اليأس

وكان رودريك مع قوة بدنه ضعيف الإرادة، فلمَّا سمع تقريع فلورندا أدرك خطأه، ولكنه تجاهل وتعامى وتصامم وعاد إلى المغالطة فأظهر الغضب ووقف بغتة، وقال لها: «أراكِ تريدين المدافعة بغير فائدة، ولم يبقَ لي صبر على أقوالك. ألا تشعرين بما تعرِّضين نفسك له من الخطر؟ ومع ذلك فما لا يمكن أن نناله برضاك لا بد منه برغم أنفك.» قال ذلك ودنا منها وقبض على ذراعها ويده ترتعش، فاقشعرَّ بدن فلورندا وأحسَّت كأنه ممسك ذراعها بقبضة من حديد، فصاحت: «ويلك يا ظالم! تبًّا لك يا فاسق! ألا تخاف يوم الحساب؟ ألا تخاف الله؟ قبَّح الله ملكًا يتولَّى إنصاف المظلومين وهو أكبر الظالمين! ولعن الله رجلًا يزعم أنه أُقيم لكبح جماح المتمردين، وهو لا يقوى على كبح شهواته!» ثم أرسلت بصرها نحو السماء ورفعت يدها الأخرى، وقالت: «إليك أتوسل أيها المخلِّص الحبيب، وأعوذ بك من هذا الظالم الخائن.»

وكان رودريك في أثناء ذلك يحاول أن يمسك بيدها الأخرى وهي تحاول التخلُّص منه، فاقترب فمه من وجهها فاشتمت رائحة الخمر، فهمَّت أن تقول شيئًا فاعترض قولَها رعودٌ قاصفة، توالت بضع ثوانٍ أعقبها صوت صاعقة انقضَّت بالقرب من ذلك المكان فارتجَّ لها القصر من أساسه، ونفذ وميض البرق من شقوق النوافذ كأنه حِرابٌ من نار، فكان لتلك الحركة تأثير شديد على نفس رودريك شغله لحظةً عن فلورندا، وتولَّاه الرعب لأنه توهَّم لأول وهلة أن القضاء يتهدَّده، كما يفعل بعض الذين يُربَّون في مهد الدين، فيعتقدون أن الأقدار تراقب حركاتهم وسكناتهم، وأن الطبيعة لا تعمل عملًا إلا وهي تتعمَّد به خيرهم أو شرَّهم، إما ثوابًا على حسنة، أو عقابًا على سيئة، وربما اعتبر بعضهم العملَ الواحدَ تارةً ثوابًا وطورًا عقابًا تبعًا لما يوحيه إليه ضميره. والضمير يندر أن ينخدع إلا أن يكون قد مات بتوالي ارتكاب المنكرات أو غلب عليه تيار الشهوات، كما أصاب رودريك لمَّا سمع قصف الرعد وانقضاض الصاعقة، فإنه تهيَّب لأول وهلة، وامتُقِع لونه واختلج قلبه، ولعله ندم وعوَّل على الرجوع عن قصده. على أن ذلك الخاطر لم يمرَّ في ذهنه إلا مرور البرق إلى ما كان عليه.

وأما هي فإنها اغتنمت تلك الفرصة ونزعت يدها من يده، وقد اعتبرت انقضاض تلك الصاعقة نصيرًا لها عليه، إجابةً لصوت دعائها، فالتفتت إليه وهي تقول: «ألا تعلم أنَّ في الكون من ينتصر للضعيف على القوي؟ ألا يستطيع ذلك الجبَّار أن يُنزل عليك وعلى قصرك صاعقة تذهب بكما إلى الفناء العاجل؟»

فأُفحم رودريك لمَّا رأى الأقدار تزيد حجَّة فلورندا عليه، ولكنه اعتبر نفسه في موقف انتقام، ولم يزدد إلا تماديًا في غرضه، فتقدَّم إليها وقبض بإحدى يديه على كتفها ومدَّ يده الأخرى ليقبض على يدها ثم يرفسها بقدمه، فتشدَّدت هي وجذبت نفسها من بين يديه، فأفلتها بالرغم عنه لأنه لم يكن قد أمسكها بكل قوته. فلما أفلتت منه اشتد غضبه، فهجم عليها هجوم الثور وهو لا يبالي بما يكون من أمرها.

فلما رأته فلورندا قد هجم عليها والشرر يتطاير من عينيه لفرط غضبه أيقنت بالخطر العاجل، فعوَّلت على الانتحار قبل وصوله إلى ما يريد، فجثت على ركبتيها ورفعت بصرها إلى السماء كأنها تستغيث، وهي لا تزال إلى تلك اللحظة تعتقد أن العناية الإلهية لا تتخلَّى عنها، ولكنها لما رأت رودريك يكاد يصل إليها، أسرعت هي فقبضت بكلتا يديها على عنقها وهمَّت أن تخنق نفسها وهي تقول: «الموت، الموت خير من العار. إليك أسلِّم روحي يا مخلِّصي الحبيب.» قالت ذلك وضغطت على حنجرتها فانحبس الدم في وجهها وجحظت عيناها، فعمد رودريك إلى رفع الضغط فأمسك بيديها وشدهما فأبعدهما عن عنقها، وكانت قد خارت قواها فسقطت، وقد استرخت عضلاتها واستلقت على ظهرها لا حراك بها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