الفصل الثاني

الحالة الثقافية في العراق بعد سقوط بغداد

معلوم أن الثقافة العربية الإسلامية قد ارتقت في العصر العباسي رقيًّا عظيمًا في كافة الفروع من دين وفلسفة وطب وأدب وخطابة كما بيَّنَّا في الجزء الخاص بتاريخ تلك الحقبة الزاهرة، فلقد كانت الجوامع والمدارس ومجالس الخلفاء مهوى قلوب الأئمة العلماء، كما كان للخلفاء العباسيين الأولين فضل كبير في نشر العلم لا في العاصمة الإسلامية الكبرى بغداد وحسب؛ بل في كافة أرجاء دولة الخلافة، أما بغداد: فقد غدت في عهدهم طوال خمسة قرون جنة العالم، سواء في حضارتها أو في معاهدها أو في رجالاتها العلماء الأفذاذ الذين خرَّجتهم وفاخرت بهم في كافة نواحي العلم والأدب والفن.

ولقد استمرت هذه الثقافة تسير صُعُدًا منذ القرن الثالث للهجرة على الرغم من الضعف الذي كان يعتور الأمور السياسية في القرنين العباسيين الرابع والخامس حين غلب الأعاجم والأتراك على أمور الدولة؛ لأنهم اعتنقوا الإسلام، وتعلموا لغته، وأتقنوا آدابها، واهتموا بالثقافة العربية على اعتبار أنها ثقافة إسلامية، فبذلوا وسعهم في ترقيتها، وتوسيع أطرافها، وظلت الحركة العلمية قوية نشيطة حتى في أواخر العهد العباسي، كما أسلفنا، سواء في نواحي العلم أو في الأدب أو في الفنون، فلما نكبت البلاد بالغزو الجاهلي المغولي، واجتاحتها سيوله المخيفة الحمقى، أصاب بغداد ما أصابها من هولاكو وصحبه؛ من تقتيل العلماء، وإحراق دور الكتب، وتهديم مدارس العلم ومعاهد الأدب، على أن هذا الطاغية قد استبقى بعض العلماء ممن كانوا يجيدون لغته أو يتقنون علوم الفلسفة والرياضة والطبيعة التي كانت تعجبه، فأخذهم معه إلى عاصمة ملكه، وأمرهم أن يرصدوا له الكواكب، ويؤلفوا له في الحكمة والفلسفة والعلوم العقلية، ولولا أن رحم الله العلوم العربية والإسلامية برجل فاضل كان معه في حملته، وهو نصير الدين الطوسي الفيلسوف المعروف، لكانت نكبة العراق والإسلام جد فظيعة، فقد اهتم هذا العالم الفيلسوف الفارسي بدور العلم في العراق وحماها، وصان كثيرًا من أهلها من الإبادة، وكان كثيرًا ما يتردد عليها، ويتصفح أحوال أوقافها، وأمور مساجدها، ودور العلم والربط،١ ففي سنة ٦٧٢ﻫ، أقام النصير الطوسي ببغداد فترة ينظر في أمور الوقوف الإسلامية، وإعادة توزيع الطعام على الفقهاء والمدرسين والصوفية المنقطعين لطلب العلم والزهد، وقد أطلق لهم المشاهرات، وقرر القواعد في أمور الأوقاف، وأصلحها بعد اختلالها،٢ على أن هناك شخصًا ثانيًا اهتم بالنواحي العلمية بعد نكبة بغداد وهو الوزير مؤيد الدين العلقمي، وهو الوزير الذي سقطت بغداد في عهده وعلى يديه، ولعله أراد بهذا الاهتمام العلمي أن يكفر عن بعض ذنبه، ويبعد عنه المزاعم التي شاعت عن مشاركته في المؤامرة ضد الخلافة الإسلامية، فقد رووا أنه أخذ يهتم بدور العلم، وينفق على من بقي من أهله، ويعمر ما تهدم من دوره، ويروي ابن الغوطي في تاريخه عنه أنه عين شهاب الدين بن عبد الله صدرًا للوقوف، وتقدم إليه بعمارة جامع الخليفة وكان قد أُحرق، وكذا مشهد موسى الجواد، ثم فتح المدارس والربط وأثبت فيها الفقهاء والصوفية، وأجرى عليهم الأخباز والمشاهرات.٣

