الفصل التاسع

حفل الجُسيمات التنكري

تسلَّقت أليس السلَّم الحجري العريض الدرجات، وهي متشبِّثة بدعوتها، وقد قادَها إلى باب طويل لامع ومصقول. لا تستطيع تذكُّر كيف أتت إلى هناك، مع أنها تتذكَّر حصولها على الدعوة. قالت لنفسها مشجعة: «أظن أن هذا على الأغلب هو المكان الصحيح للحفل التنكُّري، أيًّا كان هذا. يبدو دائمًا أني أذهب في النهاية إلى المكان حيث يُريدني الناس أن أكون.»

وقفت خارج الباب وتفحَّصتْه. كان طلاؤه أملس وبرَّاقًا للغاية، ولونه أحمر داكنًا. كان له مقبض نحاسي لامع وقارع نحاسي على نفس درجة اللمعان على هيئة وجه غريب الشكل. كان الباب مغلقًا وموصدًا. ومن ثقب الباب ظهر ضوء شموعٍ مبهجٌ واستطاعت أليس أن تسمع صوت موسيقى صاخبة تُعزف بالداخل.

كيف لها أن تدخل؟ بدت الإجابة بديهية بالتأكيد، فأمسكت القارع بحزم ودقَّت بصوتٍ عال.

صاح صوت مُعذَّب من مكان قريب من يدها. في الحقيقة صدر الصوت من يدها فعليًّا: «آه، بعد إذنك، هل تُمانعين!» حدَّقت أليس في الباب وقد أصابتها الدهشة، لرؤيتها النظرة الساخطة الحانقة لقارع الباب الغاضب.

صاح في سخط: «ذلك كان أنفي. ما الذي تريدينه على أي حال؟»

قالت أليس: «أنا حقًّا آسفة. لكني اعتقدت أنه بما أنك قارع باب، فقد أستخدمك لأقرع الباب.» ثم سألت في نبرة حزينة: «كيف يُمكنني الدخول إذن إن لم أطرق الباب؟»

قال قارع الباب بغضب بالغ: «لا فائدة من الطرق. إنهم يُحدثون ضوضاء كبيرة في الداخل، ومن المستبعَد أن يستطيع أحد سماعك.» وكان حتمًا ثمة قدر هائل من الضوضاء في الداخل؛ ضجة من محادَثات، وصوت مرتفع صوته يعلو على صوت الآخرين، لكنه ما زال غير مسموع بالكامل عبر الباب، وفوق ذلك كله صوت الموسيقى.

سألت أليس في شيء من الإحباط: «كيف لي أن أدخل إذن؟»

قال قارع الباب: «هل يُفترض بكِ أن تدخلي من الأساس؟ هذا هو السؤال الذي عليكِ طرحه في البداية، كما تعلمين.»

كان هذا صحيحًا بلا شك، لكن أليس لم تحب أن يقال لها هذا. تمتمت بينها وبين نفسها: «إنه لأمرٌ سيئٌ أن يقول لي الجميع الكلام ذاته.» قالت وهي ترفع صوتها وتُوجِّه حديثها لقارع الباب، رغم شعورها بشيء من الخجل وعدم الراحة بالحديث إلى قارع باب: «إن معي دعوة.» قالت هذا وهي ترفع الدعوة عاليًا أمام وجهه.

ردَّ قارع الباب: «حسنًا، فهمت. إن هذه دعوة إلى حفل الجسيمات التنكُّري، وهو نشاطٌ خاص بالجسيمات فقط، هل أنتِ جسيم؟»

أعلمته أليس قائلة: «أنا متأكِّدة من أني لا أعرف. لا أعتقد أني كنتُ كذلك من قبل، لكن مع كل الأشياء التي قد حدثت لي مؤخَّرًا، بدأت أشعر بأني لا بد أن أكون جُسيمًا.»

قال قارع الباب، بلُطف أكبر إلى حدٍّ ما الآن بعدما شعر بأن أنفه يتعافى: «حسنًا، دعيني أرَ إن كانت الشروط تَنطبِق عليكِ. دعيني فقط أنظر في دفتر ملاحَظاتي للحظة.» لم تَفهم أليس كيف يمكن لقارع باب أن يدوِّن ملاحظات، ناهيك عن النظر فيها، لكن بعد فترة صمتٍ قصيرة واصل قارع الباب حديثه: «آه، أجل، ها نحن أولاء، قائمة المواصَفات التي تعرِّف الجسيم.»

قرأ بصوتٍ عال: «أولًا، متى تُرصَدين هل يحدث هذا دومًا في موضع محدد بعناية؟»

أجابت أليس: «نعم، أظنُّ هذا، على حدِّ علمي.»

قال قارع الباب في تشجيع: «هذا جيد.»

«ثانيًا، هل لك كتلة مميزة ومحدَّدة بعناية — باستثناء التذبذبات الطبيعية، بالتأكيد.»

«حسنًا، أجل، فلم يشهد وزني تغيرًا كبيرًا منذ بعض الوقت.» هذا ما كانت أليس تعتقده، على أي حال.»

«رائع، ذلك شرط مهمٌّ للغاية، فجميع الجسيمات على اختلافها لديها كتلها الخاصة. فهذا أحد أكثر ملامحها المميزة، وهو مُفيد جدًّا في تمييز بعضها عن بعض.» كانت أليس مأخوذة بفكرة أنه من المُمكن تمييز الناس عن طريق أوزانهم بدلًا من النظر في وجوههم، لكنها أدركت أن الجسيمات بوجه عام ليس لديها أي شيء مميز فيما يتعلق بوجوهها.

«ثالثًا، هل أنتِ متَّزنة ومُستقرة؟»

قالت أليس وقد شعرت بإهانة مؤكدة: «أستميحك عذرًا؟»

«لقد قلت، «هل أنت متَّزنة ومستقرَّة؟» إنه سؤال بسيط للغاية. أو على الأقل يجب أن يكون كذلك. فقد ازدادت الشروط ضبابية مؤخَّرًا. ولكن هذا الشرط كان يعني في المعتاد ببساطة: «هل تتحلَّلين إلى شيء آخر؟» فإذا كان من المحتمَل أن تتحلَّلي في أي وقتٍ في المستقبل، إذن فأنتِ غير متزنة ومستقرة، هذا هو المقصود. لكن هذا لم يكن جيدًا بما يكفي! فقد بدأ الناس يقولون: «نحن لا يُمكن أن نكون متأكِّدين من أن أي شيء يعيش للأبد، وعليه يُمكن تصنيف الحالة المميزة التي تُوجَد لفترة طويلة على أنها جسيم.» ومن ثمَّ سيكون السؤال: «ما الذي تَعنيه عبارة فترة طويلة بما يكفي»؟» هل هي سنواتٌ أم ثوانٍ أم ماذا؟ في الوقت الحالي هم يقبلون الأعمار الأقل من جزء واحد من مائة مليون مليون جزء من الثانية كي يكون الجُسيم مُستقرًّا.» أنهى كلامه في اشمئزاز: «لذلك عليَّ أن أسألك الآن: هل تتوقَّعين أن تظلي على قيد الحياة لفترة أطول من جزء من مائة مليون مليون جزء من الثانية؟»

ثمة العديد من الجُسيمات التي لها قدرة تفاعل قوية بخلاف البروتونات والنيوترونات. وليس من السهل أبدًا تمييز بعض أنواع الجسيمات من بعض. فبعضٌ من هذه الجسيمات له شحنات كهربية مختلفة، لكن العديد منها له الشحنة نفسها. يحدث التمييز بين الجسيمات عمليًّا عن طريق قياس كتلها، التي تكون مُميَّزة إلى حدٍّ ما. وتكون معظم الجسيمات غير مستقرَّة بدرجة ما: حيث يتحلَّل جسيم ثقيل إلى جُسَيمات أخفَّ وزنًا. وخارج النواة تكون النيوترونات نفسها غير مستقرة، بمتوسط عمر حوالي عشرين دقيقة.

