الفصل العاشر

في الهواء الطلق (٢)

أما جلستنا هذه المرة فكانت في سفينة شراعية عند روض الفرج، وقد بلغ النيل أوجه في علوه وفخامته وشدة جريانه واحمرار لونه، وبلغ القمر أوجه في جماله ونوره، وامتزج جمال القمر بجمال النيل بجمال الجو بجمال الحديث، فكان لنا من ذلك متعة فنية، ومتعة عقلية، أحببت أن أُشرك القراء فيها.

كان ثلاثتنا في الليلة السابقة هم بعينهم في هذه الجلسة، وزاد عليهم صديق رابع عاد من إنجلترا حديثًا بعد أن درس الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وعاد إلى مصر فتولاه نوع من الكآبة وانقباض الصدر وطول اللسان، والنقمة على كل شيء يراه، فلا يعجبه حياة الأسرة، ولا نظام المجتمعات، ولا نظام الاقتصاد، ولا منظر الناس في الشارع، ولا حجاب المرأة ولا سفورها، ولا شيء يقع تحت سمعه وبصره؛ وهو بجانب ذلك شديد اللوم لاذع النقد.

ذكرنا ونحن في الطريق المجلات العربية، فأخذ يُشنِّع عليها، ويقذفها بكل نقيصة، ويتهمها بأن أمثلها يتكلم في السماء ولا يتكلم في الأرض، ولا ينير الشعب بما ينبغي أن يعلمه، ولا يفهمه موقفه، ولا يحل له مشاكله ولا يرسم له خطة سيره، وتمر الأحداث بجانبها وكأنها حدثت في المريخ، فإن اعتذرنا له بالحرب وملابساتها قال: وهل كانت مجلاتكم قبل الحرب خيرًا منها الآن، وأحسن تقديرًا للظروف، وأصدق معالجة للأمراض الواقعية؟ وهكذا كلما عرضنا لشيء أوسعه نقدًا، حتى سارت بنا السفينة وحلت شراعها.

كان هذا المنظر يفتح الشهية للحديث كما فتحه للأكل، ولكن لا أدري السبب في أن جميع الأصدقاء القدماء تفتحت شهيتهم للصمت دون الكلام، إلا صاحبنا الجديد، فقد كان ثرثارًا لا يسمح لغيره أن يبدي رأيًا أو يتحدث حديثًا؛ وبذلك انقلب الوضع من سمر نشترك فيه، إلى محاضرة يُلقيها علينا صاحبنا، لا أدري من حسن الحظ أو من سوئه أن أحدنا سأله رأيه في مصير العالم بعد هذه الحرب، فقال: إن هذا سؤال لا تمكن الإجابة عنه بكلمة ولا بنوع من التنبؤ، ولا بالحدس والتخمين؛ إنه لا يمكن شرح الغاية إلا إذا عرفنا الاتجاه، فإذا شئتم حدثتكم بشرط ألا تقاطعوني، فأكره ما أكره في مصر أن المتحدث لا يستطيع أن يتم حديثه، ففي كل كلمة ينطق بها يُقاطع، وقبل أن يتمم فكرته يُعترض عليه، وقد يكون الآتي شرحًا للماضي ولكن لا يُمكَّن من ذلك؛ وقد يطول الجدل في القشور قبل أن يصل المتحدث إلى اللباب، والحق أن المصريين يحتاجون إلى من يُعلمهم فن الصمت كما يُعلَّمون فن الكلام؛ والحق أن الصمت فن له رسوم ومناهج يطول الحديث عنها؛ فهل أحدثكم في فن الصمت أو تلتزمون الإصغاء فأحدثكم فيما سألتم؟

وعدناه أن نلتزم الصمت؛ لأنه يوافق مزاجنا في هذه الآونة، ولأننا صائرون إلى هذه النتيجة شئنا أو أبينا، فإن تدفقه لا يسمح بالكلام لغيره.

قال: لست أريد أن أرجع بكم في الحديث إلى الماضي البعيد فإن شأنه يطول، ولكني أحدثكم في الحاضر مشوبًا بشيء من الماضي، وأبني عليه المستقبل.