وقد كان ابن العلقمي هذا أديبًا عالمًا بارعًا بالآداب العربية والدين، وكانت عنده خزانة كتب كبيرة فيها عشرة آلاف مجلد، وكان يجمع حوله العلماء ويحسن إليهم، ومن أشهرهم موفق الدين عبد القاهر بن الغوطي مؤرخ بغداد المشهور، وموفق الدين القاسم بن أبي الحديد الأديب الكاتب شارح نهج البلاغة، وقد ألفه باسمه، والإمام الصاغاني اللغوي الأديب المعروف وقد ألف كتابه «العباب» باسمه، والمؤرخ المشهور علي بن أنجب السلامي المعروف بابن الساعي خازن دار كتب المستنصرية، وأحد كبار مؤرخي بغداد، وغيرهم من الأئمة الأجلاء.

ومن الفضلاء الذين أعادوا إلى العراق شيئًا من نشاطه العلمي في هذه الحقبة المظلمة: الوزير العالم علاء الدين عطاء ملك بن محمد الجوني، وقد تولى العراق في ذي الحجة سنة ٦٥٧ﻫ وهو من أسرة فارسية عريقة عالمة، وهو أخو الصاحب شمس الدين الجوني وزير هولاكو، وقد استقر في ولاية العراق نحوًا من اثنتين وعشرين سنة ٦٥٧–٦٨١ﻫ فرعى أهل العلم، وحاول إعادة الحياة الثقافية الزاهرة إلى العراق في عهده، وكان بالإضافة إلى هذا عالمًا ومؤرخًا ومؤلفًا، من أجلِّ آثاره كتابه الفارسي المشهور «جهان كشاي جوني» وهو من أوثق مصادر تاريخ المغول ودولتهم في العراق.

أما المدارس ودور العلم وخزائن الكتب ورُبط الصوفية فقد أصابها بلاء كبير، وأضحت في بغداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة بعد أن كانت تتجاوز المئات؛ لأن الناس كانوا منذ عصر الازدهار يتقربون إلى الله وإلى أولي الأمر ببناء دور العبادة والعلم، أو وقف خزائن الكتب، وإشادة دور الحكمة والمدارس ووقف الوقوف عليها، وعلى طلاب العلم فيها، ومن المدارس العظيمة التي بقيت في تلك الحقبة ولم يصبها تلف كبير: النظامية الكبرى، والمستنصرية والبشيرية، وهي من أجلِّ مدارس الإسلام، وقد رأينا عناية نصير الدين الطوسي بأمر هذه المدارس وأوقافها، وتوليته أهل الخير والفضيلة عليها، ومما هو جدير بالذكر أيضًا أنه لم يمض وقت حتى عادت حركة إشادة المدارس والربط من جديد بعد النكبة بفترة غير طويلة، فقد شُيدت مدارس جليلة منها: المدرسة العصمتية، التي أمرت ببنائها السيدة عصمة الدين زوج الصاحب علاء الدين عطا ملك الجوني بجوار مشهد عبيد الله في ظاهر بغداد، وجعلتها للطلاب على المذاهب الأربعة، ورتبت إلى جوارها رباطًا للصوفية، وقد تكامل بناؤها في عام ٦٧١ﻫ وغدت من أجلِّ مدارس الإسلام فخامة وأوقافًا.

