الفصل العاشر

مصر في عهد المماليك الشراكسة

رأينا أن سيف الدين برقوق الوصي على العرش المصري في آخر عهد المماليك البحرية كان قد ضاق ذرعًا بما هي عليه الحالة في مصر من اضطراب وقلق في أواخر عهد البحريين، وأنه عزم على خلع الملك الطفل حاجي، وتغيير الوضع جذريًّا؛ لأن البلاد أصبحت في حالة يرثى لها من ثورة الأهلين، واضطراب أمر المماليك، وسوء الحالة الإدارية العامة؛ فلذلك جمع في آخر عام ٧٨٤ﻫ مجلسًا ضم الأمراء والوجوه والشيوخ في حضرة الخليفة العباس المتوكل على الله، وأعلن لهم أنه يجب وضع حد لهذه المهازل، وأن يتولى أمر مصر رجل قوي يستطيع حفظ البلاد وسد ثغورها، ويستقر أمنها وسلامها في الداخل، وترتفع رايتها في الخارج، فوافقوه على ذلك، وقبلوا به هو ليكون سلطانًا عليهم، وأقر الخليفة هذا القبول فبايعه، ثم تعاقبوا على مبايعته بالسلطنة، ولقبوه بالملك الظاهر، ولم يلبث طويلًا حتى اكتشف في سنة ٧٨٧ﻫ أن الخليفة يحاول خلعه وتولية أحد المماليك على عرش مصر؛ فتمكن من الخليفة، وأقصاه عن الخلافة، وسمَّى أخاه الواثق بالله في مكانه، ولم يلبث الواثق بالله أن مات في سنة ٧٨٨ﻫ فخلفه ابنه زكريا.

وعمد الملك الظاهر إلى أنصار الخليفة المتوكل عليه من الشيوخ والمماليك ففتك بهم حتى ضاق الناس به، ووقعت في البلاد عدة فتن؛ فمن ذلك أن الأمير يلبغا الناصري صاحب حلب والأمير منطاش صاحب ملاطية هاجما دمشق، ودحرا صاحبها الموالي للسلطان الملك الظاهر، واستوليا على المدينة، ثم زحفا على القاهرة، واضطر الملك الظاهر إلى الهرب واللجوء إلى الكرك، ودخل يلبغا القاهرة، وأعاد السلطان حاجي آخر المماليك البحرية إلى السلطنة في سنة ٧٩١ﻫ وأصبح هو صاحب الحول، أما منطاش فإنه لم يلبث أن ثار على يلبغا، والتفَّ حوله أتباع السلطان برقوق، ونشب قتال عنيف بين الطرفين انتهى بفوز أنصار منطاش، فسيطر هذا على الديار المصرية، وسعى في تنصيب نفسه سلطانًا، ولم يمنعه من ذلك إلا ما بلغه من أن برقوقًا ترك الكرك والتفَّت حوله جماهير من أهل الشام، فسار منطاش إلى الشام والتقى ببرقوق وجيوشه قرب غزة، وكانت الغلبة لبرقوق، ثم رجع إلى مصر وأحسن سياسته مع الرعية، وأعاد المتوكل على الله إلى الخلافة، وفي سنة ٧٩٤ﻫ كتب إليه السلطان قره يوسف صاحب العراقين أنه يقدم إليه مدينة تبريز، ففرح بذلك برقوق، وفوَّض إليه أن يفتتح ما يستطيع من البلاد الفارسية باسمه على أن يكون هو المتصرف بها، وفي سنة ٧٩٥ﻫ قدِم قره يوسف إلى مصر فارًّا من غزو تيمورلنك، ثم قدمت إليه رسل تيمورلنك تحمل رسائل التهديد والوعيد، فأخذ برقوق يعد العدة للقائه، ولكنه مرض في تلك الأثناء ومات في شوال سنة ٨٠١ﻫ/١٣٩٩م، وكان قبل موته قد عهد لابنه فرج، وأقام الأمير تغري بردي وصيًّا و«أتابكًا»، فلما مات اجتمع الأمراء ونصبوا فرجًا سلطانًا ولقبوه بالملك الناصر، ولكنه لم يستقر طويلًا حتى هاجم الأتراك العثمانيون بقيادة سلطانهم «بايزيد» مدينة ملاطية وما إليها من حدود المملكة الشمالية فاضطربت، وزاد من اضطرابها تلك الثورة الداخلية التي وقعت في دمشق وسائر المدن السورية، وأدت إلى خلع طاعة هذا الملك الفتى، ولكن الملك سار نحوهم بجيش قوي من مصر وفتك بزعماء الثورة، وفتك بصاحب دمشق، وأعاد البلاد إلى سلطنته، ولم يكد يستريح حتى فاجأته جماهير المغول بقيادة تيمورلنك زاحفة عليه بعد أن دمرت بغداد وسائر المشرق، ولقيت حلب وسائر المدن الشمالية من الويلات ما ذكرناه، وسار هو لإنقاذ الشام، والتقى الجيشان المصري والمغولي قرب دمشق، وانتهت المعركة باندحار الجيش المصري، ولقيت دمشق من الفظائع والحرائق ما تشيب لهوله الأطفال، ولم يتركها المغول حتى أضحت كومة رماد وجيف على ما بيناه آنفًا.

