الفصل الثامن عشر

فارس كنانة (١)

كنانة هذه قبيلة قحطانية كثيرة العدد، كانت تسكن عند مجيء الإسلام أرضًا فسيحة حول مكة، تمتد من تهامة في الجنوب الغربي من مكة، حيث يجاورون قبيلة هذيل، إلى الشمال الشرقي منها حيث يجاورون قبيلة أسد.

وقد دخلوا الإسلام كما دخل غيرهم، ونبغ منهم نوابغ كثيرون في الحروب وفي الشعر وفي العلم وسائر مناحي الحياة، فمنهم الشُّداخ بن عوف الذي كان على مُجَنِّبَة أبي عبيدة بن الجراح يوم «اليرموك»، ومنهم نصر بن سيار أمير خراسان في آخر العهد الأموي، ثم رافع بن الليث بن نصر بن سيار الخارج على الرشيد والقائد الكبير للمأمون، ومنهم أبو الأسود الدؤلي الذي يُنسب إليه وضع النحو، ومنهم أبو ذر الغفاري الاشتراكي الصادق الثائر على معاوية وعلى الأغنياء، ومنهم ربيعة بن مُكَدَّم الملقب فارس العرب، ومنهم قيس بن ذريح أحد عشاق العرب المشهورين وصاحبته لبنى، ومنهم عزة صاحبة كثير التي قال فيها غزله الرائع المشهور، ومنهم ابن داب الراوية المؤرخ، ومنهم كثير من المحدثين يضيق المقام عن ذكرهم.

وعلى الجملة فقد خلفوا لأعقابهم مفاخر يتداولونها، ومناقب يروونها، من بطولة وفروسية وإمارة وعلم وأدب.

تفرقت كنانة في البلدان بعد الإسلام كما فعلت كل القبائل، فجاء قوم مصر في أواخر العهد الفاطمي، ونزل بعضهم أخميم وما حولها، ونزل بعضهم دمياط وما حولها، ورحل قوم إلى فلسطين، ونزل قوم الشام.

•••

في شمالي «حماة» وعلى بعد خمسة عشر ميلًا منها حصن يقال له: حصن «شَيْزر» دخله التحريف على توالي الأيام فصار يسمى الآن «سيجر»، يقع على نهر العاصي، وهو حصن كبير بُني على أكمة مرتفعة تتحكم فيما حولها، حفروا حوله الخنادق ليزيدوا في مناعته وحمايته، وأنشئوا مدينة على النهر تتبع الحصن، وسمي كل ذلك «شيزرا»١.

كان هذا الحصن مشهورًا بمناعته وبخطورة موقعه، كما كان من قديم مركزًا لأعمال البطولة في الدفاع عنه والاستيلاء عليه، فالذين يسكنونه لا يعرفون الراحة إلا فترات قصيرة من الزمان، ينتبهون من نومهم على غارة أو صليل سيوف أو رمي بالمنجنيق، ألفوا ذلك كما يألفه الساكنون بجوار بركان ثائر، أو في منطقة زلزال متتابع.

•••

في سنة ٤٧٤هـ كان قوم من كنانة يسكنون بجوار حصن «شيزر»، وكان الحصن بيد الروم «البيزنطية»، استولوا عليه فيما استولوا من بلاد المسلمين، وتحكموا به في المواقع التي حوله، وكان رأس هؤلاء القوم من كنانة رجلًا شجاعًا مقدامًا قوي النفس كريمًا، أحبه قومه وأَمَّروه عليهم إمارة ملك محبوب مطاع، هو أبو الحسن علي بن مقلد بن نصير بن منقذ الكناني، فأعد عدته في هدوء، وسلح قومه، وأحكم خططه، وانتهز الفرصة، حتى إذا أمكنته أخذ الروم على غرة، وطوق القلعة؛ ورأى الروم أن لا طاقة لهم به وبقومه، فطلبوا الأمان وسلموه الحصن، وسكنه هو وقومه، وزادوا في تحصينه حتى صار أمنع من عقاب الجو أيام أن لم تكن طائرات.