أجابت أليس بثقة: «آه أجل، أعتقد هذا.»

قال قارع الباب متذمِّرًا: «رائع، إذن يُمكنني اعتبارك جسيمًا مستقرًّا. من الأفضل أن تدخلي، ربما ليس لديكِ أي شيء أفضل تفعلينه بدلًا من الوقوف هنا بالخارج، لكن أنا لديَّ ما أفعله.» صدر صوت طقطقة ثم فُتح الباب على مصراعيه. لم تضيع أليس أيَّ وقت وعبَرت على الفور من خلاله.

في الداخل مشت أليس عبر صالة استقبال أنيقة، لها جدران مكسوَّة بألواح باهتة، وثريات، وكوات بها تماثيل. كان من العسير إلى حدٍّ كبيرٍ على أليس أن تتعرَّف على كثير من تفاصيل هذه التماثيل، بما أن جميعها كانت لجسيماتٍ مرموقة. فكرت في أن النحَّات كان بارعًا بقدر كبير إذ نجح في جعل ملامح التماثيل تبدو غامضة للغاية وغير مقيدة بمكان واحد. وفي الحقيقة، ستبدو لمن يفتقرون إلى الخبرة كقطع بلا شكلٍ من الحجارة.

بعد صالة الاستقبال دخلت أليس إلى حجرة كبيرة، بدت كأنها قاعة رقص رئيسية أو صالون. كانت مُضاءة بثريات مزيَّنة تتدلى من السقف، لكنها بطريقةٍ ما لم تكن تصدر الكثير من الضوء وأغلب الغرفة كان غارقًا في الظلال. كان هناك بعض الكشافات اللامعة تدور في أنحاء الغرفة تسببت في جعل الظلال أكثر كثافة. استقر ضوءٌ واحد من هذه الكشافات أمام أليس تمامًا وصنع دائرة من الضوء. قفز في داخل مركز هذه الدائرة كيان يرتدي ملابس تشبه إلى حدٍّ كبير ملابس الجوكر في أوراق اللعب. كان زيُّه غريب الشكل مخططًا بالأحمر والأزرق والأخضر على نحوٍ مُضحِك. وعند تفحُّص أليس له عن قرب، رأت أنه كان مخططًا كذلك بالأحمر المضاد والأزرق المضاد والأخضر المضاد. لم تكن أليس قد رأت مثل هذه الألوان من قبل. (للأسف هذا الكتاب لا يحتوي على رسوم توضيحية ملونة لذلك لا يمكنك رؤية كيف تبدو هذه الألوان.) اكتمل مظهره الخيالي الرائع بقناع تعلوه ابتسامة عريضة دائمة على نحو لا يصدق.

توجَّه بحديثه لأليس ورحَّب بها بجميع اللغات؛ الفرنسية والألمانية والإنجليزية وقال لها: «مرحبًا بكِ في الحفل التنكُّري.»

ردت أليس: «أشكرك، لكن من أنت وما هو الحفل التنكري؟»

ردَّ عليها: «أنا رئيس المراسم الاحتفالية لهذا الحفل التنكري، وهو عبارة عن حفل راقص للجُسَيمات بالأقنعة. إنها أمسية للصخب والمكاشفة. إنها للكشف عن الغموض أسفل القناع. تأتي جميع الجسيمات إلى هنا كي تتحرَّك في المكان في رقص مفرح وحين تحصل على فرصة سانحة ترفع الأقنعة.» ثم أضاف قائلًا: «إلا أن قناعك ملهم للغاية.»

قالت أليس ببرود: «أنا لا أرتدي قناعًا.»

«آه، لكن هل يُمكنكِ التأكد من هذا؟ فنحن جميعًا نرتدي أقنعة من نوع ما. على كل حال الليلة سنكشف الأقنعة مرتين بالفعل.»

ردَّت أليس في تحدٍّ: «لا أفهم كيف يمكن حدوث هذا؟ فأنت لا يمكنك نزع القناع إلا مرة واحدة فقط. فبالتأكيد، أنت إما ترتدي قناعًا أو لا.»

«حسنًا، يعتمد هذا على عدد الأقنعة التي ترتدينها. يمكن للجسيمات أن ترتدي الكثير من الأقنعة؛ ففي بداية الأمسية يكون لدينا مجموعة من الذرات، ثم تخلع الأقنعة لتكشف أنها مجموعة من الإلكترونات وعدد من الأنوية. وفي وقتٍ لاحق من الأمسية يحين موعدٌ آخر لخلع الأقنعة، فتنزع الأنوية أقنعتها لتبيِّن أنها في واقع الأمر نيوترونات وبروتونات مع بعض البيونات المتناثرة بينها. وأتوقع بثقة أنه سوف يحدث المزيد من نزع الأقنعة قبل انتهاء الأمسية.»

صاح بصوتٍ عالٍ فجأة، كان كافيًا كي يصل لجميع أنحاء الغرفة: «لكن، الآن، لنبدأ احتفالاتنا! السيدات والسادة فلتتفضَّلُوا في حيوية لتؤدُّوا رقصة مُصادِم الجسيمات.»

حدثت حركة صاخبة ورأت أليس الجُسَيمات المحتشِدة قد بدأت في التجمع صانعة دائرة في أنحاء الغرفة. صدقًا لم تكن تستطيع أن تجزم بأنها كانت ترقُص، لكنها بالتأكيد كانت تدور وتدور بسرعة تتزايَد طوال الوقت. بدت المشكلة الرئيسية أنها لا يُمكنها الاتفاق بوجه عام فيما بينها عن الاتجاه الذي كان عليها أن تدور فيه؛ لذلك كان بعضُها يدور في اتجاه والبعض الآخر يدور في الاتجاه الآخر.

اندفعت حِزم الجسيمات تدور أسرع فأسرع بعضها عبر بعض، ولم يمضِ وقت طويل حتى حدث ما كان محتومًا واصطدم جسيمان في ارتطام هائل. تفقَّدت أليس الحادث في اهتمام كي ترى إذا كانا قد أصيبا في هذا الاصطدام. لم تستطع في الواقع تحديد ما إذا كانا قد أصيبا بمكروه، لكنهما بالتأكيد لم يكونا هما نفسيهما بعد تفاعلهما. رأت العديد من البيونات الصغيرة تَندفِع مبتعدة عن التصادم، والتي لم تصدِّق أنها كانت من قبل. وتغيَّر الجسيمان المصطدمان نفسيهما إلى شيء جديد تمامًا. كانا أكبر حجمًا وأصبح شكلهما أكثر غرابة عما كانا عليه، بكل تأكيد لم يكونا على الهيئة نفسها.

استمرَّ الرقص وحدثت حالات تصادم أخرى، أكثر وأكثر مع مرور الوقت. ومع كل تصادم يحدث، تتغير الجسيمات النووية المعتادة نسبيًّا إلى شيءٍ ما جديد وغريب. وسرعان ما بات هناك تنوع محيِّر من جسيمات مختلفة تمثِّل أنواعًا أكثر بكثير من التي رأتها أليس من قبل، أو حتى من التي تصوَّرت وجودها.

تساءَل صوت بجوار أذن أليس: «منظرٌ بديع، أليس كذلك؟» لقد كان رئيس المراسم، لا يبعد عنها قناعه المُبتسِم إلا مسافة ذراع. «يا له من حشد هادروني لمحتفلين من الجسيمات! ويا له من تنوع باريوني عظيم! أعتقد حقًّا أنه لم يعد بينها الآن اثنان متماثلان!»

