الفصل الثامن

قلعة رذرفورد

وقفت أليس تُحدِّق في الارتفاعات المُعتِمة لقلعة رذرفورد كما تلُوح فوقها. سألت مرافقَها: «مِن أين جاءت هذه؟ وكيف وصلنا إلى هنا من بئر جهد في الذرَّة؟»

«عليَّ أن أخبرك أنه في لمح البصر يُمكننا أن نذهب إلى أيِّ مكان. نحن نبقى بثبات بجوار الذرة، لكنَّنا الآن مُنحصِرون بعض الشيء في مركزها أو بالأحرى أكثر من بعض الشيء. ما ترينه أمامك هو قاع بئر الجهد نفسه. ألا تعرفين أنه الشيء نفسه؟»

ردَّت أليس على نحو قاطع: «لا، بالتأكيد لا أعرف! فقد كان بئر الجهد بئرًا؛ لقد كان حفرة تنزل إلى الأسفل. أما هذا فبرج يَرتفِع إلى الأعلى. فهما شيئان مختلفان تمامًا.»

ردَّ الفوتون: «إنه غير مختلف على الإطلاق عندما تفكرين في الأمر. فالنواة تُنتج مجالًا كهربيًّا، ونفس هذه النواة تطلق طاقة جهد سالبة إلى أي إلكترونات سالبة على مَقرُبة منها. عندما تمتزجين بمثل هذه الرفقة، مثل حال الإلكترونات وغيرها، فمِن الطبيعي أن ترَي الجهد كحُفرة تتَّجه إلى أسفل. أما الجُسَيمات النووية، مثل البروتونات، فهي جسيمات تَحمل شحنة موجَبة في كل الأوقات؛ لذلك إذا جاء رفاق مثل هؤلاء في زيارة غير متوقَّعة، فإنهم معرَّضون لأن يجدوا طاقة الجهد لديهم ترتفع أكثر بعض الشيء مع اقترابهم من النواة. ومن المعتاد أن يجعل هذا مثل هذه الشخصيات تحافظ في كياسةٍ على مسافتها، ويعمل الحقل كحاجز. وفي الحقيقة، فإنه لهذا السبب يُدعى حاجز كولوم. وتميل البروتونات والنيوترونات (النيوكليونات) إلى كراهية وجود ضيوف غير مَدعوِّين. وفي حال ما إذا كنتِ تختلطين بشخصيات من هذا النوع، فإنك سوف ترين ما يرون؛ وهو حائط جهد عالٍ حول النواة.»

سألت أليس: «كيف يُمكنني أن أدخل إذن. أنا لا أعتقد أن بإمكاني الصعود فوق هذا الحائط.» ثم قالت في أمل: «أنا متأكِّدة من أنه سوف يكون من الفعال جدًّا أن أحافظ في كياسةٍ على مسافتي.». كانت ما زالت غير متأكِّدة على الإطلاق من أنها تريد أن تقابل العائلة النووية.

في مركز كل ذرة ثمة نواة ذرية متناهية الصغر. تَحتوي هذه النواة على معظم الكتلة الكلية للذرة، بالرغم من أنها تُمثِّل واحدًا على مائة ألف فقط من قطرها. تحمل النواة شحنة كهربية موجبة تجذب الإلكترونات السالبة الشحنة وتُحافظ على تماسك الذرة بعضها ببعض. من ناحية أخرى، تطرد هذه الشحنة الموجبة الجسيمات الموجبة الشحنة الأخرى وتضع حاجزًا حول النواة، يُعرف باسم حاجز كولوم، الذي يبقي البروتونات والأنوية الأخرى في الخارج.

«يعمل حاجز كولوم على إبقاء الجُسَيمات من نفس النوع فقط في الخارج، تلك التي تحمل شحنة كهربية موجبة. ثمة جسيمات أخرى لا تَمتلِك أي شحنة كهربية على الإطلاق، ويُمكن لهذه الجسيمات المرور عبره بسهولة. أنتِ لا تحملين أي شحنة في الوقت الحالي؛ لذلك يُمكنكِ الدخول عبر مدخل الجسيمات المحايدة.» أشار نحو مدخل مُرتفِع في أسفل حائط القلعة، لم تكن أليس قد لاحظته من قبل، كان مكتوبًا عليه على نحو استرشادي عنوان: «الجسيمات المحايدة فقط».

مشَت أليس ومرافقُها إلى الباب وطرَقا طرقاتٍ مُدوِّية. سألت أليس في تحفُّظ: «ما شكل الجسيمات النووية؟ هل تشبه كثيرًا الإلكترونات التي قابلتها منذ قليل؟»

«من الشائع أن الجميع وبشكلٍ عام يَعتبرونها أكبر كثيرًا من أي إلكترونات ومن المعروف أنها أكثر ضخامة منها بنحوِ ألفَي مرة.» لم تعمل هذه الإجابة مطلقًا على تخفيف حدَّة التوتُّر لدى أليس، وهي تسمع خطوات أقدامٍ بطيئة وثقيلة تقترب من وراء الباب. هذه الخطوات أصبحت أعلى حتى تصوَّرت أليس أنها تستطيع أن تشعر بالأرض تهتزُّ قليلًا مع وقع كل خطوة على الأرض. أخيرًا توقَّفَت الخطوات، وبدأ الباب المرتفع يُفتَح ببطء إلى الداخل. نظرت أليس في توتُّر إلى الأعلى كي تَحظى بأول نظرة على هذا الوحش الذي أرسل في طلبها. أخيرًا أصبح الباب مفتوحًا على مصراعَيه، لكنها ما زالت لا ترى شيئًا. هل النيوكليونات غير مرئية؟

سمعَت أليس فجأة صوتًا يبدو منزعجًا من مكانٍ ما أسفل مستوى ركبتيها يقول: «ها أنا ذا.» جفلَت ونظرَت إلى الأسفل ووجدت أمامها كيانًا صغيرًا واقفًا. لم يكن يبدو مختلفًا في شكله عن الإلكترونات التي رأتْها من قبل، باستثناء وجود هالة من الطاقة تُحيط به بطريقةٍ ما، ومثل مرافقها حاليًّا كان يَرتدي نظاراتٍ داكنة. إلا أن أليس عندما تذكَّرت إلى أي مدًى تقلَّصَت وهي في طريقها إلى قلعة رذرفورد، أدركَت أن هذا الكيان لا بد أن يكون أصغر بكثير جدًّا من الإلكترونات التي ظهرت لها من قبل.

صاحت وهي تَلتفِت في سخط إلى الفوتون، وقد شعرت بالغضب لأنها تعرَّضت للخداع على هذا النحو: «أعتقد أنكِ أخبرتني بأن النيوكليونات أكبر من الإلكترونات!»

