فيكتور هوكو: احتفال الفرنساويين له باليوبيل القرني

figure
تذكار فيكتور هوكو لمائة عام مرت من ولادته، احتفلوا بتدشينه في ٢٥ فبراير سنة ١٩٠٢ في ميدان فيكتور هوكو بباريس.

احتفل الفرنساويون في أوائل سنة ١٩٠٢ للشاعر فيكتور هوكو في البانتيون، كما احتفلوا في أواخر العام السابق بيوبيل الكيماوي برتلو في الصوربون، والبانتيون هيكل فخيم على رابية من روابي باريس بالقرب من الصوربون، وهو اليوم مدفن أعاظم الرجال الذين يعترف لهم الوطن الفرنساوي بالفضل والحسنى.

ففي السادس والعشرين من شباط الماضي (فبراير) الموافق لختام القرن الأول من ميلاد فيكتور هوكو ابتدأ موسم الاحتفال بيوبيل هذا الشاعر، واجتمع في البانتيون الرؤساء والسفراء والعلماء والشعراء والمشخصون والمشخصات، وكل من اشتهر في باريس من الرجال والنساء، وأكثرهم بالألبسة الرسمية والعسكرية والكساوي العلمية والقضائية موشحون بوسامات الافتخار، أو متمنطقون بمناطق الحرير المثلثة الألوان، أو مكتفون بتزيين صدورهم بأزرار الوسامات، وإشارات المداليات على اختلاف درجاتها وأشكالها، وافتتح هذا الاحتفال الموسيو جورج ليغ ناظر المعارف الفرنساوية بخطبة شائقة.

وتلاه في الخطابة السياسي الشهير الموسيو غابريل هانوتو بالنيابة عن الأكاديمية الفرنساوية، فاختلب الأسماع بجواهر لفظه، واجتذب القلوب ببلاغة معانيه، فانتقل كلامه بالتلغراف والتلفون لجميع المدن الفرنساوية، وربما تجاوزها إلى كثير من البلاد الأجنبية؛ لأن الموسيو هانوتو بعد أن حاز قصب السبق في ميدان السياسة، وحلَّ عقدة ماداغشكر وألحقها ببلاده، وفك العراقيل السياسية في أفريقيا الغربية ونهر النيجر، تنحى عن كرسي الوزراة وقد شغله مدة تزيد على أربع سنوات، وجلس على كرسي الأكاديمية وأقبل على نشر الكتب، وطبع المقالات التي اشتهرت في العالم كله، وكان لها شأن في مصر وغيرها من بلاد الشرق، وهو على رفعة قدره وعلو شأنه لم يزل كما كان في صباه مقيمًا في الطابق الخامس من بيت يستطرق بابه على بولفار سن جرمن، ويصعد إلى مسكنه بدون مصعدة (أسانسور) مائة درجة.

ثم أنشد بعض المشخصين والممثلات شيئًا من قصائد فيكتور هوكو، وتلوا جزءًا من أحاديثه وانفض الجمع ليستأنفوا الاحتفال في مواضع أخرى من باريس؛ لأن حفلة البانتيون لم تكن إلا افتتاح موسم أدبي في عموم البلاد الفرنساوية، ودامت الزينات والأفراح فيها سبعة أيام بلياليها، وهم في كل يوم وليلة يرفعون الأعلام، ويضيئون الأنوار، ويجمعون الجموع، ويلقون الخطب، ويأدبون المآدب، ويشربون النخب، ويمثلون على المراسح الروايات، وينشدون الأناشيد، ويحررون المقالات المبتكرة، ويصورون الرسوم البديعة، ويعملون أنواعًا كثيرة من المظاهرات والزينات احتفالًا بهذا الموسم.