ثم توجه تيمورلنك إلى آسية الصغرى لقتال الأتراك العثمانيين؛ فأسر السلطان «بايزيد» في سنة ٨٠٤ﻫ في وقعة أنقرة، وبلغت أخبار هذه المعارك مسامع السلطان فرج فاضطرب لها جدًّا، ولم يلبث أن جاءه كتاب من تيمورلنك يطلب إليه فيه خضوعه، كما يطلب إليه تسليم أحمد بن أويس وقره يوسف، فرد على كتابه هذا بكتاب لطيف وبهدية جزيلة وأعلن خضوعه، ولكنه لم يقبل بتسليم أحمد بن أويس وقره يوسف باعتبارهما لاجئَين سياسيَّين، ولكنه وعد بأن يسجنهما، فقبل تيمورلنك، وكف بلاءه عن مصر، وهكذا استطاع فرج أن ينقذ القطر المصري من زحف الطاغية عليه وتهديمه كما فعل في العراق والشام.

وفي سنة ٨٠٦ﻫ هلك تيمورلنك وتخاصم أبناؤه، فاستطاع السلطان فرج أن ينجو من الخطر المغولي تمامًا، ثم أخذ يستعد لإنقاذ الشام منه، لكنه فوجئ بقيام المصريين عليه، وإعلانهم عدم رضاهم عن تصرفاته، وعمت البلاد ثورة عارمة انتهت بخلعه، وتنصيب أخيه عبد العزيز سلطانًا في سنة ٨٠٨ﻫ/١٤٠٥م، ولكن فرجًا استطاع أن يتغلب على خصومه، ويعود إلى الملك ثانية في أوائل سنة ٨٠٩ﻫ فسار بالناس سيرة حسنة، ولما أراد استرجاع الديار الشامية أعانوه على ذلك وتم له ما أراد، ولكن لم يلبث مماليك الشام أن أعلنوا عصيانهم وعلى رأسهم جمٌّ، فأعلن عصيانه على الشكل الذي أسلفنا تفصيله في القسم الماضي بتاريخ الشام.