لم تفهم أليس كثيرًا من الكلمات التي استخدمها وشعرت أن التصرف الأكثر حكمة هو ألا تسأل عنها؛ فقد أرادت أن تعرف بأبسط شكل ممكن ما كان يحدث فقط. تساءلت: «من أين جاءت جميع هذه الأنواع الجديدة من الجسيمات؟»

يُمكن تخليق الجسيمات في عمليات تصادم، فتتحوَّل الطاقة الحركية للجُسَيمات المتصادمة من أجل توفير طاقة كتلة السكون للجسيمات الجديدة. تمَّ اكتشاف العديد من هذه الجسيمات وصُنفَت في العديد من المجموعات المُتماثِلة، لكن أصبح من المعروف الآن أنها عبارة عن مجموعات مختلفة من الكواركات، تمامًا كما أن الذرة عبارة عن تجمع من الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات داخل النواة. تحتوي الفرميونات أو الباريونات على ثلاثة كواركات، بينما البوزونات أو الميزونات تَحتوي على كوارك واحد وكوارك مضاد.

«لقد تكوَّنت هذه في الاصطدامات بالتأكيد. فكما رأيتِ، كانت الجسيمات جميعها تدور بسرعة كبيرة للغاية في الحقيقة؛ ولذلك كان لدى كلٍّ منها قدر كبير من الطاقة الحركية. فعندما اصطدم بعضها ببعض، أمكن تحويل هذه الطاقة الحركية إلى طاقة كتلة سكون؛ وبذلك تكوَّنت جسيماتٌ لها كتلة أكبر. وفي خلال حالات التصادم المختلفة التي حدثت، ظهرت جسيماتٌ مختلفة. لكل جسيم منها كتلة سكونه المميِّزة التي تعمل على تمييزه على نحوٍ ملائم، رغم وجود اختلافات أخرى أقل وضوحًا. أتوقع أنه لم يعُد يوجد الآن أي جسيمَين هنا من الجسيمات ذات القدرة التفاعلية الكبرى لهما الكتلة نفسها. إن هذا ما يحدث في الحفل التنكُّري.»

مرةً أخرى أصبح صوته مُرتفعًا وهو يتوجَّه بحديثه للغرفة كلها: «انتهى الرقص الآن، من فضلكم احتشِدوا في خطوطكم الطيفية المناسبة.»

بناءً على طلبه بدأت الجسيمات المُحتشِدة في التجمُّع معًا في مجموعات متفرِّقة صغيرة، مُبعثَرة في جميع أنحاء الغرفة. رأت أليس أنها في الأغلب تجمَّعت في مجموعات من ثمانية جسيمات؛ ستة مرتَّبة في هيئة شكل سداسي خارجي واثنان معًا في المنتصَف. احتوت مجموعات قليلة على عشرة جسيمات في شكل مثلث، توجد أربعة جسيمات موزعة على طول قاعدته.

قال رئيس المراسم لأليس بصوتٍ منخفِض: «ها أنتِ ترين الجسيمات وهي مجتمعة في مجموعاتها المتماثِلة. هذه المجموعات هي تجمعاتٌ لجسيماتٍ لها جميعًا القيم نفسها لبعض الخصائص، مثل اللفِّ المغزلي، على سبيل المثال. لعلكِ ترَين أن ثمةَ تناسُقًا مدهشًا في التجمعات المختلفة كلها.» ثم أضاف قائلًا: «وهذا دليلٌ على وجود تشابه خفي تحت الجلد، أو بالأحرى تحت القناع. وربما تتعرَّفين على بعض أعضاء هذه المجموعة الأقرب إلينا.»

نظرت أليس نحو الجسيمات الثمانية بالقرب منها، ورأت أن الاثنين الواقفَين على الحافة العُلوية للنموذج السداسي الأضلاع كانا بروتونًا ونيوترونًا، إلا أن باقي أعضاء المجموعة كانوا مجهولين بالنسبة إليها.

قيل لها: «إن هذه مجموعة من الباريونات، وهي جميعها لها لف مغزلي مقداره نصف.» هذا لم يكن يعني أيَّ شيء على الإطلاق بالنسبة إلى أليس، لكنها في الوقت الحالي كانت مستعدةً تمامًا لتصديقه.

أضاف قائلًا: «أعتقد أنك قد قابلتِ بالفعل النيوترون والبروتون. في الصف الذي يليهما يوجد جسيم سيجما، الذي يمكنه التعامل بكلتا الشحنتَين الكهربيتَين الموجبة والسالبة، وكذلك بلا أي شحنة على الإطلاق؛ وعليه فإنه يظهر كما لو كان ثلاثة جسيمات مختلفة. وفي وسط النموذج يوجد لامدا أو لامبدا، وهو جسيمٌ مفرد بلا شحنة. وهذه جميعها جسيمات غريبة.»١

أيَّدت أليس كلامه وهي تَقترِب كي تنظر إليها عن قرب أكثر: «تبدو لي جميعها غريبة.»

«لا، لا؛ فالغرابة هي ببساطة خاصية تمتلكها جسيماتٌ معيَّنة، وهو ما يجعلها تحصُل على اسم غريبة.» ثم أضاف على نحوٍ غير مُفيد: «تمامًا مثل الشحنة الكهربية إلى حدٍّ ما، كما تعرفين، فيما عدا أن هذا أمر مختلف كليةً. الجسيمان المتبقيان كلاهما كاسكيد. وهذا النوع يأتي في حالتَين بشحنتَين مختلفتَين؛ ولهذا يُوجَد اثنان منه.» ثم أوضح لها: «إنه غريب بشكل مزدوَج، بالتأكيد.»

ردَّدت أليس المسكينة: «بالتأكيد.»

«والآن، الوقت يُداهمنا.» نادى فجأة بصوت مرتفع وواضح بحيث تردَّد صوته في جميع أرجاء الغرفة كلها. «والآن حان وقت خلعِ الأقنعة النهائي في أمسيتنا. السيدات والسادة أرجو منكم جميعًا … خلع الأقنعة!»

لم تستطع أليس مطلقًا تحديد طريقة فعلهم لهذا بالضبط، لكن مظهر الجسيمات حولها من كل جانب تغيَّر. نظرت إلى الجسيم الأقرب إليها، والذي كان رئيس المراسم يُطلِق عليه اسم لامبدا. لم يعُد يبدو كجسيم، لكنه بدا مثل حقيبة من نوعٍ ما استطاعت أن ترى بداخلها ثلاثة أشكال. اقتربت أليس أكثر، تحاول تمييزها بوضوح أكثر، ثم شعرت بنفسها تُسحَب إلى داخل السياج. حاولت أن تسحب نفسها بعيدًا عنه، لكن على الرغم من جهودها وجدت نفسها تُمتصُّ نحو الداخل.

ما إن دخلت حتى اكتشفت أنه لا توجد مساحة كافية لها كي تقف. حاولت أن تهوي بركبتَيها على الأرض، لكن ظلت الحاوية تضغط عليها بشكل كبير، فحاولت أن ترقد بأحد مرفقَيها على الأرض بينما لفت الذراع الأخرى حول رأسها.

في هذا الوضع الصعب نظرت حولها وحدَّقت في الكيانات الثلاثة الضئيلة التي ألقت عليها نظرة خاطفة دون أن تَستوضِحَ معالَمها حين كانت في الخارج. والآن بعدما أصبح في استطاعتها أن تراها، لاحظت أنها مختلفة تمامًا عن أيٍّ من الجسيمات التي قابلتها حتى الآن؛ فقد كان كلٌّ منها ملونًا بدرجة لون مميزة. أحدهما كان أحمر وواحد أخضر وواحد أزرق. لاحظت أنها كانت متَّصلة بعضها ببعض بأطوال من كابل متعدد الألوان من نوع ما. كان هذا الكابل به العديد من الخطوط بثلاثة ألوان عادية وثلاثة ألوان مضادة قد رأتها على زي رئيس المراسم.

كانت أليس مُستغرِقة جدًّا في دراسة هذه الجسيمات الجديدة الغريبة، لدرجة أنها جفَلَت بشدة لسماعها صوتًا يصدر عن واحد منها.

قال لها: «إذا ظننتِ أننا صورٌ متحرِّكة، فعليكِ أن تدفعي، كما تعرفين؛ فالصور المتحرِّكة ليست مصنوعة كي يُنظَر إليها بلا مقابل … كلا على الإطلاق!»