وقرَّر مجلس نوَّاب الأمة إنفاق ثمانين ألف فرنك لهذا الاحتفال عدا ما تنفقه مجالس البلدية والجمعيات الخيرية والعلمية، مما يفوق أضعاف هذا المبلغ، فجاء هذا الاحتفال على أتم منوال وأحسن نظام؛ لأن الفرنساويين أقدر الأمم المتمدنة على إتقان الزينات، وإتمام معدات الاحتفال للطافة أذواقهم، وخفة أرواحهم، وميلهم إلى البهرجة والزينة، وهم يتهافتون على تعظيم رجال العلم والأدب ويبالغون في إجلالهم حتى كادوا يعبدونهم من دون الله، ويتنسكون في ادخار آثارهم وجمع مناقبهم، وحفظ أخبارهم، ورفع الهياكل والتماثيل والأنصاب لهم، كان الواحد منهم معبود من معبودات قدماء المصريين، أو إله من آلهة اليونان أو الفينيقيين، وهم — والله أعلم — يعتاضون بهذه الاحتفالات عما فاتهم من الاحتفال بتتويج الملوك ويوبيل القياصرة، وقد رفعوا لفيكتور هوكو تمثالًا عظيمًا بل تماثيل، وسموا باسمه الشوارع والميادين، واتخذوا داره متحفًا سموه باسمه، وسيجمعون فيه متاع الشاعر وأثاث بيته وكل ما له أدنى علاقة به أو ذُكر في أشعاره، ولم يفرطوا بشيءٍ من ذلك ولا أضاعوا له قلمًا ولا دواة ولا ورقة من الأوراق التي تعلم بها، وهو في المدرسة، وقد كتب على واحدة منها: «أريد أكون شاتوبريان أو لا شيء»، ولا الأوراق التي كان يلاعب بها أولاده، ورسم لهم فيها الرسوم الهزلية والمضحكة، ولا الكيس الذي وضع فيه مبلغ المائة وخمسة وعشرين ألف فرنك ثمن المجلدين الأولين من تأليفه المسمى ميزيرابل.

ولو أردنا وصف هذه الاحتفالات، وإيراد الخطب التي تليت فيها، والإتيان على ما حررته الجرائد من الفصول الطوال لاستغرق الكلام مجلدًا ضخمًا؛ لأن هذه الاحتفالات كان لها رنة عظيمة في أوروبا كلها. وقد نشرت جريدة التيمس الإنكليزية ترجمة هذا الشاعر بالفرنساوية إعظامًا لشأنه؛ لأن شهرة فيكتور هوكو ليست في فرنسا وحدها، بل هي طائرة في آفاق العالم المتمدن، وقد وصلت إلى بلادنا الشرقية منذ سنين. أتذكر أني قرأت في «المقتطف» وهو لا يزال في سورية أبياتًا لفاضل من الأدباء لخَّص فيها فكرًا من أفكار فيكتور هوكو المذكورة في كتابه المشار إليه، وصف بها حالة البائس المسكين الذي اشتدت حاجته، واضطره الجوع حتى كسر قفل الخباز، وأخذ رغيفًا لسد رمقه فانتبه له الخفير، وانقض عليه انقضاض البازي على العصفور، وقاده إلى حبس التوقيف، ثم رفعه إلى محكمة العدل فلم يشفق عليه حكام العدلية، ولا رحمه قضاة الحقانية فارتعدت نفس الشاعر من هذا الظلم القاهر حتى صرخ قائلًا: «أين العدالة في أوهام شرعكم؟»

ثم لما أتيت الأستانة وجدت أدباء الأتراك وشعراءهم ترجموا كثيرًا من نَظْم فيكتور هوكو، ونثره فيما نُشر من مؤلفات كمال بك، وعبد الحق حامد بك، وأكرم بك، ومدحت أفندي صاحب جريدة «ترجمان حقيقت» سابقًا، وفي «مجموعة أبو الضيا»، و«كتبخانة أبو الضيا»، وترجم شمس الدين سامي باشا صاحب قاموس الأعلام جزءًا كبيرًا من كتاب «ميزيرابل»، وسماه بإضافة أداة الجمع التركية على كلمة «سفيل» العربية، فقال: «سفيللر» أي: السفلة من الناس، ثم بلغني أن بعض أدباء مصر شرع في ترجمة هذا المؤلف الجليل وسماه «البؤساء» أو نحو ذلك، فجمعت شيئًا من أخبار فيكتور هوكو؛ ليحصل لنا علم إجمالي بترجمة حياته، وحقيقة فلسفته، وسبب شهرته.