وفي سنة ٨١٣ﻫ اتفق المملوك أبو النصر شيخ المحمودي مع الخليفة المستعين بالله على خلع السلطان فرج وإقامة الخليفة سلطانًا أيضًا، وأيدت العامة هذا الخلع لسوء سيرة فرج، وأذاع الخليفة بذلك منشورًا قال فيه: «من الإمام أبي الفضل المستعين بالله أمير المؤمنين إلى أهل مصر، اعلموا أننا قد خلعنا فرج بن برقوق عن سلطنة مصر والشام؛ لأن سيدهما الحقيقي إنما هو الخليفة خليفة رسول الله فويل لمن خالفه»، وأذيع هذا المنشور بين أنصار فرج وجنوده فتخلوا عنه، وحاول هو أن ينجو بنفسه فقُبض عليه، واقتيد إلى مجلس الخلافة، فحوكم وحُكم عليه بالقتل في سنة ٨١٥ﻫ/١٤١٢م، ثم أجمع القواد والأمراء والأعيان على تسمية الخليفة المستعين بالله سلطانًا وخليفة، فسار بالناس سيرة حسنة، وعمل على إصلاح الأحوال واكتساب قلوب الأمراء، واستبشر الناس به خيرًا؛ لأنهم أمَّلوا الخلاص من حكم المماليك الأجانب، وعودة الخلافة الإسلامية إلى عهدها، فسلم العرب زمام الأمر، ولكن المماليك أحسوا بالخطر وبخاصة الأمير شيخ المحمودي، فإنه أدرك مغبة هذا الأمر، وأخذ يسعى في الخفاء لإيقاع الخليفة في أشراك دسائسه مستعينًا على ذلك بالدس وفضِّ المماليك عن الخليفة، ولما تم له ذلك جهر بفكرته، ودعا الخليفة إلى أن يخلع نفسه، ولم يكن له في الملك إلا نحوًا من سنة، فرأى نفسه لا يستطيع المقاومة، واضطر إلى أن يقبل، ونودي بشيخ المحمودي سلطانًا في أوائل عام ٨١٥ﻫ/١٤١٢م وتلقب بالملك المؤيد أبي النصر، ولم يزل حانقًا على الخليفة حتى تمكن أن ينفيه إلى الإسكندرية سنة ٨١٨ﻫ وأقام أخاه داود مكانه فلقب بالإمام المعتضد بالله، ولما بلغت هذه الأنباء أهالي الشام ثاروا على شيخ المحمودي بزعامة الأمير نوروز، وأعلنوا الحرب على شيخ وجماعته، والتقى الجيشان المصري بقيادة شيخ نفسه والشامي بقيادة نوروز، وكانت الحرب سجالًا، وهُزم نوروز أخيرًا، ودخل شيخ إلى دمشق، واقتيد نوروز أسيرًا إلى القاهرة، وحاول شيخ أن يهدئ دمشق فسكنت، ولكنها لم تلبث أن أعلنت عصيانها من جديد بعد أن غادرها شيخ، فاضطر إلى العودة إليها ثانية، وفتك بعدد كبير من أمرائها وأعيانها، ولم تهدأ حتى استعمل الشدة، ولما هدأت أخذ يهيئ حملة على آسية الصغرى التي انتهز أصحابها العثمانيون وقوع الحوادث في سورية فأخذوا يعبثون بالحدود الشمالية، وزحف السلطان من مصر في حملة قوية ربيع عام ٨١٧ﻫ/١٤١٤م على طرطوس وما إليها، واستردها ونصَّب فيها حاكمًا من قِبَلِه، ثم زار بيت المقدس، ودخل القاهرة دخول الظافرين، ولكنه لم يلبث طويلًا أن جاءته الأخبار بأن التركمان قد هاجموا الشام، وأن أهالي حلب اضطروا إلى تركها خوفًا من فتك هؤلاء القساة، فبعث السلطان بابنه إبراهيم لاسترجاع ما أخذ التركمان من شمالي الشام فاسترجعه في غزوة موفقة، ثم توغل في فتوحاته حتى بلغ مدينة قيسارية، ثم رجع الجيش المصري إلى القاهرة ظافرًا، وأمامه مئات من الأسرى.

