الفصل الحادي والأربعون

ثلاث رسائل للمؤلف

  • (١)

    عكاظ والمربد.

  • (٢)

    ثقافة الجاحظ.

  • (٣)

    الفتوة في الإسلام.

(١) عكاظ والمربد

من أبعد الأماكن أثرًا في الحياة العربية عكاظ والمربد، وقد كان أثرهما كبيرًا من نواح متعددة؛ من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية الأدبية، ودراستهما تضيء لنا أشياء كثيرة في تاريخ العرب.

ولكن يظهر لي أنه لم يُعن بهما العناية اللائقة، فلا نرى فيما بين أيدينا إلا كلمات قليلة منثورة في الكتب يصعب على الباحث أن يصور منها صورة تامة أو شبهها، ومع هذا فسنبدأ في هذه الكلمة بشيء من المحاولة في توضيح أثرهما وخاصة من الناحية الأدبية.

(١-١) عكاظ

في الجنوب الشرقي من مكة، وعلى بعد نحو عشرة أميال من الطائف، ونحو ثلاثين ميلًا من مكة؛ مكان منبسط في وادٍ فسيح به نخل وبه ماء وبه صخور، يُسمى هذا المكان«عكاظ»، وكانت تُقام به سوق سنوية تُسمى «سوق عكاظ»، وقد اختلف اللغويون في اشتقاق الكلمة، فقال بعضهم: اشتقت من «تعكَّظ القوم» إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم، وقال غيرهم: سُميت عكاظًا؛ لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة؛ أي: يعركه ويقهره، كما اختلفت القبائل في صرفها وعدم صرفها؛ فالحجازيون يصرفونها وتميم لا تصرفها، وعلى اللغتين ورد الشعر:

قال دريد بن الصمة: «تغيبت عن يومي عكاظَ كليهما».

وقال أبو ذؤيب:

إذا بني القباب على عكاظٍ
وقام البيع واجتمع الألوف

•••

وكان للعرب أسواق كثيرة محلية كسوق صنعاء، وسوق حضرموت، وسوق صحار، وسوق الشحر، لا يجتمع فيها — غالبًا — إلا أهلها وأقرب الناس إليها.

وبجانب هذه الأسواق الخاصة أسواق عامة لقبائل العرب جميعًا، أهمها: سوق عكاظ، وسبب عمومها وأهميتها على ما يظهر:
  • (١)

    أن موعد انعقادها كان قُبيل الحج، وهي قريبة من مكة وبها الكعبة، فمن أراد الحج من جميع قبائل العرب سهل عليه أن يجمع بين الغرض التجاري والاجتماعي بغشيانه عكاظ قبل الحج، وبين الغرض الديني بالحج.

  • (٢)
    أن موسم السوق كان في شهر من الأشهر الحرم؛ على قول أكثر المؤرخين١ «والعرب كانت (في الشهر الحرام) لا تقرع الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيمًا له، وتُسمِّي مضر الشهر الحرام الأصم لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه٢» وفي انعقاد السوق في الشهر الحرام مزية واضحة، وهي أن يأمن التجار فيه على أرواحهم، وإن كانوا أحيانًا قد انتهكوا حرمة الشهر الحرام فاقتتلوا، كالذي رُوي في الأخبار عن حروب الفجار كما سيجيء، ولكن — على العموم — كان القتل في هذا الشهر مستهجنًا، قال ابن هشام: «أتى آتٍ قريشًا فقال: إن البَرَّاض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ … إلخ.»٣ وقد قال ذلك استعظامًا لقتله.
«فكان يأتي عكاظ قريش وهوازن وغطفان والأحابيش وطوائف من أفناء العرب.»٤ وكانت كل قبيلة تنزل في مكان خاص من السوق، ففي الخبر أن رسول الله ذهب مع عمه العباس إلى عكاظ ليريه العباس منازل الأحياء فيها٥، ويُروى كذلك أن رسول الله جاء كندة في منازلهم بعكاظ٦.
بل كان يشترك في سوق عكاظ اليمنيون والحيريون، يقول المرزوقي «كان في عكاظ أشياء ليست في أسواق العرب؛ كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد والحلة الحسنة والمركوب الفاره فيقف بها ويُنادي عليه ليأخذه أعز العرب، يراد بذلك معرفة الشريف والسيد فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته.٧» ويروي ابن الأثير عن أبي عبيدة «أن النعمان بن المنذر لما ملَّكه كسرى أبرويز على الحِيرة كان النعمان يجهز كل عام لطيمة — وهي التجارة — لتُباع بعكاظ.».

فترى من هذا أن بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها كانت تشترك في سوق عكاظ.

واختلفت الأقوال في موعد انعقادها، وأكثرها على أنه في ذي القعدة من أوله عشرين منه، أو من نصفه إلى آخره، قال الأزرقي في تاريخ مكة: «فإذا كان الحج … خرج الناس على مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، فيقيمون به عشرين ليلة، تقوم فيها أسواقهم بعكاظ والناس على مداعيهم وراياتهم، منحازين في المنازل، تضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء، ويجتمعون في بطن السوق فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مَجَنَّة فأقاموا بها عشرًا، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز، ثم إلى عرفة وكانت قريش وغيرها من العرب تقول: «لا تحضروا سوق عكاظ والمَجَنَّة وذي المجاز إلا محرمين بالحج.»، وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئًا من المحارم أو يعدوا بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وفي الحرم.»٨.

•••

وظيفته: كان سوق عكاظ يقوم بوظائف شتى فهو — أول كل شيء — متجر تُعرض فيه السلع على اختلاف أنواعها، يعرض فيه الأدَم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العَصْب والوشي والمُسَيَّر والعَدَني٩ ويُباع به الرقيق١٠، ويُعرض فيه كل سلعة عزيزة وغير عزيزة، فما يهديه الملوك يُباع بسوق عكاظ١١، ويتقاتل ابن الخِمْس مع الحارث بن ظالم فيقتله ابن الخمس ويأخذ سيف الحارث يعرضه للبيع في عكاظ١٢، وعبلة بنت عبيد بن خالد يبعثها زوجها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ١٣.
ونسبوا إلى عكاظ فقالوا: أديم عكاظي؛ أي: مما يُباع في عكاظ١٤.
ولم تكن العروض التي تُعرض في سوق عكاظ قاصرة على منتجات جزيرة العرب، فالنعمان يبعث إلى سوق عكاظ بمتجر من حاصلات الحيرة وفارس لتُباع به ويشترى بثمنها حاصلات أخرى١٥، بل كان يُباع في عكاظ سلع من مصر والشام والعراق، فيروي المرزوقي أنه قبل المبعث بخمس سنين حضر السوق من نزار واليمن ما لم يروا أنه حضر مثله في سائر السنين، فباع الناس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد وابتاعوا أمتعة مصر والشام والعراق١٦.

وكان السوق يقوم بأعمال مختلفة اجتماعية إلى جانب أعماله التجارية، فمن كانت له خصومة عظيمة انتظر موسم عكاظ؛ كانوا إذا غدر الرجل أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل فيخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إن فلان بن فلان غدر، فاعرفوا وجهه ولا تُصاهروه ولا تُجالسوه ولا تسمعوا منه قولًا، فإن أعتب وإلا جَعَل له مثل مثاله في رمح فنصب بعكاظ فلعن ورجم، وهو قول الشَّمَّاخ:

ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه
مقام الذئب كالرجل اللعين
ومن كان له دين على آخر أنظره إلى عكاظ١٧.
ومن كان له حاجة استصرخ القبائل بعكاظ كالذي حكى الأصفهاني أن رجلًا من هوازن أُسر فاستغاث أخوه بقوم فلم يغيثوه، فركب إلى موسم عكاظ وأتى منازل مذحج يستصرخهم١٨.
وكثيرًا ما يُتخذ السوق وسيلة للخطبة والزواج، فيروي الأغاني أنه اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ، وقدم أمية بن الأسكر الكناني وتبعته ابنة له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر، فتردد أبوها بينهما، ففخر كل منهما بقومه، وعدد فعالهم في قصائد ذكرها١٩، فزوجها أبوها ليزيد.
ومن كان صعلوكًا فاجرًا خلعته قبيلته — إن شاءت — بسوق عكاظ وتبرأت منه ومن فعاله، كالذي فعلت خزاعة، خلعت قيس بن منقذ بسوق عكاظ، وأشهدت على نفسها بخلعها إياه، وأنها لا تحتمل له جريرة، ولا تُطالب بجريرة يجرها أحد عليه٢٠.
وقد يتفاخر الرجلان من قبيلتين فيفخر كلٌّ بقبيلته ومكارمها، فيتحاكمان إلى حكم عكاظ، كما فعل رجل من قضاعة نافر رجلًا من اليمن فتحاكما إلى حكم عكاظ٢١.

ومن كان داعيًا إلى إصلاح اجتماعي أو ديني كان يرى أن خير فرصة له سوق عكاظ، والقبائل من أنحاء الجزيرة مجتمعة، فمن قبل الدعوة كان من السهل أن يكون داعيًا في قومه إذا عاد إليهم، فنرى قس بن ساعدة يقف بسوق عكاظ يدعو دعوته، ويخطب فيها خطبته المشهورة على جمل له أورق فيُرغِّب ويُرهِّب، ويُحذِّر ويُنذر.

ولما بُعث رسول الله اتجه إلى دعوة الناس بعكاظ؛ لأنها مجمع القبائل، روى الواقدي أن رسول الله أقام ثلاث سنين من نبوته مستخفيًا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يوافي الموسم، يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ والمجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره، حتى إنه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلة قبيلة، حتى انتهى إلى بني عامر بن صعصعة فلم يلق من أحد من الأذى ما لقي منهم٢٢ وفي خبر آخر أنه أتى كندة في منازلهم بعكاظ فلم يأت حيًّا من العرب كان ألين منهم٢٣، وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله كان يخرج من الموسم فيدعو القبائل فما أحد من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بمجنة وعكاظ ومنى حتى يستقبل القبائل، يعود إليهم سنة بعد سنة، حتى إن القبائل منهم من قال: «ما آن لك أن تيأس منا.»، من طول ما يعرض نفسه عليهم، حتى استجاب هذا الحي من الأنصار٢٤.
وروى اليعقوبي أن رسول الله قام بسوق عكاظ عليه جبة حمراء فقال: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا، ويتبعه رجل يكذبه وهو أبو لهب بن عبد المطلب٢٥.
كذلك كان لعكاظ أثر كبير لغوي وأدبي فقد رأينا قبائل العرب على اختلافها من قحطانيين وعدنانيين تنزل بها، وملك الحيرة يبعث تجارته إليها ويأتي التجار من مصر والشام والعراق٢٦ فكان ذلك وسيلة من وسائل تفاهم القبائل وتقارب اللهجات، واختيار القبائل بعضها من بعض ما ترى أنه أليق بها وأنسب لها، كما أن التجار من البلدان المتمدنة كالشام ومصر والعراق كانوا يطلعون العرب على شيء مما رأوا من أحوال تلك الأمم الاجتماعية، وفوق هذا كانت عكاظًا معرضًا للبلاغة ومدرسة بدوية يُلقى فيها الشعر والخطب وينقد ذلك كله ويهذب، قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعد مآثره وأيام قومه، من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيامها وفخرها، وكانت المنابر قديمة، يقول فيها حسان:
أولاء بنو ماء السماء توارثوا
دمشق بملك كابرا بعد كابر
يَؤُمون ملك الشام حتى تمكنوا
ملوكا بأرض الشام فوق النابر٢٧

فيقف أشراف العرب يفخرون بمناقبهم ومناقب قومهم … فبدر بن معشر الغِفَاري … كان رجلًا منيعًا مستطيلًا بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسًا بسوق عكاظ وقعد فيه وجعل يبرح على الناس ويقول:

نحن بنو مدركة بن خندف
من يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرف
كأنهم لجة بحرٍ مسدف

فيقوم رجل من هوزان فيقول:

أنا ابن همدان ذو التغطرف
بحر بحورٍ زاخر لم ينزف
نحن ضربنا ركبة المخندف
إذ مدها في أشهر المعرف٢٨

وعمرو بن كلثوم يقوم خطيبًا بسوق عكاظ وينشد قصيدته المشهورة:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا٢٩.
والأعشى يوافي سوق عكاظ كل سنة، ويأتي مرة فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها فينشدهم الأعشى في مدح المحلَّق٣٠، والنابغة الذبياني تُضرب له قبة أَدَم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فيدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى والخنساء فينشدونه جميعًا ويُفاضل بينهم وينقد قول حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
فيقول لحسان قللت العدد ولو قلت: الجفان؛ لكان أكثر، وقلت: يلمعن بالضحى؛ ولو قلت: يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا٣١.

ودريد بن الصِّمَّة يمدح عبد الله بن جدعان بعد أن لاحاه فيقول:

إليك ابن جدعان أعملتها
محففة للسُّرَى والنَّصَب٣٢ إلخ
وقس بن ساعدة يخطب الناس فيُذكرهم بالله والموت — خطبته المشهورة — ورسول الله يسمع له٣٣، والخنساء تسَوِّم هودجها براية، وتشهد الموسم بعكاظ وتُعاظم العرب بمصيبتها في أبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وتنشد في ذلك القصائد، فلما وقعت وقعة بدر وقُتل فيها عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أقبلت هند بنت عتبة إلى عكاظ، وفعلت كما فعلت الخنساء، وقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء ففعلوا، فعاظمت هند الخنساء في مصيبتها وتناشدتا الأشعار، تقول إحداهما قصيدة في عظم مصيبتها وترد الأخرى عليها٣٤، وعلى الجملة فكانوا في عكاظ يتبايعون ويتعاكظون ويتفاخرون ويتحاجون وتنشد الشعراء ما تجدد لهم وفي ذلك يقول حسان:
سأنشر — ما حييت — لهم كلامًا
يُنشر في المجامع من عكاظ

فمن هذا كله نرى كيف كانت عكاظ مركزًا لحركة أدبية ولغوية واسعة النطاق، كما كانت مركزًا لحركة اجتماعية واقتصادية.

