الفصل التاسع والثلاثون

أدب الابتهال

هذا نوع من الأدب راقٍ جدًّا في الأدب العربي، ولكن لم يلتفت إليه مؤرخو الأدب، أحببت عرض نماذج منه لنتبين قوته وروحانيته وبلاغته.

والابتهال في اللغة التضرع، والاجتهاد في الدعاء، والإخلاص لله فيه؛ ومن ثم استمد روحانيته وقوته من موقف المبتهل حيث يتحرر من شئون الحياة الدنيا وأعراضها ومشاكلها ومشاغلها، ويتفرغ إلى ربه، ويناجيه، ويسمو عن المادة وحقارتها؛ فكان بذلك أدب روح لا أدب مادة.

وقد صدر هذا الأدب في العصور المختلفة من عصر النبي () إلى اليوم، كلما شعر الإنسان بعجزه لجأ إلى ربه؛ وهو موضع دراسات طريفة في تطوره ونواحيه.

فمن ابتهالات النبي ():

اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

ومنها:

اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت.

ومنها:
اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي١ وتزكِّي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء.
ومنها:

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهون به علينا مصائب الدنيا.

ومنها:

اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع.

ومن ابتهالات علي بن طالب:
اللهم إنك آنسُ الآنسين لأوليائك، وأحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك٢، تشاهدهم في سرائرهم، وتطلع عليهم في ضمائرهم، وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة، إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك، وإن صبت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك، علمًا بأن أزمَّة الأمور بيدك، ومصادرها عن قضائك، اللهم إن فَهِهْتُ عن مسألتي أو عَمِهْتُ عن طلبتي فدلني على مصالحي وخذ بقلبي إلى مراشدي، فليس ذلك بُنكرٍ من هداياتك، ولا بدعٍ من كفاياتك، اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني على عدلك.

ووقفت لأبي حيان التوحيدي على جملة ابتهالات في الغاية من الجودة والحسن والقوة أقتطف منها ما يمثلها.

فمنها:

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بلائك، وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني؛ والانقياد لك شأني، وشُغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري.

ومنها:
اللهم إليك أرفع عُجَرِي وبُجَرِي٣، وبك أستعين في عسري ويسري، وإياك أدعو رغبًا ورهبًا، فإنك العالم بتسويل النفس، وفتنة الشيطان، وزينة الهوى، وصرف الدهر، وتلون الصديق، وبائقة الثقة، وقنوط القلب، وضعف المنة، وسوء الجزع، فقني اللهم ذلك كله، واجمعْ من أمري شمله، وانظمْ من شأني شتيته، واحرسني عند الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الراحة من الفُسُولة٤، وعند الطلب من الخيبة، وعند المنازلة من الطغيان، وأسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا راحة إلا في الرضا بقسمك، ولا عيش إلا في جوار المقربين عندك.
ومنها:

اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغل صدورنا، وفتنة أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا، وفحش لجاجنا، وقبح دعوانا، وتلزُّق ظاهرنا، وتمزق باطننا؛ اللهم فارحمنا وارأف بنا، واقبل الميسور منا، فإننا أهل عقوبة وأنت أهل مغفرة، وأنت بما وصفت به نفسك أحق منا بما وسمنا به أنفسنا، ومن قبل ذلك وبعده؛ فأطب عيشنا بنعمتك، وأرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك، وخذ بازمتنا إلى بابك، وأذقنا حلاوة قربك، واكشف عن سرائرنا سواتر حجبك، ووكل بنا الحفظة، وارزقنا اليقظة، حتى لا نقترف سيئة، ولا نُفارق حسنة، إنك قائم على كل نفس بما كسبت، وأنت بما نخفي وما نُعلن خبير بصير.

ومنها:

اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا زايلته الطمأنينة، وأسلمه اليأس، وأوحشه القنوط، وتردد بين رجاء قد نأى عنه التوفيق، وأمل قد حفت به الخيبة، وسرٍ قد أطاف به الشقاء، وعلانيةٍ قد أناف عليها البلاء؛ عقله عقل طائر، ولبه لب حائر، وحكمه حكم جائر، لا يروم قرارًا إلا أزعج عنه، ولا يستفتح بابًا إلا أرتج دونه، ولا يقتبس ضرمًا إلا أُجِّج عليه؛ عثرته موصولة بالعثرة، وحسرته مقرونة إلى حسرة؛ إن سمع زيف، وإن قال حرف، وإن قضى جزف، وإن احتج زخرف، ولو فاء إلى الحق لوجده ظلًّا ظليلا، وأصاب تحته مثوى ومقيلا … وأنت الذي فعلك يدل عليك الأسماع والأبصار، وحكمتك تُعجِّب منك الألباب والأسرار، لك السلطان والمملكة، وبيدك النجاة والهلكة، فإليك المفر ومعك المقر، ومنك صنوف الإحسان والبر؛ أسألك بأصح سر، وأكرم لفظ، وأفصح لغة، وأتم إخلاص، وأشرف همة، وأفضل نية، وأطهر عقيدة، وأثبت يقين، أن تصد عني كل ما يصد عنك، وتصلني بكل ما يصل بك، وتحبب إليَّ كل ما يُحبب إليك، فإنك الأول والثاني، والمشار إليه في جميع المعاني، لا إله إلا أنت.