أضاف قائلًا: «وعلى العكس من هذا، إذا كنتِ تظنِّين أننا أحياء، فعليكِ إلقاء التحية ومصافحة أيدينا.»

صاحت أليس في ندم: «أنا آسفة!» وهي تمدُّ يدها ببعض الصعوبة. لا تدري تمامًا كيف حدث هذا، لكنها بطريقةٍ ما وجدت أنها تُمسِك بكرة مطاطية منتفِخة كبيرة لبوق سيارة قديمة بدلًا من وجود يد في يدها. وعندما ضغطت عليها صدر ضجيجُ صافِرة مرتفع.

سألته أليس، متضايقة قليلًا من هذه الحماقة: «حسنًا، مَنْ تكون إذن؟»

أجاب المتحدِّث باسم الجسيمات (الجسيم المتحدث باسمها جميعًا)، وهو يهز حاجبَيه لها بشدة: «نحن لا نحتاج لمقدمات؛ لذلك سوف أنجز هذا. نحن الكواركات الثلاثة الإخوة؛ أنا علوي وهذا سفلي وذلك هناك غريب» كان علوي أخضر اللون وسُفلي أحمر اللون وغريب أزرق اللون.

قالت أليس محاوَلة التخفيف من موقفِها المُحرج: «أرجو ألا تُمانعوا أن أنضم إليكم.»

أجابها علوي وهم يضحكون جميعًا في صخب: «لماذا؟ نحن لن ننفصل أبدًا.»

لم تكن أليس مُستمتِعة، ولم تَجِد هذه المزحة مضحكة جدًّا. في الحقيقة، حين أمعنت التفكير في الأمر، لم تكن متأكِّدة إن كانت قد وجدتها مُضحِكة بالأساس. نظرت نحو الإخوة الثلاثة في ضيق وصُدمت بحقيقة أن علويًّا الآن أصبح أحمر اللون وسفليًّا أخضر.

الكواركات هي أعرق الأشكال الأساسية المعروفة للمادة حتى الآن. فجميع الجسيمات المتفاعِلة بقوة عبارة عن مجموعات مرتبِطة بالكواركات. يتكوَّن كل فرميون من ثلاثة كواركات، وتتكون البوزونات من كوارك وكوارك مضاد مُرتبطين معًا. هذه الرابطة قوية للغاية، وهي مثل التفاعُل الكهربي، تحدث نتيجةً لتبادُل جسيمات افتراضية.

أعلنت أليس في نبرة فيها قليل من الاتهام: «لقد غيَّرتما لونَيكما.»

ردَّ علوي في هدوء: «هذا طبيعي؛ فنحن عادةً لا نَنتمي للونٍ معيَّن؛ فعندما بدأت كنت أخضر تمامًا، ثم شعرت بقليل من الزرقة، لكني الآن بدأت أرى اللون الأحمر.» ثم قال فجأة: «أنتِ تعرفين أن الجسيمات ذات الشحنات الكهربية تتبادَل الفوتونات؟»

ردَّت أليس: «نعم، أخبروني عن هذا.»

«حسنًا، نحن الكواركات شخصيات مُفعَمة بالألوان. نحن نَلتصِق بعضنا ببعض عن طريق تبادُل الجلونات في السراء والضراء، أو بالأحرى في حالات الأحمر والأخضر والأزرق. تحُوم الجلونات حولنا عندما ترى لون عملتنا؛ فهي تراقب لوننا. وتتبادَل جميع الجُسَيمات التي لها لون الجلونات. تعمل الجلونات على تماسكها معًا تمامًا مثلما تفعل الفوتونات للجسيمات التي لها شحنة.»

سألت أليس: «لكن لماذا تُغيِّرُون ألوانكم؟ فالجسيمات المشحونة لا تُغيِّر شحنتها الكهربية عندما تتبادَل الفوتونات.»

«كلا، ولكن الفوتونات ليس لها شحنة. لا توجد شحنة للفوتون، وهذا هو سبب رواجها. أما الجلونات فتَحمل لونًا بالفعل. عندما يهرب جلون ملوَّن من مصدره، تَنتقِل صبغته اللونية إلى الكوارك الذي يُمسِك به. إنه أمر يحدث بانتظامٍ يُمكنني أن أُؤكِّد لكِ هذا.» وبينما كان علوي يتكلَّم، تغيَّر لون سُفلي إلى الأزرق وأصبح غريب أحمر اللون، وأصبح شعره المجعَّد ذا ضيٍّ لونيٍّ زاهٍ.٢

أشار عُلوي إلى غريب وقال: «هناك، هذا مصدر لون مُختلِف!»

«ولأننا نَمتلِك هذه الجلونات الغنية بالألوان، لا يُمكن أبدًا فصلنا. الفرد من أجل الجميع، والجميع من أجل لا شيء. ومُتحِدون نقف ومُتفرِّقون نظلُّ غير منفصلين.»

اعترضَت أليس: «أخشى أنني لا أفهم ما تعنيه على الإطلاق.»

«حسنًا، نحن نعرف جميعًا أن الشحنات الكهربية المضادة تَنجذِب بعضها لبعض، لكن بإمكانك الفصل بين الجسيمات التي تُعاني من مثل هذا النوع من التجاذب. إنها تَرتبط بعضها ببعض عن طريق تبادل الفوتونات، لكن الفوتونات ليست لها شحنة.»

قال سُفلي فجأة: «إذا لم تكن تُوجد شحنة على الفوتونات فإنها تصبح حرة طليقة، تذهب حيثما تشاء.»

«صحيح، بسبب عدم وجود شحنة للفوتونات، فهي حرة، حرة كي تَنتشِر إلى أبعد ما تريد. إنها لا تتبادَل الفوتونات الأخرى فيما بينها.»

أضاف سُفلي: «إذا لم يكن يوجد تغيُّر ولم تكن توجد شحنة، فلن تحدث أي تعاملات. إنَّ هذه الفوتونات لا تَجري أي تعاملات تجارية معًا.»

«فدون وجود شحنة لا تجري الفوتونات الافتراضية أي تعامُل تجاري فيما بينها؛ ولهذا لا تجذب بعضها بعضًا، ولا يحصل أي أحد على شحنة منها؛ لذلك هي تَنتشِر في جميع أرجاء المكان. وكلما زاد تباعد شحنات المصدر، زادت المسافة التي على الفوتونات الانتشار فيها. تَنتشِر الفوتونات في هزال، فتُواجه الفوتونات فترة عصيبة في هذا، مع وجود زخم حركة لديها كي تنتقل.»

تداخَل سُفلي مساعدًا: «في آخر مهمَّة، حصلت على حوالة. قالوا لي إنهم سيُعطونني قليلًا من زخم الحركة، لكن كل ما أعطوني إياه كان حذاءً برقبة.»

ردَّ علوي: «وأنت شعرت بقوة حُجتهم، لكن مع قلة زخم الحركة الموجود لتعطيه، تصبح القوة أضعف؛ فعند سحب الشحنات بعضها بعيدًا عن بعض، تفقد الاتصال بينها، ويزداد ضعف قوة التجاذب، وفي النهاية تفقد كل أوجه الاتصال تمامًا لدرجة أنها قد تنسى حتى أن يكتب بعضها لبعض. امنحيها الطاقة الكافية ويُمكنك سحبها إلى أي مكان. ويُمكن أن تبتعد بعضها عن بعض كثيرًا بحيث لا يوجد أي تجاذب يُذكَر. تصبح الشحنات عندها مستقلة إلى حد ما. أظن أنكِ تعرفين ما المقصود بتعبير «شحنة مستقلَّة».» ثم أضاف قائلًا: «أو معنى «شحن شخص ما باستقلال»، فيما يتعلق بهذا الشأن.»

«لكن كفانا حديثًا عن الشحنات الكهربية، نحن هنا للحديث عن شحنات الكوارك.»

