الفصل الثاني

مع الطير

من نعم الله عليَّ أن غَنِيَتْ حديقتي الصغيرة هذه الأيام بالطيور، فهذه شجرة — لا أدري السر فيها — جذبت العصافير الكثيرة إليها، فهي في حركة دائمة حولها وفيها؛ وهذه بعض زوايا البيت عشش فيها اليمام يُغرد من حين إلى حين بصوته الشجي الجميل، ولوددت أن أتخير من الطيور أجملها وأظرفها وأضعها في أقفاص تحت سمعي وبصري، أستمتع بجمال شكلها وجمال صوتها، لولا ما يؤلمني من حبسها.

هي أحب الحيوان إليَّ وأقربه إلى قلبي، وهي تقوم في عالم الحيوان مقام الأديب والفنان في عالم الإنسان؛ جمال في شكلها، جمال في هندامها، جمال في غنائها، مرح في حياتها، ظرافة في بناء عشها، حنان في حبها لأولادها.

•••

أبرز شيء فيها عواطفها، فهي تُغني استجابة لعاطفة، وتمرح لعاطفة، وتتحبب لجنسها وأولادها لعاطفة، وبحق علمت الإنسان الأول أن يواري سوءة أخيه بعد موته، فقال: يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، كما علمته درس الحرية، ولقد كان حرًّا مثلها ثم أباح لنفسه أن يغل غلا بعد غل، فلما استثقل حمل الأغلال أخذ يجاهد في فكها قيدًا بعد قيد ولما ينجح، وغار من الطير فأخذ يحبسه حبس نفسه، ويتحين الفرص لصيده وتكبيله، فما يجد الطائر فرصة للفرار حتى يهرب، ولو كان قفصه من ذهب، وحبه أغلى حب، وشرابه ماء الورد، ضنًّا بحريته أن تباع بأي ثمن، وأن تسترق بأي جزاء، وحافظ على حريته من مبدئه إلى منتهاه، لا كالإنسان الأبله يرضى بالقيود، ثم يبذل في فكها الجهود، وما كان أحراه ألا يُقيد ولا يُفك، وقديمًا حكوا أن رجلًا كان يدعو: «ربنا أدخلنا بيوت الظالمين وأخرجنا منها سالمين»، فأجابه آخر: «وما أدخلك وما أخرجك!».

•••

حلوة الغناء، تُغني حبًّا، وتُغني سرورًا ومرحًا؛ تُغني سرورًا في موسم الوصال، وتُغني أسى وضنى وحزنًا يوم الفراق، وكم وددت أن يسجل صوت الطيور وأغانيها على أسطوانات أو على شريط الراديو حتى أكررها على سمعي كلما شئت، فهي أفعل في نفسي من كثير من أغاني الإنسان؛ ولكن لا، لست أريد حبسها ولا حبس أصواتها، فلتكن حرة في كل شيء لها، ولو حُرِمت الاستمتاع بها وبأصواتها.

إن موسيقاها متنوعة تنوع نغمات البيان، علوًّا وانخفاضًا، ورقة وغلظًا، وقوة وضعفًا، تُغني إذا هاجت عواطفها ليلًا أو نهارًا، وما أحلاها وهي تُغني فتقفز من شجرة إلى شجرة، ومن سطح إلى سطح، مندفعة في طيرانها بشكل كله خفة ورشاقة! لقد حُرمنا دقة الملاحظة فحسبنا أن كل أصواتها سواء، وأن غناء كل نوع منها متشابه؛ ولكن ما أبعد هذا عن الحق، فهي تغني مناغاة للحب، وتغني محذرة من خطر، وتغني سرورًا بحياة الربيع، وتغني دعوة إلى الرحيل، وتغني حزنًا على فقد حبيب؟ فما أكثر أغانيها وما أغبانا في فهمها! لغاية مغنينا أن يكون «بلبل الشرق»، وغاية أديبنا أن يكتب «هدية الكروان» و«دعاء الكروان».

