الفصل الثامن

أول ثورة على التربية في مصر

قلت للكتبي الذي اعتدت أن أمر عليه حينًا بعد حين:

– هل عندك من جديد؟

– نعم، عندي تاريخ اليمن لعمارة اليمني طبع أوروبا، وثمنه مئة وخمسون قرشًا.

– وماذا غيره؟

– وعندي رحلة ابن جبير طبع أوروبا أيضًا، وثمنها مئة وعشرون قرشًا.

– ثم ماذا؟

– وعندي كتاب قيم جدًّا لم يقع في يدي إلا مرة واحدة منذ احترفت بيع الكتب، وسيعجبك جدًّا.

– هو مما طُبِعَ في أوروبا أيضًا؟

– لا لا، هو أثمن من ذلك، قد طُبِعَ في مصر، ولكنه نادر جدًّا، وأثمن من كل ما طبع في أوروبا.

– وما اسمه وما موضوعه؟

– لا أخبرك باسمه ولا بموضوعه حتى تراه، ولا أريكه حتى تنتهي في هذين الكتابين وتشرب القهوة.

وشربت القهوة, وشريت الكتابين، واستنجزته وعده، فأحضر الكتاب وهو يضحك، وفتح صفحة من الكتاب، فإذا فيها «ألف وباء» إلى آخر حروف الهجاء، بالثلث!

شاركته في الضحك، واستظرفت مزحته، وآليت أن أنقل مزحه جِدًّا، فأجعل من الكتاب موضوعًا.

فقلت: ما ثمنه؟

قال: هو أتفه من أن يكون له ثمن.

وأخذت الكتب وانصرفت.

لم يجذبني إلى القراءة تاريخ اليمن ولا رحلة ابن جبير كما استرعى نظري كتاب «ألف باء».

رأيت في الصفحة الأولى منه: «كتاب طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية.» بالعناية الخديوية الإسماعيلية أعزها الله، وبهمة سعادة علي مبارك باشا مدير المدارس الملكية، والأشغال العمومية، وسكك الحديد المصرية والقناطر الخيرية، للتعليم على مقتضاه في المكاتب الأولية المصرية، ثم قريبًا من الذيل حديث شريف: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم» وفي آخر الصفحة «الطبعة الأولى بمطبعة وادي النيل في القاهرة سنة ١٢٨٥.».

•••

رأيت في أول الكتاب مقدمة بديعة حقًّا، مفيدة حقًّا، تعد ثورة على طرق التربية القديمة، ورسمًا لخطة جديدة، كتب في أولها أنها «مقدمة تشتمل على بعض تعريفات تتعلق بأصول طريقة التعليم التي يُقتضى أن يُجرى عليها العمل.» وإنها «خطاب من إدارة عموم المدارس المصرية الملكية إلى حضرات الخواجات (ولعله يريد الخوجات)، والمؤدبين بالمكاتب الأهلية وسائر المندوبين للتربية الأولية.» وكتب في آخرها «حررها علي مبارك باشا.».

هي ثورة تعليمية حدثت من نحو ثمانين عامًا، فقد كُتبت كما أسلفت سنة ١٢٨٥هـ/١٨٦٨م.

كانت نظم التعليم قبل ذلك في المكاتب تجري على أنماط القرون الوسطى، فالطفل يذهب إلى الكُتَّاب، فيسلم له «سيدنا» أو «العريف» لوحًا من الصفيح كتب فيه بالحبر: ا ب ت ث … إلخ، ويحفظه: «ا» لا شيء عليها، ب واحدة من تحتها، ت اثنان من فوقها، ث ثلاثة من فوقها … إلخ، فيكررها الطفل كما يقول «سيدنا» أو «العريف» وهو كاره لذلك كل الكره، غير فاهم لما يقول، فإذا لم يحفظ فالعصا على ظهره، فإذا لم ينجح فرجلاه في «الفلقة»؛ فإذا انتهى من ذلك بعد عناء، انتقل به «سيدنا» إلى خطوة أخرى، فكتب له في اللوح: «ا ألف»، ونطقها ألف ألف لام فاء، «با» با ألف، «بو» با واو … إلخ.