سألت أليس في فضول: «ما هي شحنة الكوارك؟» فهي دائمًا ما تكون متلهِّفة لتستوضِحَ أكبر قدر مُمكن من المعلومات.

أجابها سفلي: «إنها ضعف المعدَّل في عطلات نهاية الأسبوع وكذلك بالنسبة إلى الكواركات العلوية، لكنها رخيصة جدًّا؛ فشحناتنا ثلث شحنات الجسيمات الأخرى فقط.»

قالت أليس لسفلي: «هناك شيء واحد لا أفهمه.» (كان في عبارتها تبسيط كبير للواقع، حيث كانت توجد العديد من الأشياء التي لا تفهمها حتى الآن.) «لماذا تحاول التحدث كما لو كنت إيطاليًّا؟ لا أعتقد أنك إيطالي.»

للعديد من الجُسَيمات شحنات كهربية، وإنها لحقيقة مُذهِلة أن الجُسَيمات المرصودة يكون لشحناتها جميعًا القدر نفسه. فلبعض الجسيمات شحنات موجبة وللبعض الآخر شحنات سالبة، لكن الكمية هي نفسها في كلتا الحالتَين. تُسمَّى هذه الكمية عادةً بشحنة الإلكترون؛ وهذا ببساطة لأنَّ الإلكترونات كانت أول الجسيمات المكتشَفة. ولكي يتسنَّى تقدير الشحنات التي تَمتلكُها الكواركات لا بد أن تكون مختلفة. قد تكون للكوارك شحنة موجبة، تُقدَّر بثلثَي حجم شحنة الإلكترون، أو قد تكون له شحنة سالبة تُساوي ثلث شحنة الإلكترون. ولا يُمكن رصد هذه الشحنات الجزئية مباشَرةً؛ لأن الكواركات لا يُمكن أن تترك مجموعاتها المرتبِطة بها، لكن ثمة دليل قوي على صحتها.

ردَّ علوي بالنيابة عنه: «هذا لأنه فرميون. وكان إنريكو فيرمي إيطاليًّا.»

اعترضَت أليس وقالت: «لكن ألستم جميعًا فرميونات؟»

«بكل تأكيد، الفرد من أجل الجميع والجميع من أجل باولي. وهذا ما لا يستطيع أحدٌ إنكاره.» وقفت الكواركات الثلاثة «انتباه»، وأدَّت التحية العسكرية.

«نحن مجموعة واحدة غير قابلة للتَّجزئة. لا يستطيع الكوارك الهروب من داخل البروتون أو من داخل أي جسيم آخر؛ هذا كله بسبب اللون الأحمر والأخضر والأزرق. ثمةَ مجدٌ قديم لكِ.»

شرعت أليس في الحديث: «معذرة؟»

أجابها علوي: «عفاكِ الله!» لكن أليس أكملتِ في إصرار.

«لا أعرف ما الذي تَعنيه بالمجد.»

«بالتأكيد أنتِ لا تعرفين حتَّى أخبركِ. لقد قصدت أن ثمة حجة لطيفة قوية في انتظارك!»

احتجَّت أليس وقالت: «لكن كلمة المجد لا تعني هذا.»

«عندما أستخدم كلمة، فهي تعني فقط ما أختاره لها لتعنيه، لا أكثر ولا أقل. السؤال هنا هو من الذي يُسيطِر على هذا كله.» ثم أضاف في عبوس: «لكن الأمر مُختلِف مع الجلونات، فلا سبيل للسيطرة عليها؛ فهي لا تتخلَّى عما تتمسَّك به أبدًا، على عكس الفوتونات. المشكلة أن الجلونات كلها ملوَّنة، واللون يخلق الجلونات تمامًا مثلما تَخلق الشحنة الفوتونات؛ ولهذا فإن جميع الجلونات تُطلِق جلونات أخرى، وتلك الجلونات تُصدِر المزيد من الجلونات. فأنتِ تبدئين بواحد أو اثنين وتنتهين بمئات. إن الأمر أشبه بأن يحظى المرء بإقامة عائلة زوجته معه. ولأنها جميعًا تتبادل الجلونات، تَلتصِق جميعها بعضها ببعض، بالضبط مثل عائلة الزوجة. فبدلًا من الانتشار في سحابة ضبابية واسعة كالفوتونات، تتجمَّع في حزم لتكوِّن أوتارًا ملوَّنة متماسِكة من جلونات افتراضية ترَينها هنا. ولأنها تتجمَّع في حزم، لا تكون لديها حرية الانتشار مثل الفوتونات، فلا توجد حزم حرة.»

يَسمح وجودُ ثلاثة أنواعٍ مختلفة من الألوان بتلوُّن الجلونات أيضًا. فكلُّ جلونٍ هو مزيجٌ من اللون واللون المضاد. ومع وجود البروتونات، فإن مزيجًا من الشحنة والشحنة المضادة يُنتِج جسيمًا عديمَ الشحنة. أما الجلونات، فيُمكنها أن تمزج بين ألوانٍ مختلفة؛ فقد يكون الجلون الواحد — على سبيل المثال — عبارة عن اللون الأزرق واللون الأخضر المضاد. ومثلُ هذا الجلون لا يكون محايدًا؛ فهو يحمل لونًا ومن ثمَّ يمكنه العمل كمصدرٍ للجلونات الأخرى. وهذا يعني أن الجلونات أيضًا يرتبط أحدُها بالآخر وتُكوِّن خيوطًا رفيعة تربط الكواركات معًا، بدلًا من أن توزِّعها على نطاقٍ واسع مثلما تفعل الفوتونات.

«عندما يتحرَّك أحد الكواركات مُبتعدًا فإنه سرعان ما يصل إلى نهاية حبل رسنه. وإذا كانت لدينا طاقة أكثر فإن الجلونات سوف تمنحنا المزيد من الحبال، ولكننا ما زلنا متشبِّثين بنهايته. ومهما ابتعدنا في تجولنا، فإن جذب الجلونات يَسحبنا إلى مكاننا مرةً أخرى. لا يُمكننا كسر القيد والتحرر منه، لكن ما زال في إمكاننا الهرب بقليل من المساعدة من أصدقائنا.»

في تلك اللحظة المناسبة على نحو فريد، اصطدم فوتون له طاقة عالية جدًّا بالمجموعة الصغيرة من الكواركات. لم تتلقَّ أليس أي تحذير؛ إذ إنها لم ترَه وهو قادم. في الحقيقة، باتت تدرك الآن أن الفوتونات تتحرك بسرعة كبيرة جدًّا، حتى إنها لم ترَ أحدها قادمًا حتى الآن قبل وصوله إليها أبدًا. اصطدم هذا الفوتون بغريب، فاستثاره إلى حالة من الجنون الهستيري التام، ثم اندفع غريب مبتعدًا وقد أصدر صوت صفير مرتفعًا عبر بوق. ومِن خلفه امتد حبل الرسن مشدودًا أبعد فأبعد. استطاعت أليس أن ترى أنه مهما كانت المسافة التي يمتد عبرها الحبل، فإنه لم يُصبح بأي حال من الأحوال أرفع أو أضعف. كان من الواضح أنه من الممكن أن يستمر في التمدُّد إلى ما لا نهاية، وعليه فإن هذا الكوارك الهارب سوف تنفد طاقته قريبًا، بلا أي فرصة في كسر القيد والتحرُّر، لكن لم تكد أليس تصل لهذا الاستنتاج حتى … انقطع الحبل!

