الفصل الرابع والثلاثون

جمال الدين الأفغاني

يعجبني أحيانًا طريقة القدماء في ترجمة العظماء، فيختفي المترجِم ويَظهر المترجَم، ويكتفي بذكر الأحداث التي حدثت للعظيم وتصرفه فيها، والكلمات التي فاه بها، ونحو ذلك؛ ويترك القارئ يفهم منها ما شاء، ويستنتج منها ما شاء، ويُقوِّم ما شاء؛ لا يملي شرحه وتفسيره، ولا يفرض على القارئ فهمه ولا يتحكم هو في رسم الصورة التي يراها؛ وذلك ما فعل الأصفهاني في الأغاني، وياقوت في معجم الأدباء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهم من مؤرخي العرب.

وقد قرأت في هذه الأيام ترجمة للسيد جمال الدين من هذا القبيل، اكتفى فيها المترجِم — غالبًا — بنقل آراء الأستاذ وأقواله وأحداثه؛ وجعل ذلك كله يصوره كما يشاء القارئ١؛ وقد استوقف نظري بعض أحداث وأقوال أرويها كذلك من غير تعليق:
  • (١)

    قال له «المخزومي» يومًا: إن بعض الأصدقاء يرغبون في الحصول على ترجمة الأستاذ، فقال له: «قل لهم: إن العيان لا يحتاج إلى ترجمان، قل لهم ما قال فلان عني (وفلان هذا عدو من أعدائه) إنه متشرد أو أفَّاق، وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة ١٢٥٤ وعمرت أكثر من نصف قرن، واضطررت لترك بلادي، وأُكرهت على مبارحة الهند، وأُجبرت على الابتعاد عن مصر؟».

  • (٢)

    ولما جمع المخزومي هذه الوقائع استشار الأستاذ في اسمها، فقال: سمها «خاطرات»؛ فقال المخزومي: إن بعض الأصدقاء نبهني إلى أن هذه اللفظة غير صحيحة في اللغة، والأقرب للصواب أن نسميها «خطرات» أو «خواطر»، فقال: قل «خاطرات» ولا تُبال بمن فسد لسانهم ولا يصلحون إلا للأجوف والمهموز، ولا يحسنون جملة تنقر حبة القلب أو تطرب السمع.

    وكتب يومًا كلمة بعنوان «سياسة بَقَروتية في مملكة فرعونية»، فاعتُرض عليه في كلمة بقروتية، فقال: كيف صح لهم أن يقولوا «ملكوت» و«جبروت» ولا يصح لي أن أقول «بقروت»؟ ونظير هذا قوله: لا يصح للسماعي والقياسي أن يمنع أحدهما الآخر، فإذا جاز بالسماعي «أن ينحرف» جاز بالقياسي «أن ينعوج».

  • (٣)

    ولما جاء مصر أعجبه برنامج الماسونية من دعوة إلى «الحرية والإخاء والمساواة» فانضم إليها، وعرض عليهم في المحفل يومًا إعانة لأحد الإخوان، فسأل «الأستاذ»: هل الأخ مريض؟ قالوا: لا، قال: هل هو صحيح البنية؟ قالوا: نعم، فقال: «صحة البدن وذل السؤال لا يصح أن يجتمعا لإنسان.».

    وحضر مرة اجتماعًا فيها، فقال أحد الخطباء: «إن الماسونية لا دخل لها في السياسة.»؛ فعجب جمال الدين كل العجب من أن الجمعية التي برنامجها «الحرية والإخاء والمساواة» لا ترفع صوتها لرد الحرية إلى مسلوبها، وانفصل من الجمعية وكون محفلًا وحده.

  • (٤)

    ولما أُخرج من مصر ذهب بعض محبيه إلى السويس يحملون له مقدارًا من المال، عرضوه عليه وسألوه أن يقبله قرضًا، فقال لهم: «أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب.».

  • (٥)

    ولما استدعاه السلطان عبد الحميد إلى الآستانة سنة ١٨٩٢ ووصل إليها، كان في انتظاره الياور السلطاني، فسأله: أين صناديقك يا حضرة السيد؟ فقال: ليس معي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب، قال الياور: حسنًا! دلني عليها، فقال السيد: صناديق الكتب هنا (وأشار إلى صدره)، وصناديق الثياب هنا (وأشار إلى جبته).

    وقد قال: «كنت أول عهدي أستصحب جبة ثانية وسراويل، ولكن لما توالى النفي صرت أستثقل الجبة الثانية، فأترك التي علي إلى أن تخلق فأستبدلها بغيرها.».

  • (٦)

    وكان يُجالس السلطان عبد الحميد كثيرًا، فسئل عن رأيه فيه، فقال: «إن السلطان عبد الحميد لو وُزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم: ذكاءً ودهاءً وسياسة، خصوصًا في تسخير جليسه … ولا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضيًا عنه وعن سيره وسيرته، مقتنعًا بحجته، سواء في ذلك الملك والأمير والوزير والسفير؛ ولكن يا للأسف عيب الكبير كبير، والجبن من أكبر عيوبه.».

  • (٧)

    وعرض عليه السلطان عبد الحميد منصب مشيخة الإسلام، فأبى إلا أن يعمل عمل أساسي يتغير به النظام الحاضر، وقال: «إن وظيفة العالم ليست بمنصب ذي راتب، بل بصحيح الإرشاد والتعليم، ورتبته ما يحسن من العلوم مع حسن العمل بالعلم.».