وفي سنة ٦٦٦ﻫ أمر الصاحب علاء الدين نفسه ببناء رباط كبير جوار مشهد الإمام علي رضي الله عنه، وشرط أن يجاور فيه زوار المشهد المبارك، ووقف عليه الوقوف، ومنح المجاوزين هبات ومنحًا كثيرة، وفي سنة ٦٨٠ﻫ أمر «قطلغ شاه» ببناء رباط للصوفية جوار المشهد الخاص لسلمان الفارسي، وشرط أن يقيم فيه المجاوزون بالمشهد السلماني، ووقف عليه وقوفًا، وجعل له أموالًا كثيرة … وهكذا أخذت بغداد تستعيد حركتها العلمية والدينية على الرغم من قسوة ما أصابها من هدم المعاهد، وفقدان المكاتب، ومهاجرة العلماء إلى الأقطار المجاورة كالشام ومصر، ومما هو جدير بالذكر أن العلوم قد انتعشت بعد فترة قصيرة من النكبة، كما ازدهرت الفلسلفة والفنون والصناعات؛ لأن بعض ملوك الدولة المغولية كانوا يحبون الفنون ويشجعون أهلها، يذكر ابن الغوطي في تاريخه في حوادث سنة ٦٨٣ﻫ أن فيما اشتهر ببغداد أن عز الدولة اليهودي — وهو الفيلسوف المعروف بابن كمونة — صنَّف كتابًا سماه: «الأبحاث عن الملل الثلاث» تعرض فيه لذكر النبوات، وقال ما نعوذ بالله من ذكره، فثار العوام وهاجوا واجتمعوا لكبس داره وقتله، فركب الأمير تمسكاي شحنة العراق — أي صاحب الشرطة — ومجد الدين بن الأثير وجماعة من الحكام إلى المدرسة المستنصرية، واستدعوا قاضي القضاة والمدرسين لتحقيق هذه الحال، وطلبوا ابن كمونة، واتفق ذلك اليوم يوم جمعة، فركب قاضي القضاة للصلاة، فمنعه العوام فعاد إلى المستنصرية، فخرج ابن الأثير ليسكن العوام فأسمعوه أقبح الكلام، ونسبوه إلى التعصب لابن كمونة والذب عنه، فأمر الشحنة بالنداء في بغداد بالمباكرة في غد إلى ظاهر السور لإحراق ابن كمونة، فسكن العوام، ولم يتجدد بعد ذلك له ذكر، أما ابن كمونة فإنه وضع في صندوق مجلد وحُمل إلى المحلة، وكان ولده كاتبًا بها فأقام أيامًا وتوفي هناك،٤ فلا شك في أن رجال الدولة وعلماءها قد أقلقهم أن يصاب هذا العالم الفيلسوف أو أن تفتك به العامة؛ فلذلك لجئوا إلى هذه الحيلة فأنقذوا حياته، وفي هذا دليل الحرص على العلماء من أي المذاهب والنحل كانوا، ولو كانت في مؤلفاتهم مخالَفة لعقائد الجمهور، وإذا كان هذا حرص رجال الدولة على عالم من علماء اليهود فكيف يكون مع العلماء المسلمين الذين نبغ في هذه الآونة منهم: المهندس البارع نور الدين علي بن تغلب بن أبي الضياء البعلبكي الساعاتي ٦٠١–٦٨٣، وكان مشهورًا بعلم الهيئة والنجوم وعمل الساعات الفلكية، والمباحث الهندسية، وهو الذي عمل الساعات المشهورات على باب المدرسة المستنصرية.

والطبيب البارع الأشهر شمس الدين بن الصباغ (؟–٦٨٣)، وكان فاضلًا في علم الطب والحيوان والنبات، وقد مات وله من العمر ١٠٦ سنوات وخلَّف كتبًا كثيرة في فنونه.