قبل لحظة من حدوث هذا، كان ثمة حبل طويل يزداد تمددًا باستمرار، وكان يمتص كل الطاقة التي أحضرها الفوتون، والآن أصبح يوجد حبلان قصيران جدًّا، ثمة فجوة كبيرة بينهما تتسع باستمرار. وعلى كلا جانبَي هذا الصدع ظهر كوارك جديد، كلٌّ منهما يتشبث بواحدة من النهايتين المقطوعتين من الحبل. وفي نهاية الحبل التي كانت ما زالت معلَّقة بالكواركَين اللذين بقيا مع أليس، كان ثمة كوارك يبدو مثل سفلي فيما عدا أن لونه كان مختلفًا. كان الكوارك غريب سريع الانحسار يجرُّ خلفه حبلَه القصير، والذي كانت تتعلَّق به نسخة عكسية من سُفلي. افترضت أليس على نحوٍ صائب أن هذا كان كواركًا مضادًّا. سألت أليس بنوع من الارتباك: «ما الذي حدث؟»

«لقد رأيتِ للتو هروب كوارك بمساعدة من أصدقائه في الأماكن الدنيا. في الفراغ في الحقيقة؛ إذ لا يُمكِن التدنِّي أكثر من هذا، فلا يُمكِن فصل خيط جلون طالَما أنه رأى لون كوارك؛ لذلك علينا أن نخدعه بشيء يُشبِه الكوارك بالضبط.»

سألت أليس: «وما هو هذا الشيء؟»

«كوارك آخر، بالطبع. عندما يتمدَّد خيط الجلون طويلًا بما يَكفي بحيث أصبح الآن يَحتوي على طاقة كافية لخلق كتل السكون لكواركَين، فإننا عندها نقطع الخيط ونُفعِّل التبادُل، فتَحصل إحدى النهايتَين على كوارك جديد والأخرى على شيء ليس كواركًا.»

سأل سفلي (أحد الاثنَين اللذَين لهما اسم سُفلي): «توجد عقدة في الخيط؟»

«هذا صحيح، ثمَّة كوارك عند إحدى النهايتَين، وشيء ليس كواركًا عند النهاية الأخرى.»

سألت أليس: «ما هذا الشيء الذي ليس كواركًا؟»

«إنه كوارك مُضاد. وإذا أردتِ تصديق هذا، فعليكِ رؤية عمي. فقد اختفى جزء من الخيط الأساسي سريعًا مع بعد المسافة؛ مما أدى إلى حَمْل الطاقة بعيدًا وربط غريب الغائب بالكوارك المضاد الجديد؛ لذلك كما ترَين فإن الغياب يجعل الجزء يبتعد كثيرًا.»

احتجَّت أليس: «ربما يكون قد هرب، لكنه ما زال ليس حرًّا.»

«حين كان مربوطًا كان حرًّا. أما الآن فقد تحرَّر منا، ولكنه ما زال مربوطًا، ومع الكوارك المضاد هو مربوط في بوزون الآن. يُشبِه هذا البايون، لكن البايونات قد تكون خادعة، وفي هذه الحالة تكون قد كوَّنت كايونًا بدلًا من هذا. إن ما تشاهدينه ليس كواركًا حرًّا أو حتى بحرًا من الكواركات الحرة، لكنه مجرَّد وضع آخر محرج.»

سأل سفلي: «هل ثمة أسماك في بحر الكواركات؟»

«كلا، فلا وجود لأي أسماك في بحر الكواركات، لا شك في ذلك. إن غرض بحر الكواركات الوحيد هو احتواء أزواج الكواركات، والكواركات المضادة الافتراضية.»

جادله سفلي فقال: «أفهم كلمة الوحيد، والغرض أفهمه لكن ما علاقة الكواركات بالبحر.»

أجاب علوي: «انسَ أمر البحر، وإلا فإننا جميعًا سنصبح مشوشي الذهن ونحيد عن الموضوع الأصلي. الفكرة كلُّها أنك لن تجد أبدًا كواركًا بمفردِه.»٣

سألت أليس في اهتمام وقلق: «هل يعني هذا أن عليكَ أن تبقى هنا إلى الأبد بلا أي فرصة للتغيير؟»

«حسنًا، يمكننا أن نحظى بتغيير بكل تأكيد. إنهم يقولون إن التغيير جيد تمامًا مثل السكون، لكني أشعر بحرية كبيرة عند مناقشة التفاعل الضعيف.»

«لقد سمعت عن هذا عندما كنت في زيارة للنواة. أعتقد أن له علاقة ما بتحلل بيتا للأنوية، أيًّا كان هذا.»

«إنه الشيء نفسه. بل إنه، في الحقيقة، متعلِّق بالبيتا بقدر أكبر بكثير. ما يحدث هو أن النيوترون داخل النواة يتغير إلى بروتون وإلكترون، بالإضافة إلى جسيم آخر يُدعى نيوترينو. هذا النيوترينو عديم الشحنة، وعديم الكتلة، وليس له تفاعُل قوي. في الواقع هو لا يفعل أشياء كثيرة، مثل أغلب من أعرفهم. وهكذا يقال على أيِّ حال. أما ما يحدث في الحقيقة فيتلخص في أن كواركًا سفليًّا داخل النيوترون يتحوَّل إلى كوارك علوي وإلكترون ونيوترينو، وعندما يتغيَّر الكوارك السُّفلي إلى كوارك علوي فإن كل شيء يسير على ما يرام. فهذا يرفع الشحنة، ويُصبح النيوترون بروتونًا، وهكذا. يُمكنك التجول في الأرجاء وربما يُحالفك الحظ.»

لم يكد يتكلَّم عندما حدث بمصادفة مواتية تمامًا أن أصبح واحد من الاثنين اللذين يحملان اسم سفلي مشوشًا، وبدأ يتغير ويفقد هويته. وبعد لحظة عابرة من التحول، لم يَعُد سفلي موجودًا، ووقفت في مكانه نسخةٌ طبق الأصل من علوي. عندما تحرَّك جانبًا رأت أليس إلكترونًا يندفع مبتعدًا من المكان نفسه، وتبعه في هذا جسيم آخر. لم ترَ أليس إلا لمحة موجزة من هذا الجسيم، هو شيء بالكاد يُدرَك، ومن العسير جدًّا رؤيته. افترضت أليس أن هذا قد يكون النيوترينو، الذي يؤدِّي دوره المعتاد في تجاهل الجميع وفي أن يتجاهله الجميع.

أصبحت هذه المجموعة من الكواركات الثلاثة تتكوَّن من واحد سفلي واثنين علوي مُتماثلَين. وعلى الرغم من كونهما متماثلَين، فقد كان في الحقيقة أحدهما في هذه اللحظة أخضر اللون والآخر أزرق. قالت أليس: «يا إلهي، إن هذا الأمر برمَّته مدهش للغاية.»

ردَّ الاثنان علوي في إذعانٍ وفي صوت واحد وتَوافُق مثالي: «كان هذا الأمر مدهشًا للغاية.»

ثم أضافا: «لكن ما الذي كنت تتوقعينه عندما يكون لدى الجسيمات المتبادلة في تفاعل شحنة كهربية؟ الفوتونات ليست لديها شحنة، ولكن هذه ليست كعملية هجوم اللواء الخفيف التي شنَّتها القوات البريطانية. فعندما يطلق مصدر أحد هذه الجسيمات المشحونة، فإن عليه أن يشارك الشحنة. وغير مسموح بالتذبذبات هناك، كما تعرفين. فعندما تتغير الشحنة الكهربية لجسيم فإنه يُعَد جسيمًا مختلفًا. لا بد أنكِ سمعت عن حسابات الشحنات، فهذه هي الطريق التي نتغير بها نحن معشر الكواركات.»

سألت أليس التي شعرت أن الشرح كان ناقصًا بعض الشيء: «لكن من أين جاء هذا الإلكترون؟»

بدأ علوي الحديث على نحو غير ذي صلة بالموضوع بعض الشيء: «إن الجسيمات المتبادلة في التفاعلات الضعيفة تُدعى دبليو.»

