الفصل الثاني

٨ مشاهد

المشهد الأول

المسرح مُظلِم تمامًا وخالٍ.

يسقط ضوء خفيف على مُنتصف خشبة المسرح ويظهر طفل صغير جالس وحدَه في الظلام، يدُه ممدودة فارغة.

يبدأ الضوء يغمر المسرح تدريجيًّا، ويبدأ الناس المارَّة يملئون خشبة المسرح. الكل يجري بسرعة إلى عمله وحاله، لا أحد يرى الطفل الجالس بيدِه المَمدودة الفارغة. أحد المارة يُلقي في اليد الصغيرة الممدودة الفارغة قرشًا دون أن ينظر إلى الطفل ويُسرع في طريقه. الضوء يخفُت تدريجيًّا على المسرح، والناس تقلُّ تدريجيًّا حتى يُظلِم المسرح تمامًا ويخلو من المارَّة. لا يبقى إلَّا الطفل الصغير جالسًا مكانه ويدُه مَمدودة أمامه في الظلام.

المشهد الثاني

(الضوء القوي في حُجرة نومٍ فاخرة جدًّا، هي حجرة نوم د. فهيم وزوجته تفيدة.)

(د. فهيم بملابس البيت جالس إلى كرسي «فوتيل» يُدخِّن بكثرةٍ ويبدو عليه التفكير العميق والضِّيق. تفيدة جالسة على السرير بشعرِها الصناعي وملامحها المصنوعة وحركتها المصنوعة.)