والفيلسوف المتأله برهان الدين محمد بن محمد النسقي ٦٠٠–٦٨٧، وكان أوحد رجال زمانه في علمي الخلاف والفلسفة، وقد أقام ببغداد يفيد أهلها بعد النكبة، وتخرج به جمهرة من رجالاتها كابن الغوطي المؤرخ، وهارون بن الصاحب الوزير الجوني وغيرهما، وله آثار عديدة.

والرياضي الفقيه مظفر الدين أحمد بن نور الدين البعلبكي الساعاتي (؟–٦٩٤)، وهو ابن المهندس السابق ذكره، وكان مثل أبيه في علوم الرياضة والهندسة، كما كان بارعًا بعلوم الخلاف والأصول والفقه، وله كتاب مشهور هو «مجمع البحرين»، وقد ألَّفه في الفقه على قواعد لم يسبقه إليها مؤلف.

ونحن إذا رحنا نتتبع سيرة الفضلاء من أئمة العلوم الحكمية والفلسفية في هذه الفترة عددنا الكثير، ولكننا نكتفي بهذا الذي أوردنا، أما العلوم الإسلامية: فقد حفظ لنا التاريخ ذكر جمهرة من الفحول السنة أو الشيعة أمثال: أبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني (؟–٦٥٦)، وكان رئيس الفقهاء الشافعية ببغداد وقاضي قضاتها، برع في علوم الفقه والخلاف والأصوليين والتفسير والحديث.

وعز الدين عبد الرزاق بن أبي بكر الرسغي ٥٨٩–٦٦١ شيخ الحنابلة، وكان بارعًا بعلوم الحديث والتفسير، وصنَّف تفسيرًا للقرآن جيدًا سماه رموز الكنوز، وكان شيخ الجزيرة في عهده، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل.

وعفيف الدين علي بن عدلان الربعي الموصلي ٥٨٣–٦٦٦، وكان علَّامة زمانه في الدين والعربية، وكان من أذكياء بني آدم، وأحد الأئمة الأعلام في كل الفنون، وله مؤلفات وآثار مشهورة.

وجمال الدين يوسف بن عبد المحمود المقرئ البغدادي (؟–٧٢٦)، وكان أديبًا فقيهًا ونحويًّا متقنًا، وكان يلقب بنحويِّ العراق، وكان من أعظم أهل زمانه في علوم العربية والشعر والرواية والفقه.

والعلامة ابن المطهر الحِلِّيِّ الحسن بن يوسف ٦٤٨–٧٢٦، وكان إمام الشيعة في زمانه، وعليه معولهم في الفقه والكلام والأخبار، ومؤلفاته عندهم في الأوج، وهو الذي حبب المذهب الشيعي إلى السلطان المغولي خدابنده فاعتنقه.

وجمال الدين عبد الله بن محمد بن العاقولي الواسطي ٦٣٨–٧٢٧، وكان محدثًا فقيهًا بارعًا بالعربية، درس في المدرسة المستنصرية مدة طويلة وتولى قضاء القضاة، وأفتى إحدى وسبعين سنة، وإليه انتهت رياسة الفقهاء في عصره، ولا يزال جامعه في بغداد إلى أيامنا هذه.

وتقي الدين عبد الله بن محمد الزريراتي البغدادي الحنبلي ٦٦٨–٧٢٩، وكان فقيه العراق، ومفتي الآفاق في زمانه، برع في أصول الدين والحديث والتاريخ والعربية، وكان الفقهاء من سائر المذاهب يستفيدون منه حتى ابن المطهر الحلي.

هؤلاء نفر من أئمة العلم في هذه الحقبة من العصر المغولي، وإليهم يرجع الفضل في إعادة العراق إلى شيء من رونقه الثقافي القديم.