«بالتأكيد، فأغلب المواطنين المُستنيرين يوافقون على أنها في الحقيقة أكبر، وأنا متأكد من أنك لا ترغَبين في التشكيك في كلمتي حول أمر صغير جدًّا مثل هذا. بالتأكيد النيوكليونات أثقل وزنًا بكثير من الإلكترونات، ولذلك فهي تَميل إلى أن تكون أكثر تمركزًا. ولأنها أثقل بألفي مرة فمن الطبيعي أن تكون طاقة كتلة السكون لديها أكبر بألفَي مرة. وأيضًا من المتعارف عليه على نطاق واسع أنها تكون في أكثر تمركزًا نحو ألفَي مرة، حتى عندما يكون لها نفس طاقة فرد من نوع الإلكترون. وهذا يعني أنها تميل لأن تَشغَل مساحة أقل وبذلك من المُمكن أن تبدو أصغر من الإلكترونات، لكن الرأي المُستنير يقول إنها في الحقيقة الفعلية أكبر منها.»

«مقارنةً بمُواطني النواة فإن إلكترونات الذرة هي مجموعات لها طاقة أو زخم حركة قليل جدًّا على أيِّ حال، ولا تتمركَز على نحوٍ جيد على الإطلاق. إنها تُكوِّن سحاباتٍ إلكترونية كبيرة تطفو في المنطقة المجاوِرة للنواة وهي كبيرة جدًّا بالفعل. إنها تَنتشِر على مساحة تزيد بمئات الآلاف من المرات عن نفس النواة.» حين نظرت أليس حولها استطاعت أن ترى سُحبًا رمادية كبيرة تحيط بهم، سحبٌ تمتد إلى ما هو أبعد من مرمى البصر. كان من الغريب التفكير في أن هذه هي الإلكترونات التي رأتها كثيرًا في السابق، لكنها الآن تراها من منظور أصغر بكثير.

النيوترون الذي كان في استقبالهما (هكذا كان) بدأ يَضيق ذرعًا بهذا الحوار المتبادَل. فقال فجأة متبرِّمًا: «لا تَقِفي هناك فقط هكذا، أيًّا من تكونين. اقتربي كي أستطيع التعرُّف عليكِ.»

قالت أليس وقد أدركت الموقف: «إنه لا يستطيع رؤيتنا. أعتقد أنه أعمى!»

ردَّ مرافقها: «كل النيوترونات على هذا الحال، كما يقرُّ معظم الناس. هذه المجموعات ليسَت من هذا النوع الذي له أي تفاعُلات مع الفوتونات، أو نادرًا ما يكون لها، وليست لها شحنة كهربية خاصة بها. فالنيوترونات مواطنون ليست لهم تفاعُلات كثيرة طويلة المدى بأي شكل، فهي في الواقع تميل أكثر نحو التفاعُلات القصيرة المدى. ولا تُجيد مثل هذه المجموعة التعرف على الآخَرين حتى تكون قريبة كفاية كي تتحسَّسَهم.»

تحرَّكا نحو النيوترون واقتربا منه حتى اصطدم بهما. صاح في حدة: «آه، ها أنت ذي. ادخلي ودعيني أغلق الباب. في الداخل أكثر راحةً ودفئًا.» تجاهل الفوتون، الذي لم يكن منتبهًا لوجوده تمامًا. اهتمَّت أليس بملاحظة أن الفوتون تلاشى ببساطة في تحصينات القلعة، التي كانت في النهاية مكوَّنة من فوتونات افتراضية صادرة من شحنة النواة.

تبعت أليس النيوترون إلى داخل القلعة وهو يتحسَّس طريقه عبر ممرٍّ حجري وعر. كان هذا الممر ضيقًا جدًّا لكن يبدو كأنه يتَّسع بلطف مع اقترابهما منه، ولذلك كان ثمة مساحة دائمًا تكفي لمرورهما عبره. رأت أليس هذا السلوك غريبًا نوعًا ما، لكنها لم تكن أبدًا متأكدة بما فيه الكفاية من كونه يحدث بالفعل كي تُصدِر أي تعليق. والآن بعد أن قابلت هذا النيوترون الذي تتبعه، لم يبدُ لها أنه مصدر تهديد كما كانت تخشى. كان غير صبور، أجل لا جدال في هذا، ولكنه ليس بأي حالٍ شريرًا. ذكَّر أليس بقريب لها من بعيد.

دخلا معًا حجرة مركزية ذات سقف مقبَّب مُرتفِع من أحجار غير مطليَّة. ترتفع الجدران عمودية من كل جانب وتَختفي في ظلال السقف. حول الجدران من أعلى كانت ثمة فتحات مقوَّسة تُؤدِّي إلى مُستوياتٍ أعلى مختلفة، ما أثار ذكريات أليس في تشوش بمستويات طاقة الإلكترونات التي كانت أليس قد رأتها في الذرة في الخارج. كانت مساحة الأرضية متوسِّطة، وكانت مزدحمة بجسيمات كثيرة بقدر ما تحتمل، لكن بمجرد دخول أليس ومرافقها لاحظت بوضوح أن الجدران الصخرية الضخمة تحركت للخلف قليلًا كي تُعطيَ المساحة الإضافية المطلوبة بالضبط لاستيعاب الشاغلين الجُدد.

كانت أليس متأكِّدة تمامًا مما رأته هذه المرة وعلقت على الحركة، أخبروها بأن: «هذا هو تأثير المجال المتَّسق ذاتيًّا ضمن حدود القلعة.»

«نحن النيوكليونات، مثلنا مثل الإلكترونات والجسيمات الأخرى كلها، يجب أن نَشغل حالات كَميَّة، والحالات المتوفِّرة هنا يتحكَّم فيها بئر الجهد الموضعي. في حالة الإلكترونات الموجودة داخل الذرة، نحن من نوفر بئر الجهد هذا. فحالات الإلكترونات يُحدِّدها الجهد الكهربي، ونحن من نتحكَّم في هذا الجهد. إنَّ الذرة هي منطقة نفوذنا، ويتحكَّم في طاقة جهد الإلكترونات بداخلها مقدار بُعد هذه الإلكترونات عن الشحنة الكهربية الموجبة للبروتونات في النواة المركزية. وعن طريق الجهد الكهربي الناتج عن هذه الشحنة، نتحكَّم نحن داخل النواة في حالات الإلكترونات، ويجب على الإلكترونات أن تتوافَق مع هذه الحالات بقدر ما تستطيع. أما في حالتنا فالوضع مُختلِف. فنحن من نُوفِّر الجهد الخاص بحالاتنا النووية.»

اعترضت أليس: «إذا كنتُم تُوفِّرون الجهد في كلتا الحالتين، فإن ذلك بالتأكيد يَجعل الحالتين مُتماثلتَين.»