تفيدة : برضه مش قادرة اعرف إيه اللي مضايقك في الحكاية دي. الكلام اللي انت قلته ده كله مش شايفة فيه حاجة تضايق أبدًا.
د. فهيم (في ضيق) : بقه كل اللي حكيته ده ومش قادرة تعرفي إيه اللي مضايقني؟ كل الجهد اللي بذلته ده في الكلام وأنا باحكيلك ما قدرتيش تعرفي إيه اللي مضايقني؟ انت إيه؟ انت إيه؟ ما بتحسيش ولا إيه؟
تفيدة : اسمع يا فهيم، إذا كنت عاوز تقلبها غم زي كل ليلة تقفل الموضوع ده خالص، ستين مرة قولتلك، كفاية طول النهار قاعد في مكتبك تتكلم في الشغل، الساعة الوحيدة اللي نقدر نقعد فيها مع بعض آخر الليل تتكلم برضه في الشغل؟ دي حاجة تكفر، وبرضه مستحملة ومستزوقة وقاعدة باسمع لك. بقى لك ساعة تتكلم وانا قاعدة اسمع لما طلَّعت روحي، وانا مالي ومال الأرانب؟ يولدوا ما يولدوش؛ والأرانب الأسترالي إيه! ومش عارفة ميكروبات إيه! ومش عارفة الدكتور شرف الدين إيه! والوالي مبسوط منِّي (تقلد د. فهيم بصوتها) والوالي يقولي أنا نوع نادِر من البشر ولازم نحافظ عليك، ونخاف عليك. تلات اربع كلامك عن إن الوالي مبسوط منك وخايف عليك؛ عاوزني اعرف منين إنك مضايق؟ وعاوزني كمان اعرف إيه اللي مضايقك؟ هو أنا باضرب الودع ولا بافتح كوتشينة؟ كنت بتتكلم وانت مبسوط، ما حستش في صوتك ريحة الزعل لكن ازَّاي؟ ازَّاي ليلة واحدة تمر من غير زعل، لازم تنكد عليَّ كل ليلة، لازم تخلق حاجة تزعَّل عشان تتحجِّج وتدِّيني ضهرك، اللعبة ما بقتش تنطلي عليَّ يا فهيم، ما تقولها كده بصراحة وشجاعة انك بتحبِّ واحدة تانية. انت فاكرني مش عارفة؟ أنا عارفة كل حاجة والناس كلها بتيجي تقوللي.
د. فهيم (في ذُعر) : إيه الكلام اللي انت بتقوليه ده يا تفيدة؟
تفيدة : ده مش كلام، دي حقيقة، الناس كلها عارفاها مش أنا بس.
د. فهيم (في قلق) : عارفة إيه؟
تفيدة : اعمل نفسك مش عارف حاجة، مثِّل عليَّ دور آخِر من يعلم، لكن أنا خلاص استحملت كتير وسمعت كتير، وكل مرة أقول بلاش أقولك، كلام الناس كتير وما يسبوش حد في حاله، خصوصًا لما يكون واحد زيَّك ناجح وواصل والوالي راضي عنه، كل الناس بتحقد عليه، وقلت يمكن الستَّات غيرانين لأنك متجوز واحدة ستِّ راقية من عيلة كبيرة وعوزين يوقَّعوا بيني وبينك، قلت لنفسي حاجات واستحملت، لكن أنا خلاص عرفت.
عرفت انك مش ممكن تكون بتحبِّني زي الأول، طول النهار برة البيت ولما تيجي البيت تبقى مش طايق تقعد معايا قعدة هادية ورايقة، لازم تعكَّر الجو بأي حاجة بأي كلمة. وامبارح تقولي شكلي وِحش في الباروكة الجديدة؟! طبعًا بقيت وحشة بالنسبة للست الدكتورة!
د. فهيم : مين دي؟
تفيدة : ذات الشعر اللي مالوش وصف، بيقولوا إن شعرها مقصوص زي الرجالة ومشيتها زي الرجالة ورجليها معوجة ومقفعة وبالبلا!
د. فهيم : تقصدي مين بالكلام ده؟
تفيدة : لكن الحب وحش، الحب أعمى. والغريبة إنهم مش عارفين مين اللي بيحب التاني؛ إنت اللي بتحبها ولا هي اللي بتحبك.
د. فهيم : مين هي دي اللي انتي تقصديها؟!
تفيدة : الست الدكتورة اللي انت سيِّبْتها شغلها في المصنع وعملتها قال إيه؟ سكرتيرة خاصة، خاصة قوي!
د. فهيم : دكتورة نادرة؟ تقصدي الدكتورة نادرة؟!
تفيدة (تُصفِّق في سخرية) : برافو! ازَّاي عرفت اسمها؟
د. فهيم : اعقلي يا تفيدة خلِّي في مخك شوية عقل؛ د. نادرة كانت تلميذتي، ودي إنسانة طيبة وشغالة ومن عيلة مكافحة ولها تقاليد. انت ما تعرفيش العائلات المكافحة دي تقاليدها ازَّاي، مش زي العائلات اللي من الطبقة الراقية بتاعتك؛ البنت في الطبقة دي حياتها كلها تنهدم لو سُمعتها ساءت. نادرة بنت شغالة ومُخلصة في شُغلها عشان كده أنا جبتها معايا في المكتب. بتشيل عنِّي شغل كثير، بتموِّت نفسها في الشغل. وهي تلميذة في الطب كانت بتشتغل بعد الضهر علشان تدفع مصاريف الكلية، كانت تلميذتي واعرفها كويس واعرف أخلاقها، حرام عليكي يا تفيدة ما تسوَّئيش سُمعة البنت، أنا عارفك لما تِدبئي واحدة. فاكرة مدام علية اللي طفشتيها من البلد كلها عشان اتهيَّأ لك انها كانت بتبص لي؟
تفيدة : ما هي كانت بتبص لك، وانت كنت بتشجعها. عاوز تنكر؟
د. فهيم : يا تفيدة بلاش نفتح المواضيع دي، احنا متجوزين بقه لنا عشرين سنة وعندنا ولد شاب في كلية الطب، عيب! عيب تفضلي تتكلمي كده زي بنت صغيرة، انتي كبرتي يا تفيدة على الكلام ده!
تفيدة : كبرت؟ كبرت يعني إيه يا فهيم؟ أنا كبرت؟ شوف كلامك اللي زي الطوب! طبعًا كبرت بالنسبة للبنت الكتكوتة اللي عندك في المكتب.
د. فهيم : أووه!
تفيدة (تقلد صوته) : حرام عليك يا تفيدة ما تسوئيش سمعة البنت. مين اللي قال إنها بنت؟ ومين اللي قال إن سُمعتها نضيفة قوي! مش هي دي اللي هربت من أهلها عشان تتجوز عامل في المصنع، ويا ريته كان جواز! بقى يا أستاذ فهيم تبص لواحدة بالشكل ده؟! طب نقي حاجة كويسة تستاهل!
د. فهيم (غاضبًا) : اقفلي يا تفيدة الموضوع ده أحسن لك!
تفيدة (تهدأ) : تقصد إيه؟ مالك زعلت كده؟
د. فهيم (غاضبًا) : سيبيني لوحدي خالص، مش عاوز اسمع صوت، أنا تعبان وطول النهار باشتغل، ستين حاجة في دماغي، ستين مشكل، بلاوي متلتلة فوق دماغي (تفيدة تُغادِر السرير وتسير نحو الباب ببطء).
فهيم (يكلم نفسه) : وكمان زادت البلوى دي، الميكروب ده اللي جه المصنع؛ مشكلة كبيرة مش عارف لها حل، واضطريت أكدب على كل الناس، حتى على شرف الدين.
تفيدة (بصوت مُنخفض تُكلم نفسها) : ما هو أصل الكدب في دمك، إذا كنت بتكدب عليَّ أنا مش عاوز تكدب على الناس الغُرب، أنا اللي عشت معاك عشرين سنة، وكل ليلة (تمسح دموعها) وكل ليلة، كنت بتكدب عليَّ واحنا مع بعض، واحنا سوا في سرير واحد، اخص عليك يا فهيم، يا خاين يا غدَّار ياللي مطمرش فيك العيش والملح.
د. فهيم (بصوت هادئ) : يا تفيدة اعقلي، خلِّي الليلة تفوت على خير، خلينا عايشين زي ما كنا عايشين. بقول لك أعصابي تعبانة ومش مستحمل عكننة، وبلاش حكاية الكدب دي أرجوكي لأنك عارفة مين اللي كدب على التاني، أنا ولا أنتي، نسيتي حكاية … فاكرة أما … (يسكت لحظة) على العموم أنا نسيت وقلت عشان الولاد نعيش، مفيش داعي نمرمط الولاد بينَّا، خلينا عايشين يا تفيدة (تمسح دموعها وتخرج).

(فهيم وحده يُمسك رأسه بيده يكلِّم نفسه.)

فهيم : يا رب، أنا تعبان، دماغي! مش ناقص تعب.

(يفكر لحظة في صمت.)

لو كان واحد تاني غير شرف الدين كانت بقت المسألة أسهل، إنما شرف الدين! حيقول إيه عليَّ لو عرف إني … لو كان يقدر يفهم كنت شرحت له موقفي، لكن ده لا يمكن يفهم، لا يمكن يتصور إني ممكن أضعف، إني زي أي بني آدم تاني. كان بيبص لي على إني إله، وأنا اللي كنت باشجَّعه على كده، كان بيرضيني إني أحس إني إله، أنا اللي رسَّبت الفكرة دي في نفسه؛ إني واحد تاني غير الناس، ماقدرش، ماقدرش أنزعها منه دلوقت، ماقدرش أنزعها منه بسهولة، بس لو كان واحد تاني غير شرف الدين، كانت المسألة بقت أسهل.

(يمسك رأسه.)

(ظلام.)