تلقب أبو الحسن «بسديد الملك»، وعاش عيشة أشبه ما تكون بعيشة «سيف الدولة الحمداني»، شجاع يلذه القتال، وحوله قومه يربون تربية حربية، وفي كل حين قتال، وبين الوقعة والوقعة عيشة بدوية مترفة وحب للشعر وتلذذ لسماعه، يقصده الشعراء أمثال ابن الخياط وابن سنان الخفاجي فيغمرهم بما في يده من مال؛ وتحدث له الحوادث الخفيفة فيقول فيها الأشعار الطريفة على نحو ما كان يفعل سيف الدولة، كان يحب مملوكًا له فغشب عليه مرة وضربه ثم قال:

أسطو عليه وقلبي لو تمكن من
كفى غلهما غيظًا إلى عنقي
وأستعير إذا عاقبته حنقًا
وأين ذل الهوى من عزة الحنق

•••

كانت قلعة «شيزر» مطمح المحاربين وما أكثرهم؛ فالعرب من بني كلاب في حلب يريدون الاستيلاء عليها، والإسماعيلية يودون أن يتخذوها مركزًا لهم ولدعايتهم، والروم يطمعون في استردادها، والصليبيون يرون أنها باب الشام يريدون أن يمروا منها إليه، كل ذلك والقلعة بحصونها وخنادقها وفيها بنو منقذ بقلوبهم وشجاعتهم وفنونهم الحربية، استطاعت أن نصد كل مهاجم وتخيب كل أمل.

•••

كان لا بد للقلعة وحولها كل هؤلاء الأعداء أن يكون برنامج أهلها كله حربيًّا، وسكانها كلهم جنودًا، فالطفل جندي صغير، والشيخ جندي كبير، والبيت مدرسة حربية، والأم إحدى المعلمات والزوجة محرضة الزوج، والفتاة خاطبة الشجاع، ومواقع السيوف في جسوم الرجال شارة المجد، وويل للجسم السليم، لا تقبله فتاة ولا تعتز به زوجة، والحياة رخيصة، يخرج الرجل من بيته وأغلب الظن ألا يعود، ويسير السائر في الطريق وفي أكثر الأحيان يخرج عليه صليبي يُقاتله، أو إسماعيلي يُنازله، أو كلابي يُباغته، وفي ضواحي الحصن كانت أجمات مليئة بالأسود ما أشد ما تفترس، وما أكثر ما تنهش، وفي كل لحظة خبر بقتيل، ونبأ بغزو، وإنذار بغارة، وغارة بلا إنذار، وحديث القوم في سمرهم رواية أعمال الأبطال، كيف قتل رجل من الحصن عشرة، وكيف تغلب رجل على أسدين، وكيف استطاع فلان الصبي أن يُنازل صليبيين ويغلبهما ويقتلهما ويأخذ سلبهما، وكيف أن فلانًا الشيخ الهرم تقدمت به السن فنصحوه أن يلزم مسجده وينقطع لعبادته، فلبث في ذلك يومين ثم أنفت نفسه هذه الحياة الوادعة فأخذ سيفه وقوسه، ثم خرج يكمن للصليبيين، حتى إذا وقع في يده ثلة منهم خرج عليهم يُقاتلهم فيقتل ويأسر، ويعود مباهيًا بعمله، معتزًا بقوته على كبر سنه، عاتبًا على من نصحه بالتزام مسجده؛ وهذه فلانة كانت تخرج للقتال وتضرب بالسيف، وفلانة الأخرى لما هاجم العدو الحصن ألبست فتاتها لباس العرس، وأجلستها على حافة الهضبة من تحتها الوادي العميق، وقالت: إن انتصر الأعداء رميت بابنتي فدق عنقها ولا تقع سبية في أيدي الأعداء؛ و«سبيكة» ألم تسمعوا عنه؟ كان مخنثًا بشيزر يحضر الأعراس ويُغني ويرقص، ولكن كان إذا وقع القتال يلبس درعًا ويأخذ سيفه وترسه ويقول: «بطل التخنث.» ويخرج يضرب بسيفه كما يضرب الناس.

