لذلك سأقوم بتشغيل آلية ترجيع كابل الأسلاك.» لمس زرًّا على جانبها وبدأت الخوذة ترجع نفسها على طول كابل الأسلاك فانطلقت سريعًا على الأرض في الاتجاه الذي كانا قد أتيا منه، مثل عنكبوت آلي، حتى اختفت عن الأنظار.

بالرغم من أن الخوذة قد اختفت، كان رأس أليس ما زال ممتلئًا بالمشاهد الرائعة التي رأتها والتي لا تُنسى، وأخذت تقلبها في رأسها وهي تمشي في صمتٍ بجوار وكيل الحالات، على طول ساحل الخواء اللانهائي.

هوامش

(١) في داخل الذرة، تكون للحالات المسموح بها للإلكترونات مستويات طاقة بينها مساحات عريضة، ولا يُمكن للإلكترون أن يشغل إلا هذه المستويات فقط. ولا يُمكن للإلكترون أن يَنتقِل من إحدى هذه الحالات إلا إذا ذهَب إلى حالة أخرى خالية، وبفعله هذا تتغيَّر طاقته بكمية محدَّدة هي فرق الطاقة بين الحالتَين. الذرة في حالتها الطبيعية أو القاعدية الأرضية تكون مُستويات الطاقة الأدنى لديها مُمتلئة بالإلكترونات بشكلٍ منتظِم، لكن ثمة مستويات طاقة أعلى تكون فارغةً في المعتاد. عندما يستثار إلكترون في موضعه المبدئي فسوف يَنتهي به الحال في الأعلى في أحد هذه المستويات العليا الخالية أو يُغادر الذرَّة بالكامل.
يُمكن للإلكترون الذي تعرَّض للاستثارة وانتقل إلى مستوى أعلى أن يضمحلَّ عائدًا إلى مستوى طاقةٍ أدنى، إذا ما وجدت حالة مُتاحة. يجب على الإلكترون أن يُخلِّص نفسه من الطاقة الفائضة عند انتقاله إلى مستوى طاقة أدنى، وهو ما يقوم به عن طريق إطلاق فوتون. وهذه هي الطريقة التي تُطلَق بها الذرات الضوء. وبما أنَّ الإلكترونات جميعها تَشغَل حالات محدَّدة داخل الذرَّة، إذن فأي فوتون يَخرُج لا يُمكن أن تكون له طاقة إلا مُساوية للفارق بين الطاقة المملوكة في الأصل للمُستوى الابتدائي والنهائي لحالتَي الإلكترون. إن هذا يتسبَّب في وجود عدد ضخم من الاحتمالات، لكنه مع ذلك يضع قيودًا على الطاقة التي يَنبغي للفوتون الحصول عليها. إن طاقة الفوتون تتناسَب مع تردُّد الضوء ومن ثمَّ مع لونه؛ لذلك فطيف الضوء الناتج عن الذرة يتكوَّن من مجموعة من «الخطوط» الملوَّنة ذات تردُّدات معيَّنة. ويكون طيف نوع معين من الذرات مميِّزًا تمامًا لها.
لا يمكن للفيزياء الكلاسيكية أن تعطيَ أي تفسير لهذه الأطياف.
(٢) للجُسَيمات الافتراضية ضبابية مميَّزة، سواء كان هذا من حيث الزمان أو الطاقة. يبرز هذه الضبابية كتذبذبات في الطاقة، تتصرَّف فيها الجسيمات وكأن لديها طاقة أكبر (أو أقل) مما يجب. من المُمكن أن تظهر بالقدر نفسه كحالة من عدم اليقين في الزمن. وفي النظام الكَمي، تبدو الجسيمات قادرة على أن تكون في مكانين في الوقت نفسه (أو على الأقل تكون لديها سعات قادرة على فعل هذا).
بل إنه يُمكِن للجُسَيمات تدوير الزمن. فسَّر الفيزيائي ريتشارد فاينمان الجسيمات المضادَّة على أنها «جسيمات تُسافِر في الزمن إلى الوراء». (ريتشارد فاينمان، «الديناميكا الكهربائية الكَميَّة: النظرية الغريبة في الضوء والمادة»، دار بنجوين للنشر، نيويورك.) وهذا يُفسر كيف تكون خصائص الجسيمات المضادَّة أو نقائض الجسيمات على العكس من تلك الخاصة بالجسيمات؛ فإن الشحنة الكهربية السالبة التي تُحمل في الزمن إلى الوراء تكافئ الشحنة الموجبة التي تتحرَّك نحو المستقبل. في كلتا الحالتين تزداد الشحنة الموجبة في المستقبل، والإلكترون سالب الشحنة الذي يتحرك إلى الوراء نحو الماضي يُرى كبوزيترون موجب الشحنة، وهو جسيمه المضاد.
توجد لكل الجسيمات جُسيماتها المضادة، وهذا هو المتوقَّع تمامًا لو أنها في واقع الأمر نفس الجسيم لكنه يتصرَّف بطريقة مختلفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