«كلا، إنه يجعل الحالتَين مختلفتين تمامًا. فكما ترين، داخل الذرة يتوفَّر الجهد في الأغلب من النواة؛ لذلك تتحكَّم النواة في الحالات بالرغم من أن النيوكليونات نفسها لا تستفيد منها. فيتحكَّم الجهد في الحالات التي تُعطي توزيع الاحتمالات للإلكترونات، لكن الإلكترونات التي تستخدمها تأثيرها طفيف على الجهد. إن الجهد الذري هو نفسه لا يختلف باختلاف المكان الذي يُحتمَل أن توجد فيه الإلكترونات.»

«بالنسبة إلى النواة، على الجانب الآخر، فإن الجهد الذي نحن فيه الآن ينتج عن المجهود الجَمْعي لكل النيوكليونات بداخلها. فنحن لدينا نظام ديمقراطي للغاية نحكم به أنفسنا، مع أننا نحكم الإلكترونات بنظام استبدادي. إنَّ جهدنا الجَمْعي يحدد الحالات المتاحة لنا نحن النيوكليونات كي نَشغلها، وبذلك يتحكَّم في توزيع الاحتمالات. وهذا التوزيع يتحكَّم بدوره في الجهد، كما قلت في البداية. إنها حلقة مُفرغة، كما يُمكنكِ أن تتوقَّعي بالنسبة إلى العائلة النووية، ويمكنكِ رؤية أن الحالات التي نسكنها ستتغير بشكل طبيعي مع تغير توزيع النيوكليونات.»

سألت أليس، التي ظنت أنها قد فهمت هذه النقطة وأصبحت واضحة في ذهنها: «هل الجهد النووي ينتج عن الشحنة الكهربية نفسها مثل الجهد الذي يُمسك بالإلكترونات؟»

«آه، كلا، على العكس تمامًا في الحقيقة. فإنَّ الشحنة الكهربية في النواة بأكملها تحملها البروتونات. لا بد لكِ أن تري بعض البروتونات هناك.» ولوَّح في اتجاه الجسيمات القريبة. حدَّقت أليس في هذا الاتجاه، واستطاعت أن ترى المزيد من النيوترونات، التي بدت بالضبط مثل مرافقها. تناثَرت بينها جسيماتٌ أخرى بدَت أكثر حزمًا بوضوح. في حين كان النيوترون منفعلًا بعض الشيء، فقد بدَت هذه الجسيمات في حالة من غضب شديد مكبوت بالكاد. «جميع البروتونات تحمل شحنات موجبة، والجُسيمات التي لها نفس نوع الشحنة تَنفر بعضها من بعض، كما تعرفين. على الدوام تستشيط البروتونات غضبًا بعضها من بعض وتهدد بالانسحاب مُندفعة. ومن الصعب جدًّا، حسبما يُمكن أن أخبرك، إبقاؤها معًا.»

«ألا توجد نفس المشكلة عند الإلكترونات إذن؟ فأنا أفترض أن المشكلة نفسها ستكون موجودة عندها. فإن كانت للإلكترونات شحنة كهربية سالبة، فمِن ثمَّ سيكون لدى كل اثنين منها نفس الشحنة، ولا بد أن ينفر أحدهما من الآخر.»

«هذا صحيح تمامًا؛ إنهما يَنفران أحدهما من الآخر بالفعل. ومع ذلك، لا بد لكِ من إدراك أن الإلكترونات تكون مُنتشرة نسبيًّا وغير محدَّدة وشحناتها متباعِدة بشكلٍ كبير؛ لذلك فالتنافر الذي تحدثه يكون ضعيفًا تمامًا. قوى الجذب من الشحنة الموجبة المركزة في النواة قادرة على الحفاظ على تماسُكِها. تتزاحَم البروتونات في النواة بالقرب بعضها من بعض؛ لذلك تكون قوى التنافر قوية جدًّا. وتهدد القوى الكهربية بتمزيق النواة إربًا.»١

سألت أليس بشكلٍ منطقي: «في هذه الحالة ما الذي يُبقيكم كلكم معًا؟»

«إنَّ هذا يتحقَّق بفعل قوة مختلفة تمامًا، وهي قوة شديدة — في الحقيقة، وتُسمَّى التفاعل، أو التآثُر، النووي القوي.

«إنَّ قوة التفاعل النووي القوي شديدة للغاية. إنه قادِر على التغلُّب على التنافر الكهربي المدمِّر داخل النواة، مع أنه ليس له تأثير واضح خارج النواة. إنها قوة قصيرة المدى كما ترين. ففي داخل النواة تكون القوى النووية مُهيمِنة، لكن في الخارج ثمة أثر طفيف عليها، وكل ما بمقدور المرء أن يراه هو المجال الكهربي الناتج عن الشحنات الموجبة التي تحملها البروتونات. نحن النيوكليونات نتمسك بقوة بجيراننا المباشرين عندما يكونون في متناول اليد، لكننا في الواقع لا نعرف شيئًا عن أولئك البعيدين في الزحام، ولا يكون لنا تأثير كبير للغاية عليهم.»

منذ دخلت أليس إلى القاعة المركزية للقلعة وهي تشعر بعدم الراحة نوعًا ما. والآن يُراودُها شعور غريب على نحوٍ خاصٍّ وتحسُّ بوجود شيء ما في القاعة الآن، لم يكن موجودًا قبل لحظة. نظرت حولها ولم تَستطِع أن ترى شيئًا. ثم نظرت إلى الأعلى نحو السقف. رأت بصعوبة الجانب المقوَّس الكبير لشكلٍ ما مُستدير ضخم يمرُّ عبر الظلال المُعتِمة للفضاء البالغ الارتفاع فوق رأسها. كان من الواضح أنه جزء صغير من جسمٍ ما أكبر كثيرًا، بدا مبهمًا وغير واضح المعالم، مثل شبح، كان يمرُّ عبر الجدران المحيطة كما لو أنها غير موجودة.

صاحَت أليس بصوتٍ عال، ثم كان عليها أن تصف ما تراه للنيوترون، الذي لم يكن قادرًا على رؤيته بالتأكيد. قال لأليس: «آه، هذا إلكترون. إن الإلكترونات تملأ كامل حجم الذرة كما تعرفين، وهذا يعني أنها تمرُّ عبر النواة كما تمرُّ عبر أي مكان آخر. لا تتأثَّر الإلكترونات إطلاقًا بأي تفاعلات قوية؛ لذلك فهي لا تُدرك وجودنا في أثناء مرورها. إنَّ النواة هي جزء ضئيل للغاية من الحجم الذي تَشغلُه الإلكترونات، ولذلك نحن لا نرى الكثير منها هنا. حسنًا، في الحقيقة أنا لا أراها على الإطلاق، لكنَّكِ تعرفين ما أقصد.»