وهي ألغاز لم أفهمها إلا وأنا في سن العشرين، وتفسيرها أن كلمة ألف تتركب من ألف ولام وفاء، وكلمة «با» تتكون من باء وألف، و«بو» تتكون من باء وواو … إلخ، وهو نمط عجيب في التعليم، فإذا انتهى من ذلك كتبت الحروف مشكولة، و«سيدنا» ينطق والطفل ينطق وراءه كالببغاء.

فإذا تم ذلك كله بعد مشقة وعناء تدوم أشهرًا؛ كتب له سيدنا في اللوح سورة الفاتحة فسورة الناس … إلخ، والطفل يقرأ اللوح ويحفظه ويسمعه؛ وهكذا يسير في حفظ القرآن إلى أن يتم حفظه أو ينقطع، ومن حين إلى حين يعلمه «سيدنا» أن يكتب اللوح بنفسه، ثم لا التفات إلى شيء من العلوم، ولا إلى شيء من السلوك، ولا مراعاة لعقلية الطفل.

جاء «علي مبارك» فأراد في هذه المقدمة أن يُغير هذا كله ويُقرر مبادئ في التربية جديدة يأخذ بها المعلمين أجملها في خمس عشرة فقرة.

فقرر أن خير مناهج التربية ما أوصل إلى الغاية من أقرب طريق، من غير أن يمل الطفل أو يتعبه مع مراعاة قواه العقلية.

وأن تكون التربية مؤسسة على استخدام الطفل جميع حواسه ما أمكن، ولذلك يجب أن تقترن كتابته بقراءته.

ويجب تأخير استعمال الحبر والورق في التعليم، والبدء باستعمال الطباشير والألواح السوداء، فذلك أوفر وأنظف.

وأن تُكتب أولًا الحروف المفردة بالخط الثالث الثخين في لوحات سوداء بالطباشير ويكررها المعلم على التلاميذ؛ فمن تقدم منهم في معرفة ذلك جُعلوا عرفاء ثم يوزع المعلم التلاميذ الضعفاء على العرفاء ليعلموهم على اللوحات المختلفة نطق الحروف ثم كتابتها تحت إشراف المعلم، ولا ينتقل من درس إلى درس حتى يتصوروا الدرس القديم ويتقنوه ويعرفوا نطقه وكتابته.

وبعد ذلك يعلمهم الحروف متصلة بحروف العلة، فيكتب الباء مع الألف هكذا «با» وينطق بها «بَا» ممدودة وكفى من غير الفلسفة القديمة في التهجية، ثم يعلمهم الحروف بالعلامات كذلك.

فإذا عرفوا الحروف الهجائية انتقلوا إلى الكلمات الصغيرة من حرفين فثلاثة … إلخ، ثم الجمل، ولا يعطي المعلم لهم جملة من غير أن يُفهمها لهم.

وقد وضع منهجًا لمدة الدراسة وهي ثلاث سنوات، ففي السنة الأولى يتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية واللغة التركية (وهذا عجيب)، ويحفظ بعض نوادر ونصائح وأمثال وحكم وأعداد الحساب.

وفي الثانية والثالثة يتعلمون قواعد النحو والصرف مع الاستمرار على المطالعة في الكتب، وحفظ بعض نوادر تركية، ومواد تاريخية وجغرافية، وتكميل العمليات الحسابية، ورسم جميع الأشكال الهندسية، وفهم بعض خواصها وتعريفاتها.

هذا من حيث التعليم، أما من حيث التربية، فوضع لها خططًا محكمة، وجه المعلمين إلى العناية بحسن سلوك التلاميذ، ومراعاة صحتهم، فالمعلمون يجب أن يلاحظوا سلوك التلاميذ ونظافتهم، ويضعوا لذلك «نمرًا» كل يوم، تجمع مع «نمر» العلوم، ويرتب التلاميذ بحسبها جميعًا، ويُوضع على كل فصل لوحة كل ستة شهور بأسماء التلاميذ مرتبة حسب متوسط درجاتهم العلمية والخُلقية والنظافة.

ويجب أن يكون المأمور (ناظر المدرسة) أبًا رحيمًا مثالًا لحسن السلوك والفضائل والشرف، للتلاميذ والمعلمين، وأن يفهم «أنه القائم في وظيفته مقام الحكومة في تأدية ما يلزم من الواجبات، والنائب من طرف الأهالي في الرأفة بأولادهم، ومزاولة أحكامهم، والتحفظ على صحتهم، فهو مسئول عن هؤلاء الأطفال بين يدي الخالق والخلق».