وفي سنة ٨٢٤ﻫ/١٤٢١م مرض السلطان وهلك بعد أن شاد عدة أبنية ضخمة، من أجلِّها مسجده في القاهرة المعروف بمسجد المؤيد قرب باب زويلة، ولما مات خلفه ابنه أحمد الملك المظفر، ولم يكن عمره يزيد على سنة ونصف، وتولى الوصاية عليه الأمير ططر، فلم يلبث أن خلع أحمد، وأعلن نفسه سلطانًا، ولكنه لم يلبث طويلًا حتى مات فخلفه ابنه محمد في المُلك، ولم يلبث إلا بضعة أشهر حتى خلعه وصيه برسباي، ونادى بنفسه سلطانًا في مطلع عام ٨٢٥ﻫ/١٤٢٢م وتلقب بالملك الأشرف وكان عهده عهد خير، وفاض النيل في أول سنة تولاها فيضانًا عظيمًا، واستبشر الناس به، وشبع الفقراء والمعوزون، وكان رجلًا حكيمًا محبًّا للعمران ونشر الفضل، فشاد عددًا من الدور والقصور والأبنية العامة، ومن أجمل آثاره التي خلفها: جامعه، وقد عمت الخيرات في عهده أنحاء القطرين، ومن أعماله الخالدة: تجهيزه أسطولًا ضخمًا لفتح جزيرة قبرص التي كانت موطنًا للقراصنة الذين لا يفتئون يغيرون على سواحل الديار الشامية والمصرية، وقد توجه هذا الأسطول القوي واستولى على فيماغوسطة ولارناقة وليما صول من مدن الجزيرة، وعاد بعدد كبير من الغنائم والأسرى، ومن بينهم الملك جان لوسينيان الثالث ملك الجزيرة، ولما وصل الأسطول الإسكندرية دخلها بأبهة واحتفال مهيب، وكانت الغنائم محملة على الجمال، ومن بينها تاج ملك قبرص من ورائه جواده وأعلامه منكسة، ومن ورائهم الملك نفسه وهو راسف في الأغلال، فلما بلغ حضرة السلطان قبَّل الأرض وخرَّ مغشيًّا عليه، فحُمل إلى القلعة وتوسطه قنصل مملكة البندقية لفدائه وإطلاق سراحه، فقبل السلطان، وأنعم عليه بثوب ملكي وجواد، وسمح له بمغادرة البلاد إلى جزيرته بعد أن دفع مقدار الفدية وقدره ثلاثمائة ألف دينار، وتعهد بدفع جزية سنوية قدرها عشرون ألفًا، وكان المؤرخ المصري أبو المحاسن بن تغري بردي من شهود هذا الاحتفال العظيم.١
وقد عقد السلطان عدة معاهدات سياسية مع بعض ملوك الصليبيين والعثمانيين، كما أنه حارب التركمان ملوك العراق، وقضى على هجماتهم المتعاقبة على الشام، والحق أنه كان من أعظم ملوك المماليك عامة، قال بعض المؤرخين: «إن الملك الأشرف برسباي أحد الملوك الشراكسة، وأجدرهم بالمدح؛ لأنه كان أعلاهم همة، وأشدهم عزيمة، وأكثرهم تدربًا في الأحكام»،٢ وقد استمر في حكمه نحوًا من ثمانية عشر سنة كان أكثرها عهد يُمن وخير، وفي سنة ٨٤١ﻫ/١٤٣٧م مات وخلفه ابنه أبو المحاسن يوسف الملك العزيز، وله من العمر خمسة عشر عامًا، ولم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى ثار عليه المماليك بزعامة سيف الدين جقمق «أتابك» الجيش، وخلعوه وولوا زعيم الجيش جقمق في سنة ٨٤٢ﻫ/١٤٣٨م فكان أول عمل قام به بعد أن أخضع الثوار المماليك في الشام أنه بعث بحملة قوية على القرصان الفرنجة الذين كانوا يهاجمون السواحل الشامية والمصرية، كما لقيت جزيرة رودس من الأسطول المصري في عهده ما لقيته جزيرة قبرص في عهد برسباي، وكانت صلات جقمق حسنة مع سائر الممالك الإسلامية المجاورة في فارس والعراق وآسية الصغرى، كما أنه كان محبًّا للعلم وأهله ولإشادة دوره ومعاهده، وقد ازدهرت التجارة في عهده، ولما أحس بالشيخوخة طلب من الخليفة والأمراء المماليك أن يعفوه من السلطنة ويقبلوا تنازله لابنه عثمان فقبلوا، ونودي بعثمان سلطانًا على مصر والشام في سنة ٨٥٧ﻫ/١٤٥٣م ولم يلبث سوى أيام مات بعدها.