تساءلت أليس: «ألا يَحدُث هذا التفاعل القوي بفعل الفوتونات إذن؟» فقد قيل لها إن تبادُل الفوتونات يعمل على تماسُك الذرات معًا، لكنها فهمت أن هذا كان بسبب التفاعُل بين الشحنات الكهربية، وأدركت أن هذا شيء مختلف تمامًا.

«أنتِ محقَّة، إن هذا لا علاقة له بالفوتونات. إنه يحدث بفعل تبادل الجُسَيمات — كل التفاعُلات تَحدُث بفعل هذا — لكنها تَشتمِل على نوع مُختلِف من الجسيمات. ففي الحقيقة التفاعُل القوي يحدث بفعل تبادل الكثير من الجُسَيمات المختلفة، أبرزها يُدعى البيونات. تكون هذه الجسيمات بالضرورة بوزونات، حيث تُنتَج وتَفنَى في أثناء عملية التبادُل. وللبيونات كتلة أكبر بكثير من تلك التي للفوتونات. في الحقيقة لا توجد للفوتونات أي كتلة على الإطلاق، وهو ما يجعلها غير مكلِّفة تمامًا عند إنتاجها، من حيث الطاقة. وتزيد كتلة اللبيونات عن كتلة الإلكترون بثلاثمائة مرة. لا يزال من المُمكن إنتاجها باستخدام تذبذبات الطاقة، بقدر ما تسمح به علاقة هايزنبرج، لكن يجب أن تكون التذبذبات كبيرة للغاية كي توفر طاقة كتلة السكون البيون، ولذلك لا يمكنه أن يبقى طويلًا. وفي الوقت المتاح لا يُمكن للبيونات أن تَبتعد كثيرًا عن مصدرها، ولذلك لا يمكن مبادلتها إلا مع الجسيمات القريبة، التي تكاد تلمسها في الحقيقة. ونتيجة لذلك، يكون التفاعل القوي قصير المدى للغاية.»

عند هذه النقطة حدث اضطراب. انخرط بروتونان في جدال مُفاجئ وعنيف وهدَّدا بأن يتحرَّكا مندفعَين في اتجاهَين معاكسين. اندفعت النيوترونات بينهما كي تَفصل المتخاصمَين وتُبقيهما بعيدَين بعضهما عن بعض كما يجب؛ مما يُخفِّف من قوى تنافرهما المتبادل. وفي الوقت الذي تزاحمت فيه النيوترونات بين البروتونين كي تزيد من الفصل بينهما، تمسكت بقوة أيضًا حتى تحافظ عليهما داخل حدود النواة.

أبدى نيوترون ملاحظته: «أترين ضرورة وجودنا نحن معشر النيوترونات للحفاظ على تماسُك النواة، خاصة في الأنوية الأكبر حجمًا؟ ففي النواة، يحدث تنافر بين جميع البروتونات، وليس فقط مع تلك المجاوَرة لها مباشرةً، كما في حالة التفاعل القوي. يتزايد التنافر سريعًا مع تزايد عدد البروتونات في النواة، وهذا يعني أن الأنوية الثقيلة، التي تحتوي على عدد كبير من البروتونات، تحتاج بشكل متناسب إلى نيوترونات أكثر كي تبقى البروتونات بعيدة بعضها عن بعض كما يَنبغي، حتى لا يطغى تنافرها على قوى التجاذُب الصادِرة من جيرانها المباشرين.»

«يرجع أصل عائلة النيوكليونات إلى عشيرتَين مختلفتَين، البروتونات والنيوترونات. تُظهِر شجرة النسب المعروضة على الحائط هناك كيف يَختلطان.» أشار إلى مخطَّط كبير معلَّق على الحائط، ضمن رموز أخرى متنوعة وزخارف بشعارات النبالة. أظهر هذا المخطط رسمًا كبيرًا ومذهلًا لبروتون ولنيوترون في الركنين العلويين من الرسم. وفي المنتصَف رأت قائمة بكل الأنوية المختلفة التي تشارك فيها العائلة. رأت أليس أنها معرَّفة باستخدام الملصَقات نفسها التي رأتها تميز الذرات المختلفة في مرسى ماندلييف. وحين فحصتها عن قرب لاحظت أن التصنيفات مختلفة قليلًا: كان ثمة رقم آخر حصل عليه كل واحد منها. رأت الأنوية على هذه الصورة 1H1 و2He4 و3Li7 وهكذا.
رأت خطوطًا مرسومةً من البروتون والنيوترون الأصليين أعلى الصورة تصل إلى مختلف الأنوية المدرجة. كان ثمة خط واحد من البروتون إلى نواة 1H1 ولا يُوجَد أي خط على الإطلاق من النيوترون إليها. وكان ثمة خطان إلى نواة 2He4 من البروتون واثنان من النيوترون. بعد هذا كان لدى العديد من الأنوية العدد نفسه تقريبًا من الخطوط من كلٍّ من البروتون والنيوترون على حدٍّ سواء. وعندما نظرت أليس إلى أسفل الرسم رأت لدى كل نواة موجودة فيه خطوطًا أكثر للنيوترون من تلك القادمة من البروتون.

«يبين هذا الرسم طريقة توزيع سكان كلتا العشيرتين المختلفتين من النيوكليونات في الأنوية المختلفة. يخبرنا الرقم الأول بعدد البروتونات الموجودة. وهذا هو نفس عدد الإلكترونات التي يُمكن التحكم فيها، ومن ثمَّ يقرر السلوك الكيميائي للذرة. أما الرقم الثاني فيمثل العدد الكلي للنيوكليونات التي تسكُن النواة المشار إليها.»

«يوجد بالأنوية الأخف وزنًا العدد نفسه من البروتونات والنيوترونات. على سبيل المثال، تحتوي نواة الكربون على ستة بروتونات وستة نيوترونات. وما زال التنافر الذي يحدث من ستة بروتونات، كل واحد منها ينفر من كل بروتون آخر من الخمسة الآخرين، غير كافٍ ليتغلب على التجاذب الذي يسببه التفاعل القوي. ومن ناحية أخرى، هنا في نواة اليورانيوم، لدينا ٩٢ بروتونًا. والآن قوة التنافُر بين جميع الأزواج المختلفة من البروتونات كبيرة للغاية، ولذلك فثمَّة حاجة بالفعل لعدد كبير نسبيًّا من النيوترونات كي تبقى البروتونات متباعدة وتخفف من تنافرها الكهربي. في نواتنا يوجد ١٤٣ نيوترونًا إجمالًا. وعدد النيوترونات يجب أن يكون هو نفسه تمامًا في كل نواة يورانيوم. بالنسبة إلى أي عنصر فإن عدد البروتونات لا يتغيَّر أبدًا، بما أن هذا يحدد عدد الإلكترونات؛ ومن ثمَّ يُحدِّد السلوك الكيميائي، لكن عدد النيوترونات ليس له تأثير كبير على كيمياء الذرة ويمكن أن يختلف قليلًا بين نواة وأخرى. تعرف أنوية العنصر التي لها أعداد مختلفة من النيوترونات بالنظائر. نحن لدينا ١٤٣ نيوترونًا في هذه النواة، كما قلت لكِ، لكن الكثير من أنوية اليورانيوم لديها ١٤٦، ما يجعلها أكثر ثباتًا بعض الشيء.»