المشهد الثالث

(د. شرف الدين راقد على السرير بحُجرته بالمصنع يلفِظ أنفاسه الأخيرة وإلى جواره التمورجي.)

(شُهدِي يُحاول أن يُسعفه.)

شُهدِي : دكتور شرف الدين، يا نهار اسود! أعمل إيه بس؟ أنا مانيش دكتور، أسعفه ازَّاي بس؟ (يُقرِّب كوبًا من الماء من شفتَي شرف الدين. شرف الدين يفتح عينيه.)
شُهدِي : د. شرف الدين، أنا شُهدِي.
شرف الدين : شُهدِي، فين توفيق؟ اندهله.
شُهدِي : ندهلته، جاي حالًا في السكة، زمانه يوصل حالًا.
شرف الدين : لو جه توفيق وأنا ما كنتش … قوله يا شُهدِي شرف الدين بيقولك إنها الزرقا (يدخل توفيق مهرولًا مسرعًا).
توفيق : شرف الدين، مالك؟ هات كورماين يا شُهدِي بسرعة.

(يُعطيه حقنة.)

شرف الدين (بصعوبة) : د. فهيم كدب عليَّ يا توفيق، دلوقت بس عرفته، ازَّاي ما عرفتش قبل كده؟ عرفت دلوقت بس، عرفت متأخر قوي، خلاص الفرصة راحت يا توفيق، الأمل راح (يلفظ أنفاسه).
توفيق (في اضطراب) : لا يا شرف الدين، الأمل ما راحش، لسه فيه أمل، لسه فيه فرصة، هات كمان حقنة كورماين يا شُهدِي.

(شُهدِي يجري كالملسوع ويأتي بالحُقنة، توفيق يغرزها في ذراع شرف الدين.)

توفيق : شرف الدين اصحى، اصحى يا شرف الدين، لسه فيه فرصة، لسه فيه أمل، يا شُهدِي هات كمان حقنة.

(شُهدِي يجري ويأتي بحُقنة أخرى.)

توفيق : شرف الدين، اسمعني، قاوِم الموت يا شرف الدين زي ما كنت بتقاوِم كل حاجة. قاوم ما تستسلمش. عمرك ما استسلمت. قاوم يا شرف الدين، فيه فرصة، فيه أمل، مش ممكن تموت، مش ممكن الملاك يا ناس هو اللي يموت.

(توفيق يلقي الحُقنة على الأرض فتنكسِر ويبكي.)

(شُهدِي يُغطِّي جسم شرف الدين الميِّت وهو ينظر إليه في ذهول وحزن شديدين.)

توفيق : شرف الدين مات يا شُهدِي، شيله، شيله على كتافك، الملاك اللي رفض إنه يبات ليلة واحدة خارج المصنع، كان بيسهر عليكم ويشيلكم واحد ورا واحد. شيله يا شُهدِي في عينك، شرف الدين كان مؤمن، كان مؤمن بشيء غير موجود وعمره ما فقد إيمانه، حتى كلامي اللي زي السم ما أثرشي فيه، كان عايش في وَهم، الدكتور فهيم ما يكدبش، مفيش زرقا يعني مفيش زرقا، والزرقا عمَّالة تنهش في لحم العُمَّال، والزرقا عايشة في المصنع، عايشة وعمَّالة تكبر وتترعرع، الميكروب عايش ويترعرع والملاك الطاهر مات، ربنا رحمه واستريَّح، شرف الدين استريح يا شُهدِي، وعاش كمان مستريح، كان مصدق إن فيه خير في الدنيا دي وإن د. فهيم بيقول الحق، وشرف الدين مات واستريح، إنما أنا … أنا اللي عايش وتعبان، أنا اللي مش مؤمن بحاجة خالص؛ دنيا وحشه وكلهم كدابين، كلهم كدابين، والصادق النهارده بكرة يكدب لمَّا الظروف تتغيَّر، والشجاع النهارده بكرة لما يقف قصاد الأكبر منه يبقى أرنب، أنا مش مؤمن بحاجة يا شُهدِي، مش مؤمن حتى بنفسي، أنا جبان، أنا عارف إنها الزرقا وساكت، أيوه ساكت ومقدرش أقول. اشمعنى انا دونًا عن الكل اللي اقول؛ عاوز ولادي يا شُهدِي يعيشوا وياكلوا ويروحوا المدارس. ولادي هم السبب يا شُهدِي! هم السبب، يمكن لو مكانشي عندي أولاد يمكن كنت أقول، لكن برضه ما اعرفش، أنا باخاف يا شُهدِي، أنا جبان يا شُهدِي (يبكي).

(شُهدِي يواسيه.)

شُهدِي : ما تعملش في نفسك كده يا دكتور توفيق.
توفيق : دي كانت آخر فرصة يا شُهدِي، كان آخر أمل، خلاص الفرصة راحت، الأمل راح.
شُهدِي (في عزم) : لأ ما راحش، الأمل ما راحش ولسه فيه فرصة طول ما احنا عايشين، طول ما فينا نفَس فيه فرصة وفيه أمل. فيه! فيه!

المشهد الرابع

(شهدي راقد على الأرض في زنزانته. السجان يضربه السوط.)

شُهدِي (يصيح) : فيه!
السجان (يضربه) : مفيش!
شُهدِي : فيه!
السجان : مفيش!

(يستريح السجَّان قليلًا من الضرب، يُجفِّف عرقه يُمسك ذراعه الذي آلَمه من رفع السَّوط والضرب مدَّة طويلة.)

السجَّان : آه يا دراعي، دراعي انخلع من الضرب وانت لسه ما حسِّتش؟ قول مفيش زرقا.
شُهدِي : فيه زرقا.
السجان : قول مفيش.
شُهدِي : فيه.

(السجان يبدأ بضربه مرة أخرى.)

