طلب الصلح

وفي ٢ مارس سنة ١٨٨١ طلبت إنكلترا هدنةً ثمانية أيام، وكان في نيتها استئناف القتال؛ ولذلك أمرت الماجور جنرال روبرتس بالاستعداد لقيادة خمسة عشر ألف مقاتل والذهاب بهم إلى جنوب أفريقيا، فلما علِم بذلك البوير خافوا العاقبة؛ لعِلْمهم أنهم ليس في إمكانهم الوقوف أمام هذه الحملة، فأسرعوا بطلب الصلح، ووسَّطوا المستر برند رئيس جمهورية أورنج، وأرسلوا إلى السير وود يطلبون منه تشكيل لجنة من البوير والإنكليز للبحث في الطلبات المُرْضية للطرفين، فأرسل السير وود إلى المستر غلادستون بذلك، وأعرب عن رغبته في إجابة طلباتهم، فسعى هذا الأخير لدى حكومته ليقنعها بقبول الصلح، ومنح البوير الاستقلال، فنجحت مساعيه، وأوقفت الحملة التي كانت على نية المسير. وفي ٥ مارس ١٨٨١ أرسل المستر غلادستون إلى الجنرال وود يقول له بأن جلالة الملكة قبلت تشكيل لجنة للبحث في طلبات البوير، وأنها أمرت السير هركيل روبنصن حاكم مستعمرة الكاب والسير هنري دي فيليه والسير وود بعقد معاهدة الصلح، فاجتمع هؤلاء الثلاثة مع قواد البوير كروجر وجوبير وبريتوريوس وعملت المعاهدة في ٣ أغسطس ١٨٨١، وهاك أهم بنودها:
  • أولًا: منح جمهورية الترنسفال استقلالًا إداريًّا تحت سيادة بريطانيا العظمى.
  • ثانيًا: تعيين مندوب إنكليزي في بريتوريا لحماية الإنكليز القاطنين في أنحاء البلاد.
  • ثالثًا: منح حرية الأديان.
  • رابعًا: منع تجارة الرقيق منعًا كليًّا.
  • خامسًا: معاملة الأجانب معاملة الوطنيين مع التخويل لهم حقَّ الانتخاب في مجالس الحكومة.
  • سادسًا: قضايا الأجانب وقضايا العبيد الكبرى تُحَل بواسطة المندوب الإنكليزي.
  • سابعًا: للمندوب الإنكليزي الحقُّ أن ينظر في القوانين والأوامر التي تسنُّها الحكومة والاعتراض عليها، إن لم تكن موافقة.
  • ثامنًا: للمندوب المذكور الحقُّ في مخابَرة دولتِه واستدعاء الجنود الإنكليزية إذا أوجب الحال.

وأمضى هذه المعاهدة مندوبو البوير والإنكليز في نفس الموضع الذي عُقِدت فيه معاهدة الانضمام بيد السير شيبستون، ثم عُرِضت على مجلس الفولسكراد، فأقرَّ على عدم قبولها وطلبَ تحويرَ بعض بنود، منها البند القائل بأن علاقات الأجانب وقضايا العبيد الكبرى تُحَلُّ بواسطة مندوب إنكلترا، بل طلب أن يكون معه عضو آخَر من البوير برئاسة رئيس الجمهورية، ثم اعترض على تخويل المندوب الإنكليزي حقَّ الاعتراض على ما تقرِّره الحكومة من القوانين والأوامر، وأرسلوا بذلك تقريرًا إلى المندوب الإنكليزي ليعرضه على حكومته، فأرسله في الحال إلى لندرا، فأجاب اللورد كمبرلي بقوله إنه تقرَّر عدم تغييرِ بندٍ من بنود المعاهدة، ولكن إذا قام الفولسكراد بإنفاذ هذه الشروط ورأت إنكلترا ما يؤهِّله الاستقلال التام، فلا تُضنُّ عليه به. ولما أُبلِغَ هذا الجوابُ إلى أعضاء الفولسكراد أصرُّوا على الرفض، ولولا طالع سعد البوير لَكادت الحرب تعود بينهما، وإنما جاء في ذلك الحين تعيين اللورد بيكونسفيلد ناظرًا للمستعمرات، فأجاب طلبهم، وتحوَّرت المعاهدة بما يلائم رغبتهم، وكان ذلك في أكتوبر سنة ١٨٨١. ولما انتشر ذلك الخبر بين البوير أخذوا جميعًا يلهجون بالدعاء لجلالة الملكة واللورد بيكونسفيلد، والسير وود، الذي كان أعظمَ مساعدٍ لهم على نيل مطالبهم، وحاولوا أن يحرقوا رسمَ المستر غلادستون؛ لأنه لم يَفِ بوعده لهم، وبقدر سرور البوير باستقلالهم كان حزن رعايا إنكلترا؛ ولذلك غادروا البلاد أفواجًا وأكثرهم من الأغنياء والتجار، فبخست أثمان الأطيان وانحطَّتِ التجارة.

أما المستر كروجر فلم يَجْنِ أثمارَ أتعابه إلا في يناير سنة ١٨٨٢، حينما انتهت مدة انتخاب الرئيس برجر فانتخبوه رئيسًا للجمهورية بدلًا عنه، وبذلك نال أمنيته التي طالما علَّل بها النفس، وكان يومُ انتخابه عظيمًا جدًّا، فتواردت عليه التهاني من كل فج، وعندما تولَّى الرئاسة لم يقنع بالاستقلال، بل وجَّهَ نظره لطرد الإنكليز من مستعمرات جنوب أفريقيا، وضمها إلى جمهوريته، فتوجَّه مع المستر تويت وسميث إلى لندرا في سبتمبر سنة ١٨٨٣ وتقابلوا مع اللورد دربي الذي كان ناظرًا للمستعمرات في ذاك الوقت، وطلبوا منه تحويرَ معاهدةِ سنة ١٨٨١، وأنهم لم يقبلوها في بادئ الأمر إلا رغبةً في السِّلْم، فطرح أمرهم على البرلمان الإنكليزي، فقرَّر إجابةَ سُؤْلهم وغيَّر بعض بنودٍ منها ببنود جديدة، منها تسمية حكومة الترنسفال جمهورية أفريقيا الجنوبية، ومنها عدم تخويل الجمهورية عقْدَ معاهدةٍ مع أي دولة خلاف جمهورية أورنج، ومنها إلغاء سيادة إنكلترا على الجمهورية، وكان ذلك جلَّ ما يتمَّناه الرئيس كروجر ليكون مطلق الحرية، وبعد أن نال مُشْتهاه زار بعض العواصم الأوروبية، فقُوبِل بمزيد الحفاوة والإكرام، وعاد إلى بلاده ظافرًا مسرورًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