المروءة ومعرفة الواجب

فمدَّ سرجيوس يده إلى جيبه وأخرج كتاب يوليان وهو لا يزال في أنبوبته وقال: «ولما خرجت فلورندا من طُلَيْطلة كما قدمت لسيادتكم كتبت إلى أبيها كتابًا تشكو فيه ما حلَّ بها من الشقاء في قصر رودريك وما أراده منها، وبعثت بالكتاب مع أجيلا فجاءها جواب حاسم لما نحن فيه، وهذا هو.» ودفع الأنبوبة إليه، فتناولها أوباس وسحب منها الكتاب ملفوفًا، وفضَّه وقرأه وأعاد قراءته، وسرجيوس ينظر إلى ما يبدو من آثار ذلك على وجهه فلم يرَ تغييرًا يُذكر، فلم يستغرب ذلك لأنه علامة من علامات رباطة الجأش وسعة الصدر. ولكنَّه توقَّع أن يسمع ما يدله على ذلك الأثر فإذا هو يقول: «هل زادكم أجيلا إيضاحًا؟»

قال سرجيوس: «نعم، إنه رأى جند العرب ينزلون على شواطئ إسبانيا ويوليان معهم يدلهم على عورات البلاد.»

قال أوباس: «وهل علم رودريك بذلك؟»

قال سرجيوس: «نعم، جاءته الأخبار منذ أيام، فلم يعبأ بها ولا أطلع أهل مجلسه عليها، فآل ذلك إلى زيادة الخرق اتساعًا، وبات رودريك في أشد الضيق وأصبح خروج المُلك من يده أمرًا محتومًا.»

فقال أوباس: «وما سبب هذا الانقلاب؟»

قال: «لأن الكونت كوميس قائد الجند العام علم بنزول العرب إلى شواطئ إسبانيا من أناس أتوا إلى طُلَيْطلة من هناك، وثبت لديه أن رودريك أخفى ذلك الخبر عنه، فعاتبه في مجلسٍ حضره كبار الموظفين فآلت المعاتبة إلى المنافرة، فخرج كوميس من الجلسة غاضبًا من رودريك ومن قسِّه مرتين. وبعد انفضاض المجلس عاتب رودريك القس مرتين فتخاصما، وخرج مرتين وأقام في الكنيسة الكبرى، وهناك لقيتُه وفهمتُ منه أنه ناقم على رودريك، وساعدني — من أجل ذلك — في الوصول إليك برقعةٍ كتبها إلى الحارس. ويرى الأب مرتين أنك لو طلبت استئناف النظر في قضيتك فلا ريب في خروجك بريئًا، وعلى كل حال فإن الله قد رد كيد الظالمين في نحورهم، وهذا رودريك الذي كان بالأمس يستبد في رجل مثل أوباس أصبح وقد هجره قائد جنده وأخص أخصائه، وبات سخريةً بين الناس. ألا ترى أن ذلك من تدبير العزيز الحكيم؟»

وكان سرجيوس يتكلم ويتفرَّس في وجه أوباس ليتبين ما يبدو عليه، وأوباس مطرق يمشِّط لحيته بأنامله وهو مستغرق في الأفكار، وقد قطب حاجبيه وبان الاهتمام في عينيه. فلما فرغ سرجيوس من الكلام رفع أوباس بصره إليه وهو لا يزال مستغرقًا في الأفكار وجعل يحدق ببصره في وجه سرجيوس كأنه يستطلع ما في نفسه، فلم يستطع سرجيوس احتمال أشعة تينك العينين أو الصبر على التحديق فيهما وكأنهما منفذ للسيال الكهربائي المتولد في الدماغ من أعمال الفكر، فكلما زاد الدماغ عملًا زاد ذلك السيال قوة. وظل كلاهما صامتًا بضع دقائق، ثم تكلَّم أوباس قائلًا: «أتستحسن الانتقام من رودريك في هذه الفرصة؟»

قال: «وهل تتوقع فرصة أثمن منها؟ إنه في أشد الضيق، أعداؤه يهددونه وأصدقاؤه يتوعدونه.»