نظام سوق عكاظ

كانت القبائل — كما أسلفنا — تنزل كل قبيلة منها في مكان خاص بها، ثم تتلاقى أفراد القبائل عند البيع والشراء أو في الحلقات المختلفة، كالذي حكينا أن الأعشى رأى الناس يجتمعون على سرحة، أو حول الخطيب يخطب على منبر، أو في قباب من أدم تُقام هنا وهناك، ويختلط الرجال بالنساء في المجامع، وقد يكون ذلك سببًا في خطبة أو زواج أو تنادر٣٥، وكانت تحضر الأسواق — وخاصة سوق عكاظ — أشراف القبائل «وكان أشراف القبائل يتوافون بتلك الأسواق مع التجار، من أجل أن الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ فإنهم كانوا يتوافون بها من كل أوب.»٣٦.
والظاهر أن المراد بالملوك هم الأمراء ورؤساء القبائل الذين يرسلون بضائعهم لبيعها في أسواق العرب، كملك الحيرة والغساسنة وأمراء اليمن ونحوهم — وكانت القبائل تؤتي لرؤسائها إتاوة في نظير إقامتهم بالسوق، فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه أخبار أسواق كثيرة كان يُعشِّرها أشرافها — أي: يأخذون العشر٣٧، وفي عكاظ كانت القبائل تدفع لأشرافها هذه الأتاوة «فهوازن كانت تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف وفي أنفسها منه غيظ وحقد.٣٨» وكانت الإتاوة سمنًا وأقطًا وغنمًا٣٩، «وكان عبد الله بن جعدة سيدًا مطاعًا وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، ويأتي بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، ومن هذه الإتاوة ثياب.»٤٠.

وكانت الأشراف تمشي في هذه الأسواق ملثمة، ولا يوافيها (عكاظ) شريف إلا وعلى وجهه برقع، مخافة أن يُؤسر يومًا فيكبر فداؤه، فكان أول من كشف طريف العنبري، لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح من وطن نفسه إلا على شرفه، وحسر عن وجهه وقال:

أَوَكلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلي عريفهم يتوسم
فتوسموني، إنني أنا ذلكم
شاكي السلاح وفي الحوادث معلم٤١

وكان على سوق عكاظ كلها رئيس: إليه أمر الموسم وإليه القضاء بين المتخاصمين، قال أبو المنذر: «وتزعم مضر أن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم.» وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظرب العداوني سعد بن زيد مناة من تميم، وقد فخر المخبل بذلك في شعره:

ليالي سعدٍ في عكاظ يسوقها
له كل شرقٍ من عكاظ ومغرب
حتى جاء الإسلام فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع٤٢.

تاريخ عكاظ

من العسير جدًّا أن نُحدد بدء عكاظ، فلم نجد في ذلك خبرًا يصح التعويل عليه، يقول الألوسي في بلوغ الأرب «إنها اتخذت سوقًا بعد الفيل بخمس عشرة سنة.» ولكن إذا بحثنا في الأحداث التي رُويت في عكاظ وجدنا ذلك غير صحيح، فهم يروون — كما قدمنا — أن عمرو بن كلثوم أنشد قصيدته في عكاظ، وعمرو بن كلثوم كان على وجه التقريب حول سنة ٥٠٠م.

كذلك إذا عدنا إلى ما رواه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة عن رؤساء عكاظ وجدنا أنه عدهم قبل الإسلام عشرة أولهم عامر بن الظرب العدواني، وهذا — من غير شك — يجعل تاريخ عكاظ أبعد مما يحكي الألوسي بزمان طويل، كذلك يروي الأغاني أن عبلة زوجة عبد شمس بن عبد مناف باعت أنحاء سمن بعكاظ٤٣.
وظل سوق عكاظ يقوم كل سنة، وكانت فيه قبيل الإسلام حروب الفجار، وهي حروب أربع، وكان سبب الأولى على ما يُروى؛ المفاخرة في سوق عكاظ، وسبب الثانية تعرض فتية من قريش لامرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، وسبب الثالثة مقاضاة دائن لمدينه مع إذلاله في سوق عكاظ، وسبب الأخيرة أن عروة الرحال ضمن أن تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة، فقتله البَرَّاض في الطريق٤٤.
فكلها تدور حول سوق عكاظ؛ وهذه الحروب كانت قبل مبعث النبي بست وعشرين سنة، وشهدها النبي وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه، وقال: كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي٤٥.
واستمرت هذه الحروب نحو أربع سنوات، وقد كانت هناك نزعتان عند أشراف العرب، نزعة قوم يقصدون إلى السلب والنهب وسفك الدماء لا يصدهم صاد، ولا يرعون حتى ولا الأشهر الحرم، ويتحرشون بالناس، فيمد أحدهم رجله في سوق عكاظ ويتحدى الأشراف مثله أن يضربوها فتثور من ذلك الثائرة٤٦، وفريق يميل إلى السلم ودرء أسباب الحروب ونجاح التجارة والأسواق، بتأمين السالكين وعدم التعرض لهم بأذى، جاء في تاريخ اليعقوبي «أنه كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسُمُوا «المحلين»، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيُسمون الذادة «المحرمين»؛ فأما المحلون فكانوا قبائل من أسد وطيئ وبني بكر بن عبد مناة وقوم من بني عامر بن صعصعة؛ وأما الذادة المحرمون فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد مناة وقوم من هذيل وقوم من بني شيبان … فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس.»٤٧.
وكان من أشهر الداعين للسلم عبد الله بن جدعان، فقد كان إذا اجتمعت العرب في سوق عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا وكان سيدًا حكيمًا مثريًا٤٨.

ويظهر أن أصحاب هذه النزعة الثانية وهم الذادة هم الذين سموا هذه الحروب حرب الفجار؛ لما ارتكب فيها من الفجور وسفك الدماء، وهم الذين تغلبوا فيما بعد ونجحوا في وقف هذه الحروب «ودعوا الناس أن يعدوا القتلى فيدوا من فضل، وأن يتعاقدوا على الصلح فلا يعرض بعضهم لبعض» وربما كان من أثر ذلك حلف الفضول، وقد عُقد في بيت عبد الله بن جدعان هذا.

واستمرت عكاظ في الإسلام، وكان يُعين فيها من يقضي بين الناس، فعُين محمد بن سفيان بن مجاشع قاضيًا لعكاظ، وكان أبوه يقضي بينهم في الجاهلية وصار ذلك ميراثًا لهم٤٩.
ولكن يظهر أن هذه الأسواق ضعف شأنها بعد الفتوح، فأصبحت البلاد المفتوحة أسواقًا للعرب خيرًا من سوق عكاظ، وصار العرب يغشون المدن الكبيرة لقضاء أغراضهم فضعفت أسواق العرب ومنها عكاظ، ومع ذلك ظلت قائمة وكان آخر العهد بها قبيل سقوط الدولة الأموية قال الكلبي: «وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومَجَنَّة وذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثًا من الدهر، فأما عكاظ فإنما تُركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الأباضي في سنة تسع وعشرين ومائة، خاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة فتُركت حتى الآن، ثم تركت مَجَنَّة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة … وآخر سوق خربت سوق حباشة خربت سنة ١٩٧هـ، أشار فقهاء أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخربها وتُركت إلى اليوم٥٠.

فعكاظ عاصرت العصر الجاهلي الذي كان فيه ما وصل إلينا من شعر وأدب، وجرت فيها أحداث تتصل بحياة النبي قبيل مبعثه، ومهدت السبيل قبيل الإسلام لتوحيد اللغة والأدب، وعملت على إزالة الفوارق بين عقليات القبائل، وقصدها النبي يبث فيها دعوته، وعاصرت الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي، ولكن كانت حياتها في الإسلام أضعف من حياتها قبله، وبدأ ضعفها من وقت الهجرة لما كان من غزوات وحروب بين مكة والمدينة أو بين المؤمنين والمشركين، فلما فُتحت الفتوح رأى العرب في أسواق المدن المتحضرة في فارس والشام والعراق ومصر عوضًا عنها، ثم كانت ثورة أبي حمزة الخارجي بمكة، فلم يأمن الناس على أموالهم فخربت السوق، وختمت صحيفة لحياة حافلة ذات أثر سياسي واجتماعي وأدبي كبير.

(١-٢) المِرْبَد

أما المربد فضاحية من ضواحي البصرة، في الجهة الغربية منها مما يلي البادية، بينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال، كان سوقًا للإبل قال الأصمعي:

«المربد كل شيء حُبست به الإبل والغنم … وبه سميت مربد البصرة، وإنما كان موضع سوق الإبل.٥١» وهو واقع على طريق من ورد البصرة من البادية ومن خرج من البصرة إليها، ويظهر أنه نشأ سوقًا للأبل، أنشأه العرب على طرف البادية، يقضون فيه شئونهم قبل أن يدخلوا الحضر أو يخرجوا منه.
وقد كان العرب في بادية العراق قبل الفتح الإسلامي، ونزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، وكونوا فيه إمارة المناذرة في الحيرة، فكان هذا الأقليم معروفًا لهم قبل الإسلام، وكانت الرحلات من البادية إلى العراق ومن العراق إلى البادية في حركة مستمرة — ومعلوم أن البصرة إنما خططت في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ونزل بها العرب على منازلهم من يمنية ومضرية — ولكن يظهر أن المربد كان قبل أن تخطط البصرة، وكان قبل الإسلام، وربما فُهم ذلك من قول الطبري «بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان فقال له: انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا، فأقبلوا حتى إذا كان بالمربد وجدوا هذا الكذان٥٢ قالوا: ما هذه البصرة.»٥٣.

وقال في اللسان — في مادة ب ص ر — وقال ابن شميل: «البصرة أرض كأنها جبل من جص وهي التي بنيت بالمربد، وإنما سميت البصرة بصرة بها.».

ولكن أخباره في الجاهلية منقطعة أو معدومة مما يدل على قلة أهميته؛ إذ ذاك، إنما كانت له الأهمية بعد أن فتح العرب العراق وسكنوه وخططوا البصرة، فقد أُنشئت فيه المساكن بعد أن كان مربدًا للإبل فقط، واتصلت العمارة بينه وبين البصرة٥٤ حتى قالوا فيه «العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد.»٥٥.
وقد كان المربد في الإسلام صورة معدلة لعكاظ، كان سوقًا للتجارة، وكان سوقًا للدعوات السياسية، وكان سوقًا للأدب – جاء في كتاب «ما يعول عليه» المربد كل موضع حُبست فيه الإبل … ومنه سُمي مربد البصرة لاجتماع الناس وحبسهم النعم فيه، كان مجتمع العرب من الأقطار، يتناشدون فيه الأشعار، ويبيعون ويشترون وهو «كسوق عكاظ» وقال العيني: «مربد البصرة … محلة عظيمة فيها (في البصرة) عن جهة البرية كان يجتمع فيها العرب من الأقطار، ويتناشدون الأشعار، ويبيعون ويشترون»٥٦.

وليس يهمنا هنا أثره التجاري، وإنما يهمنا شئونه السياسية والأدبية وهما مرتبطان بعضهما ببعض أشد الإرتباط، فلا داعي للتفريق بينهما، فقد كانت الأحزاب السياسية تنتج أدبًا من خطب وشعر، وكانت الخطب والشعر تُقوي الأحزاب السياسية وتُساعد في تكوينها والحروب بينها.

المربد في عصر الخلفاء الراشدين

كانت أهم أخبار المربد في ذلك العصر ما كان بعد قتل عثمان بن عفان من سير عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، فإنها نزلت بفناء البصرة ورأت أن تبقى خارجها حتى ترسل إلى أهلها تدعوهم بدعوتها، وهي المطالبة بدم عثمان، وبعبارة أخرى الخروج على علي، وكان معها طلحة والزبير ثم سارت إلى المربد معهما وخرج إليها مَن قَبِل دعوتها، وخرج إلى المربد كذلك عامل علي على البصرة، وهو عثمان بن حنيف ومن يُؤيده، وأصبح المربد وهو يموج بمَن أتى من الحجاز ومَن خرج مِن البصرة حتى ضاق المربد بمَن فيه، ورأينا المربد مجالًا للخطباء ممن يُؤيد عائشة ومن معها، ومن يُؤيد عليًّا وعامله، أصحاب عائشة في ميمنة المربد وأصحاب علي في ميسرته، ويخطب في المربد طلحة ويمدح عثمان بن عفان، ويُعظم الجناية عليه ويدعو إلى الطلب بدمه، ويخطب الزبير كذلك، وتخطب عائشة أم المؤمنين بصوتها الجهوري ويُؤيدهم من في ميمنة المربد، ويقولون: صدقوا وبروا وقالوا الحق وأمروا بالحق، ويُؤثر قول عائشة في أهل الميسرة فينحاز بعضهم إليها ويبقى الآخرون على رأيهم وعلى رأسهم عثمان بن حنيف، ويخطبون كذلك يبينون خطأ هذه الدعوة، وأن طلحة والزبير بايعا عليًّا فلا حق لهما في الخروج عليه ويُؤيدهم أبو الأسود الدؤلي وأمثاله٥٧.