الدور الأول من حياته: من ولادته سنة ١٨٠٢ إلى نفيه سنة ١٨٥٢

كانت فرنسا في افتتاح القرن التاسع عشر في هرج ومرج من هول «الانقلاب الكبير»، الذي حدث فيها؛ فغيَّر معالمها وثل منها عرش الاستبداد، وحرر العقول، وبدل الظلام بالنور، ووضع العدل في موضع الظلم، وجرى بسبب ذلك من الفظائع الدموية ما تقشعر من سماع حديثه الجلود، لبث الانقلاب من سنة ١٧٩٠ إلى سنة ١٧٩٥، ثم نبغ بونابرت، واكتسح بالعساكر الفرنساوية إيطاليا، ثم مصر وفلسطين، وطاف بها أوروبا من مشرقها إلى مغربها، وقهر الملوك والإمبراطور والقيصر، واستقدم البابا من رومية إلى باريس ليلبسه تاج الإمبراطورية ويسميه نابوليون الأول، وأجلس زوجته جوزيفين على سرير الملكة ماري أنتوانيت ثم لم يستحسن التاج على رأسها لأنها أرملة الجنرال بوهارنه، فأبدلها بماري لويز بنت إمبراطور ألمانيا، وجعل أخاه الأكبر يوسف بونابارت ملكًا على نابولي، ثم ملكًا على إسبانيا، وحشد عساكره في هاتين المملكتين، وكان سيجسبر هوكو والد صاحب الترجمة ضابطًا في عسكر الفرنساويين ومأمورًا مع جنودهم بالمحافظة على بيزانسون، وهي مدينة على طريق السكة الحديدية بين مرسيليا وباريس، وكان أبوه نجارًا وجده فلاحًا.

وفي ٢٦ شباط سنة ١٨٠٢ وضعت امرأته ماري في تلك المدينة غلامًا نحيفًا ضعيفًا، فقيده في سجل نفوس البلدة باسم «فيكتور ماري هوكو»، وكان له ولدان أكبر من فيكتور أحدهما يسمى أبيل والآخر أوجين، وبعد شهرين من ولادة فيكتور تلقى والداه الأمر بالمسير إلى جزيرة كورسيكا، ومنها إلى جزيرة إيليا فحمل إليها امرأته وأولاده وأقام فيها إلى سنة ١٨٠٥، ثم دعي سيجسبر هوكو إلى باريس فذهب إليها بعائلته، ودخل في خدمة الملك يوسف بونابارت، ورافقه إلى نابولي ومعه عائلته فشاهد فيكتور بركان فيزوف، وهو في السادسة من عمره، وانطبعت في ذهنه صورة هذا الجبل وما يتصاعد من فوهته من اللهيب والدخان، وارتسمت في مخيلته مناظر إيطاليا الطبيعية وجوها الصافي، فلما كبر ونظم هذه الرحلة وصف هذه المناظر في أشعاره أحسن وصف.

ولما ذهب يوسف بونابارت إلى إسبانيا ليلبس فيها تاج الملك اصطحب سيجسبر هوكو، وعاد فيكتور مع أمه وأخويه إلى باريس، وسكنوا في دير فيليانتين بجوار مدرسة الطب العسكرية التي يقال لها: «فال دوغراس»، وهي قريبة من البانتيون، فكان فيكتور يقرأ مع أخويه أشعار فرجيل على راهب متضلع في الآداب اللاتينية، واستمر على ذلك إلى سنة ١٨١١، وقد ترقى والده وصار قائدًا على الجيش، وبلغ راتبه إلى ثلاثين ألف فرنك إسبانيولي (ريوس)، ومنحه الملك يوسف لقب كونت، وعيَّنه ناظرًا على مطبخه العام، فأحضر حينئذ امرأته وأولاده إلى مادريد. فاستفاد فيكتور هوكو من هذه الأسفار فوائد كبيرة، وتمكن مع حداثة سنه من مراقبة جمال الطبيعة، وحفظ أسماء المدن والبقاع التي مر بها، وشاهد في قصور مادريد آثار العمران الشرقي، وصور أعاظم الرجال الذين قامت بهم القرون الماضية، فاتسعت مخيلته وانفتق ذهنه، ونفح بنفحات شعرائنا الأندلسيين، فرقت ألفاظه، وراقت معانيه، وظهر النفس الأندلسي في أشعاره، وسمعت النفحة الأندلسية من أكثر قوافيه، وذكر في قصيدته التي سماها غرناطة أكثر مدن الأندلس، ووصف ما فيها من المباني والقصور، وذكر في غير هذه القصيدة جميع البلدان التي مر بها في طريقه مثل أيرون، وعين العرب التي يقال لها اليوم: «فونت أرابي» وقلعة إيرناني، وجعل اسم هذه القلعة عنوانًا لرواية من رواياته، ودخل وهو في مادريد مدرسة أولاد الأشراف، وخالط فيها أبناء الأمراء من الإسبانيوليين، وعرف أخلاقهم وعاداتهم، فنظمها في رواية «إيرناني»، و«ريوبلاس» وغيرهما من مؤلفاته، واستعار أسماء كثير من رفاقه؛ ليشخصهم في قصصه ورواياته، وكان يدقق في أحوال الجند، ويتأثر بأصوات أبواقهم وصدى موسيقاهم، فأبدع في وصف حركاتهم العسكرية، وفتحهم القلاع، ونزولهم مساءً ورحيلهم صباحًا، وسيرهم ليلًا إلى غير ذلك من الأوصاف التي شخص بها حال العساكر تشخيصًا تامًّا.