في عصر فكتوريا كان العالم المتمدن يتجه إلى السير على مبدأين هامين:
  • المبدأ الأول: بأوسع معانيها، ولست أعني الحرية السياسية وحدها، بل أعني أن الحرية أصبحت مزاجًا عقليًّا يحاول تطبيقها على كل شيء؛ حرية في الشئون السياسية، وأن ينال كل فرد نصيبه في سياسة أمته بطريق التصويت؛ وحرية اقتصادية بالسير على مذهب Laissez faire — ولا أدري ماذا تُسمونه باللغة العربية — وأعني به حرية الفرد أن يشتري من أرخص سوق ويبيع في أغلى سوق، وحرية الضمير، وحرية العقل في أن يُنميه كما يشاء، ويُغذيه بما شاء, ويفك قيوده من الخرافات
  • والمبدأ الثاني: الروح العلمي وعدم تقيده بأي قيد، والبحث الحر الخالص، والإيمان التام بأن العلم هو الذي يجب أن يحكم الحياة ويسيرها.

وفي ظلال هذين المبدأين نمت الفردية، أعني احترام الفرد وحرية الفرد، وكان كل شيء يُنبئ بأن السير في هذا الطريق سيوصل حتمًا إلى سعادة الأمم ورفاهيتها، وإلى السلام العام وحسن التفاهم بين الشعوب؛ ولكن — مع الأسف — خاب الأمل، وأنتجت الحرية الاقتصادية غنى مفرطًا لقليل من الأفراد، وفقرًا مدقعًا للأغلبية، وحرية واسعة للأغنياء وأصحاب رءوس الأموال، وعطالة ورقًّا لكثير من العمال، كما أنتجت صراعًا حادًّا على الأسواق؛ وذلك أنتج الحواجز الجمركية، وآل هذا كله حتمًا إلى الحروب الطاحنة التي شاهدناها في حرب سنة ١٩١٤، والتي امتدت عواملها وبواعثها إلى الحرب الحاضرة.

وانقسمت الأمم إلى معسكرين، معسكر ظل على مبدأ الحرية الفردية ومظهرها الديمقراطية، مع تعديل ذلك بما تستوجبه الظروف، وحامل عَلمه إنجلترا وأمريكا؛ ومعسكر كفر بالفردية وآمن بالجماعة ولم يسمح للفرد بالحرية إلا في حدود مصلحة الجماعة، وحامل هذا العَلم روسيا الشيوعية وإيطاليا الفاشية وألمانيا النازية.

وهذا المعسكر الثاني قد وضع نظامه الاقتصادي والسياسي على هذا الأساس، أساس الجماعة لا الفرد، وإن اختلفت مناهج أممه ووسائلهم؛ ففي السياسة أُعطيت الهيئة التنفيذية سلطة واسعة جدًّا، وحُدَّت قوة السلطات الأخرى وضيقت المعارضة … إلخ؛ ومن الناحية الاقتصادية حلت النقابات في النظام الفاشيستي محل حرية الأفراد، وتدخلت الحكومات في الأمورالاقتصادية، ورسمت المناهج، ووضعت يدها على كثير من موارد الدولة … إلخ، وكانت الشيوعية أكثر إمعانًا في اضطهاد الفردية ونصرة الجماعية، ووضعت التربية في هذا المعسكر جميعه على أساس استمالة الفرد ليعد نفسه جزءًا من جسم المجموع لا شخصية مستقلة؛ وتبع هذا تضييق حرية الفكر وحرية النقد، بل وأحيانًا حرية العلم إذا كانت النتائج العلمية لا تتفق ونظام الدولة.

ومن ناحية أخرى رأينا المعسكر الأول نفسه قد شعر قادته بأن النظام الديمقراطي أيضًا في حاجة إلى تعديل، وخطب عظماؤه في وجوب إصلاحه لمواجهة العالم الجديد، فنظام رأس المال يسبب دائمًا أزمات حادة وعطالة محزنة؛ فنادوا بأنه يجب أن تتدخل الحكومات الديمقراطية ولو بعض الشيء لوضع حد لهذه المآسي، وتقييد الحرية نوعًا ما لمصلحة المجموع؛ وقالوا: إن النظام البرلماني بطيء في تسيير الأمور بطئًا يحتاج إلى علاج، والمطابع والتمثيل والسينما والراديو قد جاوزت حدودها في الحرية، ولا بد من تدخل في وضع حد لها مسترشدين بالمصلحة العامة.