السجَّان : مفيش.
شُهدِي : فيه.
السجَّان : مفيش.
شُهدِي : فيه.

(يستريح السجان قليلًا، يجفف عرقه، يُدلِّك ذراعه من التعب.)

السجان (في غضب) : انت إيه؟ انت مش بني آدم ولا إيه؟ والله والله العظيم لو كان بغْل كان حس.
شُهدِي (بصوت مُتعَب جدًّا) : أصل أنا مانيش بغل، أنا شُهدِي، أنا إنسان، عشت وسط الناس في المصنع، كنت بشيلهم على إيديا دول، كنت بحس جسمهم وهو سُخن زي النار وبعدين يبرد ويتلِّج زي حتة اللحمة، شِيلتهم بإيديا دول وشيلت عيالهم، شيلتهم بإيديا وشُفتهم بعيني؛ كنت اشوف العيِّل من دول ينبش في صفيحة الزبالة زي الكلب عشان يِعتَر في عضمة، على لقمة بايتة ومعفنة، على شوية رز فضلوا من الجيران ورمُوهم في الزبالة. وشفت الدكتور شرف الدين، كان زي الشُّعلة المنورة، يروح ويجي ويكلم كل واحد ويضحك، تمام شبه الدكتورة نادرة. يا ترى انت فين يا نادرة؟!

(السجان يضربه بالسوط.)

السجان : قول مفيش زرقا.
شُهدِي : فيه.
السجان : مفيش.
شُهدِي : فيه.

(السجان يستريح ويبصق عليه ويتركه قليلًا.)

السجان : أقسم بشرفي لو بغل كان حس.
شُهدِي : أيوه، لو كنت بغل ما كنتش حسيتهم بإيديا دول وشفتهم بعينيَّ دول. أعمل إيه؟ ذنبي إيه؟ أنا بني آدم، ليَّ إيدين بتحس وليَّ عينين بتشوف.

(السجان يلسعه بالسوط.)

السجان : بني آدم إيه؟ لو كنت بني آدم كنت حسيت لسعة الكرباج ده!
شُهدِي : لسعة الكرباج مش بتوجع زي لسعة الألم والجوع، مش بتوجع زي لسعة عنين على يتيم بيدوَّر على لقمة في التراب!
السجان : دراعي انخلع ودمَّك ساح على الأرض ولسه مش عاوز تسمع الكلام! شايف اللي على الأرض ده؟ ده دمك بص شوفه.
شُهدِي (يتحسَّس جسمه) : ده دمي ده، مش عارف إنه دمي، حتى جسمي ما بقتش حاسس بيه، اضرب زي ما انت عاوز؛ خلاص أنا مش حاسِس بجسمي.

(السجان يضربه بشدة.)

السجان : قول مفيش زرقا.
شُهدِي : فيه زرقا.
السجان : مفيش.
شُهدِي : فيه، فيه، فيه.
(يصرخ وهو يقول بجنون): فيه، فيه!

(ظلام.)

(يُسمع فقط صوت السوط وهو يضرب وصوت شُهدِي يئن بضَعف ويقول مُردِّدًا بصوتٍ خافت جدًّا: «فيه، فيه، فيه.» صوته يخفُت تدريجيًّا دون أن ينقطع.)

المشهد الخامس

(شُهدِي راقد في حالة سيئة على الأرض في الزنزانة السابقة، يفتح فمه بصعوبة ويقول بصوتٍ خافِت ضعيف جدًّا.)

شُهدِي : فيه، فيه يا دكتورة نادرة.

(دكتورة نادرة واقفة إلى جواره تنظُر إليه في ألمٍ وذهول.)

شُهدِي : فيه يا د. نادرة، بقى لي زمان بدوَّر عليكي يا د. نادرة، كتَّر خيرك اللي تعبتي نفسك وجيتي لغاية هنا، لكن أعمل إيه يا د. نادرة، ما حدِّش راضي يجيب رباط شاش محدِّش سائل عنِّي، عشان كده سألت عليكي وقلت لهم يدوَّروا عليكي؛ انت الوحيدة اللي حتقدري … حتقدري تعرفي ازَّاي لما الجرح يبقى مفتوح لازم يتربِط برباط شاش، انت اللي حتقدري تجيبيلي رباط شاش أربط دراعي، الجرح مفتوح والدود بياكل فيه وما حدِّش راضي يجيب لي رباط شاش، خايفين يجيبوه أقوم ألفه حوالي رقبتي وأموِّت نفسي. قولي لهم يا د. نادرة شُهدِي مش مُمكن يموِّت نفسه، شُهدِي مش مُمكن ينتحِر، لو كان عاوز كان موِّت نفسه من زمان. انت عارفاني يا د. نادرة عارفاني، عارفة ازَّاي أنا عاوز اعيش، عاوز اعيش عشان ارجع المصنع، عشان ارجع واقول للعُمَّال إن فيه زرقا، فيه، فيه، يا د. نادرة فيه.

(د. نادرة واقفة جامدة كالتمثال تنظُر حولها في ذهولٍ وألم وحُزن وغضب.)

د. نادرة (صوتها يُعبِّر عن كل هذه الانفعالات) : ازَّاي؟! ازَّاي ده حصل؟! ازاي قدر يسكت ولا يقولش؟! ازاي قدر ما يقولش؟ الدكتور فهيم؟! ازاي قدر يسكت؟ ازاي؟!

المشهد السادس

(في مكتب د. فهيم الفاخر.)

(د. نادرة واقفة أمام د. فهيم. فهيم جالس يبدو عليه التَّعب والانكسار.)