ولما انقلبت السياسة في إسبانيا، واشتد الخطر على عساكر الاحتلال أعاد الجنرال هوكو عائلته إلى باريس، ولم يبقَ عنده إلَّا ابنه الأكبر أبيل، فأدخله في خدمة الملك، ورجع فيكتور هوكو مع أمه وأخيه إلى الدير الذي كان فيه، وعكف على مطالعة ما عند أمه من الكتب كمؤلفات فولتير، وجان جاك روسو، وديدرو أحد مؤلفي الإنسلكوبيدي، ومؤلفات السائح كوك وغيرهم. وكان لأمه ألفة بعائلة فوشر أحد مستخدمي نظارة الحربية، فكانت مدام فوشر تكثر التردد عليها، ومعها ابنتها الصغيرة عادلة (أديل) لتلعب مع فيكتور وأخيه أوجين، وتستنشق الهواء الصافي في بستان الدير، ولما ضبطت الحكومة هذا الدير في جملة ما ضبطته من أملاك الرهبان سكنت زوجة الجنرال هوكو بالقرب من دار فوشر، فكثر اختلاط فيكتور هوكو بعادلة، وألفها حتى صارت فيما بعد زوجته.

ولم يمض كثيرًا من الزمان حتى اشتدت الأزمات السياسية، وتوالت الحوادث المرهبة، وعاد نابوليون بالخيبة من سفر موسكو، وعاد أخوه يوسف بعساكره من إسبانيا ومعه الجنرال سيجسبر هوكو، فالتمس الرجوع لمأموريته والدخول في سلك العساكر الفرنساوية، فلم يقبلوه إلا برتبته السابقة، وبعد أن دارت الدائرة على نابوليون الأول، وحبطت أعمال الحكومة الإمبراطورية وعاد آل بوربون إلى كرسي المملكة الفرنساوية تقرب الجنرال هوكو إلى لويس الثامن عشر، وتملق إليه حتى صار من المقربين لديه، فخلع عليه رتبة الجنرالية، وسلمه قيادة العسكر، فأراد إدخال ولديه الأصغرين في هذا السلك كما أدخل أخاهما الأكبر من قبل، فوضع فيكتور وأخاه أوجين في مدرسة «لوي لوغران»؛ ليدخلهما فيما بعد مدرسة الفنون الحربية وهما من المدارس التي لم يزل يتردد إليهما بعض أبناء الشرق في باريس، فأقبل فيكتور هوكو على تحصيل العلوم الرياضية، ولم يترك مع ذلك نظم الأشعار، فنظم عدة قصائد في الغزل والمدح والهجو والهزل والرثاء، وقصيدة في الطوفان، ولم يرَ مباينة بين العلوم الرياضية المبنية على حقائق برهانية، وبين علوم الشعر التي كان يظنها الناس خيالات باطلة وأوهامًا كاذبة، وإن أعذب الشعر أكذبه، بل كان يعتقد بأن الشاعر لا بد له من تعلم العلوم الرياضية والطبيعية، وكان يعتبر تصور حوادث الكون، وتخيل مناظر الطبيعة، وجمع معاني ذلك في الذهن ثم إفراغ المعاني في قوالب الألفاظ، ونسجها في أبيات الشعر كل ذلك أشبه بتصوير المسائل الحسابية والهندسية، وحل المعادلات الجبرية؛ ولذا قال: بأن صباه لم يكن إلا تخيلًا طويلًا ممزوجًا بدرس مدقق، وأن لا مباينة بين التدقيق والشعر؛ لأن القواعد الرياضية تطبق في الشعر كما تطبق في العلم، وقال أيضًا: «إن الكلمة كائن حي فاعلموه.»

