من الأدب العربي (٢)

حكمة على لسان مهرج

من لقادة الأمم جميعًا بعقلية أبي دلامة؟!

كان أبو دلامة مُهَرِّجًا كبيرًا في أول العصر العباسي، يضحك الناس بشكله وقوله وفعله وشعره، فكان أسود اللون، قبيح الوجه، سكيرًا معربدًا، وكان خفيف الروح، لطيف الشعر، حاضر البديهة، عارفًا بنفوس الناس وما يسرهم وما يغضبهم، وخاصة الولاة والحكام، خبيرًا بطرق اجتذاب المال منهم، وكان يقوم مقام (مضحك الملك)، كان مضحكًا للسفاح والمنصور والمهدي، وتشيع نوادره وشعره وأقواله في بغداد فيخفُّون لها ويضحكون منها، ويخشى كل أمير أو كبير أن يجعله أبو دلامة موضعًا لنكتة أو نادرة من نوادره، فيسبغ عليه عطاءه؛ حتى لا يكون موضع السخرية من الناس بما يتناقلونه فيه عن أبي دلامة.

اتخذ من نفسه ومن زوجه ومن ابنه أسرة للحيل والمكر، يبتز بها الأموال من الأغنياء، ويضحك منهم، ويضحك عليهم، ويصفه الجاحظ بخبرته النفسية، ودهائه في الاستجداء، ويستدل على ذلك بأنه أضحك المنصور يومًا، فقال له: سلني حاجتك. قال: كلب صيد. قال المنصور: أعطوه إياه. قال: فدابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: فغلام يقود الكلب. قال: أعطوه. قال: فجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه. قال: لا بد لهؤلاء من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارًا تجمعهم. قال: وإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟! فأعطاه ضيعة … إلخ. قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها؛ حيث ابتدأ بكلب، وانتهى بضيعة، ولو سأله الضيعة ابتداء ما وصل إليها.

وتروي لنا كتب الأدب الكثير من فكاهته ونوادره وشعره الذي يستخدمه في الإضحاك.

ولندع هذا كله؛ ونروي له قصة رائعة حقًّا حكيمة حقًّا.

لقد كان أبو دلامة جبانًا يخشى الموت، ويخشى أن يحمل سلاحًا، ويخشى أن يشهد قتالًا، وما له والقتال؟! فليس له إلا نكتة يقولها، أو أضحوكة يضحك بها، أو حانة يحتسي فيها الخمر، أو نحو ذلك من ضروب اللهو، أما ميدان القتال فيهرب منه هروب الفأر من القط، وعرف الخلفاء والأمراء منه ذلك، فكانوا يأمرونه أحيانًا أن يتجهز للقتال؛ لينظروا كيف يفعل، وكيف يضطرب، وكيف يستغيث، وكيف يصير أضحوكة للناس بعد أن اتخذ الناس أضحوكة له.

أمره المنصور يومًا أن يخرج إلى الشام للقتال، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج، فإني والله لشؤم. قال له المنصور: امضِ؛ فإن يمني يغلب شؤمك. فقال: لعمر الله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب في مثل هذا الموقف، فإني لا أدري أيهما يغلب! يمنك أو شؤمي؟ وأنا بنفسي أدرى وأوثق وأعرف وأطول تجربة. قال المنصور: دعني من هذا، فما لك بد من الخروج. قال: فإني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكرًا كلها هزمت وكنت سببها، فإن شئت الآن أن يكون عسكرك العشرين فافعل. فضحك المنصور وأعفاه.

وليس هذا أيضًا هو المقصود من هذا المقال، إنما حدث مرة أن أتي به إلى المهدي وهو سكران، فأراد أن يعاقبه، فجنده في جيش مع روح بن عدي بن حاتم المهلبي؛ لمحاربة الخوارج، وهم أصدق الناس قتالًا، وأعنفهم حربًا، وأنكاهم في عدوهم، وظل أبو دلامة يستعطف ولا يجد سميعًا، فخرج مع الجيش وحاول أن يستعطف قائد الجيش روحًا بن عدي المهلبي ويقول له:

إني أعوذ بروح أن يقدمني
إلى القتال فتخزى بي بنو أسد١
إن البراز إلى الأقران أعلمه
مما يفرق بين الروح والجسد
قد حالفتك المنايا؛ إذ صمدت لها
وأصبحت لجميع الخلق بالرصد
إن المهلب حب الموت أورثكم
وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أن لي مهجة أخرى لجُدتُ بها
لكنها خلقت فردًا فلم أُجُد

وهو شعر لطيف مؤثر، ولكنه لم يؤثر في «روح» ولم يستمع له؛ إذ كان هذا أمر المهدي، وهكذا أرغم على القتال فتقدم إليه كارهًا ساخطًا خائفًا، فجمع كل حيلته ودهائه للخروج من هذا المأزق، فماذا صنع؟

كانت عادة الخوارج أن يبدأوا القتال بالمبارزة، فيبرز رجل ويطلب من يبارزه؛ حتى إذا حمي القتال كانت حرب الكر، فخرج خارجي يطلب المبارزة، وأُمِرَ أبو دلامة أن يخرج له، وهنا كان الموت لا محالة من نصيب أبي دلامة، فأنَّى له أن يقف أمام الخارجي؟! قال أبو دلامة: أيها الأمير، إنه أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنا والله جائع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر له برغيفين ودجاجة، فأخذ ذلك وبرز إلى الصف ووقف أمام الخارجي، وكانت عيناه تتقدان، وأسرع إلى أبي دلامة يقضي عليه، فقال له أبو دلامة: على رِسْلِكَ يا هذا. فوقف.