  • (٨)

    وعاش جمال الدين عزبًا لم يقترن في حياته بامرأة، وكان كلما شكا له أحد كثرة العيال وقلة ذات اليد يُعينه على قدر استطاعته، فعرض عليه السلطان يومًا أن يُزوجه جارية حسناء من قصر يلدز، فامتنع السيد من ذلك، فسئل: هل تؤيد رأي أبي العلاء:

    هذا جناه أبي علـ
    ـيَّ وما جنيت على أحد

    قال: «كلا، كيف يصح لعاقل أن يعتبر الزواج جناية وبه بقاء النوع واستكمال حكمة العمران؟ أما أنا فمعرفتي بما تتطلبه الحكمة الزوجية من معاني العدل، وعجزي عن القيام بأمره دفعني أن أتقي عدم العدل ببقائي عزبًا.».

    فقال له طبيب يهودي كان من خاصته: فهل تفاديًا من الخوف من عدم العدل يجوز أن يُخالف الإنسان طبيعته؟ فتبسم السيد وقال له: «إن الطبيعة أحكم منك، فهي تدبر نفسها، ومن ترك شيئًا عاش بدونه.».

    قيل له: إنك تقبل من السلطان عطاءه من المال، فلِمَ لا تقبل عطاءه من الجواري الحسان؟

    قال: أما المال الذي يعطينيه فإني أجد له — على قدر اجتهادي — أكفاءً يقومون بأداء الواجب نحوه، وأما الزواج بالجارية الحسناء فما أنا بالكفء لها، ولست بوليها لأتحرى لها كفؤها.

  • (٩)

    وكان السيد جمال الدين كثير الإعجاب بذكاء الشيخ محمد عبده وفضله، وكان كلما ذكره يقول: «صديقي الشيخ»، وكان السيد عبد الله نديم في آخر أيامه يكثر من التردد على منزل جمال الدين، فقال له يومًا قد أكثرت من الثناء على الشيخ محمد عبده كأنه لم يكن لك صديق غيره، وتنعت غيره بقولك: صاحبنا، أو «فلان من معارفنا»، فتبسم السيد جمال الدين وقال: «وأنت يا عبد الله صديقي؛ ولكن الفرق بينك وبين الشيخ أنه كان صديقي على الضراء، وأنت صديقي على السراء.» فسكت النديم.

  • (١٠)

    وكان جمال الدين يهزأ بمبدأ «دارون» الذي يُعنون «بتنازع البقاء»، ويقول: إن المبدأ هو «تنازع الفناء»، ويقول: إن البقاء الذي ينبغي أن يُطلب ولا يعتريه فناء ليس فيه تنازع ولا نزاع، والتنازع القائم الآن إنما هو على أشياء تفنى، والمنتزع والمنازع والمنزوع منه سواء في المصير إلى الفناء، فكان الأولى أن يقال: «تنازع الفناء».

قيل له: وهل يُجمع العالم المتمدن كله على مثل هذا الخطأ؟

فقال: وما العالم المتمدن؟ هل رأينا غير مدن كبيرة وأبنية شامخة وقصور مزخرفة ينسج فيها القطن والحرير بأصباغ كيمياوية مختلفة ألوانها، ومعادن ومناجم، واحتكار تجارات أتت لهم بثروات، ثم هل غير التفنن في اختراع المدافع المريعة والمدمرات والقذائف وباقي المخربات القاتلات للإنسان، تتبارى فيها تلك الأمم الراقية المتمدنة اليوم؟

لو جمعنا كل تلك المكتسبات العلمية، وما في مدنيات تلك الأمم من خير، وضاعفناه أضعافًا مضاعفة ووضعناه في كفة ميزان، ووضعنا في الأخرى الحروب وويلاتها، لكانت كفة العلوم والمدنية والتمدن هي التي تنحط وتغور، فالرقي والعلم والتمدن على ذلك النحو إن هو إلا جهل محض، وهمجية صرفة، وغاية التوحش، فالإنسان في ذلك أحط من الحيوان.

هل سمعت أن ثلاث مئة ألف أفعى وقفت تجاهها مثلها وتقلبت بينها الأنياب وقاتل بعضها بعضًا؟ أو هل وقفت الأسود صفوفًا وتناهشت لحوم بعضها وسالت دماؤها؟ فليس ثمة مدنية ولا علم، ولكن جهل وتوحش.

•••

ثم روى للسيد جمال الدين كلمات كان يقولها في مناسباتها.

كان إذا أقسم قال: «وعزة الحق وسر العدل» — الحقائق لا تزول بالأوهام — من سفه الرأي أن يعتقد الرجل أفضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط — الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل — لا يُؤمن بربوبية القوة إلا شبح الضعف — الأكفاء في العصر لا يكونون على الغالب أصدقاء — تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج — من رهب الملوك لغير جريرة فهو الصعلوك — صاحب الحاجة إذا لم ينطق بحاجته أولى بالخرس — ألف قول لا يُساوي في الميزان عملًا واحدًا — إسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بثروته — بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة — القبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدى — شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل — الأديب في الشرق يموت حيًّا ويحيا ميتًا — قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام — القوي من الشجر لا يعجل بالثمر — (اللغة) العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار — العلم قد يكون في الأحداث ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ.

١  والكتاب هو (خاطرات جمال الدين) لمحمد باشا المخزومي الذي عاشر الشيخ ولازمه مدة إقامته في إستنبول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