فنهض أوباس وجعل يخطر في أرض الغرفة ذهابًا وإيابًا، وأنامله في لحيته يمشطها وشعر رأسه يجلل كتفيه، وقد زاده ذلك السكوت وقارًا وهيبةً وسرجيوس ينظر إليه ولا يتكلم. ثم وقف أوباس بغتة أمام سرجيوس، فنهض هذا وأصغى لما سيقوله أوباس فإذا هو يقول: «أمِنَ المروءة يا سرجيوس أن نغتنم ضعف عدونا ونحمل عليه وهو في أشد الضنك؟ وهل من الحكمة والتعقُّل أن نساعد الغريب على القريب؟ إن رودريك مهما قيل فيه فهو منا ونحن منه، نشرب من ماء واحد، ونقرأ في كتاب واحد، ونتكلم لسانًا واحدًا، ونصلي صلاة واحدة، ونتناول القربان المقدس من كأس واحدة، ونجتمع في كنيسة واحدة، فكيف نغتنم ساعة ضعفه ونعين عليه أناسًا لا نحن منهم ولا هم منا، ولا دينهم من ديننا ولا وطنهم وطننا؟ وزد على ذلك أن الانتقام من رودريك في هذه الفرصة يجر البلاء على كل بلاد الإسبان، إذ نخرجها من حضن دولة ربتها وعاشرتها إلى دولة جديدة لا نعرف شيئًا عنها، ولا ندري ما يصير إليه أمر هذه البلاد إذا فتحها أولئك العرب، ألم يسفك أجدادنا دماءهم في فتح هذه الجزيرة واستغلالها؟ فيكف نسلم بذهابها هدرًا؟ أما ما في أنفسنا من إنكار حق رودريك في المُلك فإنما هو من قبيل ما يحدث من التنازع بين الأخ وأخيه أو الأب وابنه، فلا يجوز أن يستعين أحدنا على الآخر بأمة غريبة جنسًا ومذهبًا ووطنًا. وأما ما ارتكبه رودريك من الشطط في الإساءة إليَّ فيكفيه من ضميره ما يعذبه، والله يتولى أمره، فنحن يا سرجيوس في موقف يقتضي أن ننبذ فيه الضغائن ونتَّحد على العدو المهاجم رغبةً في سلامة المملكة، ويجب أن نغضيَ عما أساء به أحدنا إلى الآخر، وها أنا أبدأ بنفسي فأذهب إلى رودريك وأستحثه على الاتحاد في سبيل الوطن.» قال ذلك ومشى إلى رفٍّ كانت قلنسوته عليه فوضعها على رأسه، وهمَّ بالخروج وقد ظهر التأثر في وجهه ونسي أنه في سجن ولا سبيل إلى خروجه إلا بإذن الملك.

وكان سرجيوس في أثناء ذلك الخطاب يتصاغر في عيني نفسه، فما أتى أوباس على آخر أقواله حتى اعتقد سرجيوس أنه من أحقر الناس وأن أوباس من طينة أسمى من طينة البشر، فأكبَّ عليه وضمه إلى صدره وقبَّل لحيته وعارضيه، وقال له: «بورك فيك من بشر. وما أنت بشر إنما أنت ملك كريم، لقد حقَّرتني في عينيَّ وجعلتني مرذولًا عند نفسي، فأنا تابع لك فيما تصنعه عامل بما تأمر به.»

وكان أوباس في أثناء ذلك يلبس قلنسوته ويصلح شعره تحتها ثم مشى نحو الباب، وما إن أدركه حتى انتبه إلى أنه لا يستطيع الخروج بغير إذن الملك، فتراجع وقد خجل لذهاب ذلك من ذهنه، وتناول لوحًا من ألواح الكتابة (مكسوًّا بالشمع) فكتب عليه ما يأتي:

من أوباس الميتروبوليت إلى رودريك ملك طُلَيْطلة

أكتب إليك من سجني لا لرحمةٍ أرجوها ولا لنكبةٍ أخافها، ولكنني علمت بمصيبة تهدد المملكة، فأردت أن أكون شريكًا في دفعها وأن أضع رأسي بين رءوس جندها، ولي كلام أحب أن ألقيَه على مسامعك، فمر حارس سجني أن يحملني إليك، والسلام.

وخرج فدفع الكتاب إلى الحارس وأمره أن يوصله إلى الملك وعاد إلى مجلسه، فحمل الضابط الكتاب وسار.

وكان رودريك قد أصبح في حيرةٍ من أمره بعد أن هجره قائد جنده، فلا هو يستطيع أن يتنازل لاسترضائه ولا ذاك يعود إليه من تلقاء نفسه، ولو كان الأب مرتين عنده لاستعان به في فض هذا الخلاف، فقضى معظم اليوم في غرفته وإذا بخادمه الخاص يحمل إليه كتاب أوباس، فتلاه وهو لا يصدق أنه يقرأه، فأعاد قراءته غير مرة. ولما فرغ من ذلك أمر أن يكتب باستقدام أوباس وخرج لانتظاره في قاعة المجلس.