ولما تولى عثمان تلقب بالملك المنصور، وقد ابتدأ عهده بالقسوة وسلط مماليكه على الناس فلقوا منه بلاء عظيمًا، وثار الخليفة عليه فخلعه وولى الأمير إينال قائد الأسطول، ولقبه بالملك الأشرف، وكان رجلًا مدربًا حاذقًا، فشرع منذ تولي السلطنة بترتيب أمور المماليك وتنظيم شئون البلاد، ولكنه فوجئ بثورة أهلية دبرها الخليفة القائم بأمر الله الذي كان يطمع في السلطنة، ولكنه استطاع أن يقضي على الثورة وينفي الخليفة، وساءت حالة البلاد وتدهورت، وظلت على ذلك إلى أن مات في سنة ٨٦٥ﻫ/١٤٦٠م فخلفه ابنه الشهاب أحمد الملك المؤيد، واستبشر الناس به خيرًا؛ لأنه كان فتى قويًّا حازمًا تمرس بالملك والإدارة في عهد أبيه، وكان له من العمر ثلاثون سنة، فقام بالإصلاح، وقضى على المماليك المفسدين، فتكاتفوا ضده بزعامة أميرهم خوش قدم الرومي صاحب دمشق، وحاصروه في قصره، واضطروه إلى أن يخلع نفسه بعد أربعة أشهر من سلطنته ونفوه إلى الإسكندرية سجينًا، وتسلطن خوش قدم، وتلقب بالملك الظاهر، وكان قويًّا فانصرف إلى ترتيب شئون الإدارة، وإقصاء العناصر الفاسدة عن الدواوين، وتخليص الدولة من المماليك المشاغبين وفي طليعتهم المماليك الظاهرية الذين كانوا قد ملئوا البلاد فوضى، وعلى رأسهم جاني بك، ثم استطاع أن يلقي القبض على جاني بك وقتله ظانًّا أن البلاد ستصفو من الدسائس، ولكن شيئًا من ذلك لم يقع، واستمر الفساد لوجود زمر أخرى من المماليك كانوا ينشرون الفوضى والرعب في البلاد.