•••

وإلى هنا توسطنا النيل، وهبت ريح فضربت الشراع فمالت السفينة ميلًا شديدًا، ففزعنا، وكان أفزعنا صاحبنا المحاضر فصاح، وسكت عن الكلام المباح.

ثم جاوزنا الوسط، وهدأت الريح، فاعتدلت السفينة فعادت شهوته للكلام وشهوتنا للاستماع.

وسألناه: فماذا تنتظر بعدُ؟

لعلكم ترون من هذا كله الصراع العنيف بين الفردية والجماعية، واضطراب العالم بين النزعتين، وشكواه من كبت الحرية العقلية في ظل «الجماعية»، وقلقه من البطء والعطالة في ظل الفردية.

إن العالم — فيما أرى — سيتحرر من خضوعه المطلق للعوامل الاقتصادية، وستكون المسائل المالية عاملًا من جملة عوامل، لا العامل الوحيد؛ وسيتعلم من هذه الكوارث إيمانه بنوع من الأخلاقية الأخوية؛ وسيتبين أن النظرة الاقتصادية وحدها أدت إلى حياة جافة بائسة، وسيعود إلى التعاليم التي أُهملت من أن الإنسان أخو الإنسان، وسيتجلى له أن التضييق على الحرية العقلية وإخضاع العلم للسياسة تُدهور العقل، وأن دعوى المصلحة العامة لا تُغني ما لم يُقصد إلى المصلحة العامة في صدق وإخلاص.

أما من ناحية الصراع بين الفردية والجماعية التي حدثتكم عنها، فإني أُرجح أن العالم سيهتدي إلى نوع جديد هو «الفردية في الجماعية»، وأعني بذلك أن العقول ستبتكر نوعًا من النظام يُحفظ فيه للفرد شخصيته في حدود مصلحة الجماعة، وستؤسس التربية والتعاليم والنظم السياسية على تغذية العاطفتين من غير أن تتضاربا وتتعارضا، وسيكون هذا علاجًا لكل مشاكل العصر الحاضر.

وهذا النظام المرجو لا يتحقق إلا إذا قبله العالم المتمدن كله، ونفذه في صدق وإخلاص وقوة عقيدة، وقامت على رعايته قادة الأمم ورجال السياسة ورجال العلم ورجال الدين، وتلاشت عصبية الأمم، وعصبية الأجناس، وعصبية الأحزاب، وعصبية أصحاب رءوس الأموال، وعصبية الطبقات، وتولى الزعامة رجال واسعو النظر شديدو الإخلاص، محبو الإنسانية، جمعوا بين قوة العقل وقوة الشعور، تسيرهم العقيدة الحقة المخلصة، لا الرأي العام المحلي المتحزب.

•••

وتعب الصديق من الحديث الطويل ووفائنا بشرطه، وتركنا إياه يُحاضر من غير مقاطعة؛ وطلب ماء فشرب ثم سكت.

فسأله أحدنا: وهل تظن — يا دكتور — أن العالم سيصل إلى هذه الغاية بعد هذه الحرب؟

فقال: إن هذا هو الأمل الوحيد لخلاص العالم، فإن لم يبلغها في هذه الحرب، فسيظل في كوارث تتبعها كوارث، وستزيد الويلات زيادة المتواليات الهندسية تبعًا لتقدم العلم وازدياد الحزازات، حتى يمل الإنسان فيُؤمن بالغاية التي شرحها، أما أنها الغاية فلا أشك في ذلك، وأما أنها الغاية من الحرب الحاضرة فلست أجزم به.

•••

ومرت بجانبنا سفينة ملئت فرحًا وسرورًا، وبها «جوقة» موسيقية تعزف وتغني، ويأخذ أهلها الطرب فيتصايحون ويتنادرون ويضحكون.

فأخذ صديقنا يُلقي محاضرة أخرى في الموسيقى الشرقية وعيوبها، وبدأ يُقارن بين الموسيقى الشرقية والغربية، وكاد يتدفق في هذا تدفقه في ذاك.

قال أحدنا: على رِسْلك يا دكتور!! فإن لقدرتنا على الاستماع حدًّا، والمتحدث ينبغي أن يُوائم بين أحاديثه، فأين ما كنت فيه من مصير العالم من الموسيقى العربية والغربية؟ فإن كنت خبيرًا بالموسيقى فتجنب «النشاز».

وضحك الجميع، ورست السفينة، وإلى اللقاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١