ومنها:

اللهم إني أسألك جِدًّا مقرونًا بالتوفيق، وعلمًا بريئًا من الجهل، وعملًا عريًّا من الرياء، وقولًا موشحًا بالصواب، وحالًا دائرة مع الحق، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكون نفس موصولًا بثبات يقين، وصحة حجة بعيدةً من مرض شبهة؛ حتى تكون غايتي في هذه الدنيا موصلةً بالأمثل فالأمثل، وعاقبتي عندك محمودةً بالأفضل فالأفضل، حياة طيبة أنت الواعد بها، ونعيم دائم أنت المبلغ إليه، اللهم لا تخيِّب رجاء هو منوط بك، ولا تُصْفِرْ كفًّا هي ممدودة إليك، ولا تُعذب عينًا فتحتها بنعمتك، ولا تذل نفسًا هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلًا هو مستضيء بنور هدايتك، ولا تُخرس لسانًا عودته الثناء عليك؛ فكما كنت أولًا بالتفضل فكن آخرًا بالإحسان، الناصية بيدك، والوجه عانٍ لك، والخير متوقع منك، والمصير على كل حال إليك، ألبسني في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة وحلني في تلك الدار الباقية بزينة الأمن، إنك على ذلك قدير.

ومنها:
اللهم أعذنا من جشع الفقر، وريبة المنافق، وتجليح٥ المعاند، وطيشة التحول، وفترة الكسلان، وحيلة المستبد، وفتور العقل، وحيرة المخرج، وحسرة المحوج، وفلتة الذهول، وحُرْقة الثكول، ورِقْبة الخائف وطمأنينة المغرور، وغفلة الغرور، واكفنا مؤنة أخٍ يَرْصُد مسكونًا إليه، ويمكر موثوقًا به ويَخِيس٦ معتمدًا عليه؛ وغلِّبْ إيماننا بالغيب على يقيننا بالعيان، واحرسنا من أنفسنا فإنها ينابيع الشهوة ومفاتيح البلوى، وأرنا من قدرتك ما يحفظ علينا هيبتك، وأوضح لنا من حكمتك ما يقبلنا في ملكوتك، وأشع في صدورنا من نورك ما يتجلى به حقائق توحيدك، وألف بيننا وبين الحق، وقربنا من معادن الصدق، واعصمنا من بواثق الخلق، اللهم إنك بدأت الصنع وأنت أهله، فعد بالتوفيق فإنك أهله.
ومنها:
اللهم إياك أسأل لسانًا سمحًا بالصدق، وصدرًا قد ملئ من الحق، اللهم أشكو إليك تلهفي على ما يفوتني من الدنيا وأنني في طاعة الهوى جاهلًا بحقك، ساهيًا عن واجبك، اللهم إليك المفر من دار منهومها لا يشبع، وحائمها لا ينقع٧ وطالبها لا يربع٨، وواجدها لا يقنع؛ اللهم انقلنا عن مواطن العجز، مرتقيًا بنا إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس وساءت العادة، وكثر الصادفون عنك، وقل الداعون إليك، وكلَّ المراعون لأمرك، وفُقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق من سكانها، وبيع دينك بيع الخَلق٩ واستهزئ بناشر مجدك، وأُقصى المتوسل بك؛ اللهم فأعد نضارة دينك، واقض بين خلقلك بركات إحسانك، واقمع ذوي الاعتراض عليك، واهتك أستار الهاتكين لستر دينك؛ اللهم إني أسألك أن تخصني بإلهامٍ أقتبس الحق منه، وتوفيق يصحبني وأصحبه، ولطف لا يغيب عني ولا أغيب عنه، حتى أقول لوجهك، وأسكت — إذا سكت — بإذنك، وأبين إذا أبنت بحجتك، وأعبد إذا عبدت مخلصًا لك، وإذا مت أموت منتقلًا إليك؛ اللهم فلا تكلني إلى غيرك، ولا تُؤيسني من فضلك.
ومنها:

اللهم قيض لنا فرجًا من عندك، وأتح لنا مخلصًا إليك، فإنا قد تعبنا بخلقك، وعجزنا عن تقويمهم لك، ونحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في موافقتك؛ لأنه لا طاقة لنا بدهمائهم، ولا حيلة لنا في شفائهم.

اللهم تولنا فيما وليتنا حتى لا نتولى عنك، وآمنا مما خوفتنا حتى نقر معك، وأوسعنا رحمتك حتى نطمئن إلى ما وعدتنا، وفرق بيننا وبين الغل حتى لا نعامل به خلقك، وأغثنا بك حتى لا نفتقر إلى عبادك، فإنك إذا يسرت أمرًا، تيسر، ومهما بلوتنا فلا تبلنا بهجرك، ولا تجر عنا مرارة سخطك، قد اعترفنا بربوبيتك عبوديةً لك فعرفنا حقيقتها بالعفو عنا؛ والإقبال علينا، والرفق بنا يا رحيم.

هذا قليل من كثير مما في الأدب العربي من هذا الباب، وهي كما ترى تتدفق قوة وتفيض روحانية وتسمو معنى، إلى رصانة بلاغية، وموسيقى دينية، فلو عُنِيَ بها مؤرخو الأدب كما عُنوا بالأدب المادي من الغزل، والمديح، والفخر، والهجاء، لظهر الأدب العربي بصورته الكاملة من مادة وعقل، وشهوة وروح! ولعلي أعود بعدُ إلى هذا الموضوع.

١  تلم بها شعثي: تجمع بها متفرق أمري.
٢  أي أشد النصراء حضورًا بما يكفي المعتمدين عليه.
٣  العجر والبجر: العيوب والأحزان وما أُبدي وما أُخفي.
٤  الفسولة: ضعف المروءة.
٥  التجليح: المكابرة.
٦  يخيس: يكذب.
٧  حائمها لا ينقع: شاربها لا يُروَى.
٨  لا يقف ولا ينتظر.
٩  الثوب البالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