مقدمة

الشعر العصري

تناول بعضهم ديوانًا من الشعر، فقال: هذا شعر عصري! هذا ديوان خلا من باب المدح وباب الهجاء، فهو شعر جديد وليس بشعر قديم.

ذلك مثل من أمثلة التقليد في إنكار التقليد، فالشعر لا يكون عصريًّا مبتكرًا لأنه خلا من المدح ولا يكون قديمًا محكيًّا لأنه يشمل عليه، وإنما يخرج «المدح» من الشعر لأنه كلام يضطر الناظم إليه اضطرارًا ولا يعبر فيه عن عقيدة صادقة أو عاطفة صحيحة، ولولا الحاجة إلى نوال الممدوح لما نظمه ولا أجاله في خاطره، فمن هنا كان المدح كلامًا لا شعر فيه ولا دلالة على شعور، أما المادح الذي يقول ما يعتقد أو يحس أو يتمثل أو يتخيل فلا فرق بينه وبين شاعر الوصف والغزل والحماسة من حيث القدرة الشاعرة، ولا سيما إذا هو أثنى بما يوجب الثناء في رأيه وضميره.

ولنضرب لذلك مثلًا من التصوير بالريشة، وهو كالشعر، أحد الفنون الجميلة التي يقع فيها الابتكار والتقليد، فلا نعرف ناقدًا يزعم أن المصور الذي يرسم رجلًا من أجل ثمن مقدور لا يُعَدُّ من المصورين «العصريين»؛ إذ كل ما يُطلَب منه هنا أن يجيد نقل الشَّبه والدلالة على الملامح والأطوار النفسية، فإن أجاد في عمله هذا فهو مصور كأحسن المصورين، وإن لم يُجِد فليس بمصور وإن كان يرسم الأشخاص متبرعًا غير مأجور، أو كان يشغل نفسه بمناظر الطبيعة وما شابهها من الموضوعات التي تقابل الوصف والغزل في القصائد. وكذلك المدح في دلالته، على الشاعرية أو في انتظامه بين أبواب الشعر الصحيحة، فإنما يُعاب بيع الثناء من وجهة الخُلُق والعُرف لا من وجهة الفن والتعبير، أما الذين «يقلدون» في إنكار القديم فقد اختلط عليهم الأمر؛ فحسبوا المدح منفيًّا من عالم الشعر لذاته لا لما قدمناه.

•••

وقرأ بعضهم قصيدة في وصف الصحراء والإبل، فأنكر أن تكون من المذهب الجديد وعدَّها بابًا من الشعر لا يجوز أن يطرقه العصريون!

ذلك مثل آخر من أمثلة التقليد في إنكار التقليد؛ لأن وصف الصحراء والإبل إنما يُحسَب تقليدًا لا ابتكار فيه إذا نظمه الناظم مجاراة للأقدمين واقتياسًا على الدواوين، أما الرجل الذي يعيش في الصحراء أو على مقربة منها، ويركب الإبل وتجيش نفسه بالشعر والتخيل عند ركوبها ورؤيتها فليس بشاعر إن لم ينظم في هذا المعنى مخافة الاتهام بالتقليد أو جريًا على رأي الآخرين.

إذ هذا هو التقليد بعينه في التصور واختيار الموضوعات، وما المقلد إلا من ينسى شعوره ويأخذ برأي الآخرين على غير بصيرة أو بغير نظر إلى دليل.

فهناك إذن «مقلدون» في كراهة التقليد لا يدركون لماذا يستحسنون ولماذا يستهجنون، وربما كان هؤلاء أضر بالمذاهب الجديدة من معشر الجامدين على المذهب القديم.

إن من أراد أن يحصر الشعر في تعريف محدود لكمن يريد أن يحصر الحياة نفسها في تعريف محدود، فالشاعر لا ينبغي أن يتقيد إلا بمطلب واحد يطوي فيه جميع المطالب، وهو «التعبير الجميل عن الشعور الصادق»، وكل ما دخل في هذا الباب — باب التعبير الجميل عن الشعور الصادق — فهو شعر وإن كان مديحًا أو هجاء أو وصفًا للإبل والأطلال، وكل ما خرج عن هذا الباب فليس بشعر وإن كان قصة أو وصف طبيعة أو مخترع حديث.

كذلك يبلغ من ضيق الوعي وركود النفس ببعض النقاد أن يحصروا كل باب من أبواب الشعر في نمط لا يعدوه ولا هم يتخيلون غيره، فيقولون مثلًا: إن الغزل لن يكون إلا هكذا وإلا فليس هو بغزل، وإن الوصف لا بد أن يجري هذا المجرى وإلا فليس هو بوصف، ويحسبون أن النفوس لا تحس إلا على وتيرة واحدة ولا تعبر إلا على أسلوب واحد، فإذا سمعوا غزلًا فينبغي عندهم أن يكون على مثال الأغاني التي يسمعها العامة في المراقص والأندية، أو على مثال يشبهه وينحو نحوه! وقس على هذا مذهبهم في سائر الأبواب: من أحب البحتري فليكن الوصف عنده بحتريًّا، ولا وصف على الإطلاق! ومن ألف حكمة المتنبي فلينظم الناس له أبياتًا على طرازها أو لا ينظموا على أي طراز! ومن عرف أن «الاجتماعيات» مجال محمود في بعض الدواوين فحرام على الدواوين كلها أن تتسع لغير الاجتماعيات! ومن ظن أن الملاحم الكبيرة أثرت على كبار الشعراء، فالشاعر الذي لا ملحمة له ليس بشاعر كبير!