•••

أمامي الآن يمامتان ظريفتان حقًّا، سكنتا بالقرب من غرفة نومي، ما أجمل غناءهما، وخاصة في الفجر إذا شعشع النور، وما أرشق حركتهما، لا عيب فيهما إلا أني آنس بهما ولا تأنسان بي، وأحن إليهما وتفرقان مني، ما ألطفهما وألطف نوعهما وألطف الحمام كله! لقد كان ذوق رسول الله () ظريفًا حقًّا؛ إذ روي أنه كان يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام الأحمر، وشكا إليه «علي» الوحشة فقال له: «اتخذ زوجًا من حمام تؤنسك وتوقظك للصلاة».

ظريف هذا الحمام كل الظرف! غزله علم الإنسان الغزل، يدعو فتتمنع، ثم تجيب وتلوي عنه عنقها، «ثم يتعاشقان ويتطاوعان»، ثم ما شئت منه من رشف وتقبيل، ثم ما شئت منها من تيه ودلال، ثم ما شئت منهما من فرح ومرح بالوصال.

ثم هو لطيف في حنانه على ولده، أرأيت كيف يُقلِّب بيضه حتى تنال جوانب كل بيضة حظها من حرارته وحضنه؟ أو رأيت تعاقبه ذكرًا وأنثى على رعاية بيضه وفرخه في الحضن والتغذية؟ أو هل رأيت عنايته بعشه كيف يتخير مكانه، وكيف يتخير عيدانه ثم ينسجها نسجًا متداخلًا؟ وكيف يهندسه ليحفظ البيض من التدحرج، ثم يتعاون الذكر والأنثى على العش: «يسخنانه ويطيبانه وينفيان عنه طبعه الأول، ويحثان له طبيعة أخرى مشتقة من طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما … لكي تقع البيضة إذا وقعت في موضع أشبه المواضع بأرحام الحمام»١؟

ليت كل أسرة تربي في بيتها حمامًا وترقب عيشته، فيتعلم منه الآباء كيف تكون العناية، وكيف يكون الحنان، ويتعلم منه الأبناء كيف يُجازون جهد الآباء وتضحيتهم.

•••

لتمنيت أن تكون الطيور كالأزهار، آنس بها وتأنس بي، وأكون بجوارها وتألف جواري، ولكنها سيئة الظن بالإنسان جدًّا، ولعلها وحدها التي عرفت حقيقة الإنسان فهربت منه، وأبت أن يكون بينها وبينه رابطة، تحوم حوله في حذر، وتمس أرضه في وجل، وتفضل حياتها القليلة — تتعب في البحث عنها — على القرب منه، وإن كان معه شبعها وريها، أنفة منه، وكراهية له، وضنًّا بحريتها وطلاقتها.

هل عرفت بغريزتها طبيعته ففرت منه ابتداءً، أو سالمته وأنست به، فلما جربته ورأت أنانيته وسوء سلوكه رسمت خطتها في البعد عنه؟ أقرب ظني أنه الوجه الثاني، فإنها تأنس ببعض الحيوان الذي لا يُؤذيها، ويذكر بعض الرحالين أنهم نزلوا في جزيرة لم ينزلها قبلهم إنسان، فرأوا طيورها تألفهم وتطير عليهم وتأكل من الحب في أيديهم، وهذا حمام الحرم أمن شر الإنسان فاستأمن، وأنس به الإنسان فاستأنس، فلولا ما رآه قديمًا، من مطاردة الإنسان ومحاولاته نصب الشباك له والإيقاع به بكل الأشكال، واستلذاذه قتله، وتعلمه الرماية فيه، وتصويب أسلحته عليه؛ ما ذعر من الإنسان هذا الذعر، ثم هو قد رآه خائنًا غادرًا، غفر له أولًا أن كان جائعًا فصاده ليأكله، فكيف يغفر له أن رآه شبعان ثم يصيده لمجرد اللذة في قلته؟ وعجب كيف يكون مجرد القتل لذة، فعد الإنسان — بحق — أعدى أعدائه، ولم يقرب منه للضرورة إلا وترتعد فرائصه، وأسر الآباء للأبناء هذا السر الرهيب؛ فما رأى طائر إنسانًا إلا واستحضر هذا السر وأدركه الفزع منه.