وهكذا ينتقل المربد إلى مجمع حافل فيه الدعوات السياسية مؤيدة بالحجج والبراهين وفيه معرض البلاغة من خطب طويلة وجمل قصيرة متينة، وفيه الجدل والمناظرة وبحث أهم الأحداث في ذلك العصر، وهو مقتل عثمان بن عفان وتحديد المسئولية في قتله، ولم تفد هذه الحرب اللسانية فانتقلت إلى حرب بالسلاح وأصبح المربد ساحة للقتال.

المربد في عهد بني أمية

كان العصر الأموي أزهى عصور المربد؛ ذلك لأن العرب كانوا قد هدءوا من الفتح واستقرت الممالك في أيديهم، وأصبح العراق مقصد العرب يؤمه من أراد الغنى وخاصة البصرة جاء في الطبري «أن عمر بن الخطاب سأل أنس بن حجية وكان رسولًا إلى عمر من العراق، فقال له عمر: كيف رأيت المسلمين؟ فقال: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة فأتوها.» وكان المربد باب البصرة يمر به من أرادها من البادية، ويمر به من خرج من البصرة إلى البادية، ويقطنه قوم من العرب كرهوا معيشة المدن، ويقصده سكان البصرة يستنشقون منه هواء البادية، فكان ملتقى العرب، وكانوا يحيون فيه حياة تشبه حياة الجاهلية من مفاخرة بالأنساب وتعاظم بالكرم والشجاعة، وذكر لما كان بين القبائل من إحن، فالفرزدق يقف في المربد ينهب أمواله فعل كرماء الجاهلية، حكى في النقائض أن زياد بن أبي سفيان كان ينهى أن ينهب أحد مال نفسه، وأن الفرزدق أنهب أمواله بالمربد، وذلك أن أباه بعث معه إبلًا ليبيعها فباعها وأخذ ثمنها فعقد عليه مطرف خز كان عليه، فقال قائل: لشد ما عقدت على دراهمك هذه، أما والله لو كان غالب ما فعل هذا الفعل، فحلها ثم أنهبها، وقال: من أخذ شيئًا فهو له وبلغ ذلك زيادًا فبالغ في طلبه فهرب … فلم يزل في هربه يطوف في القبائل والبلاد حتى مات زياد٥٨.

وكان الأمويون على وجه العموم يعيشون عيشة عربية ويحتفظون بعربيتهم، إن أخذوا شيئًا من الحضارة صبغوه بصبغتهم وحولوه إلى ذوقهم وكذلك فعل عرب البصرة؛ أرادوا أن يكون لهم من مربد البصرة ما كان لهم من سوق عكاظ في الحجاز فبلغوا غايتهم، وأحيوا العصبية الجاهلية، وساعد الخلفاء الأمويون أنفسهم على إحيائها لما كانوا يستفيدون منها سياسيًّا، فرأينا ظل ذلك في الأدب والشعر، ورأينا المربد في العصر الأموي يزخر بالشعراء يتهاجون ويتفاخرون، ويعلي كل شاعر من شأن قبيلته ومذهبه السياسي، ويضع من شأن غيره من الشعراء ومذاهبهم السياسية.

ومن أجل هذا خلف لنا المربد أجل شعر أموي من هذا النوع، فكثير من نقائض جرير والفرزدق والأخطل كانت أثرًا من أثار المربد قيلت فيه وصدرت عما كان بينهم من منافرة وخصومة، يروي الأغاني أن جريرًا والفرزدق اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا وحضرهما العجاج والأخطل وكعب بن جعيل في خبر طويل٥٩.

كان كل من جرير والفرزدق يلبس لباسًا خاصًّا ويخرج إلى المربد ويقول قصائده في الفخر والهجاء، والرواة يحملون إلى كليهما ما قاله الآخر فيرد عليه، قال أبو عبيدة: وقف جرير بالمربد وقد لبس درعًا وسلاحًا تامًّا وركب فرسًا أعاره إياه أبو جهضم عباد بن حصين، فبلغ ذلك الفرزدق فلبس ثياب وشي وسوار وقام في مقبرة بني حصن ينشد بجرير، والناس يسعون فيما بينهما بأشعارهما فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال:

عجبت لراعي الضأن في حطميةٍ
وفي الدرع عبدٌ قد أصيبت مقاتله

ولما بلغ جريرًا أن الفرزدق في ثياب وشي قال:

ليست سلاحي والفرزدق لعبة
عليه وشاحا كرجٍ وجلاجله٦٠

وما زالا كذلك يتهاجيان ويقولان القصائد الطويلة الكثيرة حتى ضج والي البصرة فهدم منازلهما بالمربد فقال جرير:

فما في كتاب الله تهديم دارنا
بتهديم ماخورٍ خبيثٍ مداخله٦١
وكان لكل شاعر من شعراء المربد حلقة ينشد فيها شعره وحوله الناس يسمعون منه، جاء في الأغاني «وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة.»٦٢.

وكان الناس يخرجون كل يوم إلى المربد، يعرف كل فريق مكانه فيجلس فيه فينتظر شاعره، فقد روى الأغاني أيضًا أن جريرًا بات يشرب باطية من نبيذ ويهمهم بالشعر في هجاء الفرزدق والراعي، فما زال كذلك حتى كان السحر وقد قالها ثمانين بيتًا في بني نمير فلما ختمها بقوله:

فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
كَبَّر، ثم أصبح حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق دعا فادهن ولف رأسه، ودعا غلامه فأسرج له حصانًا وقصد مجلسهم وأنشدها، فنكس الفرزدق وراعي الإبل٦٣.

ونرى بجانب هؤلاء الفحول أعني جريرًا والفرزدق والأخطل طائفة أخرى من كبار الرُّجَّاز يقصدون المربد وينشدون رجزهم، فالعجاج الراجز يخرج إلى المربد عليه جبة خز وعمامة خز على ناقة له قد أجاد رحلها، ويقف بالمربد على الناس مجتمعين، ويقول رجزه المشهور:

قد جبر الدين الإله فجبر

ويهجو ربيعة فيأتي رجل من بكر بن وائل إلى أبي النجم ويستحثه على الرد عليه، فيخرج أبو النجم إلى المربد ويقول رحزه.

تذكَّر القلب وجهلًا ما ذكر

ورؤية الرجاز ينشد رجزه:

وقاتم الأعماق خاوي المخترق

ويجتمع حوله فتيان من تميم فيرد عليه أبو النجم في رجزه.

إذا اصطبحت أربعًا عرفتني٦٤

كذلك نرى ذا الرمة يقف بالمربد وعليه جماعة مجتمعة وهو قائم وعليه برد قيمته مئتا دينار، وينشد ودموعه تجري على لحيته:

ما بال عينك منها الماء ينسكب٦٥
وينشد كذلك بعض قصائده فيقف خياط فينقد شعره نقدًا شديدًا ويُسخف بعض تشبيهاته، فيمتنع ذو الرمة عن الذهاب إلى المربد حتى يموت الخياط٦٦.
والأمراء والولاة قد يتدخلون فيسكتون بعض الشعراء، وقد يهيجون بعضهم على بعض خدمة لأغراض حزبية أو سياسية، فعبد الملك بن مروان يأمر أبا النجم بالمفاخرة مع الفرزدق، وعباد بن حصين — وكان على أحداث البصرة — يعين جريرًا على الفرزدق ويعير جريرًا الدرع والفرس والسلاح٦٧.

وهكذا كان المربد في العهد الأموي معهدًا كبيرًا أنتج أدبًا غزيرًا من جنس خاص، وكاد هذا الشعر يكون امتدادًا للشعر الجاهلي، لاتحاد الأسباب والبواعث، فأما الشعر الغزلي كشعر عمر بن أبي ربيعة وأمثاله فليس له كبير أثر في المربد؛ لأنه فوق النزال والمهاجاة والمفاخرة، فليس مجاله حياة المربد التي وصفناها.

المربد في العصر العباسي

بقي المربد في العصر العباسي، ولكنه كان يؤدي غرضًا آخر غير الذي كان يؤديه في العهد الأموي، ذلك أن العصبية القبلية ضعفت في العصر العباسي بمهاجمة الفرس للعرب، وأحس العرب ما هم فيه جميعًا من خطر من حيث هم أمة لا فرق بين عدنانيهم وقحطانيهم، فقوي نفوذ الفرس وغلبوا العرب على أمرهم، وبدأ الناس في المدن كالبصرة يحيون حياة اجتماعية هي أقرب إلى حياة الفرس من حياة العرب، وانصرف الخلفاء والأمراء عن مثل النزاع الذي كان يتنازعه جرير والفرزدق والأخطل، وظهرت العلوم تزاحم الأدب والشعر، وفشا اللحن بين الموالي الذين دخلوا في الإسلام، وأفسدوا حتى على العرب الخالصة لغتهم، فتحول المربد يُؤدي غرضًا يتفق وهذه الحياة الجديدة.

أصبح المربد غرضًا يقصده الشعراء لا ليتهاجوا، ولكن ليأخذوا عن أعراب المربد الملكة الشعرية، يحتذونهم ويسيرون على منوالهم، فيخرج إلى المربد بشار وأبو نواس وأمثالهما، ويخرج إلى المربد اللغويون يأخذون اللغة عن أهله ويدونون ما يسمعون، روى القالي في الأمالي عن الأصمعي قال: «جئت إلى أبي عمرو بن العلاء فقال لي: من أين أقبلت يا أصمعي؟ قال: جئت من المربد، قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي، فمرت به ستة أحرف لم يعرفها، فخرج يعدو في الدرجة وقال: «شمرت في الغريب» أي غلبتني.»٦٨.
والنحويون يخرجون إلى المربد يسمعون من أهله ما يصحح قواعدهم ويُؤيد مذاهبهم، فقد اشتد الخلف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النحو وتعصب كلٌّ لمذهبه، وكان أهم مدد لمدرسة البصرة هو المربد، وفي تراجم النحاة نجد كثيرًا منهم من كان يذهب إلى المربد يأخذ عن أهله، ويخرج الأدباء إلى المربد يأخذون الأدب، من جمل بليغة وشعر بليغ وأمثال وحكم، مما خلفه عرب البادية وتوارثوه عن آبائهم، كما فعل الجاحظ، يقول ياقوت: إن الجاحظ أخذ النحو عن الأخفش وأخذ الكلام عن النظام وتلقف الفصاحة من العرب شفاهًا بالمربد٦٩.

وبذلك كان المربد مدرسة من نوع آخر تغير برنامجها في العصر العباسي عن برنامجها في العهد الأموي، وأدت رسالة في هذا العصر تُخالف رسالتها في العصر السابق.

آخر الأخبار عن المربد

في ثورة الزنج التي ظهرت في فرات البصرة والتي بدأت سنة ٢٥٥هـ حدث قتال بالمربد بين الزنج وجيش الخليفة، فاحترق المربد، روى الطبري قال: يقول ابن سمعان: فإني يومئذ لفي المسجد الجامع؛ إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمربد وبني حمان في وقت واحد، كأن موقديها كانوا على ميعاد، وجل الخطب وأيقن أهل البصرة بالهلاك٧٠.

وتوالت فيه الحرائق وعُوتب شاعر البصرة أبو الحصين بن المثنى على أنه لم يقل شيئًا في حريق المربد، مع أن المربد من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، فقال ارتجالًا في آخر حريق لها:

أتتكم شهود الهوى تشهد
فما تستطيعون أن تجحدوا
فيا مربديون ناشدتكم
على أنني منكم مجهد
جرى نفسي صاعدًا نحوكم
فمن أجله احترق المربد
وهاجت رياح حنيني لكم
وظلت به ناركم تُوقد
ولولا دموعي جرت لم يكن
حريقكم أبدًا يخمد٧١
ويذكر ابن الأثير في حوادث سنة ٤٩٩ أن سيف الدولة صدقة بن مزيد تقاتل مع إسماعيل، فنهبت البصرة وغنم من معه من عرب البر … ولم يسلم منهم إلا المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد، فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية وامتنعوا بها وحموا المربد وعمت المصيبة بأهل البلد سوى من ذكرنا٧٢.

ويقول ياقوت «إن المربد كان سوقًا للإبل، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وهو الآن — (عاش ياقوت حتى سنة ٦٢٦هـ) — بائن عن البصرة، بينهما نحو ثلاثة أميال، وكان ما بين ذلك كله عامرًا، وهو الآن خراب، فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية.».

ثم عفا أثر المربد، ولم نعد نجد له ذكرًا ذا قيمة، وأخنى عليه الذي أخنى على عكاظ، ومات بموته معهدان أدبيان اتصلت حياة الثاني منهما بحياة الأول فقاما نحو سبعة قرون، يخرجان شعرًا وأدبًا ونقدًا كان من خير تراث العرب.

(٢) ثقافة الجاحظ

لست أعلم أحدًا في عصر الجاحظ بلغ مبلغه في سعة ثقافته وعمقها، فلقد شملت كل معارف زمانه تقريبًا على اختلاف ألوانها وتعدد منابعها؛ حتى ليُخيل إليَّ أننا لو جمعنا كل كتبه ورسائله، ووزعنا ما فيها، ورتبناها على الحروف الأبجدية، لخرج لنا من ذلك دائرة معارف تمثل أصدق التمثيل معارف العصر العباسي الأول.

دائرة معارف تشمل الرجال، والأدب، والبلاغة، وعلوم الدين، والتاريخ، والطبيعة، والكيميا، والفلسفة، واللاهوت، والاجتماع، والاقتصاد، والصناعة، والتجارة، والحيوان، والنبات، والفن، والفكاهة، ولعله لا ينقصها إلا الرياضة: «الحساب، والجبر، والهندسة»؛ فيظهر لي أنه قصر فيها تقصير المعلم الأول (أرسطو).