وكان شاتوبريان من أفحل أدباء العصر، وله مؤلفات جليلة في النظم والنثر، وقد طاف بلاد الشرق، وزار مصر وسوريا واليونان، وألف بعد ذلك كتابه المسمى «روح النصرانية»، وبحث عن حكمة الديانة المسيحية، فطالعه فيكتور هوكو وأعجب به، وتشرَّب منه آراء المذهب الكاثوليكي وسياسة الحزب الملوكي، فكتب على دفتره، وهو في المدرسة بتاريخ ١٠ يوليو سنة ١٨١٦: «أريد أن أكون شاتوبريان أو لا شيء.» وبعد سنة من هذا التاريخ فتحت الأكاديمية الفرنساوية مسابقة للشعراء، وجعلت موضوع السباق «فوائد المطالعة»، فنظم فيكتور هوكو في هذا المعنى ٣٢٠ بيتًا عرضها على لجنة التحكيم، ولم يكن له من العمر إلَّا خمس عشرة سنة، فاستحسنوا أبياته، واستصغروا سنه، وظنوه سارقًا شعره فلم يعطوه الجائزة، واكتفوا بقيد اسمه في دفتر الشعراء، وفي السنة التالية بعث إلى جمعية «لعب الأزهار» — وهي جمعية أدبية تأسست قديمًا في طولوز — القصيدة التي سماها «عذارى فيردون»، وتشبب فيها ببنات تلك المدينة التي على الحدود الألمانية، وبعث أيضًا بقصيدة أخرى في مدح هنري الرابع، فنال بهما جائزة الجمعية.

وفي سنة ١٨١٨ أكمل فيكتور هوكو دروسه في مدرسة «لوي لوغران»، واستنكف من الدخول في امتحان المسابقة لأجل قبوله في المكتب الحربي، وكتب لأبيه بأنه عدل عن سلك العسكرية، واتخذ الشعر صنعة يتعيش منها وأن لا حاجة له بالراتب القليل المعين له، وأقبل على الجد والاشتغال ومثابرة الأعمال، واشترك مع أخيه الكبير أبيل، وكان له مشاركة في علوم الأدب، فأسسا جريدة أدبية عنوانها «المحافظ الأدبي»، ونشر فيكتور هوكو الأشعار البديعة، والمقالات الانتقادية.

وكان لويس الثامن عشر الذي جلس على سرير الملك سنة ١٨٢٤ عاقلًا ماهرًا لم يصغ لأقوال الذين يريدون إطفاء نور العلم والحرية، وإعادة المظالم القديمة، بل أعطى الشعب حقوقه، وسن لبلاده القوانين، وكان ولي عهده أخاه شارل العاشر وله ولد اسمه دوك دوبري قتله أحد الرعاع، وهو خارج من مرسح الأوبرة سنة ١٨٢٠، وخلف دوك دوبري طفلًا صغيرًا اسمه دوك دوبوردو، فنشر فيكتور هوكو في جريدته قصيدة هنأ فيها بالمولود وأخرى رثى فيها الوالد والقصيدتان موافقتان لسياسة الحزب الملوكي، فاستحسنهما لويس الثامن عشر، وأجازه عليهما بخمسمائة فرنك، وفي تلك السنة بعث فيكتور هوكو إلى جمعية لعب الأزهار في طولوز بالقصيدة التي عنوانها «موسى على النيل»، فكافأته عليها بالمدالية الذهبية، وكانت على شكل الزهرة ومنحته لقب الأستاذ في جمعيتها.

فاشتهر هوكو وانتشر شعره، ولقبه شاتوبريان بالولد النجيب، وفتحت الشعراء له أبوابها، فتعارف على ألفرد دوفينيه ولامارتين مؤلف «الرحلة الشرقية»، وسومه وإميل دوشان وغيرهم من شعراء العصر وفحول أدبائه، وفرح به جميع المنتصرين للحزب الملوكي؛ لأنه على مذهبهم السياسي ودينهم الكاثوليكي، وترنموا بأبياته في مجامعهم، وأنشدوا قصائده في نوادي سمرهم، وكان ينظم لهم القصائد الهزلية والمدائح الملوكية على ما يوافق مشربهم مثل «التلغراف»، و«المقيد السياسي»، و«القريحة»، وغيرها.