قاطعته أليس، وقد نسيت آداب السلوك التي شبَّت عليها، قائلةً: «ماذا؟»

«لا ليس «ماذا» بل دبليو فقط. إنه ليس بالاسم الجيد، لكنه كل ما لديها، يا لها من أشياء مسكينة. ولمعلوماتك يوجد اثنان منها، أحدهما دبليو موجب والآخر دبليو سالب. ولم يسألهما أحد قط ما الذي يرمز إليه حرف دبليو.» هكذا أنهى حديثه متأملًا ثم واصل الكلام مرةً أخرى: «على أي حال، فإن هذه الدبليو كما يُطلِق عليها أصدقاؤها، هي أنواع ودودة للغاية؛ فهي تمتزِج مع أي أحد، وتتفاعَل مع كلٍّ من اللبتونات والهادرونات، ومع الإلكترونات، وكذلك مع الجسيمات ذات التفاعل القوي؛ ولذلك عندما يُقرِّر كوارك سفلي أنه قد حان الوقت ليتغير إلى كوارك علوي، فلا بد من تزويده بالشحنات، فتزيد الشحنة الكهربائية للكوارك؛ ولهذا يخرج جسيم دبليو سالب ليُوازن الحسابات. وبدَوره يلعب الجسيم دبليو هذا دوره كما ينصُّ الكتاب، ويتفاعل مع نيوترينو مار، ليس له أي شحنة على الإطلاق، ويُحوِّله بذلك إلى إلكترون يَمتلك شحنة كهربية. يجد الإلكترون نفسه بصحبة كثير من الجسيمات ذات قوة تفاعلية شديدة، حيث لا يحقُّ له الوجود، ويُغادِر بأسرع ما يمكنه.»٤

سألت أليس ببعض الارتباك: «لكن أين يجد دبليو نيوترينو يُمكنه تحويله إلى إلكترون؟ لم أكن أعتقد أنه يُوجد نيوترينو من قبل. لقد اعتقدتُ أنه قد أُطلق بعد عملية التحلُّل، مع الإلكترون.»

«آه حسنًا، هذه هي النقطة الخادعة؛ فأنتِ تظنِّين أنه يجب أن يكون موجودًا مسبقًا، لكنه بدلًا من ذلك ظهر بعد العملية وليس قبلها؛ فأنتِ تتوقعين أن يصل من الماضي، لكنه فاجأك مُتسللًا عائدًا من المستقبل، ويظلُّ يصل عند وقت الحاجة إليه تمامًا. وبالطبع بما أنه قد جاء من المستقبل، فهو يبقى في الأرجاء بعد ذلك، في طريق وصوله؛ وبهذه الطريقة ينتهي به الحال إلى أن يصبح هو نفسه النيوترينو الذي تحوَّل على يد الدبليو، وكذلك الإلكترون الذي أُطلق بعد التحلل. وهذا يقلل من النفقات الإضافية.»

سألت أليس: «لكن كيف له أن يصل من المستقبل؟» وبينما هي تتكلم كان يخالجها شعور واضح بأنها بالفعل تعرف إجابة هذا السؤال.

«إنه النيوترنيو المضاد بالتأكيد، وهو أحد الكيانات المضادة المفضَّلة عندي. لكل جسيم جسيمُه المضاد، الذي يسافر في الزمن للوراء؛ وهو بهذا يُصبح عكسه من جميع النواحي. وهذا هو المبدأ العظيم للجسيمات المضادة «أيًّا ما كان هو، فأنا عكسه».»

سألت أليس كي تكون متأكِّدة تمامًا من هذه النقطة: «ولا توجد أي طريقة يُمكن لأيٍّ منكم التحرُّر بها أبدًا؟»

أكدوا لها: «لا، لا سبيل إلى ذلك على الإطلاق.»

سألت أليس في رعب؛ إذ إنها لم تكن ترغب في أن تبقى حبيسة معهم للأبد: «هل يعني هذا أني لا أستطيع الهرب أيضًا؟» «كلا، على الإطلاق، فأنتِ ليس لديك لون؛ ومن ثمَّ فالجلونات لن تتمسك بك. فأنتِ واحدة من أكثر الناس غير الملونة التي قابلناها على الإطلاق؛ لذلك لا شيء يُبقيك هنا، يمكنكِ أن تغادري في أي حين تشائين، ونحن حتى لن نلاحظ. يمكنكِ أن تنهضي وتذهبي بعيدًا، فقط، لا تنسَي أن تتركي إكرامية.»

بدا هذا بسيطًا للغاية، لكن أليس أقدمت على تجربته على أي حال، فوقفت ووجدت حقًّا أنه لا شيء يمنعها من مغادرة الجَمْع في أي وقت. مطَّت جسدها ومدَّدته بعد حبسها في مثل هذا المكان الضيق، نظرت حولها ووجدت نفسها واقفة أمام قناع رئيس المراسم. كان قناعه المبتسم في تشنج على بعد بضعة أقدام فقط من وجهها. حدَّقت فيه، وهي مذهولة من ابتسامته المتشنِّجة الواسعة الثابتة وفجوتَي العينَين الداكنتَين أعلاها. عميقًا في أعماقهما المظلمة السوداء حيث يجب أن تكون عيناه موجودتين، اعتقدت أنها تستطيع أن ترى وميضًا أزرق شديد الزرقة، مثل نجمة بعيدة في ليلة صافية شديدة البرودة.

سألها في مرح: «وكيف استمتعتِ بلقائكِ مع الكواركات؟»

ردَّت في صدق: «كان مثيرًا للغاية. إنها شخصيات نابضة بالحيوية ومفعمة بالألوان، لكني وجدتها متقلِّبة مُتغيِّرة إلى حد ما.»

واصلت أليس حديثها: «هل كان هذا آخر نزع للأقنعة يحدث هذه الليلة؟ أم إن ثمة المزيد من الطبقات التي لا بد من إزالتها قبل أن أستطيع رؤية الموجود بالفعل وراء كل هذا؟»

ردَّ عليها: «من يستطيع أن يَجزم؟ كيف يُمكنكِ أن تعرفي حقًّا إن كنتِ تطلعين على وجه الطبيعة الحقيقي دون أي تجميل، أم أنكِ تَنظرين ببساطة إلى قناع آخر؟ مع ذلك فإن الليلة لم يعدْ في الأفق إلا نزعٌ أخير للأقنعة. ما زال عليَّ أن أزيح قناعي الخاص.»

في أثناء حديثه بدأت بقعة الضوء الساطعة التي كانت تتبعه في كل مكان طوال الأمسية في الخفوت، وأصبح حتى الضوء القادم من الثريات فوق رأسه أكثر شحوبًا مما كان في السابق. ومع تلاشي الضوء رفع رئيس المراسم كلتا يدَيه إلى وجهه وببطء نزع قناعه.

نظرت أليس إلى الوجه خلف القناع في الضوء الآخذ في الخفوت سريعًا. لم تستطع أن ترى أي شيء بخلاف هيئة بيضاوية ملساء، خالية تمامًا، بلا أي ملامح من أي نوعٍ يُمكن تمييزها. حدَّقت في دهشة في هذا الوجه المحيِّر، ومع آخر شعاع للضوء قبل أن يختفي تمامًا رأت القناع يغمز لها.