قالت أليس: «لقد سمعت عن الاستقرار من قبل. لقد ظننت أن الذرات غير متغيِّرة وثابتة تمامًا، ومع أنها من المحتمَل أن تشارك في مركبات مختلفة فإن الذرات نفسها تبقى للأبد.»

«ليس تمامًا؛ إذ تعمل جدران حاجز الجهد النووي على إبقائنا بالداخل، بالضبط كما يبقي حاجز كولوم البروتونات الأخرى في الخارج. ومع ذلك، أحيانًا ما يَحدُث اختراق وتتغير النواة على نحوٍ ما. إن هذا يحدث في الاتجاهين؛ فمن المحتمَل أن تَقتحم جسيمات من خارج النواة، أو من المحتمل أن يُحاول البعض من بين مجموعتنا الهرب.»

«إنَّ سبب بقاء البروتونات والنيوترونات داخل النواة هو نفسه سبب بقاء الإلكترونات داخل الذرة؛ فهي تحتاج إلى طاقة أقل في مكانها هذا عما تحتاج إليه لو أنها بالخارج. يُدعى الانخفاض في الطاقة عن القيمة التي سوف تكون لها خارج النواة بطاقة الربط النووي. ثمة مستويات طاقة للنيوكليونات داخل النواة تُشبه كثيرًا تلك التي للإلكترونات داخل الذرة، ولأنَّ النيوترونات لا تُشبه البروتونات فإن هذه المستويات من الممكن أن تَمتلئ بالنيوترونات والبروتونات على نحو مستقل. ولأن عملية ملء المستويات هي نفسها بالنِّسبة إلى النيوترونات والبروتونات، فإن الأنوية المستقرَّة تَميل إلى أن تَحظى بأعداد مُتساوية من النوعين. بالنسبة إلى الأنوية الأثقل وزنًا التي تحتوي على أعداد أكبر من البروتونات، فإن نسبة النيوترونات تكون أكبر كما بيَّنتُ بالفعل. بالنسبة إلى جميع الأنوية ثمة نسبة من البروتونات إلى النيوترونات تُحقِّق أكبر استقرار للذرة. وسوف تسبب الزيادة في أيٍّ من الفئتين في عدم الاستقرار ونوع من التحلُّل أو الاضمحلال. وأنا مُضطرٌّ إلى الاعتراف بأنه في ذرة اليورانيوم يكون التنافُر بين البروتونات كبيرًا للغاية حتى إنَّ النواة بالكاد تكون مستقرَّة في أحسن الأحوال. وأيُّ اضطراب في التوازن بين البروتونات والنيوترونات قد يكون كارثيًّا.»

فجأة دوى نفيرُ الإنذار، وتردَّد صوتٌ حادٌّ عبر الحجرة ذات السقف المقوَّس: «إنذار! إنذار! حالة ألفا. لدينا محاولة للهروب قيد التنفيذ.»

في الأنوية الكبيرة ذات النيوكليونات الكثيرة يُصبح التنافر بين جميع البروتونات أقوى نسبيًّا، وقد تُصبح غير مستقرَّة. ومن المُحتمَل أن تتعرَّض إلى تحلُّل إشعاعي، حيث تُشعُّ النواة جُسَيم ألفا الذي هو عبارة عن مجموعة مُترابِطة بإحكام مكوَّنة من نيوترونين وبروتونين تخترق حاجز كولوم. من المحتمَل أن تتعرَّض النيوترونات أيضًا إلى تحلُّل بيتا (β)، حيث يجري إنتاج إلكترون داخل النواة وفي الحال يهرب لأنَّ الإلكترونات لا تتأثر بالتفاعل القوي. قد تصدر الأنوية أيضًا أشعة جاما (γ)، وهي مجرد فوتونات عالية الطاقة.

نظرت أليس حولها كي ترى إذا ما كانت تستطيع رؤية أي سبب لهذا الإنذار. بدا كل شيء إلى حدٍّ كبير كالسابق. كانت ثمة حركة كبيرة بين النيوكليونات المُحتشِدة، لكنها كانت مثل الجسيمات الأخرى التي قابلتها من قبل في هياج مُستمِر طوال الوقت؛ لذلك لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليها. عندما نظرت بإمعان لاحظت مجموعة صغيرة من الجسيمات، بروتونين ونيوترونين، تتحرَّك معًا خلال الزحام، تتمسك بعضها ببعض بإحكام. كانت تندفع نحو الجدار، تَصطدِم به وترتدُّ عنه عائدة إلى مكانها، ثم تندفع عبر الغرفة كي تَصطدم بالجدار المقابل. ذكَّر هذا أليس بالشخص الذي رأته يُحاول اختراق بابه المقفَل عندما وصلت في البداية إلى بلاد الكَم.

علقت بهذا لمرافقها، وردَّ عليها: «إن ما تصفينه هذا هو جسيم ألفا متكتل. جسيم ألفا هو مجموعة من بروتونين ونيوترونين، ترتبط معًا بإحكام شديد جدًّا، ما يجعلها تعمل كجسيم واحد. وبما أنه يحتوي على بروتونين فإن جسيم ألفا يتنافر مع الشحنة الموجبة الكلية للبروتونين ويحاول الهرب، لكن يمنعه من ذلك الجدار حول النواة. تُحاول المجموعة أن تشق نفقًا إلى الخارج. إنها تخطط للهرب عن طريق اختراق الحاجز، وعاجلًا أو آجلًا سوف تنجح بالتأكيد.»

سألت أليس في فضول: «ما الوقت الذي من المحتمل أن تستغرقه كي تنجح في هذا؟»

«أعتقد أنها ستستغرق بضعة آلاف من السنين.»

تساءلت أليس: «ألا تعتقد إذن أنه من السابق لأوانه قليلًا أن تقرعوا الإنذار؟ يبدو لي كما لو أن لديكم وقتًا وفيرًا كي تتعاملوا مع مثل هذا الهروب دون أن تَفزعوا!»

«أجل، ولكن لا يُمكننا التأكُّد من ذلك. فمن المُحتمَل أن يَستغرق منها الهرب آلاف السنين لكنها قد تنفذ إلى الخارج في أيِّ لحظة. لا توجد أي وسيلة للتأكد من هذا؛ إنها كلها مسألة احتمالات.»