فانشرح صدر الشاعر بهذه الشهرة، وارتاح باله من جهة تأمين معاشه في المستقبل، ولعب الهوى في رأسه فرأى بجانبه صاحبته من الصغر قد انتقلت إلى سن الشباب، وانتصبت قامتها كالغصن، ولبست أثواب الجمال والحسن، فهام في حبها، وأراد الاقتران بها فمنعته أمه لفقر البنت وعدم وجود مهر كافٍ (دوته) معها، وقطعت علائقها مع عائلة فوشر، فتألم الشاعر بألم الفراق، وأخذ يراسل حبيبته برسائل الحب والاشتياق، ونُشرت هذه الرسائل بعد موته تحت عنوان «مراسلات الخطيبة».

وفي سنة ١٨٢١ توفيت والدته فحزن عليها حزنًا شديدًا لزيادة حنوها عليه، وكثرة إحسانها إليه، ولم يمض شهر على وفاتها حتى تزوج والده بواحدة من الغنيات الشريفات لقلة وارده وكثرة نفقاته، وبقي فيكتور هوكو وحيدًا فريدًا، وانتقل من الدار التي كان فيها مع أمه إلى مسكن صغير، وتضايق في أمر معاشه لقلة ما في يده، ولاحتياجه لمن يدبر له البيت ويهيئُ له الطعام، وأخذ يفكر في معشوقته وفي الوصول للاقتران بها؛ لأن أباه افتقر بعد سقوط الحكومة الإمبراطورية، وأبو حبيبته لم يكن من أصحاب الثروة العظيمة، فاجتهد فيكتور هوكو في تحصيل المال، وأقبل على النظم والتأليف، ونشر سنة ١٨٢٢ ديوان قصائده، فكان له رواج عظيم، وقرأه لويس الثامن عشر، وأعجب به وأحسن على الشاعر من خزينته الخاصة براتب سنوي قدره ألف فرنك، فافترج الشاعر بهذا المعاش، وتزوج بعادلة فوشر ولها من العمر ١٩ سنة، وبينما هم في حفلة العرس على مائدة الطعام، نهض أخوه أوجين، وأجرى أفعالًا منكرة، وفاه بكلام غير معقول، فحملوا ذلك أولًا على إكثاره من شرب المدام، وذهبوا به إلى بيته، وفي الصباح وجدوه مختل الشعور، وفهموا أنه يحب عادلة محبة شديدة، وكان يخفي حبها فلما تزوجت بأخيه هاجت عواطفه وذهب عقله فوضعوه في بيمارستان سارانتون، وهو في أرباض باريس، واستمر فيه إلى أن مات، وكانت عادلة بديعة الحسن رقيقة الحواس غير أنها بسيطة الفكر غير مفرطة الذكاء، وكان زوجها متيمًا في حبها، فسكن مدة عند صهره، ولما بلغ راتبه من الملك ٢٠٠٠ فرنك في السنة خرج بها من دار أبيها، وسكنا في بيت على حدة، فولدت له أولادًا كبروا وماتوا في حياته، وهم ليوبولدين ماتت غريقة في نهر السين، وشارل مات فجأة عند صاحبة له في بوردوا، وفرانسوا مات في باريس، وعادلة تزوجت على كره من أبيها، وأصيبت بداء الجنون مثل عمها وهي لم تزل في قيد الحياة، فكانت هذه المصائب باعثة على نظم القصائد التي عنوانها «أولادي»، ورثاهم أيضًا في كتاب «التأملات» وغيره بأرق المراثي، وكان موحدًا في الاعتقاد، ولم يتبع مذهب المسيحيين في البقاء على زوجة واحدة، بل شغف بعد ذلك بحب إحدى الممثلات، وأسكنها مع زوجته، وعمل عمل القائلين: بتعدد الزوجات مع رعايته واحترامه لزوجته الأولى.