هذا برنامج الحصن وهذا سمره وهذه أحداثه، فلم يكن حصنًا، بل مدرسة تمرين على الحروب، وتكوين نفوس على القتال الشديد، وحقلًا لأنتاج جيل لا يخشى الموت ويعشق الشهادة، يألف الشجاعة بالممارسة، ويتعلم القتال بالأسوة، ويحذق فنون الحرب في ميادين القتال.

أستغفر الله، فقد نسيت في برنامج هذا الحصن مادة هامة وهي درس الأدب، ولكن كانوا يدرسونه على نمط غريب أيضًا، كانوا يقولون لأبنائهم: إن جدكم ربيعة بن مكدم كان بطلًا كبيرًا، وكان شاعرًا كبيرًا، ثم يروون أحداثه وشعره، ويلزمونهم حفظه، ثم يذكرون لهم من اشتهر بالفتك في الجاهلية كثابت بن جابر، والبراض وتأبط شرا، ثم من اشتهر في الإسلام كمالك بن الريب، وعبد الله بن سبرة، وعبد الله بن حازم، ويروون لهم فعالهم ويحفظونهم أقوالهم، ويعمدون إلى أقوى الشعر وأبعثه على القتال فيلزمونهم حفظه كقول عامر بن الطفيل:

إني وإن كنت ابن سيد عامرٍ
وفارسها المشهور في كل موكب
لما سودتني عامر عن كلالة
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي
أذاها وأرمي من رماها بمنكبي

وقول خالد بن الوليد: «ما ليلة أقر لعيني من ليلة تزف إليَّ فيها عرس إلا ليلة أغدو فيها لقتال عدو.».

إلى كثير من أمثال هذا الأدب الحماسي القوي الذي ينسجم وحياتهم، ويخدم أغراضهم.

•••

في هذا الحصن العجيب، وهذا الوسط الجني الغريب، ولد بطلنا «فارس كنانة» أسامة بن منقذ حفيد فاتح الحصن سديد الملك أبو الحسن.

رباه أبوه وأمه من صغره تربية الفروسية، يحبانه ولكن يحبانه شجاعًا، ويرعيانه ولكن يشفقان عليه من الإشفاق، يدفعانه للمخاطر دفعًا، ويحرضانه على مواجهة الصعاب واجتهاده في تذليلها، مهما تكن العاقبة.

أسمعه — أيها القارئ — يقص علينا قصة صباه فيقول: ما رأيت والدي — رحمه الله — نهاني عن قتال ولا ركوب خطر مع حبه لي، ولقد حضرت يومًا وكان أبي وعمي قد خرجا لقتال الأعداء فلحقتهما، فلما رآني أبي قال: أتبعهم بمن معك وارموا أنفسكم عليهم، فخرجت ورميت نفسي واستخلصت ما استخلصت من عدوي.

ومرة كنت معه وهو واقف في قاعة داره وإذا بحية عظيمة قد أخرجت رأسها من الرواق فوقف يبصرها، فحملت سلمًا كان في جانب الدار وصعدت إليها وهو يراني فلا ينهاني، وأخرجت سكينًا صغيرًا من وسطي ووضعتها على رقبة الحية وهي نائمة، وجعلت أحزها، فخرجت الحية والتفت على يدي (فما جزع ولا فزع ولا تكلم) إلى أن قطعت رأسها وألقيتها في الدار.

ولم تكن أمه أقل من أبيه في تربيته وتدريبه، فلديها السلاح تعطيه للمقاتلة، ولا تبخل على ابنها باستعماله.

١  انظر كتاب «الاعتبار» ومقدمته القيمة التي وضعها الأستاذ «فيليب حتى» المطبوع في «برنستون» بالولايات المتحدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