وهكذا فسدت الأحوال الإدارية وتبعتها الأحوال الاقتصادية، فرأى أن يجهز بعض الحملات العسكرية لعله يشغل المماليك بها ويقصيهم عن البلاد؛ فبعث عدة حملات إلى جزيرة قبرص، ولكن ذلك لم يفد، إلى أن وافاه أجله في سنة ٨٧٢ﻫ، فلما مات عمد كبار المماليك وزعماؤهم إلى تولية الأمير أبي سعيد بلباي ولقبوه بالملك الظاهر في سنة ٨٧٢ﻫ/١٤٦٧م فاستبد بالناس والمماليك، وحاولوا خلعه بعد شهرين فلم يستطيعوا أول الأمر، ثم تمكنوا من تولية الأمير أبي سعيد تمربغا الظاهري، ولقبوه بالملك الأشرف أيضًا، ولم يبقوه إلا نحوًا من شهرين أيضًا لسوء سيرته، فخلعوه، وولوا الأمير «قايتباي» الظاهري، وكان هذا رجلًا حازمًا قويًّا يملك عددًا كبيرًا من المماليك استطاع بهم أن يقضي على نفوذ منافسيه ويخضد شوكة الأحزاب المتناحرة حتى استتب له الأمر فشرع في تقوية الجيش، فقد بلغه أن السلطان محمد الثاني العثماني قد قهر الملك السلطان حسن الطويل صاحب فارس، وكان بين المصريين وبين الفرس اتفاق وتحالف، وتأكد أن العثمانيين لا بد أن يفاجئوه ويهاجموا الشام، فبعث بحملة قوية رابطت في الحدود الشامية الشمالية، وحدث في تلك الأثناء أن اختلف ابنا محمد الثاني العثماني على السلطنة وهما «بايزيد الثاني» و«جمٌّ»، واضطر «جم» إلى أن يلتجئ إلى «قايتباي»، فأكرم وفادته، وأرسل إلى قائد الحملة المصرية المرابطة على الحدود الشامية أن يناجز الجيش العثماني، فاستولى على طرسوس وآذنة وما حولهما، وانكسر الأتراك العثمانيون أمام الجيش المصري، وأسر المصريون قائد الأتراك أحمد خان صهر السلطان «بايزيد» أسيرًا إلى القاهرة، فاستشاط «بايزيد» غضبًا، وجند جندًا كثيرًا بقيادة علي باشا للزحف على المصريين، وتم له ذلك في سنة ٨٩٣ﻫ، فلما علم «قايتباي» بذلك خاف مغبة الأمر فأطلق سراح الأمير أحمد خان، وبعث به على رأس بعثة لعقد هدنة بينه وبين السلطان العثماني، فرفض «بايزيد»، وصمم على محاربة «قايتباي» فاسترد مدينتي طرسوس وآذنة، ولكن المصريين عادوا فاستطاعوا أخذ المدينتين ثانية بعد حرب طاحنة، وخشي «قايتباي» أن تتأزم الحالة بينه وبين العثمانيين، فترك المدينتين، وكتب إلى «بايزيد» يطلب إليه أن يهادنه فتم له ذلك في سنة ٨٩٦ﻫ.

وكان «قايتباي» مثل بيبرس؛ ملكًا حازمًا مولعًا بنشر سلطانه، محبًّا لرعيته حدبًا على المسلمين، ولما بلغه ما يقاسيه أهل الأندلس من النصارى بعث وفدًا من رهبان القدس إلى الملك فرديناند يتودد إليه ويتوعده إن هو استمر في تعدِّيه على مسلمي الأندلس، ومما قال لهم: قولوا له إن لم يُبْقِ على غرناطة وأهلها فإن كنائس المشرق جميعًا ستهدم، ويعطل الحج إلى كنسية القيامة وبيت لحم وسائر الأمكنة المقدسة عند النصارى، ولم يستمر «قايتباي» طويلًا بعد ذلك؛ بل أدركته منيته في سنة ٩٠١ﻫ بعد أن حكم نحوًا من ثلاثين سنة شاد فيها كثيرًا من الدور والقصور وأماكن العبادة والعلم، والمشافي والقلاع والحصون، وقد بكى لما بلغه انهدام المسجد النبوي في المدينة، وأنفق على إعادته نحوًا من مائة ألف دينار.