سألت أليس: «هل كل محاوَلات الهروب من النواة تحدث عن طريق اختراق الحاجز؟»

«لا، مطلقًا. فانبعاث ألفا يَحدُث عن طريق اختراق الحاجز، كما بيَّنتُ للتو. لكن لدينا أيضًا انبعاثات بيتا وجاما ولا يتطلَّب أيٌّ منهما اختراق الحاجز.»

سألت أليس في تأدُّب: «ماذا تكون إذن؟» افترضت أنها كانت على وشك أن تعرف سواء سألت أم لا، لكن بدا أنها لو سألت سيكون هذا أكثر تهذيبًا.

«إن انبعاث جاما هو انبعاث لفوتون، يشبه كثيرًا ما تحصلين عليه من الإلكترونات في الذرة. عندما يُستثار إلكترون إلى حالة أعلى ثم يسقط عائدًا إلى حالة في الأسفل، يشعُّ فوتونًا كي يحمل بعيدًا الطاقة المنبعثة. الأمر نفسه يحدث عندما تعمل استثارة النواة على إعادة ترتيب البروتونات المشحونة: يَنبعث فوتون عندما تعود النواة إلى مستوى الطاقة الأدنى. ولأنَّ طاقات التفاعل داخل النواة تكون أكبر بكثير من الموجودة في النواة بوجه عام، فإن فوتونات جاما تكون طاقتها أعلى كثيرًا من تلك التي تَنبعث من الإلكترونات الذرية. في الحقيقة سوف تكون طاقتها أكبر ببضع مئات الآلاف من المرات، ومع ذلك تظلُّ فوتونات.»

واصل مصدر معلوماتها حديثه قائلًا: «انبعاث بيتا هو انبعاث لإلكترون من النواة.»

احتجَّت أليس وقالت: «أعتقد أنك قلت إنه لا توجد أي إلكترونات في النواة. لقد قلت إن الإلكترونات غير مُدرِكة للتفاعل القوي وفقط تنجرف معه أحيانًا.»

«هذا صحيح تمامًا، لا تُوجَد أي إلكترونات في النواة.»

قالت أليس بصبر: «إذا كانت النواة لا تستطيع أن تُمسك بالإلكترونات ولا توجد أي إلكترونات داخل النواة. فكيف يُمكن لأحد الإلكترونات أن يهرب منها. إنَّ هذا لا يحمل أي منطق. إنه لا يستطيع الهرب من مكان ما إلا إذا كان موجودًا فيه من البداية.»

قال النيوترون بلطف: «لأن النواة لا يُمكنها الاحتفاظ بإلكترونات فهي تهرب منها بسهولة شديدة وبسرعة. تُنتج الإلكترونات في داخل النواة مباشرةً بتفاعُل ضعيف. وبالتأكيد لأنَّ النواة لا يمكنها الإبقاء عليها فإنها تَهرُب على الفور. إن الأمر مباشرٌ وواضحٌ عندما تفكرين فيه.»

قالت أليس التي شعرت بأن الأمر ليس واضحًا على الإطلاق بعد: «من المحتمَل أن يكون الأمر كذلك، لكن ما هو التفاعل الضعيف؟ كيف تقوم الإلكترونات …؟»

مرةً أخرى دوى صوت البوق وصاح منادٍ في مكان ما في أعلى الحُجرة: «فليَنتبِه الجميع. القلعة تتعرَّض لهجوم! نحن مُحاصَرُون ببلازما ساخنة من جسيمات مشحونة.»

صاحت أليس: «يا إلهي! يبدو هذا خطيرًا.»

ردَّ نيوترون بجوارها لتهدئتها: «لا، ليس الأمر خطيرًا بالفعل. فمن غير المحتمل أن تملك أيٌّ من تلك الجُسَيمات المشحونة في البلازما الطاقة الكافية كي تَخترق دفاعاتنا، تعالي لتري.»

قاد أليس عبر مستويات الطاقة والدهاليز المختلِفة داخل القلعة حتى وصَلا إلى موقع استطاعت أليس أن تشاهد منه الجزء الخارجي. رأت قلاعًا نووية أخرى على البُعد منتشرة عبر الأرض المنبسطة. كما رأت عددًا من البروتونات تتحرَّك سريعًا من حولها. قال لها مرافقها: «هذه البروتونات من بلازما هيدروجين ساخنة. وفي البلازما تفقد الذرات بعض إلكتروناتها وتُصبح أيونات موجَبة بشحنة إجمالية موجبة. تحتوي نواة الهيدروجين على بروتون واحد فقط؛ لذلك عندما تَفقد ذرة الهيدروجين إلكترونها فلا شيء يتبقى سوى بروتون واحد. يُمكِن رفع درجة حرارة البلازما بحيث تُصبح ساخنة جدًّا، ومن ثمَّ تَندفِع البروتونات في جميع الأرجاء بطاقة كبيرة، لكنها تكون غير كافية لها كي تَقتحِم المكان هنا.» وهكذا أنهى كلامه في رضا.

شاهدَت أليس بعض البروتونات وهي تأتي مُندفِعةً نحو النواة وتُواصِل متسلقة القاعدة المقوَّسة لجدارِها. مع اندفاعها للأعلى، تُصبح حركتها بطيئة أكثر فأكثر حيث تَفقِد طاقتها الحركية، وفي النهاية يبلغ وهنها مُنتهاه وتقفُ على مسافة قصيرة على الجدار. من هذه النقطة تَنزلِق عائدة للأسفل من جديد وتَندفِع مُبتعِدة في اتجاه مختلف عن ذلك الذي جاءت منه.

واصَلَ مُرشد أليس حديثه: «سوف ترَين، حتى لو لم أستطع أنا أن أرى، أنها لا تُحقِّق أي نجاح على الإطلاق في الولوج بالفعل إلى الداخل.»

سألت أليس: «ألا تستطيع الدخول عن طريق اختراق الحاجز إذن؟»

«حسنًا، بلى، تستطيع الدخول بواسطة اختراق الحاجز من حيث المبدأ، لكنها تقضي وقتًا قليلًا للغاية بالقرب من النواة؛ لذلك يكون هذا من غير المُمكن.»

