الفصل الثاني عشر

الربيع

لعن الله السياسة وألاعيبها، فقد أفسدت علينا كل شيء، حتى الطبيعة وجمالها، كنا ننتظر القمر ننعم بجماله، وتمرح نفوسنا في ضيائه، فإذا الغارات تنتهزه كما كنا ننتهزه، وترقبه كما كنا نرقبه، فاقترنت هالته بالقتل والدمار، وتلون بياضه بحمرة الدماء، وأصبح ضياؤه وخير منه الظلام، وبياضه وخير منه السواد، وفقد شعريته وفضيته وجماله وبهاءه، إلى حين.

وعَدَتْ أيضًا على الربيع الذي لم يمسس جماله أحد، ولم ينتقص جلاله أحد؛ فأخرجت لنا «لعبة» شيطانية سمتها «هجوم الربيع» أفقدته جماله وجلاله، وأحلت بها الخوف محل الأمن، وكراهة الاستقبال مكان بهجة الاحتفال.

ومع هذا فسنتناسى ألاعيبها وإفسادها، ولنخلص للربيع نستقبله ونحييه، فألاعيب السياسة موجات لا تعلو حتى تفنى، ولا تُخلق حتى تنعدم، ولا تكون حتى تفسد؛ والزمان باقٍ، والقمر باقٍ، والربيع باقٍ، وقلوب الناس لاستقبال الجمال والاحتفاء به باقية.

•••

هذا أنت — أيها الربيع — أقبلت فأقبلت معك الحياة بجميع صنوفها وألوانها؛ فالنبات ينبت، والأشجار تورق وتزهر، والهرة تموء، والقُمْري يسجع، والحمام يهدر، والغنم تثغو، والبقر يخور، وكل أليف يدعو أليفه، و«يا حسنها حين تدعوه فينتسب»؛ حتى الأغصان في الأشجار تغار فتتمايل وتتعانق، ولا تهدأ حتى تُمثِّل دور الأحباب، فكل شيء — بك — يُشْعِر بالحياة، ويمتلئ بالحياة، ويستولد الحياة، ويستجمل الحياة، ويُنسي هموم الحياة، ولا يُذكِّر إلا سعادة الحياة؛ فإن كان الزمان جسدًا فأنت روحه، وإن كان مظهرًا فأنت سره، وإن كان عمرًا فأنت شبابه.

•••

هذا أنت تغار على النهار المضيء، وقد اعتدى عليه الليل وظلمته، فسلبه قطعة منه، صبغها بأديمه، وأمده الشتاء القاسي فأعانه على ظلمه، حتى اعتدلت في منصبك، واستويت على عرشك، فرددت ظلامته في رفق وأناة، بالثانية والدقيقة، حتى اعتدل الليل والنهار؛ ثم أبيت إلا أن يظلم النهار كما ظلم الليل، فالجروح قصاص، فكنت في ظلمك عادلًا، وفي محاباتك منصفًا، وكان لك المجد؛ إذ وقفت بجانب النور والبياض، على حين وقف غيرك بجانب الظلمة والسواد.

•••

وهذا أنت — بسحرك العجيب — استطعت أن تجعل من الشمس حائكًا وشاءً نساجًا، يحوك أجمل الروض ويوشِّيه، ويُبدع في النقش والألوان والتصوير، فإذا الدنيا كلها جمال ألوان وجمال تصوير، يقلده أكبر فنان فيفشل، ويُحاكيه أكبر مصور فيعجز، فأين المادة من الروح؟ وأين التقليد من الإبداع؟ لقد حولت فعل الشمس في السماء إلى الأرض فجملت الثرى بنجوم الثريا، ونسقت فيه ألوانًا تزري بقوس قزح، وألفت من أزهاره أشكالًا وألوانًا وهندسة أين منها نهر المجرة، حتى خلت أن أهل السماء يرحلون منها ليروا ما أبدعت الشمس في الأرض.