وظل يُحصل هذه المعلومات المتنوعة المختلفة وينشرها قرنًا كاملًا تقريبًا، وقد منحه الله ذكاءً نافذًا وصبرًا غريبًا، وذهنًا لاقطًا، وحافظة أمينة، وزمنًا مباركًا، فتيسر له من ذلك كله ما لم يتيسر لأحد غيره في عصره.

ولكن كيف حصَّل هذه المعارف وما هي الوسائل التي انتهجها في تحصيلها؟

لقد بدأ يأخذ العلم عن شيوخ عصره:
  • (١)

    فكان في فجر عهده بالتعليم ثلاثة نجوم لامعة في اللغة والأدب: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو زيد الأنصاري، وكان لكل منهم ظاهرة.

    فأما الأصمعي فكان عالمًا واسع العلم باللغة، وواسع العلم بالشعر العربي، يحفظ الكثير من قصائده وأراجيزه، له نغمة لطيفة في إنشاده، وكان فوق ذلك يعرف مُلَح العرب ونوادرهم وفكاهاتهم، يُنادم الخلفاء والأمراء بها فيُضحكهم وينال من عطائهم.

    وكان أبو عبيدة لا يصل إلى درجة الأصمعي في اللغة والشعر والنوادر، ولا كان خفيف الروح خفته، ولكن كان واسع العلم بأنساب العرب، يعرف القبائل وتسلسلها ومثالبها ومفاخرها؛ وكان واسع العلم بأيام العرب، وما كان بين قبائلها من حروب، ومن انتصر ومن انهزم؛ وكان يعرف أخبار الأمم وأحداثها التاريخية؛ وكان فوق ذلك رجلًا داهية ماكرًا أميل إلى النزعة الشعوبية.

    وأما أبو زيد الأنصاري فكان رجلًا طيب القلب أولع بغريب اللغة، وكان ثقة صادقًا، يتحرى في روايته وعلمه أكثر مما يتحرى الأصمعي وأبو عبيدة، ويُسميه سيبويه الثقة، فإذا قال: حدثني الثقة فإياه يعني، ويصفه الجاحظ في كتاب الحيوان بما يُفهم منه أنه ثقة وليس بناقد، فما يحكيه فهو صادق في حكايته، ولكنه حاطب ليل، يروي ما يسمع ولا يعرضه للامتحان.

    •••

    هؤلاء الثلاثة هم مثقفو الجاحظ في ناحية من ثقافته، أعني ثقافته اللغوية والإخبارية، والأدبية، وقد تشرب منهم جميعًا، وأخذ ما عندهم وتأثر بأرواحهم، فلعل روح الأصمعي الفكهة المضحكة المسامرة شعت على تلميذه الجاحظ فكاهة ودعابة، وقد توسع فيها بما تمده طبيعته وطبيعة عصره، وأخذ من أبي عبيدة مكره ودهاءه مع سعة علمه؛ فكان واسع الحيلة واسع العلم يستطيع أن يكتسب رضاء الوزيرين المتعاديين على التعاقب، ابن الزيات وابن أبي دؤاد، ثم يظهر أنه لم يأخذ من أبي زيد إلا علمه بغريب اللغة، وقد أهمل غفلته فلم يتأثر بها ولم تُوائم نفسه.

  • (٢)

    وأخذ الجاحظ النحو على أبي الحسن الأخفش، وكان الجاحظ تلميذه وصديقه، والأخفش — هذا — كان المرجع الأوحد في كتاب سيبويه، فعنه روى ومنه أخذ، وكل الطرق التي رُوي فيها كتاب سيبويه ترجع آخرًا إلى الأخفش، وكان الأخفش من أعلم الناس بطرق الكلام والجدل، يُناظر الكسائي فيفحمه، فيتقيه الكسائي بالمال يبذله له، فأفاد الجاحظ منه نحوه وطرقًا من جدله وأساليبه في الإفحام.

  • (٣)

    وأتم الجاحظ ثقافته اللغوية والأدبية في «المربد»، وهو — كما رأينا — مجمع الشعراء ومصدر اللغة والأدب.

    فكان الجاحظ يرحل إليه و«يتلقف منه الفصاحة» كما يقول «ياقوت»، فتم له بذلك اللغة والأدب بالمشافهة وبالأخذ عن العلماء.

  • (٤)

    وله ناحية أخرى دينية، من ذلك أنه تثقف في الحديث فأخذ عن بعض رجاله، وقد حكى في كتاب الحيوان أنه كان يخرج سحرًا في طلب الحديث، وحكى أنه وقعت له موقعة مع عدة كلاب ضخام نبحته في السحر.

    وكان من أهم شيوخ الجاحظ في الحديث «حجاج بن محمد المصيصي» وهو محدِّث كبير من أكبر تلاميذ ابن جريج ومن أكبر شيوخ أحمد بن حنبل، وكان حجاج شيخًا ثقة صدوقًا، مات سنة ٢٠٦هـ ثم اختلط عقله في آخر عمره فكان يقول: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة، فنُهي المحدثون عن الأخذ عنه، وقد روى الجاحظ عنه بعض الأحاديث، وقصد الجاحظ بعض المحدثين لأخذ الحديث عنه مثل ما روى: «حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال: دخلت على عمرو بن بحر الجاحظ، فقلت له حدثني بحديث فقال: «حدثنا حجاج بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، كما كان من شيوخ الجاحظ أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وقاضي الرشيد، فقد روى عنه الجاحظ بعض الحديث.

  • (٥)
    ثم تثقف ثقافة الاعتزال، وكان أهم أستاذ له في ذلك «النظام»، وثقافة الاعتزال أوسع الثقافات برنامجًا، فقد كان الاعتزال يتطلب من رجاله مطالب عسيرة، يتطلب:
    • (أ)

      علمًا واسعًا بالديانات الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية ومانوية وغيرها؛ لأن المعتزلة نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الإسلام، ورأوا أنه لا يتيسر لهم ذلك على الوجه الأكمل إلا بمعرفة دقيقة بدينهم وبدين غيرهم، والاستعداد التام للدخول في الجدل والمناظرة دفاعًا وهجومًا، فعرفوا الأديان الشائعة في عصرهم وعرفوا مواضع المهاجمة فيها، وتسلحوا بأسلحة خصومهم.

    • (ب)

      واضطرهم ذلك إلى معرفة الفلسفة اليونانية؛ لأن خصومهم من اليهود والنصارى، كانوا قد اتخذوها أداة للدعوة إلى دينهم، والنصرة على خصومهم فتسلحوا بالمنطق والميتافيزيقا الأرسططاليسية.

      وكانت فلسفة أرسطو فيها دراسة للحيوان فدرسوه، وفيها طبيعة فدرسوها، وفيها سياسة فنظروا فيها؛ ولكنهم صبغوا ذلك كله بروحهم الديني، فإذا بحث أرسطو في الحيوان بحثًا مجردًا بحثها المعتزلة للدلالة على قدرة الله وعلى إبداعه، واتخذوا منها دليلًا على بطلان الإلحاد وفساد الشرك، فقائلهم بشر بن المعتمر يقول القصائد الطوال في الحيوان وعجائبه ويختم ذلك بقوله:

      سبحان رب الخلق والأمر
      ومنشر الميت من القبر
      فاصبر على التفكير فيما ترى
      ما أقرب الأجر من الوزر

      وأرسطو نظر في الطبيعة نظرًا علميًّا بحتًا، ونظر فيها المعتزلة نظرًا علميًّا ودينيًّا معًا:

      لو فكر العاقل في نفسه
      مدة هذا الخلق في العمر
      لم ير إلا عجبًا شاملًا
      أو حجة تُنقش في الصخر
    • (جـ)

      بل نظروا إلى الفرق الإسلامية الأخرى كما نظروا إلى غير المذاهب الإسلامية فجادلوهم وخاصموهم واحتجوا عليهم بالقرآن كما احتجوا على أرباب الأديان بالعقل.

      كل هذا دعاهم إلى أن يتثقفوا ثقافة في منتهى السعة، ثقافة في الإسلام نفسه، وثقافة في الأديان الأخرى، وثقافة فلسفية في المنطق واللاهوت والطبيعة والكيميا والحيوان والنبات وغير ذلك.

      قالوا بسلطة العقل وقال قائلهم:

      لله در العقل من رائد
      وصاحب في العسر واليسر
      وحاكم يقضي على غائب
      قضية الشاهد للأمر

      فنازلهم رجال النقل فاستعدوا لهم:

      وقالوا بالإيمان والتوحيد، فنازلهم رجال الإلحاد والشرك فاستعدوا لهم، وهكذا كثرت خصومهم فكثر استعدادهم وكثرت أسلحتهم، فاتسعت ثقافتهم إلى أقصى حد.

      وكان الجاحظ من رجالات المعتزلة البارزين، فكان رأسًا في المعتزلة فكان لا بد أن يكون رأسًا في الثقافة.

  • (٦)

    هذا كله نمط واحد من نمط ثقافة الجاحظ، وهو الأخذ عن المشايخ كل في فنه، فاللغة على رجالها، والحديث على رجاله، والاعتزال على أئمته، وكان له منبع آخر من الثقافة وهو اعتماده على الكتب يقرؤها بنفسه لنفسه، وكان العلماء؛ إذ ذاك يكرهون من يأخذ العلم عن الكتب ولا يثقون به ويسمونه الصحفي؛ أي: أنه يأخذ العلم عن الصحيفة لا عن الأستاذ، ولكنه لا عيب في ذلك بعد النضوج وأخذ الأصول عن المشايخ.

    وقد عكف الجاحظ على قراءة الكتب وصبر عليها واستفاد منها فوائد لا تُحصى، قال أبو هفان: «لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر.».

    غرام بالعلم غريب يحمله على أن يستأجر المكتبة من صاحبها ثم يسهر عليها لياليه ليستوعب ما فيها.

  • (٧)

    ومنبع ثالث من منابع ثقافته يستخدمه الجاحظ أحسن استخدام وأدقه وأوسعه، ولا أعلم له في ذلك نظيرًا ممن قبله أو عاصره؛ ذلك أنه أنغمس في الحياة الواقعية واستفاد منها ما أمكنه، وجعل منها موضوعات لأدبه؛ فإن كان سقراط قد استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فالجاحظ قد استنزل الأدب من السماء إلى الأرض.

    كل شيء يقع تحت حسه موضع لدرسه وموضع لأدبه؛ فالحيوانات والنباتات، والصناع والصنائع والمجتمعات والفكاهات، والرحلات والكرماء والبخلاء والأغبياء والأذكياء؛ وعلى الجملة كل شيء وقعت عليه ملاحظته، فكأنه منح من الحواس، ما لم يمنحه الناس.

    دقت ملاحظته في طبائع الأشياء وفي نفوس الناس وفي طبيعة المجتمعات فاستخرج من كل ذلك أدبًا، على حين أننا نقرأ أدباء عصره كابن قتيبة وغيره فلا نكاد نجدهم يمسون حياتهم الواقعية في شيء.

    يُجرب بنفسه في كل حقير وجليل، ويُمعن في التجربة، ويصوغ ذلك كله أدبًا جميلًا.

    •••

    ففي الأمور الطبيعية — مثلًا — يُراقب الديك هل إذا كان وحده في قرية يصيح أو لا يصيح، ليعلم هل يصيح الديك بالتجاوب أو بطبيعته، ويُراقب الدجاج هل تكثر أفراخها إذا كثر عددها أو تقل أفراخها، ويبحث في الخيرى (وهو النبات المعروف عندنا بالمنثور) لماذا ينضم ورقه بالليل وينتشر بالنهار.

    ويلاحظ قتالًا بين قط وفأر كان عنده في بيت الحطب، وانجلت المعركة عن هرب الفأر بعدما فقأ عين القط.

    ويُراقب بَرْنِيَّة زجاج فيها عشرون عقربًا وعشرون فأرًا، وما نتيجة لسع العقرب للفأر وكيف ورم، ويُريد أن يغرس الأراك في بيته على النمط الذي حكوه في زراعته ليُجرب قوله بنفسه.

    ويذهب إلى أهل الحرف المختلفة يسألهم عن معلوماتهم في اختصاصاتهم فيقول: «سألت بعض العطارين من أصحاب المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة وهو بالخشف أشبه، ثم قص عليَّ شأن المسك وكيف يُصنع.» ويذهب إلى الحوائين ويسألهم عن معلوماتهم في الحيات، ويقرأ في كتاب الحيوان لأرسطو أن ريح السَّذَاب يشتد على الحيات فيذهب الجاحظ ويُحضر أفعى ويلقي عليها السذاب ثم يقول: «فما كان السذاب عندها إلا كسائر البقل.» إلى كثير من أمثال ذلك.

    ومن الناحية النفسية — مثلًا — يبحث في مناغاة الطفل للنار ويقول:

    «إن الطفل لا يُناغي شيئًا كما يُناغي المصباح، وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس فتهيج الهمة وتبعث على الخواطر في فتق اللهاة وتشديد اللسان والسرور الذي له في النفس أكرم أثر.» ويصف شعوره الدقيق بالجمال فيقول: «إنه إذا رأى الديك والدجاجة أو الذئب أو الكلب تشرب الماء وكان عطشان يذهب عطشه من قبح شرب هذه الحيوانات، وإذا رأى شرب الحمام وكان ريان يشتهي أن يكون في ذلك الماء معه لجمال حسنه.» إلى كثير من أمثال ذلك أيضًا.