وأخذ فيكتور هوكو يحرر في مجلة «الموز الفرنساوية» التي أنشأها الأديبان سومه وديشان، ويتردد على بيت شارل نوريه، وكان هذا الفاضل مديرًا لمكتبة أرسنال، وهي إحدى المكاتب الأربع الكبيرة في باريس، ونال معاشًا وافرًا بسبب هذه الوظيفة، وفتح بيته للعلماء والشعراء حتى صار مجمعًا للأدباء، وأسسوا فيه سنة ١٨٢٤ جمعية أدبية على الطرز الجديد، وفي هذه السنة توفي لويس الثامن عشر، ولبس أخوه شارل العاشر تاج الملك، فمدحه الشاعر بقصيدة عنوانها «التتويج» فحازت القبول، وأنعم عليه الملك بوسام الافتخار من رتبة شيفاليه كما أنعم بذلك على الشاعر الشهير لامارتين، ولما نشر فيكتور هوكو ديوانه في المدح والغزل، وحاد فيه عن مسلك الشعر القديم المسمى «كلاسيك»، وسلك في النظم مسلكًا جديدًا انتقد عليه أصحاب الطريقة القديمة، وسلقوه بألسنتهم.

ونشر الشاعر «سنت بوف» في جريدة الغلوب بتاريخ ٦ كانون ثاني سنة ١٨٢٧ مقالة انتقادية كانت سببًا لتحويل أنظار الناس إلى الطريقة الجديدة؛ ولتعارف الشاعرين حتى صارا من أعز الإخوان، وكان شارل العاشر قد حاد عن طريقة أخيه العادلة في سياسة الملك، ومال إلى الاستبداد، فنفر منه الأدباء والأحرار، واغتنم سفير النمسا في باريس هذه الفرصة، وندد في أمراء العساكر الذين خدموا مصالح نابوليون الأول، وأهانهم في الكلام فانتصر لهم فيكتور هوكو؛ لأن أباه كان في زمرتهم، ونظم قصيدة في مدح «العمود» أي: العمود الذي رُفع لنابوليون في ميدان فاندوم، وطلي بنحاس المدافع التي غنمها في حروبه، ونقش عليه أسماء المواقع الحربية، والأمراء العسكرية. وكان الشاعر في ذاك التاريخ قد بلغ سن الرجولية، وهو السن الذي يتأهل فيه الرجل لحقوق الانتخاب، فظن كبقية أدباء العصر المتخوفين من استبداد شارل العاشر أن الحكومة الإمبراطورية أكثر عدلًا وحرية من الحكومة الملوكية؛ ولذا أقبل على إظهار فضل نابوليون وإشهار مجده بدون أن يتعرض بالقدح لآل بوربون.

ونشر عقب مدحه العمود قصة كرومول، وشرح في مقدمتها طريقته الجديدة في علم الأدب، وشكَّل جمعية من أنصار هذه الطريقة وفي مقدمتهم ألفرد دوفينيه، وسنتابوف، وإميل دوشان، وألكساندر دوماس، وبولانجه، وغيرهم مثل لامارتين، وسموا طريقتهم «رومانتيك» كما كان المتقدمون يسمون طريقتهم «كلاسيك»، وصار فيكتور هوكو إمام المدونين في هذه الطريقة الجديدة، فانتقد عليه الكثير من أرباب السياسة وحملة الأقلام، ولاموه من وجهين أحدهما لمدحه نابوليون، وإشهاره مجد الحكومة الإمبراطورية، وثانيهما لعدوله عن مذهب الشعر القديم وسلوكه في النظم والنثر مسلكًا جديدًا، غير أن الشاعر لم يصغ للوم اللائمين، واستمر يتردد على بيت صاحبه شارل نوريه، وينشد قصائده أمام الحاضرين، ويستميلهم لطريقته واحدًا بعد واحد، ولما اتجهت أنظار العموم نحو الشرق بسبب ثورة اليونان، وذهاب العساكر المصرية للموره، وغدر الدول في وقعة نافارين نشر فيكتور هوكو ديوانه المترجم «بالشرقيات»، ولم يزر الشرق ولا رأى نساءَه مثل شاتوبريان ولامارتين، ولكنه درس أحواله درسًا مدققًا، وقرأ ما ترجم من كتب أدبائه مثل كلستان سعدى، وديوان حافظ شيرازي، وما ترجم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فراج ديوان الشرقيات لحداثة موضوعه، وبحث فيه عن الممالك العثمانية، والعوائد الشرقية، وعن بلاد اليونان، وإيتاليا، وإسبانيا، وكانت النفوس متشوقة للاطلاع على ما في زوايا الشرق من الخبايا.

