الفصل السادس والعشرون

مستقبل الدين

ما أثر هذه الحرب العالمية في الدين؟ ما نوع الموجة التي ستسود العالم بعد الحرب؟ أموجة دين أم موجة إلحاد؟ وهذه المصائب العظمى — التي لم يمر على عالمنا مثلها — ما أثرها في الشعور الإنساني، أتقربه من الله أم تبعده عنه؟

هذه الأسئلة وأمثالها شغلت بعض كبار العقول في أوروبا، من رجال دين ورجال اجتماع وعلماء نفس، وأجابوا عنها إجابات مختلفة، وتنبئوا بالمستقبل تنبؤات متناقضة، فذهب فريق إلى أن العالم ستدينه أهوال الحرب؛ لأن أوروبا — قائدة العالم — عبدت العلم فأضلها، وقدسته فكانت الويلات نهايتها، قد لا تكون هذه الكوارث آفة العلم؛ لأن العلم آلة ذات حدين تُستعمل في الخير والشر على السواء، ولكن كان ينفع العلم لو أن الإنسان نمى شعوره كما نمى علمه؛ وأحيا قلبه كما أحيا رأسه، أما أن يُعنَى الإنسان بعلمه ويترك قلبه، ويستكشف مجاهل العلم ولا يستكشف مجاهل القلب، ويبني حياته اليومية ويؤسس سياسته العامة على العلم وحده دون القلب، ويتقدم في العلم خطوات واسعة حتى ليكون الفرق بين علم اليوم وعلم الأمس شاسعًا، ثم لا يتقدم في قلبه قيد شعرة بل قد يتأخر، فاختلال في التوازن نشأت عنه هذه الكوارث؛ كمن يمرن إحدى عينيه ويهمل الأخرى فتعمى، فقد خُلق الإنسان ولا ينتظم حاله إلا بالتوازن، فإذا اختل توازنه شقي.

قالوا: سيدرك الإنسان هذه النتائج كلها وأكثر منها بمحنته في هذه الحروب، وستتكشف له عللها وأسبابها، وسيرى أن الدواء في التوازن، فيُنمِّي قلبه وشعوره كما نمَّى رأسه وعلمه، وإذ ذاك يلجأ إلى الدين، فهو غذاء القلب، وسيرى أن عبادة العلم والمادة تكشف عن مآسٍ مرعبة، وأن عبادة اللذة أفقدت اللذة، فلا ملجأ إلا إلى الدين، إلى الله، إلى رحمته، إلى عفوه، إلى أن يسكب الدمع ليغفر له غفلته، ثم يفتح صفحة جديدة لحياة جديدة.

قال بعضهم: ولكن سوف لا تعود أوروبا إلى الدين القديم بكل جملته وتفصيله، فستُدخل الحرب التعديل على تفاصيل الدين، كما ستدخله على كل النظم الاجتماعية، مسترشدة بأخطاء الماضي، سيكون الدين منبعًا لعواطف الوطنية، سينزع الغرائز الوحشية الظامئة إلى الدم من قلب الإنسان ليحل محلها السلام العام، والأخوة العامة: سوف ينكر الدين الجديد الشهوة في ملك الجار الضعيف، واغتصاب الأمم غير المسلحة والشعوب الراغبة في السلام، إن الدين في شكله الحاضر قد فشل؛ لأنه قوى روح الشر، وأعان الظالمين على ظلمهم، وعلى أقل تقدير أفقد رجال الدين قدرتهم على قمع أتباعهم، حتى أصبحت أوروبا كلها مجزرة بشرية، ثم سرت منها العدوى إلى العالم كله بباعث الكره والبغض وحب الدم وحب الانتقام، ثم تُقام الصلوات من كل جانب لنصرة جانبه لا لنصرة الإنسانية وفكاكها من أسر الوحشية، إن العالم كله أصبح الآن بركانًا هائجًا، والإنسان يحصد حصدًا بالملايين، وكلٌّ يشعل النار، وكلٌّ يحول ما وصلت إليه رمادًا، وكلٌّ يقلب الجمال قبحًا، وتعاليم الدين الحاضرة عاجزة عن أن تقف عبثهم، وتصد كيدهم.