لقد سميت إحدى قصائد هذا الديوان «بالغزل الفلسفي» تحديًا لهذا الضيق السقيم والحجر العقيم، فقد أضحكني بعضهم حين سألني متباصرًا: وهل الغزل الفلسفي مما يصلح لاستهواء الحبيب؟ فقلت له: ومن الذي زعم أننا لا نتغزل إلا لاستهواء الأحباء؟ إنك حين تناجي القمر لا تعني أن تستهويه أو تخاطبه بما هو أدنى إلى إدراكه، وإنك حين تحكي شعورك بالرياض والأزهار لا تفقه عنك الرياض والأزهار حرفًا مما تحكيه، ولكنك تناجي وتحكي وتتغزل لأنك تعبر عما في نفسك قبل كل شيء، فالغزل تعبير عما تشعر به حين ترى الوجه الجميل والخلق القويم، وإذا كانت بعض القرائح تستحضر جمال الحياة بأسرها وما تنطوي عليه من الأسرار حين تنظر إلى الوجوه الجميلة، فلماذا يحرم عليها أن تمثل هذا الشعور؟ وإذا كانت بعض الطبائع تقرن بين الجمال وما تستحقه الدنيا من التفاؤل والتشاؤم وما يغمرها من الخير أو الشر، فلماذا يُحال بينها وبين التعبير؟ ألأن الجمال لا يقع في معظم النفوس إلا موقع الغناء في المراقص يحتم على الشعراء أن يغرقوا في المراقص طوال الحياة؟

إن ضيق نطاق الحياة هو الذي يلقي في روع الأغمار هذه الأوهام عن الشعر وأبوابه ومراميه، بل ضيق نطاق الحياة هو الذي يلقي في روعهم أن الشعر جانب والجد جانب آخر وأن هذين الجانبين لا يلتقيان، فبين يدي كلمة للمغامر الإنجليزي لورنس يقول فيها: «إن رجال العمل عندنا ينطوون على جانب من الشاعرية بقسطيها من صلاح وطلاح.» وبين يدي كلمة مثلها للحاكم الإيطالي «موسليني» يقول فيها للمؤرخ أميل لدفج: «إن الرجل السياسي ينبغي له أولًا وآخرًا أن يكون صاحب خيال، فإن لم يكنه جف ولم يبلغ قط شيئًا يُكتَب له الدوام، ولست أقول هذا عن رجل السياسة وحده لأنه ما من إنسان كائنًا ما كان يصل إلى شيء يُذكَر بغير الشاعرية والخيال.» وقد علمنا كيف أن «هريو» الوزير الفرنسي كان يشتغل بوضع كتابه عن هوغو بين شواغله الجسام التي قلما يضطلع بمثلها وزير، وأمثال هؤلاء كثيرون حيثما يتسع أفق العمل والشعور والإدراك.

فالنظر إلى الدنيا لن يتسع ولن يصح ولن يكمل إلا بخيال كبير يستوعب ما يراه ويقيس ما غاب على ما حضر، وما يمكن على ما أمكن، وما يتمخض عنه المستقبل على ما درج في ألفاف الزمان، وتلك ملكة لا غنى عنها لعامل ولا عالم ولا شاعر ولا قارئ ولا متعلم، وما دام أناس منا يجهلون مدى اتساع الحياة فلا عجب أن يجهلوا مدى اتساع الشعر، ولا بدع أن يهبط في مراتب الوجود إلى أفق دون أفق المشرفين على رحبه الشاسع الفسيح.

لقد رأينا دواوين لبعض الشعراء يستغرق ما فيها فضاء محدود يُقاس بعشرات الأشبار، فأين بقية آفاق الوجود؟ أين غرائب الإحساس التي تختلف إلى غير نهاية في كل طور من أطوار النفوس؟! إنك لن تستطيع أن تفرضها فرضًا إذا أنت قنعت من الدنيا بما تمثله لنا أشعار الناظمين المحدودين، فلنفهم شأن الخيال في توسيع الدنيا والسيطرة عليها نفهم شأن الشعر الصحيح، ولنفهم شأن الشعر الصحيح نحطم تلك السدود التي يحبسنا فيها أصحاب التعريفات من الجامدين أو المقلدين في كراهة التقليد، ولنذكر أبدًا أن «التعبير الجميل عن الشعور الصادق» عالم لا ينحصر في قالب ولا يتقيد بمثال.

عباس محمود العقاد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