ثم ذكر أن من أهم ما يجب على المعلمين، تربية حواس التلاميذ، فيجب أن يمرنوا حاسة البصر، بأن يُؤتى بالطفل ويُؤمر بالوقوف عند شباك مفتوح وينظر ما أمامه، ثم يُؤمر بالتحول، ويُكلف وصف ما رأى بالتفصيل، ومقدار بعده وارتفاعه … إلخ، وأن تُمرن أذنه، فيعوَّد الطفل — وعيناه مربوطتان — أن يعرف الناس بمجرد سماع أصواتهم ولو غيروها، وعلى معرفة الأشياء بما ينشأ عنها من رنين وحركات، وهكذا وضع خطة لتمرين كل حاسة.

ونصح بعدم التضييق على الأطفال، لميلهم الطبيعي إلى اللعب والحركة، فينبغي انتهاز فرصة ميلهم الطبيعي وتوجيهه إلى توسيع دائرة معلوماتهم وتحسين سلوكهم.

•••

هذا مجمل الخطة التي اختطها في تقريره، وسميتها ثورة لبعد الفرق بين ما كان وما أراد «علي مبارك» أن يكون.

ثم أراد أن يخرج الفكرة إلى العمل، فوضع أول كتاب — فيما أعلم — لتعليم القراءة والكتابة والمطالعة على النمط الحديث؛ فالجزء الأول هو الحروف الهجائية في الخطوط المختلفة، ثلث وفارسي ونسخ وتوقيع ورقعة، ثم الحروف متصلة بحروف العلة، ثم الحروف مضبوطة بالحركات، ثم كلمات مركبة من حرفين فثلاثة … إلخ، ثم كلمات في جسم الإنسان ومراحل عمره، ثم جمل صغيرة، ثم أمثال ومواعظ ونوادر تاريخية، ثم أشكال الحرف الكوفي، وبذلك تم هذا الجزء.

ولم يشأ أن يجعله حروف مطبعة لصعوبتها على التلاميذ، فعهد إلى أكبر خطاط في مصر، وهو «مؤنس أفندي» فكتب هذا كله ونوَّعه بخطه الجميل، وطبعه على مطبعة الحجر، وتدرج بذلك من كلمات مشكولة إلى كلمات مشكولة بعض الشكل إلى كلمات غير مشكولة؛ فإذا جئنا إلى الجزء الثاني رأيناه مجموعًا من الحروف ومطبوعًا كذلك، وقد قسمه إلى جملة مجموعات، سمى كل فصل مسامرة؛
  • فالمجموعة الأولى: تاريخية اجتماعية.
  • والثانية: في الكون وأجزائه من إنسان وحيوان ونبات ومعادن وهواء ونور ونار وزلازل وماء وبخار وندى وسحاب ومطر وشمس وقمر وكسوف وخسوف.
  • والثالثة: في الدين وقواعده وأركانه.
  • والرابعة: في قوانين الصحة.
  • والخامسة: في النصائح والمواعظ والأخلاق الإسلامية.
وبذا يتم الكتاب.

ويذكر في أول الجزء الثاني أنه استعان في أداء هذه الخدمة بقلم السيد صالح مجدي أفندي، والكتاب بجزئيه يُصور عقلية القائمين بأمر التعليم في هذا العصر، ويُصور أسلوب الكُتَّاب ومنهج تعبيرهم وتفكيرهم، والمثل الذي ينشدونه لأبنائهم، ومقدار ذوقهم في تخير ما يعرضونه على أطفالهم، وفيه موضع لدراسة دقيقة وافية لمدى تقدمنا الآن ومراحل سيرنا، وهل هي تساوي ثمانين عامًا أو لا تساوي، وفيه موضع عبرة كيف يتوفر وزير المعارف بجلالة قدره — مع ما عهد إليه من إدارة الأشغال والسكك الحديدية والقناطر الخيرية، يعاونه أشهر الكُتَّاب في ذلك العصر السيد صالح مجدي؛ لوضع كتاب في ألف باء للأطفال بعدًا في النظر وشعورًا بعظم الواجب.

فهل ترى يا صديقي «الكتبي» أن هذا كله لا يساوي شيئًا غير الاستهزاء به والضحك منه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