إن مستقبل الدين لا لهذا التعاليم، ولكن لتعاليم أخرى تتفق وروح الدين الأساسية، تعاليم مؤسسة على الحق، على أخوة الإنسان للإنسان، وإن اختلف في الجنس والدم واللغة والوطن والدين، على انسجام الناس بعضهم وبعض، وتبادل المنافع ودفع المضار، على عدم التحزب لأي جانب مادي، على عدم إضاعة الزمن في بذر الحقود بين الشعوب لما بينهم من خلاف في الأقاليم، أو في العقيدة، أو في اللغة.

هذا هو الدين سيسود الناس، وهو الدين الذي ينسجم مع إرادة الله وفعله، فهو خالق الناس جميعًا، وهو واهبهم نعمه على اختلاف جنسهم ومللهم وألسنتهم وألوانهم، مُجري الهواء يستنشق منه الناس جميعًا، ومُخرج النبات في كل أرض يأكل منه الناس جميعًا، ومُحرك الشمس والقمر والنجوم تبعث ضياءها وحرارتها على الناس جميعًا، وواهب العقول والشعور والإرادة للناس جميعًا، فما بال دين الله لا يتبع سنة الله، فينشر بين الناس جميعًا الأخوة والمحبة والعدل والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؟

•••

وتوقع متنبئون آخرون من الكُتَّاب عكس ذلك تمامًا.

قالوا: إن هذا التخريب في العالم الذي لا حد له، والضحايا بالملايين، والويلات تصب على المحاربين وغير المحاربين، والأيتام الذين فرق الموت بينهم وبين آبائهم، والمصائب التي لا يحصيها عد، ولا تقف عند شكل دون شكل، كل هذه ستثير الشكوك في نفوس الناس فيصرخون من أعماق نفوسهم: «أين رحمة الله؟» وأين حبه لخلقه؟ وأين الحكم العادل الذي يحكم به عباده؟

ستهز هذه الأمثلة وأمثالها نفوس الناس فينكرون عقلًا مدبرًا، وتقدمًا مستمرًا، وحاكمًا يُوجه العالم لغاية، وستبعث في النفوس الشك الذي يُسلم إلى الإلحاد، وسيزيدون إمعانًا في المادية، وسينصرف الجيل الجديد من الشبان — وقد رأوا هذه المناظر وسمعوا هذه الأقوال — عن أن يلتفتوا إلى بيوت العبادة أو إلى شعائر الدين، وسيكون شعارهم: «دعنا نأكل ونشرب، ونلهو ونلعب، فغدًا يطوينا الموت، ويلفنا الفناء» وفي مثل ذلك يقول طرفة:

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
وأن أشهدت اللذات، هل أنت مخلدي؟
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي

سيقولون: إن كان الله يُحب خلقه فأين الحب والوالدان الشيخان العاجزان يفقدان أولادهم في هذه الحرب؛ والفتاة الناضرة التي تستقبل الحياة تفقد زوجها، والأم تفقد عائلها وحولها طفلها الرضيع وأولادها البائسون، والأسرات لم تشترك في القتال تنزل عليها المدمرات فتأتي عليها، فأين الرحمة؟

وإن كان الله قادرًا فلِمَ لم يحبس الأرواح الشريرة في قماقم؟ ولِمَ لا يحصد أرواح باذري الشر والفساد، ومثيري الفتن والحروب؛ ويترك من عداهم فتستريح الدنيا ويسعد الناس؟

من أجل هذا يتنبئون بكفر صارخ، وإلحاد شامل.

•••

ولكن ما أظن هذه النبوءة صحيحة، فالإنسان من قديم يرى هذه الكوارث، وتثور فيه هذه الشكوك، وهو بعدُ لم يفقد إيمانه.

كل ما في الأمر أن الإنسان مع ما ناله من رقي في العقل والتفكير والشعور، سيعدل نظره إلى الله، وبدل أن يفقد إيمانه لهذه الاعتراضات يصحح تصوره لله، ويتجلى له خطؤه في تصوره القديم.

إن منشأ الغلط في تصورالله على هذا النحو هو تشخيصه، وإسباغ صفات عليه تشبه صفاتنا، ونسبة عواطف إليه تشبه عواطفنا: من حب وكره وفرح وحزن ورحمة وانتقام، نعم قد وردت هذه الألفاظ في كتب الأديان، ولكن ألجأها إلى ذلك قصور لغة الإنسان وعجزها عجزًا تامًّا عن أن تصف ما لا يشبه الإنسان ومن ليس كمثله شيء، فالله ليس مشخصًا ولا هو إنسان، ولا له عواطف الإنسان، ولا يُحب ويكره بالمعاني التي يشعر بها الإنسان، فإذا قلنا: إنه يسمع ويرى فلسنا نعني أن له حواس كحواسنا؛ وإذا قلنا: يُحب ويكره، ويرحم وينقم، فلسنا نُريد أنه يعتريه انفعال كانفعالنا، ولكن هي اللغة العاجزة، واللغة المحدودة بحدود الإنسان.