أبدى لنا فصل الربيع منظرًا
بمثله تفنن ألباب البشر
وشيًا ولكن حاكه صانعه
لا لابتذال اللبس لكن للنظر
عاينه طرف السماء فانثنت
عشقًا له تبكي بأجفان المطر
فالأرض في زي عروس فوقها
من أدمع القطر نثار من درر

جعلت الدنيا ملء العيون بما أبدعت من ألوان، وما مايلت من أغصان، وما حِكت من وشي، وما صنعت من جمال؛ فأبيض ناصع في أخضر ناضر، وتعاريج سوداء في زهرة صفراء أو بيضاء، وأشكال مهندسة تستخرج العجب وتأخذ باللب.

من زهرة جميلة المنظور
ضاحكة كالوافد المحبور
باكية كالعاشق المهجور
شذرها الغيث بلا شذور
شقائق كناظر المخمور
وأقحوان كثغور الحور
ونرجس كأنجم الديجور
والطل منثور على المنثور
يرصد الياقوت بالبلور

تذكرنا قدود الأشجار بقدود الحسان، وحمرة الورد بحمرة الخد، وبياض الزهر ببياض الثغر، وتعانق الأغصان بتعانق الخلان! فأنت تعرض الجمال وتوحي بمعاني الجمال.

أرتك يدُ الغيث آثارها
وأعلنت الأرض أسرارها
فما تقع العينُ إلا على
رياض تُصنِّف أنوارها
يفتح فيها نسيم الصبا
خباها ويهتك أستارها
ويدني إلى بعضها بعضها
كضم الأحبة زوارها
كأن تفتحها بالضحى
عَذَارى تحلل أزرارها
تغض لنرجسها أعينا
وطورا تحدق أبصارها
إذا مُزْنةٌ سكبت ماءها
على بقعة أشعلت نارها

وعلى الجملة فقد كانت الدنيا — كما قال أبو تمام — بغيره معاشًا، فأصبحت به منظرًا.

•••

وكما جعلت الدنيا ملء العين جعلتها ملء السمع، فرأت الأطيار ما وشَّيْتَه في أرضك، فحرك أشجانها، وأطلق أصواتها، وجعلت منها موسيقى مختلفة النغمات، متعددة الأصوات، هذا البلبل يُغني ضاحكًا، وهذا الحمام يُغني باكيًا.

كانت عجماء فأفصحت في أيامك، وكانت خرساء فأنطقها جمالك، وكانت بكماء فراعها منظرك؛ فوقفت على السرو والدَّوح من خطبائك، فلما غنت حركت أشجان الإنسان، وأوحت إليه بالمعاني الحسان؛ فأفاض الشعراء في وصفها، وبكوا لبكائها، وتغنوا من غنائها.

•••

ثم هذا أنت ملأت الجو عطرًا بأزهارك الطيبة، وثمارك العطرة، فأنعشت النفوس، وبعثت الأمل، فلما خاف الناس من غيبتك، وانقطاع شذاك، أمعنوا الفكر في الاحتفاظ برائحتك، فاستخرجوا الروائح من أزهارك، وتحايلوا للانتفاع بها في غيابك، فاخترعوا الغوالي والندود، وعُنوا بالاستقطار والتصعيد، يتعطرون بها ذكرى لعطرك، ويتفننون فيها تقليدًا لعبيرك.

•••

لقد اعتدلت في حرارتك فلم تغلُ في بردك غلو الشتاء، ولا في حَرِّك غلو الصيف، فكنت جميلًا في جوك، كما كنت جميلًا في كل شيء من آثارك.

•••

ليت الزمان كان ربيعًا كله، إذًا لتذوق الناس الجمال كما ينبغي، فكان كل ما يصدر عنهم جميلًا لا قبح فيه، خيرًا لا شر فيه، فهل الرذيلة والشر إلا قبح كقبح الشتاء والصيف؟ وهل الفضيلة والحق إلا جمال كجمال الربيع؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