ولما هلك تولى الأمر من بعده ابنه أبو السعادة محمد الملك الناصر، وكان فتى أخرق أحمق لا همَّ له إلا الانغماس في شهواته، وقد خلعه الناس بعد ستة أشهر من توليه، وبايعوا الأمير «قانصوه خمسمائة» ولقبوه بالملك الأشرف، ولكنه كان عاجزًا فلم يثبت إلا نحوًا من خمسة أشهر، ثم تنازل عن الملك للناصر محمد بن «قايتباي» في سنة ٩٠٢ﻫ فعاد هذا إلى لهوه وفسقه وجوره حتى ضاق المماليك به فخلعوه بعد ثمانية عشر شهرًا في سنة ٩٠٤ﻫ وولوا عمه «قانصوه» على الرغم منه، فلم يلبث إلا أن خلعوه بعد نحو سنتين، وولوا الأمير جان بلاط، ولقبوه بالملك الأشرف في سنة ٩٠٥ﻫ/١٥٠٠م ولم يحكم إلا سبعة أشهر.

وفي سنة ٩٠٦ﻫ/١٥٠١م زحف الأمير طومان باي صاحب الشام على القاهرة فاستولى على القلعة، وخلع السلطان، ونصَّب نفسه، وبعث جان بلاط أسيرًا إلى الإسكندرية، وكان طومان باي ظالمًا فاجرًا، ولم يلبث أن قام عليه المماليك والزعماء فهرب منهم، ولحقوا به فقتلوه في سنة ٩٠٦ﻫ، ثم أجمعوا أمرهم على اختيار الأمير «قانصوه الغوري» سلطانًا، ولقبوه بالملك الأشرف، وكان رجلًا تقيًّا صالحًا، بعيدًا عن الدسائس، محبًّا للخير، قويًّا حازمًا على الرغم من سنينه الستين، فانصرف أول الأمر إلى تدبير أمور الدولة فاجتمعت له مبالغ ضخمة أنفقها في سبيل الإصلاحات العامة، وتحصين الإسكندرية ورشيد ودمياط، وتنظيم مجاري القاهرة، وإصلاح الزراعة، وإشادة عدة أبنية ضخمة في مكة والمدينة والقاهرة ومن أجلِّها مسجده العظيم في القاهرة، وفي أيامه أُعد أسطول عظيم لحماية البحار العربية الشرقية من غارات القراصنة البرتغاليين الذين أخذوا يهددون سواحل مصر والحجاز واليمن، وبعث كتابًا إلى البابا في رومية مع وفد كبير من رؤساء الكنائس المسيحية في القدس ينذر فيه زعماء البرتغال أنهم إن عادوا يحملون على الموانئ العربية والحجازية بصفة خاصة فإنه سيفتك بالنصارى، كما أنذر البابا بأنه إن لم يفعل ما يستطيع في سبيل ذلك فإنه سيعاقب نصارى البلاد بقسوة وعنف شديدين.