    ويبحث في الغَيرة عند الرجل هل هي طبيعية فيه أو هي شيء تصطنعه المدنية، وما الفرق بينها وبين الأنفة والحمية.

    وأما الناحية الاجتماعية فقد أبدع فيها كل إبداع؛ يصف نوادي القمار، والخاطبات بين النساء والرجال، وحياة الفتيان، وطمع النجار، وطائفة المعلمين والمغنين، والشرب والشراب، إلى ما لا يُمكن أن يُستقصى.

    وقد منحه الله عمرًا طويلًا ولسانًا كذلك طويلًا، فما أكثر ما جرب، وما أجود وصفه لتجاربه.

  • (٨)

    وقد ساعده على هذه التجارب تنقله في أوساط اجتماعية مختلفة؛ فهو ناشئ فقير يبيع الخبز والسمك في الأسواق ليكسب قوته، ويكسب بجانب ذلك دراسته العملية للأسواق، وهو في حلقة الدروس بين رجال علم وأدب ورجال دين؛ ثم هو كاتب في ديوان الرسائل مختلط بأهل الديوان، يعرف أخبارهم ومناحيهم في الحياة، ثم هو نديم للوزير ابن الزيات يُسامره ويُؤاكله ويقع تحت نظره كل صنوف الحياة الأرستقراطية، ويتصل بالفتح بن خاقان أقرب المقربين إلى المتوكل: ويشهد العداء الحار بين الوزيرين ابن الزيات وابن أبي دؤاد ويكتوي بنار الخصومة بينهما، ويُقبض عليه ويُوضع في القيد، ثم يُطلق سراحه بدهائه، كل هذا أطلعه على جوانب الحياة من ألفها إلى يائها.

    ثم يرحل من البصرة إلى بغداد، ومن بغداد إلى دمشق وحمص، ويدرس البلد الذي يرحل إليه في عمق، حتى براغيث حمص والفرق بينها وبين براغيث العراق، وحتى لا يجد في حمص عقارب فيتساءل عن سبب ذلك، فيقولون له: إن بها طلسمًا يمنع من وجود العقارب بها، فلا يرضيه هذا التعليل، ويُعلله باحتمال وجود حيوانات بها تهرب منها العقارب، أو عدم صلاحية الجو لها أو نحو ذلك.

    كل هذا إذا كان أمام عقل جبار كعقل الجاحظ، وقلم متدفق كقلم الجاحظ أخرج لنا ثروة ضخمة هائلة كثروة الجاحظ.

  • (٩)

    تثقف الثقافة العربية أدبية ودينية فشرب منها حتى الثمالة، وتثقف الثقافة الفارسية الأدبية منها والدينية؛ وعرف لغتها فنقل منها الكلمات والجمل بنصها في كتبه، وأخذ يُفسر معانيها، وتثقف اليوناينة ونقل منها فيما كتب في حيوان وفلسفة وطب وفراسة، وحتى حكى عنهم حكاية الممرورين منهم، ومزج ذلك كله مزجًا غريبًا لا كمزج الماء بالزيت ولكن كذوب السكر في الماء، وأخرج من ذلك شرابًا حلوًا سائغًا للشاربين.

    يعرض للموضوع فيحكي فيه قول العربي الجاهلي، ويتبعه بقول أرسطو الفيلسوف اليوناني، ثم قد يتبعه بقول المجوس الفارسي، وقد يقف بعد ذلك يقص تجاربه الشخصية، ويُحكِّم الواقع والتجارب في كل ما قالوا، وينتهي من ذلك كله إلى نتيجة يحسن السكوت عليها.

    في العلماء من استطاع أن يختزن ويملأ مخازنه بالسلع ثم لم يستطع بعد ذلك أن يعرض سلعه على جمهور الناس، فهو وخالي المخازن سواء، كلاهما لا يستفيد منه الجمهور شيئًا، أما الجاحظ فقد وفق في الحالين جميعًا، وفق في التحصيل حتى امتلأت مخازنه، ووفق في العرض حتى اجتذب الجماهير، فكان كالتاجر الماهر في الإعلان عن سلعه، الماهر في كيفية عرضها على الأنظار، ووُفق في القانون الذي وضعه هو؛ إذ قال: «وينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يُكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.» ولذلك رُزق الحظوة عند القراء وبلغت شهرته الآفاق، قال رجل لأبى هفان: لم لا تهجوا الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يُخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة.

    فثقافته التي ثقفها قد هضمها وأخرجها للناس خيرًا مما أخذها، أخذها متفرقة وأخرجها مجتمعه، أخذها من منابع مختلفة وعرضها في جدول واحد، أخذها مادة لا حياة فيها، وأخرجها مادة حية بنفسه، حية بآرائه وفكاهته، حية باختياره الموضوعات المناسبة للقول؛ فيثير عواطف السامعين ويزيد انتباههم.

لقد اتجهت تآليفه اتجاهات متعددة، ووسعت مواضيع شتى سعة من جنس سعة ثقافته.

فقد عد له ياقوت في معجم الأدباء نحوًا من ١٢٧ كتابًا لا أمل القارئ بتعداد أسمائها، ولكن أعرض في سرعة بعض موضوعاتها:
  • فهو يؤلف في التاريخ ككتابه في الإمامة، وكتاب تصويب عليٍّ في تحكيم الحكمين … إلخ، بل يُؤلف في فلسفة التاريخ، فله كتاب اسمه «كتاب الأخبار وكيف تُجمع».

  • ويُؤلف في الرد على المخالفين وفي الفِرق، ككتابه في الرد على النصارى والرد على اليهود، وكتابه في الزيدية والرافضة.

  • ويُؤلف في الأخلاق، كرسالته في الحاسد والمحسود، ورسالته في كتمان السر، ورسالته في الكرم.

  • ويُؤلف في الحيوان، ككتابه المشهور، وفي النبات ككتابه المسمى كتاب الزرع والنخل.

  • ويُؤلف في نظرية المعرفة ككتابه المسمى «كتاب المعرفة»، وكتابه في الرد على أصحاب الإلهام.

  • ويُؤلف في البلاغة والأدب، كالبيان والتبيين، وكتاب صناعة الكلام.

  • ويُؤلف في الاجتماع بأوسع معانيه، ككتابه في المعلمين، وفي الفتيان، وفي اللصوص، وفي الجواري، والمحامين (الوكلاء والموكلين)، والصناعات، وغش الصناعات، وذوي العاهات، والنساء، والسود والبيض، والصرحاء، والهجناء، والعرجان والبرصان.

  • ويُؤلف في الاقتصاد، مثل كتابه تحصيل الأمول؛ وكتابه في الخراج.

  • ويُؤلف في الجغرافيا كتاب البلدان؛ ولا يفوته الطب، فيُؤلف كتابه في نقض الطب.

•••

هذه بعض نواحيه، وهي في منتهى السعة والتعدد.

نعم إنه غلب عليه في معالجة هذه الموضوعات الناحية الأدبية لا الناحية الفنية أو العلمية الصرفة، فهو يُؤدب كل شيء تكلم فيه حتى الزرع والنخل، والأسد والثعلب، ولكن شأنه في ذلك شأن علماء العصر الحاضر أرادوا أن يقطروا العلم للجمهور فأدبوه وجعلوه في شكل قصة، وفي أسلوب أدبي مشوق، فقد فعل الجاحظ قبل أحد عشر قرنًا ما نحاول عمله اليوم من مزج العلم بالأدب، وقد كان الأدب قبله في كثير من أنواعه ليس إلا شقشقة لفظية.

ثم نقل حدود الأدب إلى أبعد مدى، فبعد أن كان الأدب مقصورًا على الأقوال اللبقة الجميلة جعله شاملًا لكل موضوعات الحياة.

رحم الله الجاحظ، فقد تثقف فأجاد في ثقافته، وعرض معارف الناس لوقته فأجاد في عرضه.

(٣) الفتوة في الإسلام

لكل كلمة تاريخ يُشبه تاريخ الرجال وتاريخ النظم السياسية، وتاريخ الكلمات قد يكون معقدًا ملتويًا غامضًا، كما يحدث في غيره من أنواع التاريخ، فيجتهد الباحث في استعراض النصوص الكثيرة في العصور المختلفة، ليستخلص مها تقلبات الكلمة في أوضاعها المختلفة؛ وهذا ما أُحاوله في كلمة الفتى والفتوة.

الفتوة؛ معناها في الأصل الشباب، قالوا: فَتِيَ يَفْتَى؛ أي: صار شابًّا، وقالوا: هو فَتِيُّ السن بَيِّن الفَتَاء، وقد ولد له في فتاء سنه أولاد؛ أي: في شبابه، وأصل كلمة فتًى مصدر فَتِىَ فتًى كمرح مرحًا، ثم جُعلت وصفًا فقيل: هو فتى؛ أي: شاب، وجمعوا الفتى على فتيان وفتو وفتية، والاسم من ذلك كله الفتوة٧٣، ووصفوا بالفتوة الحيوان والإنسان فقالوا: إن الأفتاء من الدواب خلاف المَسَان، وقالوا للشاب فتى، وللشابة فتاة.

ثم نراهم نقلوا الكلمة نقلة أخرى، فاستعملوها لا للدلالة على القوة، فقد يكون الشاب ضعيفًا فاتر القوى ويسمى بالوضع الأصلي شابًّا وفتى، فاستعملوها للدلالة على القوة؛ لأن الشباب عنوان القوة، قال ابن قتيبة: ليس الفتى بمعنى الشباب والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال، يدل على ذلك قول الشاعر:

إن الفتى حمال كل ملمةٍ
ليس الفتى بمُنَعَّم الشبان

ويقول آخر:

يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا
وقد يكون شباب غير فتيان

فالفتوة — على هذا — معناها القوة؛ لأن الشباب مصدرها عادة، ومن هذا المعنى — على ما يظهر — تسميتهم الليل والنهار باسم الفتيان، ومن أقوى من الليل والنهار في إذلال كل عزيز وإضعاف كل قوي؟ ومنه قول الشاعر:

ما لبث الفتيان أن عصفا بهم
ولكل قُفْلٍ يَسَّرَا مفتاحا

ثم مَن أحق منهما بأن يسميا فتيين، وقد سُمِّيا قبل بالجديدين؟ ففتوة الناس مرحلة قصيرة المدى، وفتوة الليل والنهار متجددة أبدًا.

ثم رأيناهم نقلوا معنى الفتى نقلة ثالثة، من ذلك ما قال الجوهري: الفتى السخي الكريم، وقال الزمخشري في الأساس: الفتوة هي الحرية والكرم.

قال عبد الرحمن بن حسان:

إن الفتى لفتى المكارم والعلا
ليس الفتى بمُغَمْلَج الصبيان

فكأنهم في هذا لاحظوا المعنى أكثر مما لاحظوا المادة، لاحظوا المعاني التي تُكسب صاحبها القوة المعنوية من حرية وكرم أكثر مما لاحظوا القوة الجسمية، وهذا — عادة — هو ما يحدث في الأوصاف، كالشجاعة، كانت لا تُطلق إلا على القوة البدنية، ثم لما أمعن الناس في الحضارة اخترعوا ما سموه الشجاعة الأدبية، يعنون بها الجهر بالحق مع التعرض للأخطار.

وفي هذه النقلة يظهر أن الكلمة أصبحت خاضعة للبيئات المختلفة، تُلبسها كل بيئة ما تنشده المثل الأعلى للفتى، فطرفة يرسم لنا صورة للفتى كما يتصورها هو وبيئته فيقول:

إذا القوم قالوا من «فتى» خِلت أنني
عُنيت فلم أكسل ولم أتبلد
أحلتُ عليها بالقطيع فأجذمت
وقد خبَّ آل الأمعز المتوقد
فذالت كما ذالت وليدة مجلس
ترى ربها أذيال سحل ممدد
ولست بحلال التلاع مخافةً
ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني
وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد
وإن يلتق الحي الجميع تُلاقني
إلى ذروة البيت الشريف المصمد

فهو يقول: إذا ما سأل القوم عن «فتى» ينجدهم في الملمات لم يجدوا الفتوة متوافرة فيَّ أحد توافرها في، ثم علل استيفاءه للفتوة بأنه سرعان ما يهوي إلى ناقته يضربها بالسياط، لتسرع في السير للإنجاد، فتتبختر في مشيتها كما تتبختر سيدة ترقص بين يدى سيدها، هذه أولى الصفات.

وثانية، وهي أنه لا يلجأ إلى التلاع مخافة حلول الأضياف، فهو واسع الرحب في قرى الضيوف؛ كما هو سريع النجدة في قتال الأعداء، وهو — إلى ذلك — في حياته جاد هازل يدلي برأيه بين عظماء القوم عندما يجد الجد؛ لأنه شريف النسب عالي الحسب، فإذا فرغ الجد ودعا داعي اللهو فهو في الحانات يشرب، وندماؤه أحرار كرام تتلألأ ألوانهم وتشرق وجوههم وتغنيهم مغنية لابسة بردًا أو ثوبًا صُبغ بالزعفران، فالفتوة في نظره ونظر أمثاله شجاعة وكرم وإتلاف للمال في الجد والهزل وعدم الاعتداد بالحياة في سلم أو حرب، وقد شرح هذه الخصال بعدُ في قوله:

ولولا ثلاث هن من عيشة
وجدِّك لم أحفل متى قام عوَّدي

… إلخ.