عند هذه النقطة لاحظت أليس اضطرابًا من بعيد. فقد كان شيءٌ ما يَقترِب بسرعة ملحوظة جدًّا. سألت في قلق: «ما هذا الذي يَقترب؟»

أجاب النيوترون: «ليسَت عندي أي فكرة. هل ثمةَ شيء ما يَقترب؟»

أدركت أليس أنه من الطبيعي للنيوترون ألا يكون مدركًا لاقتراب الجسيم المشحون السريع بينما يأتي نحوهما مندفعًا، مصحوبًا بأعمدة متصاعدة من فوتونات افتراضية نادرًا ما تُرى في أثره وهو يَندفع في طريقه العاصِف. وبينما كانت أليس تصفُ مظهرًه للنيوترون وصل الوافد الجديد إلى القلعة الواقعة في طريقه. ودون أي تقليل واضِح من اندفاعه الجنوني إلى الأمام ركض صاعدًا جدار الحاجز ووصَل إلى قمَّته. في اللحظة التالية رأته أليس يركض مندفعًا بعيدًا وقد بدا تأثُّره طفيفًا من مواجهته تلك. لم تَستطِع أن تقول الشيء نفسه عن النواة التي دخل فيها. فقد انفجَرَت هذه النواة وتمزقت إربًا بالكامل، وتطايَرت أجزاء كبيرة منها في جميع الاتجاهات المختلفة. أكملت أليس وصفها للحدث.

«حسنًا، لا بد أن يكون ذلك إشعاعًا كونيًّا. لا يمر علينا واحد إلا على فترات متباعِدة جدًّا. إنها تأتي من مكان ما بعيد خارج عالَمنا، وتكون لديها طاقة هائلة. بالنسبة إلى هذه الأشعة فإن الطاقة اللازمة لاختراق حاجز كولوم للنواة تكاد لا تذكر ولا تمثل أي عائق على الإطلاق. نحن ليس لدينا أي دفاع ضدها، لكن لحسن الحظ، هي كما قلت نادرة الحدوث للغاية.»

حين نظرت أليس إلى الأسفل في المساحة بالخارج استطاعَت أن تميز بضعة أشكال غير لافتة للنظر تتحرك ببطءٍ شديد في خلسة. صاحت، وقد نسيت من هو مرافقها: «آه انظر! ثمة بعض النيوترونات تتحرَّك هناك في الخارج.»

صاح النيوترون بجوارها: «ماذا؟ هل أنتِ متأكِّدة؟ إن هذا خطير. تعالي، يجب أن ننزل إلى القاعة الرئيسية في الحال.»

انطلق مع أليس وعاد بها عبر مستويات الطاقة المتوالية إلى القاعة التي دخلتها في البداية، متجاهلًا اعتراضها بأنه لم يكن يوجد الكثير من النيوترونات في الخارج، وأنها لم تكن تملك الكثير من الطاقة على الإطلاق، بالفعل.

كانا بالكاد قد وصَلا عندما انفجَرَ نيوترون غازٍ عبر الجدار مباشرةً دون تحذير وهبط في منتصَف الغرفة فوق جميع الجسيمات الأخرى. لم يكن هذا النيوترون من سكان النواة المعتادين لكنه كان واحدًا من النيوترونات الأجنبية التي دخلت من الخارج. تذكرت أليس ما أخبرها به الفوتون الافتراضي عن أن حاجز كولوم ليس له أي تأثير على الجسيمات المُحايِدة، وكيف أنها هي نفسها قد دخلت عبر الحاجز دون صعوبة. وبهذه الطريقة نفسها دخل هذا النيوترون دون دعوة من أحد.

حدث في الحال نشاط صاخب كبير وفزع هائل بين جميع النيوكليونات. فاندفعَت إلى الأمام وإلى الخلف في هلع، وظلَّت تَندفع من رواق إلى الذي يليه، وهي تَصيح بأن استقرار النواة قد اضطرب بالكامل بإضافة هذا النيوترون الزائد. وبينما هي تندفع إلى الأمام والخلف، ذعرت أليس كثيرًا حين اكتشفت أن الحجرة بأكملها تهتز بعنف متعاطفةً مع الوضع. فقد كانت الجدران الصخرية الضخمة ترتجف مثل قطرة سائل تهتز. وفي لحظة تكون الغرفة مربعة ومُكتنِزة، وفي اللحظة التالية تتمدَّد كثيرًا فتُصبح طويلة ورفيعة للغاية. تكوَّن عنق ضيق في المنتصف بالقرب من المكان الذي كانت أليس تقف فيه، وهكذا انقسمَت الحجرة إلى اثنتَين تقريبًا. تأرجحت الجدران إلى الأمام والخلف، وفي كل مرة كانت الحُجرة تزداد ضيقًا أكثر فأكثر من المنتصَف. تمددت الحجرة للمرَّة الأخيرة، ورأت أليس الجدران البعيدة تندفع مُبتعِدة في اتجاهات معاكِسة بينما الجدران الأقرب جاءت مُقتربة كما لو أنها سوف تَصطدِم بها وبالجُسَيمات التي كانت بجوارها. في السابق كانت الحركة تنعكس دومًا قبل أن تنغلق الفجوة، لكن في هذه المرة اصطدمت الجدران بعضها ببعض، تمامًا حيث كانت أليس تقف مع بعض النيوترونات.

يُكوِّن الجهد الكهربي للنواة حاجز كولوم الذي يصدُّ الجسيمات موجبة الشحنة. لا تَستطيع البروتونات ذات الطاقة المنخفِضة العبور من فوق الحاجز. يُمكنها مبدئيًّا المرور عبره من خلال اختراق الحاجز، لكن احتمالية حدوث هذا ضئيلة حيث إنها تمرُّ فقط بالجوار وتفاعلها مع النواة يكون عابرًا فقط. لدى بعض جسيمات الأشعة الكونية طاقة كافية لتجتاز الحاجز ويُمكنها بسهولة العبور من خلاله، كما أنها تزود النواة بطاقة كافية في أثناء مرورها تعمل على تعطيل عملها بالكامل.

ليس للنيوترونات أي شحنة كهربية؛ ومن ثمَّ فالحاجز بالنسبة إليها غير موجود. وعليه فإن النيوترون الذي يُصادف اصطدامه بالنواة يمر عبر الحاجز مباشرةً.

•••

عندما تحرَّكَت الجدران عبر أليس، وجدت نفسها تقف من جديد في خارج القلعة على الأرض المنبسطة. نظرت وراءها نحو القلعة ورأت أن البرج المرتفع المعتم قد انشطر بصدع طولي يمرُّ في منتصفه. وبينما هي تنظر تمزقت القلعة إلى نصفَي برج انهارَا بعيدًا بعضهما عن بعض. كان كل واحد منهما يهتز بعنف، وكان سطحهما الخارجي يهتز بشدة كحقيبة ممتلئة بالهلام. حلَّقت الفوتونات عالية الطاقة من القلعتَين عاليًا كأنها عرض مذهل من الألعاب النارية، وذلك لأن القلعتين كانتا تتخلَّصان من طاقتيهما الفائضة. هدأت الاهتزازات تدريجيًّا وارتفع الشكلان غير المنتظمين داخل الشكل الطويل المرتفع نفسه الذي رأته في البداية. ظهرت أمامها الآن نسختان متماثلتان أصغر حجمًا من قلعة رذرفورد، إلا أنهما لم يقفا بل انزلقا سريعًا بعيدًا بعضهما عن بعض، مدفوعتَين بالشحنة الموجبة التي كانتا يَتشاركانها فيما بينهما في السابق.