وفي سنة ٩١٨ﻫ جاء الأمير كركود أخ السلطان سليم الأول إلى مصر لاجئًا، فرحب به «قانصوه» الغوري وجهزه بعشرين بارجة، ولكن الأسطول العثماني استطاع أن يفتك بالبوارج المصرية، وزحف السلطان سليم على الشام فاحتل حدوده الشمالية، وبعث برسالة تهديد إلى «قانصوه» فكاتب هذا الشاه إسماعيل الصفوي يدعوه للاتفاق معه على قتال سليم، ولكن سليمًا كان أقوى منهما كليهما، فقد زحفت الجيوش العثمانية على الشام، وأحس «قانصوه» بالخطر فسار بجيش من مصر للقائه، واجتمعا عند «مرج دابق» قرب حلب، وكاد الظفر يتم للمصريين؛ لما أبدوه من الشجاعة، وبخاصة السلطان «قانصوه» نفسه، ولكن المدافع العثمانية أخرست الرماح والحراب والسيوف المصرية، فاختل نظام الجيش المصري، وهزمت جموعه بعد أن قتل «قانصوه» في رجب سنة ٩٢٢ﻫ/أغسطس ١٥١٦م، وتفرق الجيش المصري، ووصلت الجيوش العثمانية إلى الديار الحلبية، ولما بلغت هذه الأخبار إلى القاهرة اضطرب أمرها، وكان المشرف عليها الأمير طومان باي، فخاف مغبة الأمر، وجمع من بقي من الأمراء والأعيان وشاورهم، فاتفقوا على أن يولي نفسه سلطانًا، وأن يحصن القاهرة، وكان رجلًا داهية فأخذ ينظم جنده، ويعد حملة للقاء العثمانيين، وبينا هو كذلك إذ جاءه كتاب السلطان سليم وفيه حملة على السلطانَين «قانصوه» والشاه إسماعيل، وتهديد لطومان باي، فلما قرأ الكتاب استشاط غيظًا وعزم على القتال، أما سليم فإنه بعد استيلائه على الديار الشامية كلها سار نحو مصر، ولما بلغ حدودها أعلمه جواسيسه أن طومان باي قد حصَّن الصالحية فتركها عن يمينه، وسار حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة، فلما علم طومان باي لحق به، والتقى الجمعان بالقرب من بركة الحج، وقاتل طومان باي بضراوة، وقذف بنفسه مع بعض الفدائية في قلب الجيش التركي حتى بلغ خيمة السلطان سليم، ولكن فرقة من العثمانيين استطاعت أن تدخل القاهرة، وتستولي على القلعة، ثم استولت على المدينة كلها، واستدعى السلطان سليم الخليفة، فحضر إليه وقدمه للصلاة بعد أن خطب باسمه، وأصاب القاهرة من البلاء والنهب شيء عظيم، ولقي المماليك من ضروب القتل والفتك ألوانًا، وفرُّوا إلى جنوب القاهرة، وعلى رأسهم طومان باي، والتف حولهم جماهير من الأعراب، ونشبت معركة ثانية بين المصريين والعثمانيين فانتصر الأتراك، والتجأ طومان باي إلى أحد أمراء الأعراب فسلمه إلى السلطان سليم فقتله، وبموته انتهت دولة المماليك بعد أن حكمت مصر والشام مائة وتسع وثلاثين سنة، ومنذ ذلك الحين أضحت مصر إحدى الإيالات التابعة للدولة العثمانية.

شجرة المماليك الشراكسة

  • الملك الظاهر برقوق ١٣٨٢م.

  • الملك الصالح حاجي البحري ١٣٨٩-١٣٩٠م.

  • الناصر فرج ١٣٩٨م أولًا، ١٤٠٦م ثانيًا.

  • المنصور عبد العزيز ١٤٠٥م.

  • الخليفة العادل المستعين ١٤١٢م.

  • المؤيد شيخ ١٤١٢م.

  • المظفر أحمد ١٤٢١م.

  • الظاهر ططر ١٤٢١م.

  • الصالح محمد ١٤٢١م.

  • الأشرف برسباي ١٤٢٢م.

  • العزيز يوسف ١٤٣٨م.

  • الظاهر جقمق ١٤٣٨م.

  • المنصور عثمان ١٤٥٣م.

  • الأشرف إينال ١٤٥٣م.

  • المؤيد شهاب ١٤٦٠م.

  • الظاهر خشقدم ١٤٦١م.

  • الظاهر بلباي ١٤٦٧م.

  • الظاهر تمربغا ١٤٦٧م.

  • الأشرف «قايتباي» ١٤٦٨م.

  • الناصر محمد ١٤٩٥م.

  • الظاهر «قانصوه» ١٤٩٨م.

  • الأشرف جان بلاط ١٤٩٩م.

  • الأشرف «قانصوه الغوري» ١٥٠٠م.

  • الأشرف طوماي باي ١٥١٦-١٥١٧م.

١  انظر تفاصيل وصف هذا اليوم المشهود في «النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي، في حوادث سنة ٨٢٥ﻫ؛ وفي ترجمة «تاريخ المماليك» لموير، ص١٣٥.
٢  انظر «تاريخ مصر الحديث» لجرجي زيدان، ١: ٣٥٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