د. نادرة (نفس صوتها السابق) : ازَّاي؟! ازَّاي قدرت تسكت؟! ازَّاي ما قلتش؟
د. فهيم (بصوت منكسِر) : كان شيء فوق طاقتي يا نادرة، ما تتصوريش لما شرف الدين مات أنا حزنت أد إيه.
نادرة : شرف الدين؟! بس شرف الدين اللي انت حزنت عليه، بس شرف الدين اللي انت بتفكر فيه، لأنه شرف الدين، لأنه التلميذ اللي كان بيبص لك على إنك فوق فوق، التلميذ اللي كانت عينيه تلمع من الفرَح لما يشوفك ويبص لك على إنك إله، كنت بتحب شرف الدين لأنه كان بيعبدك، كنت بتحب عبادته ليك، كنت بتحب إيمانه بيك، بتحب «الأنا» بتاعتك فيه، لكن عمرك ما حبيته هو؛ وعشان كده قدرت ترميه للموت لما خفت، لمَّا المسألة بقت أنا ولا هو، اخترت «الأنا» بتاعتك وكنت دايمًا تختار «الأنا» بتاعتك، عمرك ما اخترت حد غير الدكتور فهيم.
د. فهيم : أرجوكي يا نادرة حاولي تقدَّري موقفي، موقفي كان صعب، صعب جدًّا. لو كنتي مكاني يا نادرة كنت حتعملي إيه؟
نادرة : كنت لازم أقول، لازم أقول! وحاقول. ماقدرش ما قولش، ماقدرش! أنا غيرك يا د. فهيم، انت قدرت تسكت، إنما انا ماقدرش.
د. فهيم : يمكن بعد عشر سنين يا نادرة لما تبقي في سنِّي يمكن تقدري تفهمي موقفي، فيه حاجات في الدنيا يا نادرة انت لسه ما تعرفيهاش، احتياجات كثيرة بتتولد في حياة الإنسان لما يكبر، أنا سكِت عشان الولاد يا نادرة، يمكن لو جرَّبتي إنك تكوني أب أو أُم يمكن تعرفي. أنا خفت مش على نفسي، لو كانت نفسي كانت المسألة سهلة، لكن الولاد، تصوَّري لو كنتي أم وجت قوى كبيرة أقوى منك عاوزة تحرِمك من طفلك وتحرم طفلك منك! أم أو أب؛ شعور الأب زي شعور الأم واكتر، وخصوصًا لما يحس بإنه مُهدَّد، فيه حاجات في الدنيا يا نادرة لسه حتعرفيها، لما تبقي أم حتِقدري تعرفيها وتُعذريني.
د. نادرة : مين قالك إني ما كنتش أم؟ أنا كنت أم من ١٨ سنة، كنت تلميذة في آخر سنة في ثانوي، فتحت عيني لقيت نفسي نايمة على مرتبة قديمة في أوده بلاط، ما كنش معايا محمود، كان في المصنع، بصيت جنبي لقيت طفل صغير قوي ومد إيده الصغيرة، صوابعه كانت صغيرة قوي، لكنها كانت تشبه صوابعي، ومديت إيدي عشان امسكه، بصيت لقيت إيده لفِّت حوالين صباعي ومسكته قوي قوي، حطيته في صدري وبصيت في وشه، وشه كان أسمر محمر، وعينيه كانت مدوَّرة والنني كبير، وبيلمع، بيلمع، زي فص الألماز، كنت عاوزة محمود يرجع بسرعة من المصنع عشان يشوفه، لكن محمود ما رجعش، وسمعت من زمايله في المصنع إنه مات بالزرقا، كنت لسه صغيرة، سبعتاشر سنة، وهربانة من كل الناس، وهربانة من أبويا وأمي وكل الناس؛ كانوا عاوزين يمسكوني ويحطوني في القفص، لكن أنا هربت، أخدت شنطة هدومي الصغيرة وهربت في نص الليل وهم نايمين، ومشيت لوحدي في الشارع الطويل الضلمة. كانت الدنيا مطر وبرد والدنيا ضلمة، في لحظة خُفت، ووقفت، وفكرت ادوَّر وارجع، كان الطريق قُدَّامي طويل وضلمة وفي كل ركن شبح واقف يتربص، وقفت في وسط الطريق وحركت قدمي عشان ادوَّر وارجع، قلت لنفسي لحظتها: القفص أرحم، السجن برضه فيه أمان عن الدنيا الضلمة الواسعة، السجن له أربع حيطان تحميني وتخبيني. لكن ماقدرتش ارجع؛ كان فيه حاجة غريبة بتزقني لقُدَّام، حاجة غريبة لا إرادية زي القدر، أبدًا ما كانش القدر، أبدًا ما كانش حاجة لا إرادية، ما حدِّش ضربني على إيدي وقالي اهربي، كنت ماشية على رجليه بإرادتي، كنت عارفة إني رايحة للأوده البلاط والمرتبة القديمة والشبَّاك المكسور بتبص منه عنين الناس، وألسنة الناس وإيدين الناس حتنهش فيَّ زي حتة لحمة، لكن ما قدرتش ارجع، كان فيه حاجة بتزقني لقُدَّام؛ حاجة أقوى من الإرادة، حاجة أقوى من الحب والجنس. في الليلة دي بالذات ما نمناش سوا، في الليلة دي بالذات ماكنتش عاوزة محمود، كنت عاوزة اهرب من القفص، قفص المجتمع المُزيف، التقاليد المزيفة، والشرف المزيف، والحب المزيف، والكلام المزيف، والوجوه المزيفة، والزواق الكدب. كنت عاوزة اهرب واحرَّر نفسي، كانت أصعب لحظة في حياتي، دُست عليها بقدمي ومشيت عليها ومشيت. كان مُمكن في كل خطوة اقف وادوَّر وارجع؛ أرجع لأبويا ولأمي ولبيتنا الدافي واتجوِّز ابن عمي زكريا تاجر الموبليات الغني وأجيب جهاز وعيال وأعيش زي الناس ما هُمَّا عايشين، لكن مارجعتش، كنت شايفة الطريق قُدَّامي ضلمة وطويل وصعب لكن