هذا ما كان عليه الوضع في العصر المغولي، أما في عهد الجلايرية: فقد تقهقرت الحالة السياسية تقهقرًا ملموسًا، كما رأيت في الفصل الخاص بذلك، وكذلك تقهقرت الحالة العلمية، ومن المعروف أنه لا علاقة قوية بين السياسة والعلم، فقد تكون السياسة مضطربة مع أن النواحي العلمية مزدهرة، كما كان الحال في عصري الانحلال والانحدار، ولكن يجب أن نلاحظ أن النشاط العلمي في تلك العصور كان نشاطًا امتداديًّا لحركة علمية قوية سابقة، فلم تستطع السياسة أن تؤثر في ذلك النشاط، أما الحالة في العصر الجلايري: فقد كانت مختلفة عما ذكرنا؛ لأن النشاط العلمي كان ضعيفًا في أواخر العصر المغولي، فلما جاء العصر الجلايري، واضطربت السياسة اضطربت بها الحالة العلمية، بل أخذت تتدهور بشكل مزرٍ ومؤلم؛ لأن الناس أخذوا يفتشون عن الأمن والغذاء والكساء قبل أن يفتشوا عن الفلسفة والعلم والحكمة والأدب، على أن الدين الإسلامي كان له الفضل في الإبقاء على شيء من الحركة العلمية والنشاط الأدبي، فقد ازدهرت علومه من فقه وحديث وأصول وخلاف، وعمرت بعض المدارس الدينية والجوامع، واستتبع ذلك نشاط نسبي في علوم العربية، ومن المعاهد العلمية المشهورة في هذا العصر: مدرسة الوالي الخواجة مرجان بن عبد الله، وكان من الولاة الفضلاء الأخيار، شاد في بغداد سنة ٧٥٨ﻫ مدرسة عظيمة ما تزال آثارها باقية في بغداد، وهي من آيات الفن المعماري والريازة العربية البارعة، وقد كانت أشبه بالجامعات الكبرى، وشَيد إلى جانبها دار شفاء للمرضى وسمَّى لها الأطباء والكحالين.٥

ومدرسة الخواجة مسعود بن سديد الدولة منصور بن أبي هارون الشافعي، وكان من وجوه بغداد، شَيد هذه المدرسة لأهل المذاهب الأربعة على نمط المدرسة المستنصرية، وما تزال إلى أيامنا هذه تشهد بعظمة بنائها.

وهناك عدد من الجوامع والربط والخوانق التي شادها أهل الفضل، ووقفوا عليها الوقوف الدَّارَّة، وسموا لها الأساتذة والمدرسين والمعيدين، ومما هو جدير بالذكر أن الآداب الفارسية والتركية قد ازدهرت في العراق، كما دخلت بعض الكلمات الفارسية والتركية بكثرة في اللغتين الخاصية والعامية، وقد كان للشاعر الفارسي المشهور خواجو الكرماني كمال الدين محمود بن علي (؟–٧٥٣ﻫ) أثر كبير في نشر الآداب الفارسية، فقد قدم إلى العراق، وأقام في بغداد فترة، التف حوله فيها الأدباء والمتصوفة، وتعلموا الفارسية ونظموا بها.

ومن الفضلاء الفرس الذين قدموا العراق في هذه الفترة الخواجة سلمان الساوجي (؟–٧٧٧ﻫ)، وهو من الشعراء المعروفين، ولحوادث العراق وأخبار رجاله في هذه الحقبة ذكر كثير في ديوانه.

وقد ظهر في هذا العصر نفر من العلماء المشهورين أمثال: صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي (؟–٧٣٩ﻫ)، وجلال الدين محمد بن عبد الرحمن العجلي القزويني (؟–٧٣٩ﻫ)، ونجم الدين سليمان بن عبد الرحمن النهرماوي (؟–٧٤٨ﻫ)، وصفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي الشاعر (؟–٧٥٠ﻫ)، وتاج الدين علي بن سنجر ابن السباك البغدادي (؟–٧٥٠ﻫ)، ومحمد بن الحسن بن يوسف المطهر الحلي (؟–٧٧١ﻫ)، ومحمد بن محمد غياث الدين العاقولي (؟–٧٩٧ﻫ)، وزين الدين عبد الرحيم بن الحسن العراقي الكردي (؟–٨٠٦ﻫ).