أبو دلامة : هل كان بيننا عداوة قط؟
الخارجي : لا!
أبو دلامة : هل تعلم بين أهلي وأهلك وترًا؟
الخارجي : لا!
أبو دلامة : ولا أنا والله لك؛ إلا على جميل.
أبو دلامة : أتقتل رجلًا على دينك؟
الخارجي : لا!
أبو دلامة : إني والله أدين بدينك، وأريد الشر لمن أراده لك.
الخارجي : جزاك الله خيرًا، (وأراد الانصراف).
أبو دلامة : قف، إن معي زادًا وأريد أن آكله، وأريد مواكلتك لتتأكد المودة بيننا ونُري أهل العسكرين هوانهم علينا.
الخارجي : أفعل!

فتقدم إليه أبو دلامة حتى اختلفت أعناق دابتيهما، ووضعا أرجلهما على معرفتيهما، وجعلا يأكلان، فلما رأى العسكران ذلك جعلوا يضحكون، وعاد أبو دلامة بعد الأكل، وقال للقائد: أنا كفيتك قِرني فقل لغيري يكفيك قرنه.

•••

هذه هي حكمة أبي دلامة، وهي حكمة العالم كله، وهي الحكمة التي غابت عن الناس جميعًا في بداوتهم وحضارتهم، فكانت الحرب المزمنة، ولو عقل الناس لفعلوا فعل أبي دلامة، لِمَ يقاتل الجيش الجيش؟ هل بينهما خصومة؟! لا. هل بينهما تِرَة؟ لا. لو سأل كل جندي قرنه سؤال أبي دلامة لأجاب إجابة الخارجي، ولو سأل كلُّ جيشٍ الجيشَ الذي يقاتله هذا السؤال لأجابه هذا الجواب، بل هذه الحكمة هي التي غابت عن رؤساء الحكومات وقادة الحروب؛ فلو تساءلوا سؤال أبي دلامة، ما كان الجواب الحق إلا إجابة الخارجي.

والحق أن ليس بين الجيوش عداء إلا عداء مصطنع تبثه الوطنية المصطنعة، والناس يحاربون اتباعًا لرأي القادة الذين يقعون تحت سيطرة الغفلة، وقد كان الناس قديمًا إذا نازع فرد فردًا تقاتل الفردان، وأخذ أحدهما حقه أو ما يدعي أنه حقه بالقتال، فلما تحضروا حل العقل محل القتال وأنشئت المحاكم وأنشئ القضاء، ولكنْ عَقَلَ الأفراد ولم تعقل الحكومات، فلا تزال الحكومات تأخذ حقها أو ما تدعي أنه حقها بالقوة والحروب، فعل الإنسان المتوحش الأول.

لماذا يتقاتل الناس؟ إنهم يتقاتلون لأن حكوماتهم تريد القتال، ولماذا تتقاتل الحكومات؟ إنها تتقاتل لسبب من أسباب ثلاثة: أولها جميعًا: أنها تتقاتل؛ لأن مريدة القتال تريد العظمة والسيطرة واتساع الرقعة، أو تريد زيادة المال لأمتها، واستغلال الغير لفائدتها، وإفقار الأمة المغلوبة لغنى الغالبة، وشرب دم المغلوب لري الغالب؛ أو تريد الفخفخة الكاذبة وحسن الصيت، والتبجح بأنها أعظم دولة، أو أقوى دولة، أو أنها لا تغرب الشمس عنها، أو أنها ذات الكلمة المسموعة في سياسة العالم وتوجيهه.

هذه هي الأسباب التي كانت من أجلها الحرب ولا شيء غيرها؛ فلننظر إليها بعين الحق، وإن شئت فقل بعين أبي دلامة؛ هل شيء منها أو هي كلها تستحق هذا الدمار في العالم، وهذه الدماء تجري أنهارًا، وهذا الفزع يملأ النفوس، وهذه الأسر تفقد أبناءها وتشقى بقتل عائلها، وهذا الخراب وهذا الدمار، وهذا النقص في الأنفس والأموال والثمرات؟ إن القادة إنما يفعلون ذلك؛ لأنهم فقدوا عقولهم وغلبت عليهم شهواتهم، ولو عَقَلُوا لرأوا أن لا شيء في العالم يساوي إزهاق روح واحدة، وأن المادة مهما عظمت لا يمكن أن تُقَوَّمَ بإنسانية مهما كانت جزئية.

أما بعد؛ فمن لقادة الأمم جميعًا بعقلية أبي دلامة؟!

١  بنو أسد: قبيلة المهلب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