هوامش

(١) تُعَد البروتونات والنيوترونات التي تسكُن النواة (المعروفة معًا باسم النيوكليونات) أمثلة على الجسيمات ذات التفاعل القوي، المعروفة أيضًا باسم الهادرونات. ثمة العديد من الهادرونات الأخرى، وإن لم تكن جميع الجسيمات تتفاعَل بقوة. فلا تشعر فئة الجسيمات المعروفة باللبتونات بالتفاعُل القوي على الإطلاق. تنتمي الإلكترونات إلى هذه الفئة؛ ولهذا فهي لا ترتبط داخل النواة بالنيوكليونات. إنها لا تشعر بالنواة إلا بوصفها شحنة كهربية موجبة تربطها بتراخٍ داخل الذرة.
أسفرت التجارب التي أُجريت في فيزياء الجسيمات ذات الطاقة العالية عن اكتشاف مئات الجسيمات ذات التفاعل القوي. يمثِّل هذا الوضع سيناريو معتادًا تمامًا في الفيزياء؛ فمتى احتوت فئة على عدد كبير جدًّا من الأعضاء، فعادةً ما يتضح أنها مبنية كمركبات من شيء ما أساسي بشكل أكبر. وجميع المركبات الكيميائية المختلفة المتعارف عليها تتكوَّن من ذرات. وثمة ٩٢ نوعًا مختلفًا من الذرات المستقرَّة الموجودة طبيعيًّا، وجميعها تتكوَّن من إلكترونات مرتَّبة بأعداد متفاوِتة حول نواة مركزية. والأنوية بدورها تتكوَّن من نيوترونات وبروتونات ترتبط بعضها ببعض عبر تبادل البيونات. وقد ذكرتْ هذه في الفصل السابق. اكتُشِفَ الآن أن النيوترونات والبروتونات أعضاء في فئة بها مئات الجسيمات الأخرى، مثل: Κ وρ وω وΛ وΣ وΞ وΩ وΔ وهكذا. وقد تبيَّن الآن أن جميع هذه الجسيمات تتكوَّن من كواركات.
(٢) تظلُّ الكواركات مُتماسِكة معًا بقوًى تُماثل — لكنها لا تشبه — التفاعُلات الكهربية. لا تعمل هذه القوى على أساس الشحنة الكهربية، ولكن على أساس شيء آخر يُدعى شحنة اللون أو اللون فقط. هذا لا علاقة له باللون كما نعرفه جميعًا، إنه فقط اسم مُنحَ لشيء جديد تمامًا. وربما يكون من غير الملائم أن كلمة لون مُستخدَمةٌ بالفعل في سياقات أخرى، إلا أنها ليسَت المرة الأولى التي يكون فيها لكلمةٍ معنيان مختلفان.
يرجع التفاعل بين جسيمَين مشحونَين كهربيًّا إلى تبادل الفوتونات الافتراضية فيما بينهما. أما التفاعل بين الكواركات فينشأ عن تبادل فئة جديدة من الجسيمات، أُطلق عليها اسم الجلونات. وثمة اختلافات بين التفاعلَين؛ فالشحنات الكهربية لا تأتي إلا في صورتَين فقط، موجبة وسالبة، أو شحنة وشحنة مضادة. والفوتونات التي يَجري تبادلها بين الشحنات الكهربية هي نفسها شحنتها الكهربية مُحايدة؛ فهي لا تحمل أي شحنة؛ وعلى ذلك لا تُطلِق المزيد من الفوتونات الافتراضية في حدِّ ذاتها.
إنَّ الجلونات التي يجري تبادلها بين الكواركات يُطلِقها نوع من الشحنات تحمله الكواركات، لكنه مختلف تمامًا عن الشحنة الكهربية العادية. تُسمَّى هذه الشحنة بشحنة اللون أو الشحنة اللونية، مع أنها ليس لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالألوان التي نراها. وبينما يُوجَد نوع واحد فقط من الشحنات الكهربية، فإن هذا النوع الجديد من الشحنات بالإضافة إلى شحنته العكسية أو المضادة، تُوجَد منه ثلاثة أنواع مختلفة من الشحنات تحمل أسماء أزرق وأخضر وأحمر. ومرةً أخرى، يجب التأكيد على أن هذه الأسماء أسماء شَكلية ولا علاقة على الإطلاق بالألوان المعتادة. ومع كل شحنة لون يوجد لون مضاد، وثمة طريقتان للحصول على جسم محايد اللون. في حالة الشحنة الكهربية لا يُمكنك الحصول على جسم محايد كهربيًّا إلا بالجمع بين الشحنة والشحنة المضادة (شحنة موجبة وشحنة سالبة). ثمة طريقتان للحصول على جسيمات محايدة لونيًّا: إما بالجمع بين اللون واللَّون المضاد (كما في البوزونات)، أو بالجمع بين الألوان الثلاثة للكواركات جميعها (كما في الفرميونات).
(٣) عندما تكون الجُسيمات مرتبطة معًا بتفاعل كهربي، فإن طاقة الجهد في الرابطة تتناقص سريعًا مع تحرك الجسيمات مُبتعِدة بعضها عن بعض. إنْ حصل جسيم ما على طاقة كافية، فبإمكانه أن يكسر القيد ويتحرَّر تمامًا، كمكوك فضائي قد بلغ سرعة الإفلات؛ ومن ثَمَّ تصبح لديه الطاقة الكافية كي يكسر القيد ويتحرر من طاقة الوضع الأرضية. ومع ذلك عندما يتمدَّد خيط الجلون بالفعل، فإن تمدده على نحو أكثر قليلًا يتطلب القدر نفسه من الطاقة التي حصل عليها عند تمدده في البداية؛ فالأمر يُشبِه تمدُّد خيط مرن؛ فالأمر لا يصبح أكثر سهولة بأي حال مع استمرار تمدده، وهو أيضًا يُشبِه الخيط المرن في أنك حين تمدِّده، فإنه قد ينقطع.
خيط الجلون لديه القدرة على امتصاص المزيد والمزيد من الطاقة مع انفصال الكواركات وتمدُّد الخيط. في النهاية تزداد الطاقة في الخيط عن القدر اللازم لإنتاج زوج من الكوارك والكوارك المضاد. فينقطع الخيط وينتهي طرفاه عند الشحنتَين اللونيتَين للكوارك والكوارك المضاد الجديدَين. فبدلًا من نظام الترابط الأصلي للكواركات الثلاثة، يوجد الآن نظامان مُنفصِلان؛ واحد من ثلاثة كواركات وواحد من كوارك وكوارك مضاد. وبدلًا من إطلاق كوارك حر فقد أنتجت الطاقة جسيمًا جديدًا، وهو البوزون. هذا يحدث دائمًا ولا تُنتج الكواركات الحرة أبدًا.
(٤) على الرغم من أن الكواركات لا يُمكنها الإفلات من الجسيمات التي تكون مترابطة بداخلها، فإنها تستطيع التغيُّر من نوع إلى آخر. ويرجع هذا إلى عملية خاصة تُعرَف باسم التفاعل الضعيف. والتفاعُل الضعيف هو عملية واسعة الأفق تتفاعل فعليًّا مع كل شيء. يؤثِّر التفاعل الكهرومغناطيسي فقط في الجسيمات التي لها شحنة كهربية، ويؤثر التفاعل القوي فقط في الجسيمات ذات القوة التفاعلية الكبيرة (أو الهادرونات) وليس اللبتونات. أما التفاعل الضعيف فيؤثِّر فيها جميعًا، بيدَ أن التأثير يكون بطيئًا إلى حدٍّ ما وضعيفًا لأنه تفاعل ضعيف.
إن التفاعل الضعيف متميِّز في كونه قادرًا على تغيير الكواركات. يمكنه تغيير الكوارك السفلي أو الكوارك الغريب إلى كوارك علوي. وفي خضم هذه العملية، تتغير الشحنة الكهربية للكوارك، ويحمل «بوزون دبليو» الشحنة الزائدة ويأخذها بعيدًا، وهو نوع من الجسيمات يجري مبادلتها في التفاعل الضعيف. يمكن بعد ذلك تمرير هذه الشحنة إلى اللبتونات المصنوعة حديثًا، وهما إلكترون ولبتون محايد كهربيًّا عديم الكتلة يُعرَف باسم مضاد النيوترينو. يحدث هذا في عملية تحلُّل بيتا النووي، الذي تُطلِق فيه نواة نشطة إشعاعيًّا إلكترونًا سريعًا. عُرفت هذه العملية منذ سنوات عديدة، ولكنها كانت غريبة وشاذة؛ إذ كان من الواضح عدم وجود أي إلكترونات متاحة داخل النواة كي تُطلَق على هذا النحو. يحدث إنتاج الإلكترون في عملية التحلُّل نفسها، ولأنه غير مقيَّد وغير مرتبط بأي شيء، فإنه يغادر النواة في الحال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