إن الله يحكم العالم ويدبره بقوانين عامة واسعة، لا بأحكام جزئية ضيقة؛ خلق الخلق وسيره على قوانين عامة، فمن اعترضها اكتسحته؛ وضع هذه القوانين وهو عالم بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وعالم بدنيانا ودنيا غيرنا، وعالم بكوكبنا والكواكب الأخرى حولنا، فمن ضيق النظر أن نُطالب الله أن ينظر إلى جزئيتنا في بيتنا، وإن تعارضت مع القانون الكلي، إن البستاني يقلم أشجاره ويقص حشائشه؛ لأنه ينظر إلى البستان كلًّا، ولا اعتراض عليه؛ إذ يُضحي بالجزئي للكلي؛ والأرض مرتبطة بالشمس، ونمو الشاة متوقف على نمو النبات، وحياة الإنسان مرتبطة بحياة النبات والحيوان، وكل هذه مرتبطة بقوانين عامة، وهذا ما أدركناه اليوم، وما لم ندرك أكثر مما أدركنا؛ أفليس يعد من السخف أن نعترض على حادثة جزئية؛ إذ كانت خاضعة لقانون عام يُقرر المصلحة العامة؟ أفليس من السخف أن نعترض على امتداد حديدة معينة بالحرارة، وهذا قانون عام يقضي بتمدد الأجسام كلها بالحرارة، وهذا القانون العام مرتبط بقوانين أخرى عامة مثله أو أعم منه؟ فمن ينظر إلى موت ابنه وحده أو قتل أسرة بعينها أو موت ملايين من الناس في حرب من الحروب كمن يعترض على تمدد حديدة بالحرارة، نظر جزئي ضيق يعترض على نظر كلي شامل، فما جيل بالنسبة لملايين الناس؟ وما الأرض كلها لسائر العوالم؟ إن الناظر من سطح الأرض غير الناظر من قمة جبل، غير الناظر من طيارة، إن النبتة تشكو الدودة وهي تمتصها، والدودة تشكو العصفور وهو يلتقمها، والعصفور يشكو الصقر وهو يبتلعه، والصقر يشكو الإنسان وهو يصيده، والإنسان يشكو الموت يُصيبه، والله من ورائهم محيط؛ لأنه أعلم بقوانينه الواسعة الشاملة.

إن الله ليس من صفاته الرحمة فقط، بل هو أيضًا عادل حكيم منتقم، له كل هذه الصفات وأكثر منها، ولكل صفة مظهرها وتصرفاتها، فمن الخطأ أن تُقاس كل المظاهر بالحب وحده، أو الرحمة وحدها.

إن للعالم غاية دبرها عقله: فلا بأس بالضحايا مهما كثرت للوصول إلى غايته نزولًا على القوانين العامة التي تحكم العالم.

ولعل من قوانينه العامة منح الإنسان حريته في الإرادة، والجزاء الطبيعي الذي تنتجه أعماله، ومسئولية الإنسان عن أخيه الإنسان، كما تسأل خلية الجسم عن سائر الخلايا — إذن فلا حق من الشكوى ما دام هذا هو القانون العام الذي يتعادل مع قوانين العالم العامة.

•••

وبعدُ؛ فلماذا لا تكون النبوءة أن هذه الحرب بويلاتها تعمم في الإنسان هذه الآراء، فيعدل من نفسه حسب القوانين العامة التي بثها الله في العالم حتى يلائم بينه وبينها، وينسجم معها، ويشعر بالعقوبة الطبيعية فيتجنب إحداث الجرائم، ويُغير ما بنفسه من غرور بالقوة، واعتماد على المادة بعد أن تبين الفشل في الاعتماد عليها؛ ويُصحح تصوره لله حسبما أشرنا، فيرى أن الموت إن كان يبعث الحياة فهو خير، وأن العقوبة إذا أصلحت الجاني فهي رحمة وهي حب.

نحن إلى هذا أميل، والله بالمستقبل عليم.

•••

وإلى هنا تنتهي أحاديثنا في رمضان، وكل عام والقراء بخير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