•••

من عظمة الطير أن الإنسان سهل عليه أن يدرك مزايا الحيوان فيقلدها وينتفع بتقليدها، تعلم من الأسد شجاعته، ومن القرد كياسته، ومن الحرباء تلونها، ومن الذئاب خداعها، ومن الثعالب روغانها، ومن النحل مهارتها في صناعتها، ومن النمل جده وادخاره … إلخ، ولكن مرت آلاف السنين، وهو يعجب من الطير كيف يطير، وحاول تقليده فلم ينجح؛ وأخيرًا جدًّا بعد أن شاب الزمن اهتدى إلى سر طيرانه فطار، وليته لم يطر؛ فقد عاش الطير منذ خُلق وهو يطير من ظلم الإنسان، ولا يظلم الإنسان، ويطير جمالًا ولا يطير قبحًا، ويطير سرورًا إلى عشه، وحنينًا إلى إلفه، وطلبًا في رزقه، فلما طار الإنسان لون طيرانه بشره فخرب ودمر، وسفك وأهلك، وكَرَّه إلينا السماء والقمر، وطأطأ رءوسنا مما لزمنا من عار وخجل! فيا لله للإنسان!

ومع هذا التقليد من الإنسان لا يزال أمر الطير عجبًا أي عجب! فهو يقطع المسافات الشاسعة باحثًا عن غذائه ودفئه، فما كان منه في شمالي آسيا يأتي في الربيع إلى مصر، وما كان في شمالي أوروبا يرحل إلى جزائر في البحر الأبيض، أو يعبره إلى إفريقيا، ويرحل أكثر ما يكون ليلًا يتقي الأخطار، ويهتدي بالريح وبالشواطئ وسير الأنهار، ويعلو في طيره عن الأرض ميلًا إلى ثلاثة أميال، ثم هو يقطع آلاف الأميال عابرًا البر والبحر من غير دليل إلا طبيعته، فإذا لم يقتله الإنسان عاد كما جاء إلى عشه مهتديًا بذاكرته، فسبحان خالقه.

•••

تُحسن الطيور إلى الإنسان كثيرًا ويُؤذيها الإنسان كثيرًا، فهل كان الإنسان يستطيع أن يحصل على قوته وزرعه لو لم يعنه الطير على الفتك بدوده وحشراته؟ فمئاتها طعام كل يوم لكل طير من أكلتها، فكيف لو سُلطت على مزارع الإنسان ولم تُسعفه الطيور فتقضي عليها؟ إذن لرأيت الأرض غُطيت بالدود، واكتسحت الزرع وأعقبه فناء الإنسان، لقد أحصى ظريف ما تأكله الطيور من الدود في مقاطعة في أمريكا فكان مليونين ونصفًا كل يوم، فقدِّرْ حالتها لو تُركت وتناسلت، ومع هذا كله جهل الإنسان فضل الطير، واتخذه ملهاة لصيده، ومجالًا لقماره، وملعبًا لرمايته؛ كان المتوحش يصيد طالبًا لغذائه، فأصبح المتمدن يصيد ملأً لفراغه.

•••

لقد عجب أوروبي أن الطيور في مصر لا تُغني كثيرًا، فلك الله أيها العاجب، فلم تغني وكيف تغني ولمن تغني؟ لو رأت ما يسرها لغنت، فالأسى يبعث الأسى، والسرور يبعث السرور، وسعادة الجار تنضح على الجار، ولو ضحك من في الأرض لضحك من في السماء، ولو غنت الطير في مصر كثيرًا لغنت حزينًا كما غنى الناس حزينًا، ولكن تأبى طباعها إذا غنت إلا أن يكون غناؤها مرحًا وطيرها فرحًا، ففضلت السكوت إلا أن تلح بها الحاجة، وهل سمع الناس — يا أخي — غناءها القليل لتفيض عليهم بالكثير؟ إنهم في شغل عن جمال الطبيعة بتزييف الصناعة، وعن غناء السرور بغناء الحزن، وعن النداء العالي بالنداء السافل، وعن التسامي بالتدلي؛ فيوم يبتهج أهل الأرض يبتهج أهل السماء، ويوم يسعد السكان يُغني الطير، ويوم يتسامى الناس تعلو أغراضهم وتطير نفوسهم، فتُحاذي الطير ويحدو لها فيمرح كثيرًا ويغني كثيرًا.

•••

ولفخر للطير عظيم أن تُخلَق الملائكة خلقته، وتُعار أجنحته الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

١  الحيوان للجاحظ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