هؤلاء هم النفر المشهورون في بغداد والبلاد العراقية في القرن الثامن من علماء العربية والدين والأدب، أما في القرن التاسع: فقد أصاب العراق جهالة طخياء، ولولا بعض المدارس القديمة والأئمة الأعلام من شيعة وسنة لَما بقي للعلم أثر ولا للثقافة خبر، ولم نعد نرى في هذا العصر أثرًا للفنانين أو الخطاطين الذين كنا نجدهم من قبل، كما لم نعد نرى جماعة تعني ببناء المدارس العلمية والمعاهد الدينية اللهم إلا نادرًا.

والحق أن العراق العزيز لم يمر بفترة قضي فيها على النشاط العلمي طوال تاريخه، مثل أواخر القرن التاسع، فقد تحكَّم فيه الأعاجم تحكمًا فظيعًا كما رأيت، وكسدت سوق العلم والأدب والفنون، وكيف يعمل قوم على نشر العلم والعربية وهم جهَّال سخفاء، يكرهون العروبة.

ولقد زادت نكبة العراق حينما انتشر أمر المشعشعين، وسيطروا على العامة، وهم قوم جهَّال مفسدون عطلوا شعائر الإسلام، وتعلقوا ببعض الأقوال المبرقشة، حتى ادعى أحد شيوخهم أن روح الإمام علي عليه السلام قد حلَّت فيه، وأنه هو الله تعالى … إلى آخر ما هنالك من الأباطيل التي أقصت الناس عن النهج العقلي القويم، أضف إلى ذلك انتشار طائفة من الباطنية المخربين الذين يعرفون بالفرقة «الحروفية» التي جعلت نصوص القرآن عبارة عن رموز وإشارات وحروف، وحرفت ألفاظ القرآن عما وردت فيه، وبدلوا معاني كلماته، فرفعوا التكاليف وألغوا الفرائض والأحكام الشرعية، وطغت على الناس بسببهم أمواج من الجهل المطبق، والمنطق الأخرق.

ولا يعرف العراق في القرن الثامن مدة اشتنشق فيها عبير العلم، ونَعِمَ بتنشيط أمرائه سوى فترة قصيرة هي أيام السلطان حسن الطويل، فقد كان كما أسلفنا — سلطانًا عادلًا عالمًا، محبًّا للعلم ولأهله، مجالسًا للعلماء والأدباء.

ومما هو جدير بالذكر أن للمذهب الشيعي ولمدارسه العديدة في النجف الأشرف والحلة الفيحاء أثرًا كبيرًا في حفظ تراث الأدب والعربية وعلوم الإسلام في هذه الحقبة، ومن أفاضل العلماء والأدباء الذين كان لهم فضل كبير في إحياء الجذوة الأدبية: أبو عبد الله المقداد بن عبد الله الأسدي الحلي (؟–٨٢٩) وأحمد بن محمد بن فهد الحلي (؟–٨٤١).

أما بعد، فهذه حالة العراق العلمية، وهي كما ترى حالة لا تسر كثيرًا، ولولا أن الله قد حفظ العلم والأدب والعربية في هذا العصر بأقطار أخرى كالشام ومصر والمغرب لكانت النكبة أعظم، ولكن الله سلَّم.

١  انظر «العراق بين احتلالين»، ١: ٢٧٢.
٢  انظر «العراق بين احتلالين»، ١: ٢٧٥–٢٨٠.
٣  انظر كتاب «الحوادث الجامعة» لابن الغوطي، في حوادث سنة ٦٥٥ﻫ.
٤  «تاريخ ابن الغوطي»، في حوادث سنة ٦٨٣ﻫ.
٥  انظر «مساجد بغداد وآثارها» للألوسي، ص٦٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