أما زهير الحكيم الرزين الوقور فيرى رأيًا غير رأي طرفة الشاب الغر اللاهي، فهو يرى أن الفتى إنما هو من استكمل الفصاحة في لسانه، والقوة في حنانه، وأن الشيخ لا أمل فيه للإصلاح، وأن الفتى هو موضع الأمل في الصلاح:

لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وأن سفاه الشيخ لا حلم بعده
وأن الفتى بعد السفاهة يَحْلُم

وعلى كل حال فطرفة وزهير يتفقان في أن من صفات الفتى الشجاعة وقوة القلب، وأن الفتوة وصف من أوصاف الشباب، ويختلفان في أن طرفة يرى من الفتوة اللهو والاستمتاع بالحياة، وزهيرًا يرى الفتوة في الجد والعقل والفصاحة، ومصدر الخلاف أن طرفة كان فتى تتملكه العاطفة، وزهيرًا كان شيخًا رزينًا حكيمًا مجربًا، وربما ظل النظران في الإسلام كما كانا أيام طرفة وزهير كما سنرى.

وعلى كل حال فقد استعملت كلمة الفتى في الجاهلية مطلقة ومضافة، فإذا أُضيفت تعين مدلولها مدحًا وذمًّا، فقد يقولون: فتى صدق، وفتى سوء، قال مسكين الدارمي:

وفتيان صدقٍ لست مطلع
على سر بعضٍ غير أني جِمَاعُها

وقال المرار بن منقذ:

وكائن من فتى سوء تراه
يُعلك هجمة حُمْرًا وجُونَا٧٤

وإذا أُطلق استعمل في المدح، وأكثر ما يدل على الشباب والشجاعة والكرم.

ولم يكن للفتوة نظام كالذي عُرف بعدُ في الإسلام، وكل ما نراه أنهم يستعملون — مثلًا — «فتيان القبيلة» يعنون بها شبانهم الأبطال، فيقولون: فتيان قريش، وفتيان تميم، قال المرار بن منقذ:

وأنا المذكور من فتيانها
بفعال الخير إن فعل ذكر
أعرف الحق فلا أنكره
وكلابي أنس غير عقر
لا ترى كلبي إلا آنسا
إن أتى خابط ليل لم يهر

وقال المُزَرِّد:

وقد علمت فتيان ذبيان أنني
أنا الفارس الحامي الذِّمَار

كذلك لا نعلم لباسًا خاصًّا للفتيان، ولكن رُوي لنا أن أبطال العرب في الحروب كانوا يتخذون لهم شعارًا، قال الحصين بن الحمام:

بآية أني قد فجعت بفارسٍ
إذا مَرَّدَ الأقوام أقدم معلما

وفسروا «المعلم» بأنه الذي يجعل لنفسه علمًا في الحروب يُعرف به، يفعل ذلك ليُعرف فيثبت ولا ينهزم مع من انهزم، لخوف العار إذا انهزم بعد أن عُلم، وقد رووا أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم بدر أعلم نفسه بريش نعامة، فقال بعض المشركين: من المعلم بريش نعامة، فقيل: حمزة، فقال: «ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل.».

واستعمل القرآن «فتى» وصفًا لإبراهيم (): قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، واستعمله وصفًا لأهل الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ؛ وقد فُسر في الموضعين بالشباب، وقد جاء الإسلام باستعمال خاص لكلمة فتى، ذلك أنه لم يرض أن يُسمى الرقيق المملوك عبد فلان وأمة فلان، وكره العبودية تضاف لغير الله، فاختار لهما اسمًا محبوبًا وهو الفتى والفتاة، جاء في الحديث: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل فتاي وفتاتي»، وعلى هذا المعنى ورد قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ، وقوله: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ، وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ.

وأُطلقت الكلمة على الرقيق حتى سئل أبو يوسف عمن قال: «أنا فتى فلان»، فقال: هو إقرار منه بالرق، وكأنه اختير خير الألفاظ الدالة على الحرية للدلالة على الرق طلبًا لحسن معاملة الرقيق، حتى فيما يطلق عليهم من لفظ.

ولكن ظلت كلمة الفتى تُستعمل في المعنى الأول، وهو الشجاعة والفروسية في الشباب، فقالوا: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي»، وكان علي كما جاء في الإصابة «قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام».

ولما مات مخلد بن يزيد بن المهلب، وهو ابن سبع وعشرين سنة، وكان شهمًا نبيلًا، صلى عليه عمر بن عبد العزيز، ثم قال: اليوم مات فتى العرب، وقال يزيد بن مفرغ:

فالهول يركبه الفتى
حذر المخازي والسآمه
والعبد يُقرع بالعصا
والحر تكفيه الملامه

ونجد في العهد الأموي أمرًا يستوقف النظر، فقد ذكر الأغاني في ترجمة حنين الحِيرى كلمات في الفتوة تستحق الإمعان، وكان حنين هذا مغنيًا نصرانيًّا من الحِيرة، وكان في أيام هشام بن عبد الملك، ومن شعره الذي كان يُغني به:

أنا حنين ومنزلي النجف
وما نديمي إلا الفتى القصف
أقرع بالكاس ثغر باطيةٍ
مترعةٍ تارةً وأغترف
من قهوةٍ باكر التجار بها
بيت يهودٍ قرارها الخزف
والعيش غض ومنزلي خصب
لم تغذني شقوة ولا عنف
فقال فيه صاحب الأغاني: «كان حنين غلامًا يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفًا في عمل التحيات٧٥، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت «الفتيان» ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة، ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه، استحلوه وأقام عندهم، وخفَّ لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه، ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه.».

وقال في موضع آخر عن حنين فيما حكى عن نفسه: «خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها، وأرتاد من أستفيد منه شيئًا، فسألت عن «الفتيان» بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمامات، فجئت إلى أحدها فدخلته فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم؛ فلما قعدنا أُتينا بالطعام فأكلنا، وأُتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغنٍّ يغنيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك.» … إلخ.

هذان النصان يُستفاد منهما:
  • (١)

    أن هناك فئة تُسمى الفتيان كانوا في الحيرة وكانوا في حمص، ولا بد أنهم كانوا في غيرهما، ولكن لم تأت مناسبة تستدعي ذكر غيرهما.

  • (٢)

    وأن هؤلاء الفتيان ليسوا كل شباب، وإنما نوع خاص منهم يظهر من عبارته أنهم من المياسير، وممن لهم حظ في السماع والشراب وما إليهما.

  • (٣)

    وأنهم كان لهم مجتمعات خاصة يُعرفون فيها بالبلدة، يسأل عنها الغرباء أمثال حنين الفتى المغني فيقصدهم لقضاء أيام بينهم؛ فهؤلاء الفتيان يضيفون حنينًا وأمثاله، ويُقدمون إليهم ما يحتاجون له من مأكل ومشرب ومبيت، ويقضون أوقاتهم في حديث وسماع.

يُضاف إلى ذلك أن أنواعًا من الفروسية عُني بها الشباب في العهد الأموي كعنايتهم بالصيد وتربية الحيوانات المعلمة يطلقونها على الصيد، فقد روى الفخري: «أن يزيد بن معاوية كان أشد الناس كلفًا بالصيد لا يزال لاهيًا به، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدًا يخدمه.»٧٦ كما أخذوا عن الفرس اللعب بالبندق، وهو كرات صغيرة من طين أو حجر أو رصاص يُرمى بها عن قوس لصيد الطير أو نحوه، وسموه أيضًا الاسم الفارسي وهو الجلاهق، وليس ببعيد أن تتصل ألعاب الفروسية هذه بالفتوة، ولكن على كل حال لا تزال النصوص التي بين أيدينا عن مدلول الفتوة في هذا العصر قاصرة.
إذا انتقلنا بعد ذلك إلى العصر العباسي وجدنا كلمة «الفتوة» استعملت في أربعة معانٍ:
  • فأولًا: كانت تستعمل للدلالة على المروءة من نبل وكرم وما إليهما، من ذلك ما جاء في كتاب أدب النديم لكُشَاجِم: «أن رجلًا من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر دعاه للطعام عنده، دعوة احتفل لها، فلما حضر محمد طالبه بالطعام فمطله، ليتكامل ويتلاحق على ما أحبه من الكثرة والحفلة، حتى تصرم أكثر النهار؛ ومس محمدًا الجوع، فتنغص عليه يومه، وأراد محمد السفر فشيعه هذا الرجل حتى إذا دنا منه ليودعه قال له: «أيأمر الأمير بشيء؟»؛ قال: «نعم! تجعل طريقك في عودتك على محمد بن الحارث، فاسأله أن يعلمك الفتوة» فمضى حتى دخل إلى محمد فقال له: «بعثني إليك الأمير لتعلمني الفتوة»؛ فضحك وقال: «يا غلام! هات ما حضر»، فأتى بطبق كبير عليه ثلاثة أرغفة من أنظف الخبز وأنقاه، وسكرجات وخل وملح من أجود ما يُتخذ من هذه الأصناف، وابتدأ يأكل، فجاءته فضيلة باردة من مطبخه وتداركها الطباخ بطباهجة وأحدث له بعض فنجان جام حلوًا، فانتظم له أكل خفيف ظريف في زمان يسير وبغير احتشام وانتظار.».

    فهو يستعمل الفتوة في الكرم في سماحة من غير تكلف، ومن هذا القبيل ما قاله أبو البلهاء في يزيد بن مزيد الشيباني يرثيه:

    نعم الفتى فجعت به إخوانه
    يوم البقيع حوادث الأيام
    سهل الفناء إذا حللت ببابه
    طلق اليدين مؤدب الخدام
    وإذا رأيت صديقه وشقيقه
    لم تدر أيهما ذوو الأرحام
  • وثانيًا: نرى الصوفية استحسنت كلمة «الفتوة» وما تدل عليه من معاني النُّبل والسماحة، فأدخلته في معجم كلماتها وعدته من فضائلها، وأول ما نجد ذلك في الرسالة القشيرية، فقد عقد القشيري بابًا سماه «باب الفتوة» بجانب باب الحياء والصدق والحرية، وقال في تعريفها: «أصل الفتوة أن يكون العبد ساعيًا أبدًا في أمر غيره.» ونقل عن الفضيل أنه قال: «الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.» وقال بعضهم: «الفتوة ألا ترى لنفسك فضلًا على غيرك.» وجروا على عادتهم في الأدب الرمزي فقالوا: «إن إبراهيم سُمي في القرآن فتى؛ لأنه كسر الصنم، وصنم كل إنسان نفسه، فالفتى في الحقيقة من خالف هواه ونفسه.»، وهكذا أحيا الصوفية كلمة «الفتوة» ونقلوا عن كبارهم كلمات فيها، فالحارث المحاسبي يقول: «الفتوة أن تَنصف ولا تُنصف.»، وقال غيره: «الفتوة إظهار النعمة وإسرار المحنة.»، وسئل أحمد بن حنبل: ما الفتوة؟ قال: «ترك ما تهوي لما تخشى … إلخ.»، ولهم في ذلك الحكايات الظريفة في الفتوة كعادتهم، من ذلك أن صوفيًّا تزوج امرأة ثم ظهر عليها الجدري قبل الدخول بها، فتعامى الصوفي حتى لا يجرح شعورها، فلما ماتت فتح عينيه، فقيل له في ذلك؛ فقال: «لم أعم، ولكن تعاميت حذرًا من أن تحزن»؛ فقيل له: «سبقت الفتيان»، ومن ذلك ما حكوه أن إنسانًا يدَّعي «الفتوة» خرج من نيسابور إلى بلدة نسا بخراسان، فاستضافه رجل ومعه جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من أكل الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم، فأبى الفتى النيسابوري وقال: «ليس من الفتوة أن تصب النساء الماء على أيدي الرجال».

    وحكوا أن جماعة من الفتيان زاروا فتى، فدعا غلامه ليقدم الأكل لهم، فأبطأ الغلام، فسأله الرجل: «لم أبطأت؟» فقال الغلام: «كان عليها نمل، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل فيها، ولم يكن من الفتوة طرد النمل عن السفرة، فلبثت حتى دب النمل»؛ فقال له صاحب البيت: «قد دققت يا غلام في الفتوة».

    ولبث الصوفية بعد ذلك يتجادلون جدالًا ظريفًا في تفسير كلمة الشيخ، هل عاب على الغلام أو مدحه؟ وهل هذا العمل من الفتوة أو لا؟ وهل الخوف من إيذاء النمل بالطرد يجب أن يُراعى ولا يُراعى الخوف من إيذاء الضيوف بالانتظار؟ إلى غير ذلك.

    وعقد الشيخ محيي الدين بن العربي فصلًا طويلًا في كتابه الفتوحات الملكية عنوانه: «معرفة مقام الفتوة وأسراره»، قدمه كعادته بأبيات من الشعر فيها:

    إن الفتوة ما ينفك صاحبها
    مقدمًا عند رب الناس والناس
    إن الفتى من له الإيثار تحلية
    فحيث كان فمحمول على الراس
    ما إن تزلزله الأهوا بقوتها
    لكونه ثابتًا كالراسخ الراسي
    لا حزن يحكمه لا خوف يشغله
    عن المكارم حال الحرب والباس
    انظر إلى كسره الأصنام منفردًا
    بلا معين فذاك اللين القاسي

    وقد بناه على قصة إبراهيم، وأنه جاد بنفسه للنار إيثارًا للحق.

    وعلى الجملة فقد أدخل الصوفية «الفتوة» في مذهبهم وصبغوها بصبغتهم، وجعلوها مقامًا من مقاماتهم، ومُلئت بها كتبهم، ونقلوها من المعنى الدنيوي إلى المعنى الديني، كالزهد والإيثار وضبط النفس وحملها على الحق، مهما استتبع ذلك من المكاره.