مارجعتش، دست على قدمي ومشيت، دست على أصعب لحظة ومشيت. فيه ناس ما تقدرش تدوس على اللحظة دي وتمشي، تفضل واقفة عندها، ماسكة فيها وخايفة، متبِّتة فيها وخايفة، يفضلوا أسرى اللحظة دي، اللحظة هي اللي تمسكهم وتأسرهم وتدوس عليهم ويفضلوا واقفين، الدنيا من حواليهم تمشي والزمن يمشي وهم واقفين في مكانهم عند اللحظة دي، دايساهم، حبساهم زي الفيران في القفص. دي اللحظة اللي حرَّرتني، لا أبدًا، ما كنش برضه هي دي، دي كانت تيجي نقطة تانية، لحظة بس، أول خطوة على الطريق، كانت نقطة البداية وبعد كده تيجي نقطة تانية، لحظة تانية وتالتة، خطوة ورا خطوة نقطة فوق نقطة، لغاية ما الدورق يتمِلي، طريق طويل، وكل لحظة فيه صعبة وطويلة زي الدهر، تخلي جدور الشعر تقف والشعر يشيب والعمر يتملي ويكبر وإن ما فاتش فيه كتير، عدد اللحظات دي هي اللي بتعمل العمر مش عدد السنين. لحظة ورا لحظة بالتدريج، لحظة ورا لحظة بالتدريج زي المية على النار تسخن شوية شوية وبعدين تيجي لحظة تغلي وما تبقاش ميه؛ تبقى بخار، كذلك الإنسان لحظة تتراكم على لحظة على لحظة تراكم كمي بالتدريج، وبعدين تيجي لحظة يتغير النوع، يفتح الواحد عينه يحس إنه بقى واحد تاني، إنسان جديد، غير الأولاني، يفتح دراعاته ويحس إنه يقدر يحضُن الهوا والسما والدنيا والناس، يحس إنه يقدر يحضن كل الناس، يفتح دراعاته عن آخرها ويحس إنه مالك الدنيا، مالك كل لحظة في عمره، مالك كل حتة في نفسه، مالك نفسه ومالك جسمه ومالك عضلات وشه، يقدر يفتح بُقه ويضحك ويقهقه بصوت عالي، يقدر يفتح بُقه ويقول اللي هو عاوزه. صوت يخرج لوحده طبيعي بدون مجهود ويقول: فيه زرقا، أيوه فيه زرقا. شوف أنا بقولها سهلة ازَّاي؟ سهلة عليَّ، طبيعية زي الهوا ما بيدخل جُوَّه الصدر ويطلع. ازَّاي كانت صعبة عليك؟! ازَّاي ما قدرتش تقولها؟ ازَّاي؟!
د. فهيم : ما قدرتش أقولها يا نادرة؛ كانت صعبة عليَّ، أصعب حاجة قابلتها في حياتي، أصعب حاجة.
نادرة : لأنك ما عِشتش لحظة أصعب منها، لأنك ما مشتش في الطريق الصعب. مش كل واحد يقدر يمشي فيه، فيه ناس بتاخد الطريق السهل القصير، بتبقى مستعجلة تزُق غيرها وتبقى عاوزة توصل، عاوزة تنجح، عاوزة، عاوزة، عاوزة … العوزان النهم، أنا عاوز أنا أريد، أنا أريد … الإرادة الجشِعة السريعة. المسألة مش إرادة بس، المسألة مش أنا أريد، المسألة مش أنا عاوز، فيه ناس بتعوز تاكل وغيرها يجوع، فيه ناس إرادتها حديد؛ تقتل عشان تملا بطنها وغيرها يجوع. المسألة أكبر من الإرادة واللاإرادة، وأصعب من الإرادة أو اللاإرادة. المسألة ازَّاي الإنسان يمشي في الطريق الصعب لحظة ورا لحظة ورا لحظة ويحرَّر نفسه، يحرَّر نفسه من جُوَّه ذاته ويخليها تخرُج برَّه جِسمه وتحس غيره، يحررها من «الأنا» ويحس غيره زي ما تحس جسمه! ويبقى في الوقت ده يعوز غيره ياكل زي ما بياكل، يبقى ممكن يقتل عشان غيره ياكل زي ما هو بياكل. من أربع سنين بس مريت باللحظة دي؛ كان عندي نوبتشية حوادث في المصنع وخرجت راجعة بيتي قبل الفجر بشوية صغيرين، كانت الدنيا شِتا ومطر ومالقتش حاجة اركبها فمشيت. وأنا بعدِّي كوبري عباس شُفت حاجة صغيرة ملفوفة ومحطوطة على الرصيف، وقفت وبصيت شُفت إيد صغيرة وصوابعها صغيرة، مديت إيدي بصيت لقيت الصوابع الصغيرة بتلفِّ حوالين صُباعي وتمسِكه قوي قوي، حطِّيته في صدري وبصيت في وشه، وشه كان أسمر ومحمر وعينه كانت مدوَّرة والنِّني كبير وبيلمع، بيلمع زي فصِّ الألماز. حسيت إنه ابني، أنا اللي ولدته اتولد من صلبي أنا، ولدته فين أو إمتى معرفشي! لكن أنا اللي ولدته، عمرك ما جالك الإحساس ده؟ عمرك ما وقفت العربية بتاعتك على كوبري عباس وبصيت؟ لو كنت وقفت مرَّة لو كنت بصيت مرة يمكن كنت عرفت، يمكن كنت عرفت إن كل الأطفال بيتولدوا شكل بعض، كل الناس بيتولدوا زي بعض، لكن بعد كده بيختلفوا؛ ينقسموا نوعين: نوع بيدور على الطريق الصعب ويمشي فيه ويعرف الألم ونوع يدور على الطريق السهل ويهرب من الألم وما يعرفوش. الألم ده هو الإنسان، نفس الإنسان، القوة، الروح، الإله اللي جُوَّه الإنسان، هو الفرق بين إنسان وإنسان، فرق رفيع وشفاف، أحيانًا ما ينشافش ويفوت علينا، يفوت زي الشعرة في العجين بتفوت.