اعترفت أليس بينها وبين نفسها وهي تنظر حولها إلى المشهد الذي أصبح هادئًا حاليًّا: «حسنًا، أنا سعيدة بأن هذا انتهى. لقد كان مخيفًا بحق إلى حدٍّ كبير.» استطاعت أن ترى القليل من النيوترونات التي كانت قد قُذفت معها من القلعة عندما انشطَرَت إلى اثنتين. انتشرت هذه النيوترونات فوق الأرض المنبسِطة، واندفعت في اتجاهات عشوائية. وبينما هي تشاهد هذا، وصَل أحدها بمحض الصدفة إلى شكل بعيد لقلعة نووية أخرى وفي التوِّ غاص في داخلها عبر جانبها.

مضَت فترة وجيزة دون أن يحدث شيء. ثم بات في إمكانها أن ترى هذه القلعة أيضًا وقد بدأت تهتز. زاد الاهتزاز حتى انشطَرَت القلعة فجأة من منتصفها. صاحت أليس في فزع بينما ترى النصفَين يندفعان متباعدَين، ويُطلِقان فوتونات مفعمة بالطاقة: «آه، لا!» وبشكل غير ملحوظ تقريبًا، هربت مجموعة جديدة من النيوترونات بعيدًا عن مكان الكارثة.

قبل أن يمرَّ وقت طويل، وصل زوجٌ من النيوترونات تصادف أنهما كانا يتجوَّلان الآن بلا هدف في أنحاء الأرض المنبسِطة إلى أنوية أخرى ودخلا فيها. تكرَّرت العملية من جديد، وانتهى الحال مرةً أخرى بانقسام هذه الأنوية، وبتدفُّق المزيد من أشعة جاما في المكان، واندفاع المزيد من النيوترونات وتجوُّلها في الأرجاء في اضطراب. تكررت هذه العملية عدة مرات. وسرعان ما أصبح هناك أربع أنوية جميعها في مخاض الانفصال، ثم أصبحت عشرة، ثم عشرين، ثم خمسين. استطاعت أليس أن ترى في جميع الأنحاء من حولها قلاعًا نووية تنهار مُتناثِرة الأجزاء في انشطار مُلتهِب، بينما اشتعل المشهد من فوقها بالإشعاعات الكثيفة النشطة للفوتونات عالية الطاقة.

صاحت أليس في رعب: «هذا رهيب! ما هذا الذي يحدث؟»

قال صوتٌ هادئ بجانبها: «لا تقلقي يا أليس، إنه مجرَّد انشطار نووي مستحَث. إنه تفاعُل تسلسُلي، كما تعرفين. إنه شيء لا يَستدعي أن تقلقي بشأنه. إنكِ تقفين فقط في وسط ما يُطلِقُون عليه في عالَمكِ انفجارًا نوويًّا.»

استدارت أليس ورأت ملامح ميكانيكي الكَم اللطيفة. قال لها مرةً أخرى: «ليس عليك أن تقلقي. إنَّ الطاقات المتضمَّنة في تفاعل انشطاري أقل من تلك التي قابلتِها بالفعل في داخل النواة نفسها. المشكلة الوحيدة أنها الآن لم تعدْ حبيسة داخل النواة.» واصل حديثه بنفس الهدوء قائلًا: «لقد كنت أبحث عنكِ، فمعي دعوة عليَّ أن أعطيكِ إياها.»

قدَّم إلى أليس بطاقة دعوة ذات نقوش مَحفُورة. قال لها: «إنها دعوة إلى الحفل التنكُّري للجُسَيمات، إنه حفل ينعقد لكل الجسيمات الأولية.»

بعض الأنوية من المُمكن أن تَنشطِر إلى نواتَين أصغر حجمًا وأكثر استقرارًا، في عملية تُعرَف باسم الانشطار النووي. وقد يَحدث هذا الانشطار بسبب نيوترون إضافي، لا يُمكِن لحاجز كولوم أن يبقيه خارج النواة، ويكون هو القشة الأخيرة بالنسبة إلى نواة غير مُستقرَّة بالفعل. قد يُطلق هذا الانشطار نيوتروناتٍ أخرى عديدة، ما يُؤدِّي إلى حدوث تفاعُل تسلسلي.

هوامش

(١) من الممكن النظر إلى كل شيء تقريبًا في العالم المادي على أنه ناتج عن التفاعل بين الإلكترونات والفوتونات، سواء كانت افتراضية أو غير ذلك. إن خصائص المواد الصلبة والذرات الفردية والسلوك الكيميائي، التي تنشأ جميعها من التفاعل بين الذرات، يمكن اختزالها جميعًا إلى تفاعل كهربي بين الإلكترونات. وبالإضافة إلى الإلكترونات التي تتفاعل مع باقي العالم، يوجد نواة موجبة الشحنة في داخل الذرة. وتكون هذه النواة متماسكة تمامًا ليس بفِعل القوى الكهربية، بل في الواقع العكس تمامًا.
تحتوي نواة الذرة على نيوترونات، ليس لها شحنة كهربية، وعلى بروتونات موجبة الشحنة. وداخل الحيز الصغير للنواة، التي عادةً ما يكون قُطرها أصغر بمائة ألف مرة من الحجم الكلي للذرة، تكون قوة التنافُر المتبادلة بين البروتونات هائلة. تميل هذه القوة الكهربية إلى تمزيق النواة إربًا؛ لذلك لا بد من وجود قوة أكبر تعمل على تماسك أجزاء النواة معًا، وهي قوة لسببٍ ما لا تكون واضحة في أي مكان آخر. توجد هذه القوة بالفعل ويطلق عليها التفاعل النَّووي القوي. وبالرغم من قوتها، فإنها قصيرة المدى للغاية، بحيث لا تكون تأثيراتها واضحة خارج النواة. ينتج هذا التفاعل القوي عن تبادل الجسيمات الافتراضية، بالضبط مثلما ينتج التفاعل الكهربي عن تبادُل الفوتونات. لا توجد لدى الفوتونات أي كتلة سكون، لكنَّ الجسيمات المتبادَلة في التفاعل القوي تكون ثقيلة نسبيًّا. فلا بد أن تحصل على طاقة كتلة سكونها من خلال تذبذباتٍ كَميَّة كبيرة على وجه الخصوص، لا تكون متاحة إلا لوقتٍ قصير جدًّا. ويكون عمر مثل هذه الجُسَيمات الافتراضية الثقيلة قصيرًا للغاية، وهي غير قادِرة على الانتقال بعيدًا عن مصدرها، ولذلك فإن التفاعُل الذي تنتجه يكون بالتبعية قصير المدى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