ثم وجدناهم — ثالثًا — يستعملون الكلمة في نوع من الناس هم الشبان الأشداء الذين يتباهون بقوتهم ثم يهددون الناس في أموالهم وأنفسهم، ومن هذا القبيل ما جاء في الرسالة القشيرية من أن شقيق بن إبراهيم البلخي كان «يتفتى ويعاشر الفتيان»، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ، وكان يُحب كلاب الصيد، ففقد كلبًا من كلابه، فسُعي برجل أنه عنده — وكان الرجل في جوار «شقيق» — فطلب الرجل فهرب، فدخل دار شقيق مستجيرًا، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: «خلوا سبيلي! فإن الكلب عندي أرده إليكم إلى ثلاثة أيام»؛ فخلوا سبيله، وانصرف شقيق مهتمًا لما صنع، فلما كان اليوم الثالث كان رجل من أصدقائه غائبًا من بلخ رجع إليها، فوجد في الطريق كلبًا عليه قلادة، وقال: أهديه إلى شقيق فإنه يشتغل بالتفتي؛ فحمله إليه، فنظر شقيق فإذا هو كلب الأمير، فسر به، وحمله إلى الأمير وتخلص من الضمان، فرزقه الله الانتباه وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد٧٧، ومن ذلك ما جاء من أن أحمد بن خضرويه قال لامرأته: «أُريد أن أتخذ دعوة أدعو فيها عيَّارًا شاطرًا كان في بلدهم رأس الفتيان»؛ والعيارون الشطار هم فئة ينطبق عليهم ما ذكرنا من اعتزازهم بالقوة، واستخدامها في التهديد والسلب والنهب.
ثم هناك نوع رابع تُستعمل فيه الكلمة، هو نوع من الفروسية المنظمة، فقد اشتهرت ألعاب الفروسية في العصر العباسي ونُظمت، وكثر اللعب بالبندق والخروج به لرمي الصيد، فقد ذكر الأغاني في سبب موت الشاعر «أبى العبر» أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها في آجامهم، فسمعه بعضهم يقول قولًا سيئًا في علي فقتله٧٨، كما عنوا بلعب الكرة والصولجان وبالصيد والقنص، وقال الفخري: «إن المعتصم كان ألهج الناس بالصيد، بنى في أرض دجيل حائطًا طوله فراسخ كثيرة، وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها، ولا يزالون يحدون الصيد حتى يدخلونه وراء ذلك الحائط، فيصير بين الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال، فإذا انحضر في ذلك الموضع دخل هو وولده وأقاربه وخواص حاشيته، وتأنقوا في القتل وتفرجوا، فقتلوا ما قتلوا وأطلقوا الباقي، وكانوا يعدون هذه الأنواع من صيد ورمي ونحوهما من قبيل الفتوة.».

•••

على كل حال في العصر العباسي وبعده تمت الفتوة في مناحيها المختلفة، وأهمها نوعان:
  • فتوة يصح أن نُسميها فتوة مدنية أو دنيوية

  • وفتوة دينية أو صوفية

ويظهر أن النوعين كانا متميزين بعضهما عن بعض في نظمهما وتقاليدهما، وهذا ما سنحاول أن نُوضحه.
الفتوة المدنية: وهي — على ما يظهر — وليدة الفروسية والشجاعة، ومن قديم عُرف العرب بالشجاعة والفروسية، وقالوا في ذلك الأشعار الكثيرة من أمثال معلقة عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، وخلفوا لنا أدبًا وافرًا في كل ما ينطق بالفروسية والشجاعة، وعُني المؤلفون بعدُ في جمعها وتصنيفها ككتاب «حلبة الفرسان وشعار الشجعان» لابن هذيل الأندلسي (وقد طبعه مارسيه سنة ١٩٢٢ بباريس) وقد ذكر فيه الخيل وصفاتها والمسابقة بها، والسيوف والرماح والقسي والنبل والدروع والترس وما إلى ذلك، وما قيل فيها من أشعار وآثار وغير هذا من الكتب كثير.
ولما جاءت الدولة العباسية تسلط العنصر الفارسي أولًا والتركي ثانيًا، وكان لهم نظم في الفروسية غير النظم العربية البسيطة البدوية، فتسربت منهم إلى المسلمين، ورأينا المؤرخين يذكرون أن «الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان ورمى بالنشاب في البرجاس»؛ والكرة والصولجان من ألعاب الفرس كما يدل عليهما اسمهما، ورأيناهم يقولون في المعتصم: إنه «غلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم»٧٩، وأنه «قسم أصحابه للعب الكرة»٨٠، ومعلوم أن المعتصم أول من استعان بالأتراك في أعماله وقربهم إليه وجعلهم جنده، واشتهر في عصره بالتفنن في الصيد والقنص، وعدوه مما يُدرب على الفروسية ويُمرن على احتمال الجوع والعطش، ويُقوي على شدة التعب٨١، واقتبسوا في ذلك من الفرس والأتراك، فعلموا الجوارح من الطير والكواسر من الفهود والكلاب، ووضعوا الكتب في جودتها وصفاتها وطرق تعليمها وأمراضها وما يصلح كل واحد منها، وسايرهم الشعراء والأدباء في ذلك، فأصبحنا نرى في كثير من دواوين الشعراء بابًا خاصًّا يُسمى «باب الطرد» وهو الصيد، وقالوا الأشعار الكثيرة في وصف الفهود والكلاب والباز والصقر ونحوها، ووُضعت الكتب في ذلك وسُمي الفن «فن البيزرة»، ورويت القصص الكثيرة في أحاديث الفروسية، وقارن الكتاب بين فروسية العرب والفرس والترك وغيرهم مما ليس هنا مجاله، ووضعوا القواعد لتعليم الفروسية فقالوا — مثلًا — إنه يجب أن يبتدئ الفارس بالخفة في الوثوب والنزول، ثم يتدرب على ركوب الفرس العربي العريان بلا عدة سوى الرَّسَن، قال المتنبي في وصف أمثالهم:
فكأنها خُلقت قيامًا تحتهم
وكأنهم وُلدوا على صهواتها

ثم يتعود ركوبها على اختلاف أنواع سيرها؛ ثم الصيد عليها وهكذا، وكذلك وضعوا التعاليم للقسي والنشاب والتروس وما إليها.

وكانت الوقائع بين المسلمين والروم في الثغور منشأ لظهور ضروب من الفروسية تستدعي الإعجاب، كما كانت الحروب الصليبية مصدرًا كبيرًا كذلك، وفي كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ الشيزري، و«الروضتين» لأبي شامة، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد أمثلة كثيرة من هذا الضرب تأخذ باللب.

كما اشتهر في هذه العصور قوم من الإسماعيلية بهذه الفروسية، جاء في كتاب «آثار الأول»، بعد أن ذكر قصة من فروسية بهرام: «ومثل هذا في المعنى رجال ببلاد الإسماعيلية، ويسمون برجال الدعوة معدون لمثل هذا، فإن الرجل منهم أو الرجلين يُغني عن حركات الجيوش الكثيرة؛ ويقال لهم في بلاد الإسماعيلية وفي بلاد الفرنج «الحشيشية»، وعند أهل الأقاليم «الفداوية»، وهم قوم على دين الإسلام، وقد كانت للملوك الإسلامية بهم عناية كبيرة، وفي زماننا عُني بهم الملك الظاهر وسيرهم في الأشغال الكبار فقضوها مع الفرنج والتتار … وفي قلاع الإسماعيلية في زماننا هذا ألف بهرام.»٨٢.
ويظهر أن هذه الفروسية بشعائرها كانت سببًا في نشأة «الفتوة» بهذا المعنى، وقد وُضعت لها نظم وتقاليد؛ يدل على ذلك عبارة قيمة وردت في تاريخ ابن الأثير في خلافة الناصر لدين الله العباسي الذي تولى من سنة ٥٧٥ إلى سنة ٦٢٢هـ، وهي: «وجعل (الناصر) جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة، فأبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه، ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة، وكذلك أيضًا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يُؤخذ من طيوره، ومنع الرمي بالبندق إلا من ينتمي إليه، فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك، إلا إنسانًا واحدًا يُقال له: ابن السقت من بغداد، فإنه هرب من العراق ولحق بالشام، فأرسل إليه (الناصر) يُرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه وينسب في الرمي إليه فلم يفعل، فبلغني أن بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال؛ فقال: يكفيني فخرًا أن ليس في الدنيا أحد إلا يرمي للخليفة إلا أنا، فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعجب الأمور.»٨٣.

ما سراويل الفتوة؟ وما شكلها؟ وما نظام الفتوة الذي وضعه؟ لا أعرف تفصيل ذلك.

وقد ذكر المقريزي في كتابه السلوك عبارة تُشبه هذه في خلافة الناصر، وزاد عليها بأنه كان من ضمن هذه الشعائر شرب كأس الفتوة.

وقد ذكروا أن كأس الفتوة هذه ليست نبيذًا ولا خمرًا، وإنما هي ماء وملح.

ومن هذا القبيل أعني الفتوة المدنية ما يُروى أن ابن حيوس الشاعر المشهور المتوفي سنة ٤٧٣هـ — وكان متصلًا ببني مرداس بحلب وكان أميرًا — كان يُلقب بأمير الفتيان وإن لم أعثر على سبب لتلقيبه بهذا اللقب٨٤.

أما الفتوة الصوفية فقد تمت كذلك على توالي العصور، وخير المصادر التي بين أيدينا تشرح حالها ومظاهرها رحلة ابن بطوطة، الذي وُلد في طنجة سنة ٧٠٣هـ وساح في مصر وفارس والشام وجزيرة العرب والصين والتتر والهند وأواسط إفريقيا وإسبانيا.

وقد أكثر ابن بطوطة من ذكر نظام الفتيان في سياحته في الأناضول، وشرح هذا النظام في أول كلامه عليه، فقد جاء في الرحلة عنوان «ذكر الأخية الفتيان» فقال: «واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية (الأناضول) في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالًا بالغرباء من الناس، وأسرع إلى الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة، وقتل الشُّرَط ومن لحق بهم من أهل الشر، والأخي عندهم رجل يجتمع عليه أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأغراب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضًا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات، ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام، إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية، فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم، وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف، وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعاتهم بالغدو، وأتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويُسمون بالفتيان، ولم أر في الدنيا أجمل أفعالًا منهم، ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان، إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر، وأعظم إكرامًا له وشفقة عليه.»٨٥.
وقد ذكر ابن بطوطة أيضًا أن أحد شيوخ الفتيان الأخية — وهو من الخزازين — دعاه فاستضعفه، ثم تبين أنه «أخي» وأصحابه نحو مئتين من أهل الصناعات، وقدموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة، وقد ذهب معه ابن بطوطة هو وأصحابه، وقال في وصف ما شاهده: «فوجدنا الزاوية حسنة، مفروشة بالبسط الرومية الحسان، وبها الكثير من ثريات الزجاج العراقي … وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان، ولباسهم الأقبية وفي أرجلهم الخفاف وكل واحد متحزم على وسطه بسكين في طول ذراعين، وعلى رءوسهم قلانس بيض من الصوف، بأعلى كل قلنسوة قطعة موصولة بها في طول ذراع وعرض إصبعين، فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوته ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخاني وسواه حسنة المنظر، وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين، ولما استقر بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلوى، ثم أخذوا في الغناء والرقص، فراقنا حالهم، وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم؛ وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم.» وهكذا ظل ابن بطوطة يذكر في سياحته في الأناضول أنه كان يسأل حين ينزل كل بلد عن الأخية والفتيان، وأن الفتيان كانوا يتنازعون على ضيافته، وأنهم يحتكمون أحيانًا إلى القرعة، وأنهم إذا أضافهم جماعة من الفتيان أدخلوهم الحمام، فإذا خرجوا منه أتوهم بطعام وحلوى وفاكهة، وبعد الفراغ من الأكل يقرءون القرآن، ثم يأخذون في السماع والرقص، وقد ذكر ذلك عدة مرات في رحلته٨٦.
وذكر ابن بطوطة الأخية في موضع آخر فقال: «لما دخلنا الزاوية وجدنا النار موقدة، فنزعت ثيابي ولبست ثيابًا سواها، وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك، فلله درهم من طائفة ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم، وأعظم شفقتهم على الغريب، وألطفهم بالوارد وأحبهم فيه، وأجملهم احتفالًا بأمره؛ فليس قدوم الإنسان الغريب عليهم إلا كقدومه على أحب أهله إليه.»٨٧.

يُؤخذ من هذا كله أنه في بلاد الأناضول وما حولها كان في كل بلد جماعة من الفتيان، يعيشون عيشة اشتراكية، فكل ما جمعه أحدهم من عمله أو صناعته دفعه لرئيسهم وهو «الأخي»، وهو يُنفق عليهم، وهم يعيشون في زاوية عيشة دينية مرحة، فيها ذكر وفيها تلاوة قرآن وفيها غناء وفيها رقص، وأن هذا إنما يكون لمن ليس لهم أسرة، فهم عزاب أو نحوهم، وليسوا يعيشون فقط لأنفسهم، وإنما يعيشون كذلك للضيوف وللبائس والفقير.

وكانوا يلبسون كذلك لبسة خاصة شأن الصوفية، فشيوخهم يلبسون لبسة ينسبونها شيخًا عن شيخ حتى تصل إلى الإمام علي بن أبي طالب٨٨.

وكان من انتشارها أن كثر استعمالها وتحدث الناس بها، وتجادل العلماء في شأنها.