د. فهيم (بصوت مُتأثر) : أنا فعلًا يا نادرة عمري ما عرفت الألم، كنت باجي لغاية عنده واهرَب. حياتي كلها كانت سهلة، أبويا علمني وصرف عليَّا في كلية الطب، كنت ارجع ألاقي عشاي جاهز وسريري جاهز وأودتي نضيفة، كان عندي كل حاجة، عمري ما عرفت يعني إيه واحد يجوع، وبقيت دكتور وأستاذ طب. ما عرفش كل حاجة كانت سهلة ازَّاي؛ عشان كده كان متهيَّأ لي إن كل حاجة سهلة والدنيا مافيهاش ألم. حتى لما كنت بسأل العيَّان وأقولُّه فين الألم يا ابويا؟ ويشاور على صدره أو بطنه، أحط إيدي على جسمه وما احسش بالألم. وأنا صغير لمَّا كانوا يغرزوا في دراعي حقنة التطعيم كنت اصرُخ من الألم، وفضلت طول عمري اكره آخُد الحُقَن. أصعب ألم شُفته في جسمي هو إبرة التطعيم، لكن لما كنت أغرز الحقنة في دراع العيَّان ويشد إيده أستغرب ليه بيشدها، وأقول له ما تشدِّش إيدك وخليك شُجاع وخليك راجل، مع إني كنت عارف بعقلي كطبيب ازَّاي الجسم يتألم، لكن ما كنتش عارف بإحساسي يعني إيه ألم، العقل سهل يعرف ويتمِلي معلومات عن أكبر المُعضلات اللي في الدنيا والعلوم، سهل إن العقل يتعلم، لكن الإحساس! أصعب حاجة إن الإحساس يتعلم. ذنبي إيه يا نادرة؟ ذنبي إنه ظروفي كانت سهلة وكويسة؟ ذنبي إيه؟
نادرة : كنت لازم تقلق وتدور، كنت لازم تقلق وتحس بنقص، اللي عمره ما اتألم ويكون إنسان لازم يحس إنه صغير ووحيد وقلقان، لازم يحس إن حياته ناقصة وحاجة في حياته ناقصاه، حاجة في حياته ضايعة ومش لاقيها، حاجة مُهمة خالص مش لاقيها، ما يحسِّش طعم الأكل ولا الشُّرب ولا النوم ولا الجنس وكل حاجة تبقى من غير طعم زي المية الفاترة. فيه ناس تعيش وتسكت وترضى بالعيشة الناقصة وتقول أدي احنا عايشين، وفيه ناس تقلق وتدور على الحاجة الضايعة، وتفضل تلف وتدور وتدور زي الأسد المحبوس جوه القفص، يفضل يدور ويدور ويدور، يفضل حاسس إنه وحيد، وإن حواليه سور بيعزله عن غيره، سور تِخين وهو جوَّاه وحيد محبوس مخنوق. يفضَّل يدور ويموت وهو بيدور عن إنه يقعد جوَّه القفص. فيه ناس تموت وهي تدور عن إنها تفضل وحيدة محبوسة لوحدها جوَّه «الأنا» لكن إذا ما ماتتش، إذا قِدرت تكسر الباب وتخرج برَّة «الأنا» حتلاقي أغلى حاجة في الدنيا؛ حتلاقي نفسها.
د. فهيم (يقترب من نادرة في حب) : دلوقتِ بس فهِمتك، دلوقتِ بس عرفت ليه أنا كنت بحبِّك، ليه دُونًا عن كل طالبات الكلية، دونًا عن كل البنات والستات كنت بحبك. لما كنت ابص في عينيكي كنت باخاف، ما كنتش بعرَف أنا باخاف ليه، ولمَّا تمشي من قُدَّامي اضحك لنفسي واقول عبيط، ما هي واحدة زي كل الباقيين. لكن لما أشوفك من بعيد ابقى عاوزك تقرَّبي منِّي عشان اشوف عينيكي وابص فيها واعرف أنا باخاف من إيه، كنت عاوز أعرف أنا باخاف من إيه، كنت أستاذك وانت تلميذة، تلميذة مبهدلة؛ شعرها منكوش وفستانها قديم وجزمتها كعبها متَّاكل ومعوج، ولما تمشي من قدامي أضحك لنفسي وأقول عبيط، لكن لما ألمحك من بعيد أبقى نفسي تقرَّبي عشان اشوف عينيكي وابص فيها واعرف ليه أنا باخاف. دلوقت بس عرفت إني كنت بخاف من نفسك، نفسك دي اللي لقيتيها بعد ما مشيتي مشوار طويل وقطعتي الطريق، نفسك دي اللي لقيتيها وماسكاها بإيديكي واسنانك ومتبِّتة فيها ومش ممكن تخسريها، نفسك دي اللي كنت باشوفها جوَّه عينيكي من جوَّه ومقدَرش امسكها، أمسك إيدك وماقدرش أمسكها، أمسك جسمك كله بين إيديا ومقدرش أمسكها. فاكرة الليلة الوحيدة اللي مضناها سوا، ما تتصوريش يا نادرة أنا الليلة دي حسيت بإيه، حسيت إنك بتدِّيني كل حاجة، كل حاجة في جسمك إلَّا نفسك، حسيت ليلتها إنك غالية قوي، نفسك غالية قوي، مش ممكن أقدر آخدها، ما حدِّش يقدر يأخُدها، بأي تمن، أغلى من أي تمن، أغلى من إنها تتشري أو تتباع بالعملة المتداولة في عالمنا، العملة اللي بتحسِب واحد + واحد = اتنين. وخُفت يا نادرة، لقيت الطريق لك صعب وغالي، واستسهلت واسترخصت؛ اشتريت تفيدة بكل فلوسي وخُفت اتجوزك، عاوز مراتي تكون أنيقة ومن عيلة وراقية وأبوها مركزه كبير مش عامل في المصنع. سامحيني أنا عرفت دلوقت بس، أنا فهمت دلوقت بس، أنا اتعلِّمت دلوقت بس. صحيح اتأخَّرت في التعليم، بعد ما كبرت وشِبت وبقيت أستاذ كبير، اتعلِّمت دلوقت بس وتلميذتي هي اللي علمتني. (يركع عندها) سامحيني يا نادرة لأن أنا اللي خسرت مش انت، أنا خسرت نفسي، وعشرين سنة من عمري (يبكي).