وبعد هنيهة دخل أوباس بقدم ثابتة وجأش رابط، فلبث رودريك صامتًا ساكنًا ليرى ما يبدو منه، فبدأ أوباس بالكلام قائلًا: «لا تخف أيها الملك، إني لم آتِكَ لعتاب أو توبيخ، إنما جئت لأمرٍ يتعلق بمصلحة المملكة. جئت على أثر ما بلغني من نزول العرب في شواطئها وعزمهم على فتحها، وأن قائد جندك أغضب نفسه وأغضبك واغتنم ساعة حاجتك إليه وهجرك … وهو ضعف شبيه بضعف يوليان صاحب سبتة، فإنهما غضبا من أحد رجال القوط، فعمدا إلى الانتقام من المملكة كلها ومن نفسيهما لأنهما من أفرادها … على أن خطأهما لا يبرئ الملك من الخطأ الذي اقترفه مما لا نخوض فيه الآن.» قال ذلك بسكينة ورزانة، والجد باد في وجهه، فاستغرب رودريك ما سمعه وارتاب في إخلاصه لأنه لا يستطيع أن يتصور مثل هذه الخصال لبُعدها عن خصاله هو، كما يستبعد الشهمُ الوفيُّ وجودَ أناس يكافئون على الحسنة بالأذى، فأراد أن يتبين حقيقة ما يريد أوباس فقال: «وما الذي تراه؟»

قال: «لقد أحسنت في اقتصارك على الموضوع الذي نحن فيه، فالذي أراه أن نبعث إلى الكونت كوميس وإلى الأب مرتين، فإذا حضرا أوبخهما وأحرضهما على الرجوع إليك والعمل معك على إنقاذ هذه المملكة من غارة المهاجمين.»

فأمر رودريك أحد الحرس أن يذهب في استقدامهما حالًا، فسار الرجل وأشار رودريك إلى أوباس بالجلوس وهو لا يصدق أنه يقول ما يقوله عن إخلاص وحمية. وظل صامتًا يخشى أن تبدو منه بادرة يُلام عليها؛ لأن أوباس بهره بمروءته وجسارته.

وأما أوباس فجلس ولم يعبأ بمن في حضرته، وبعد قليل عاد الرسول وأنبأ الملك بقرب مجيئهما. ثم أقبل كوميس فحيا باحترام وجلس بإشارة الملك، وقد استغرب وجود أوباس هناك، ثم جاء مرتين فبدا عليه الانفعال حين وقع بصره على أوباس. أما أوباس فالتفت إلى رودريك واستأذنه في الكلام فأذن له، فوجَّه كلامه إلى كوميس قائلًا: «قد بلغني يا حضرة الكونت أنك خرجت بالأمس من مجلس الملك غاضبًا، فكيف حالك الآن؟»

فقال: «لم أغضب من جلالة الملك إلا غيرةً على المملكة، ولكنني لم أبلغ منزلي وأخلُ بنفسي حتى رأيتني قد تعجَّلت في الأمر؛ لأننا في حالة تدعو إلى الاتحاد لدفع الأعداء.»

ولم يتم كلامه حتى ابتدره أوباس قائلًا: «يا لك من شهم صادق! ذلك رجائي فيك لعلمي بحدة مزاجك، وحادُّ المزاج سريع الرجوع إلى الصواب.» ثم التفت إلى مرتين وكان جالسًا مطرقًا، وقال: «ولا أظن الأب مرتين إلا فاعلًا مثل ذلك أيضًا.» فظل مرتين مطرقًا ولم يجب، فالتفت أوباس إلى رودريك وقال: «لا ريب عندي في رغبة قداسة الأب في الوفاق والوئام ونبذ البغضاء عملًا بوصية السيد المسيح؛ ولذلك فإننا لا نطيل الكلام في هذا الشأن بل نبادر إلى العمل، فيأمر جلالة الملك بعقد المجلس من كبار رجال الدولة للنظر في الوسائل اللازمة.»

فرفع مرتين رأسه عند ذلك ووجَّه خطابه إلى الملك قائلًا: «كيف تبرمون مثل هذا الأمر قبل عرضه على مجمع الأساقفة، وجلالة الملك يعلم أن قوانين المملكة تقضي بذلك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١