يدل على ذلك استفتاء رُفع إلى «ابن تيمية» المتوفى سنة ٧٣٨هـ — يُلقي هذا السؤال ضوءًا على الفتوة ونظامها — فقد سئل عن «جماعة يجتمعون في مجلس، ويلبسون الشخص منهم (لباس الفتوة)، ويديرون بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء، ويشربونها ويزعمون أنها من الدين … ويقولون: إن رسول الله ألبس علي بن أبي طالب لباس الفتوة، ثم أمره أن يُلبسه من شاء، ويقولون: إن هذا اللباس أُنزل على النبي () في صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ، فهل هو كما زعموا، أو هو كذب واختلاق؟ … ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين الله عن عبد الجبار، ويزعم أن ذلك من الدين، فهل لذلك أصل أم لا؟ وهل الأسماء التي يُسمي بها بعضهم بعضًا من اسم الفتوة ورءوس الأحزاب والزعماء لها أصل أم لا؟ … ويقوم رئيس القوم إلى الشخص الذي يلبسونه، فينزع عنه اللباس الذي يلبسه ويُلبسه الذي يزعمون أنه لباس الفتوة، فهل هذا جائز أم لا؟ … وهل للفتوة أصل في الشريعة أم لا؟ … وهل أحل أحد من الصحابة أو من التابعين أو من بعدهم من أهل العلم هذه الفتوة المذكورة؟».

وقد أجاب «ابن تيمية» عن هذه الأسئلة فقال: إن لباس الفتوة وإسقاء الملح والماء باطل لا أصل له، ولم يفعل هذا رسول الله ولا أحد من أصحابه، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره ولا من التابعين، والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ثمامة فهو إسناد لا تقوم به حجة وفيه من لا يُعرف … وما ذكر من نزول هذا اللباس في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته، واللباس الذي يُواري السوءة هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح، أنزل الله هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ويقولون: ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة، وأن النبي () تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه، وأنه فرق الخرق على أصحابه … إلخ.

وأما الشروط التي يشترطها شيوخ الفتوة، فما كان مما أمر الله به: كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد، أو كانت مستحبة: كالعفو عن الظالم واحتمال الأذى وبذل المعروف، وأن يجتمعوا على السنة، ويُفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك، فهذه يؤمن بها كل مسلم، سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشترطوها، وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله؛ مثل التحالف الذي يكون من أهل الجاهلية أن يصادق كل صديق الآخر في الحق والباطل، ويُعادي عدوه في الحق والباطل، وينصره على كل من يُعاديه، سواء كان الحق معه أو مع خصمه، فهذه شروط تُحلل الحرام وتُحرم الحلال، وهي شروط ليست في كتاب الله، فهو باطل.

ثم قال ابن تيمية: وأما لفظ «الفتى» فمعناه في اللغة «الحدث»، كقوله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وقوله تعالى: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، لكن لما كانت أخلاق الأحداث اللين، صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق، كقول بعضهم: «الفتوة أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتحسن إلى من يسيء إليك، سماحة لا كظمًا، وموادة لا مسايرة.»، وقول بعضهم: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى؛ وأمثال ذلك، فهذه أمور حسنة مطلوبة محبوبة سميت فتوة أم لم تسم.

وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ؛ فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيمهم فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، وإن كان شرًّا كان مذمومًا على ذلك، وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب؛ أي: تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا: مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء أكان على الحق أو الباطل؛ فهذا من التصرف الذي ذمه الله تعالى ورسوله؛ فإن الله روسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن الفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.

هذه خلاصة الفتوى، وهي ترينا صورة من جماعة الفتوة وتقاليدهم وتعاليمهم وحركة رجال الدين المعارضين لهم٨٩.

•••

وهذان النوعان من الفتوة — أعني الفتوة الصوفية والفتوة المدنية — ظلا يعملان ويتطوران إلى عصرنا هذا: فالفتوة الصوفية تحولت في تركيا إلى قوة دينية، كالولاية النقشبندية تساير قوة السلاطين السياسية أحيانًا وتناهضها أحيانًا، حتى أبطلتها تركيا في ثورتها الحديثة، وتحولت في الشرق إلى خانقاه وتكايا، أصبحت فيما بعد مأوى للعجزة ومن يريد أن يعيش عيشة عزلة عن العالم، ففقدت بذلك معناها الأول، وتحولت من قوة إلى ضعف ومن نجدة إلى خمول.

والفتوة المدنية، وأعني بها الفروسية وما إليها، ظلت في العصور المختلفة — ولا سيما في مصر — طوال هذه العصور حتى عصر «الجبرتي» فيحدثنا أن الأمراء والعساكر في مصر كانوا ينقسمون بعد الفتح العثماني إلى فريقين: قوم ينتسبون إلى ذي الفقار ويسمون الفقارية، وآخرون إلى قاسم ويسمون القاسمية، وكان أكثر العثمانيين فقارية، وأكثر الشجعان المصريين قاسمية، كما انقسموا من قبل إلى سعد وحرام، واتخذوا لذلك شارات: فالفقارية اتخذت البياض شعارًا في الثياب والركاب حتى أواني المأكولات والمشروبات، والقاسمية اتخذت شعارها الحمرة في كل شيء من ذلك، وكان بين الفريقين من الفروسية والألعاب والقتال ما كثر ذكره في الجبرتي وغيره، ويقول الجبرتي أيضًا: إن القرن الثاني عشر استهل وأمراء مصر فقارية وقاسمية٩٠، وإن كنت لم أعثر على تسمية هذه الأعمال بالفتوة.

ولقد أدركنا لعهدنا في صبانا في كل خط وناحية من أخطاط القاهرة ونواحيها جماعة من الشباب يسمون «الفتوات»، وهم من أرباب الصنائع والمهن الحقيرة عادة، وممن يلبسون الجلاليب الزرقاء ويتعممون على «الطاقية»، قد عُرفوا بالقوة الجسمية والشجاعة والفتوة، وعلى رأسهم زعيمهم، وبينهم وبين «فتوات» الخط الآخر نزاع غالبًا، وقد يخرج «فتوات المنشية» لمحاربة «فتوات الحسينية» في جبل المقطم بالطوب والحجارة والعصى، وقد يقع بينهم جرحى وقتلى ويعد ذلك يومًا له ما بعده، ويكون بين فتوات الحيين «ثأر»، وقد ينتج من ذلك أن «فتوات» الحسينية — مثلًا — يعلمون «بزفة» لأحد فتوات المنشية، فيتربصون لهم حتى إذا خرجت «الزفة» تعرض لها الأعداء، وأعملوا فيها الضرب والتخريب.

وقد قضت الحكومات النظامية على هذه الأعمال.

وحبذا لو سُمِّي نظام الكشافة باسم «نظام الفتوة»، فكنا بذلك قد أعدنا ذكريات العهد القديم وأحيينا اسمًا تاريخيًّا حيا في الإسلام قرونًا طوالًا.

١  الأشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
٢  تفسير الطبري ٢: ٢٠١ ولشدة تعظيمها له قيل له: رجب مضر، ولم يكن يستحله إلا حيان خثعم وطيئ – الأزمنة والأمكنة ١: ٩٠.
٣  سيرة ابن هشام طبع أوروبا ١١٨.
٤  الأزمنة والأمكنة طبع الهند للمرزوقي ٢: ١٦٥.
٥  دلائل النبوة لأبي نعيم طبع الهند ص ١٠٥.
٦  دلائل النبوة ١٠١، ١٠٢.
٧  الأزمنة والأمكنة ٢: ١٦٥.
٨  أخبار مكة للأزرقي ص ١٣٢.
٩  الأغاني ١٩: ٧٣–٨٢.
١٠  تاريخ الطبري جزء ٣ ص ٢٢٩٨.
١١  الأغاني ١٠: ٩.
١٢  الأغاني ١٠ ص ٢٩.
١٣  الأغاني ١: ٨٤.
١٤  ما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم ٧٨ أدب.
١٥  الأغاني ١٩ ص ٧٣–٨٣.
١٦  الأزمنة والأمكنة ٢: ١٦٨.
١٧  الكامل لابن الأثير ١: ٢٤٦.
١٨  الأغاني ١٠ / ١٤٨ وما بعدها.
١٩  انظر الحكاية بطولها في الأغاني ١٠/ ١٤٥.
٢٠  الأغاني ١٣ ص٢ وما بعدها.
٢١  أمثال الضبي ص ١٨.
٢٢  دلائل النبوة ١٠١، ١٠٢.
٢٣  ص ١٠٣.
٢٤  دلائل النبوة ص ١٠٥.
٢٥  اليعقوبي ١ ص ٢٣ و٢٤.
٢٦  يروون أن عبد الله بن جدعان أتى مصر قباع ما معه وعاد إلى سوق عكاظ: انظر الأكليل للهمداني جزء ٨ ص ١٨٤ وما بعدها.
٢٧  الأزمنة والأمكنة ٢: ١٧٠.
٢٨  الأغاني ١٩ ص ٧٤.
٢٩  الأغاني ٩ ص ١٨٢.
٣٠  الأغاني ٨ ص ٧٩، ٨٠.
٣١  أغاني ٨ ص ١٩٤، ١٩٥.
٣٢  الأغاني ٩ ص ١٠.
٣٣  أغاني ١٤ ص ٤١ و٤٢.
٣٤  صفة جزيرة العرب ص ٢٦٣.
٣٥  انظر الأغاني ج ١٠ ص ١٤٥ وما بعدها وج ١٣ص ١٤٠ وما بعدها.
٣٦  الأزمنة والأمكنة ٢ ص ١٦٦.
٣٧  اليعقوبي جزء ٢ ص ٣١٣ وما بعدها.
٣٨  الكامل لابن الأثير ١ ص ٢٢٩.
٣٩  أغاني ١٠ ص ١٢.
٤٠  أغاني ٤ ص ١٣٦ وما بعدها.
٤١  الأزمنة والأمكنة ٢ ص ١٦٦.
٤٢  انظر تعداد من ولي عكاظ في الأزمنة والأمكنة ٢ ص ١٦٧.
٤٣  أغاني ١ ص ٨٤.
٤٤  انظر العقد الفريد ٣ ص ١٠٨ والأغاني.
٤٥  النهاية لابن الأثير مادة فجر.
٤٦  الأغاني ٤ ص ١٣٦.
٤٧  اليعقوبي ٢: ٣١٣ وما بعدها.
٤٨  انظر الأغاني ١٩ ص ٧٣ وما بعدها.
٤٩  الأزمنة والأمكنة ج ٢ ص ١٦٧ وما بعدها.
٥٠  اخبار مكة للأزرقي ص ١٣١ و١٣٢.
٥١  لسان العرب في رب د ومعجم ياقوت في مربد.
٥٢  الكذان حجارة رخوة.
٥٣  تاريخ الطبري ١: ١١٦٦.
٥٤  معجم ياقوت في مادة مربد.
٥٥  عيون الأخبار ٢: ٢٢٢.
٥٦  عقد الجمان مخطوط بدار الكتب جزء ٤ / ٩٣.
٥٧  انظر القصة بطولها في الطبري جزء ١ ص ٢٥٣١ طبع أوروبا وفيه بعض ما قيل من الخطب في المربد في ذلك اليوم.
٥٨  النقائض ٦٩٧، ٦٠٨.
٥٩  الأغاني ٤ / ١٣٢.
٦٠  النقائض ٦٢٤.
٦١  النقائض ٦٨٣.
٦٢  أغاني ٧ / ٤٩.
٦٣  أغاني ٧ / ٥٠.
٦٤  انظر الأغاني ٩ ص ٧٨ وما بعدها.
٦٥  أغاني ١٦ / ١٢٣.
٦٦  أغاني ١٦ / ١٢٣.
٦٧  انظر الكامل للمبرد.
٦٨  الأمالي ٣ ص ١٨٢.
٦٩  معجم الأدباء ٦ ص ٥٦.
٧٠  الطبري ٣ ص ٢٥٧ وما بعدها طبعة أوروبا.
٧١  معجم البلدان.
٧٢  الكامل لابن الأثير جزء / ١٠ ص ١٥١ طبع بولاق.
٧٣  انظر في ذلك لسان العرب مادة ف ت ي.
٧٤  التعليك أن يشد يديه على ماله من بخله، فلا يقري منه ضيفًا ولا يعطي منه سائلًا، والهجمة مئة من الإبل.
٧٥  التحية ما يُقدم عند التحية من طاقات الرياحين ونحوها.
٧٦  ص ٤٩ ط. مصر.
٧٧  الرسالة القشيرية، ص ١٦.
٧٨  الرسالة القشرية ٢٠–٩٣.
٧٩  السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص ١٥٦.
٨٠  هامش تاريخ الخلفاء، ص ١٥٠.
٨١  آثار الأول، هامش تاريخ الخلفاء، ص ١٥٤.
٨٢  آثار الأول، ص ١٧٥، ١٧٦.
٨٣  تاريخ ابن الأثير، ج ١٢، ص ١٨١.
٨٤  انظر يتيمة الدهر للثعالبي، ففيها شعر في وصف فتيان العصر، وانظر كذلك العتبي رئيس الفتيان بسمرقند، على هامش ابن الأثير، ج ١١، ص ٣٩.
٨٥  رحلة ابن بطوطة، ١٧٢.
٨٦  انظر رحلة ابن بطوطة ص ١٧٥–١٧٦، ١٧٧، ١٧٩.
٨٧  المرجع نفسه، ص ١٩١.
٨٨  المرجع نفسه، ص ١٢٠.
٨٩  هذه هي فتوى ابن تيمية باختصار، وقد وردت في رسالة في الفتوة ضمن رسائل ابن تيمية طبعة المنار.
٩٠  انظر تاريخ الجبرتي، ج ١، ص ٢٢ وما بعدها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١