المشهد السابع

(نفس المنظر السابق.)

(د. فهيم جالس، يقف أمامه د. توفيق.)

د. فهيم : بتقول إيه يا توفيق؟
د. توفيق : التمورجي شُهدِي يا فندم مستمر في إضرابه عن الأكل، مش عارف طالعة في دماغه حكاية الزرقا دي، مش راضي يبطَّل ليل نهار يقول فيه زرقا، لا نافع فيه تخويف ولا نافع فيه ضرب؛ باين عليه مسكين فقد عقله.
د. فهيم (بصوت هادئ جدًّا) : لا يا توفيق، شُهدِي ما فقدش عقله، احنا اللي فقدْنا إحساسنا، شُهدِي كنا بنشوفه تمورجي صغيَّر وهو في الحقيقة كان الإنسان، النفس، الروح، القوة، الإله، اللي جوَّه الإنسان. وأنا، أنا الأستاذ الدكتور فهيم كانوا بيشوفوني، إله مع إني في الحقيقة كنت صغير، كنت أسير، كنت عبد من العبيد. شُهدِي هو الحقيقة، شُهدِي بيقول الحقيقة، أيوه فيه زرقا، فيه زرقا يا توفيق (توفيق ينظر إليه مذهولًا).
توفيق (بصوت ذاهل) : د. فهيم اللي بيقول فيه زرقا؟ أنا مش مصدَّق وداني!
د. فهيم : لا صدَّق ودانك يا توفيق، أخيرًا الأستاذ الدكتور فهيم فهم واتعلم. التعليم اللي احنا بنتعلمه في المدارس والكليات والوظايف ده مش تعليم، دي كلها مُجرَّد معلومات بنحشي بيها مخنا زي الكوسة لما تنحشي بالرز، أو الكيس الدمُّور لما ينحشي بالقطن، مجرَّد حشو، ويفضل إحساسنا زي ما هو، إحساس جاهل غير متعلم، إحساس ما عندوش إحساس، ما بيحسش، ما بيحسش حاجة إلا جسمه، جسمه هو وبس، ما يحسش إلا الإبرة اللي بتغرز في جسمه، إنما الإبرة اللي تدخل في جسم غيره! السكاكين اللي تتقطع بيها أجسام الناس التانية هو ما يحسش بيها، طالما هي بعيدة عن جسمه.

(د. توفيق يُمسك رأسه ويبكي بصوتٍ مكتوم.)

د. فهيم : الكلام ده يا توفيق لازم يخليك تبتسِم وتضحك مش تبكي.
توفيق : أنا بابكي لأني أنا اللي عايش وباسمع الكلام ده، كان نفسي شرف الدين هو اللي كان عايش وهو اللي يسمعه، هو اللي بيسمعه من أستاذه الدكتور فهيم، أستاذه اللي صدَّقه وآمن بيه، آمن بيه لغاية آخر نفس، لغاية آخر لحظة من عمره.
د. فهيم : شرف الدين فهمني قبل ما أفهم أنا نفسي، شرف الدين حس بيَّ قبل ما أحس أنا بنفسي، شرف الدين سبقني. فيه ناس بتسبق يا توفيق، دايمًا فيه ناس بتسبق واحنا بنتعلم من اللي سبقونا، واللي جايين ورانا يتعلموا منا، هي دي الحياة يا توفيق، واحد ورا التاني، واحد ورا التاني، والإنسان هو اللي يسبق.

المشهد الأخير

(المسرح مُضاء جيِّدًا وخالٍ.)

(تدخُل من ناحية اليمين نادرة ومن خلفها يسير شُهدِي ثم شرف الدين ثم فهيم ثم توفيق ثم تفيدة ثم السجان ثم الوالي. يجتازون خشبته بهذا الترتيب؛ نادرة في المُقدِّمة والوالي في المؤخِّرة، حين تصِل تفيدة إلى مُنتصف المسرح يتقدَّم السجَّان خطوةً ويُمسك ذراعها ويسيران معًا. حين يصِل الوالي إلى منتصف خشبة المسرح يقِف ويستدير مُواجهًا الجمهور.)

الوالي : بقى أنا اللي دايمًا كنت امشي قُدَّامهم آجي على آخر الزمن امشي وراهم؟! أما مؤلِّف جاهل صحيح، مؤلِّف غبي غير عملي، ما يفهمش الأصول، ما يعرفش البرتوكول، المؤلف ده لازم يترفد، هاتوا لي المؤلِّف، هاتوه وارفدوه.
(النهاية)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