ثم نشر قصة عنوانها «آخر أيام المحكوم عليه»، وصور فيها الاضطراب الذي يحصل للمقتول قبل قتله. وفي سنة ١٨٣٩ وجه الشاعر التفاته نحو المرسح الفرنساوي (كوميدي فرانسه)، وشرع في اكتساب الرزق من تحرير الروايات المحزنة التي يسمونها «درام»، وحرر رواية «ماريون دو لورم»، وهي غانية من غواني باريس أحبها أحد الرهبان، وكان لها نبأ عجيب على عهد لويس الخامس عشر، ولما أراد مدير المرسح تشخيص الرواية منعه المراقب، فرفع شكواه من ظلم مراقب المطبوعات إلى الملك، فلم يأذن له بتشخيصها ومع ذلك قرَّبه إليه، ولاطفه بالكلام، وقال: «أحب قريحتك الشعرية، وليس عندي أشعر منك ومن ديزوجيه»، وزاد في راتبه حتى أبلغه ٤٠٠٠ فرنك، فرفض فيكتور هذا الراتب مع شدة احتياجه إليه، وشرع في تحرير رواية «إيرناني» فأكملها في بضعة أسابيع، وشخصت على المرسح الفرنساوي ليلة ٢٥ شباط سنة ١٨٣٠، واشتد بسببها القيل والقال، وعلا في المرسح الصفير والجدال بين أصحاب المذهب القديم والمذهب الحديث في علم الأدب، وتمَّ النصر في تلك الليلة لهوكو وشيعته، ولم يبق معه من النقد سوى خمسين فرنكًا، فتقدم إليه ملتزم الطبع، وبارك له بنجاح الرواية، ونقده في مقابلة حق طبعها ستة آلاف فرنك، واستلم منه النسخة الخطية، وعقد معه مقاولة على تحرير قصة «نوتردام دو باري»، وتسليمها في ظرف ستة أشهر، فأكبَّ الشاعر على المطالعة والتحرير، وأكمل القصة قبل انتهاء الأجل المحدود، فطبعت وكان لها رواج عظيم، واسم الرواية مأخوذ من كنيسة باريس الجامعة، وهي بناءٌ فخيم بالقرب من دار البلدية ودار الحقانية.

ولما أصدر شارل العاشر أمره بإلغاء الحرية التي منحها سلفه للشعب، وبتعطيل أحكام القانون الأساسي هاج أهالي باريس، وحدث انقلاب تموز سنة ١٨٣٠، وسالت الدماء في العاصمة ثلاثة أيام بلياليها، ففرَّ شارل العاشر من فرنسا، وتنازل عن الملك لابنه وولي عهده دوك إنكوليم — وإنكوليم بلدة بين بوردو وباريس — غير أن هذا الدوك استعفى أيضًا، وانتقل الملك بالإرث الشرعي إلى دوك بوردو، وهو حفيد شارل المشار إليه، فالجمهور من الفرنساويين لم يلتفتوا إلى حقوق هذا الصبي، وانتخبوا ملكًا عليهم لويس فيليب ابن عم شارل العاشر؛ لقبوله إعطاء الأهالي حقوقهم وتعهده بحماية القوانين، فهوكو — شاعر الملك والمدافع عن حقوق الملكية، وناظم القصائد الغراء في ولادة دوك بوردو صاحب الميراث الشرعي، وفي رثاء أبيه دوك بري — لم يهتز لهذه الحوادث، بل أظهر استحسانه ما فعله الشعب، ولم يعبأ بالمسائل السياسية، وظل يشتغل في فنون الأدب فنشر ديوانه المسمى «أوراق الخريف»، وشخص على المرسح الفرنساوي سنة ١٨٣١ رواية ماريوم دولورم التي منع تشخيصها سابقًا، ثم رواية «الملك يتسلى»، وهي رواية تاريخية موضوعها فرانسوا الأول الذي التجأ إلى ساكن الجنان السلطان سليمان القانوني من شر عدوه شارلكين؛ فمنع مراقب المطبوعات إعادة تشخيص هذه الرواية للتعريض فيها بالملوك، فرفع الشاعر شكواه إلى محكمة التجارة، ودافع عنها بنفسه أمام الحكام، فلم يسمحوا له بالتشخيص، ولم يجرِ تشخيصها مرة أخرى إلا سنة ١٨٨٢، وكان الذي ربحه فيكتور هوكو من مؤلفاته كافيًا لإنقاذه من مخالب الفقر وسعادة حاله ففتح بيته للزائرين؛ حتى صار مجمع الأدباء ومركز الشعراء، وفي جملتهم الكاتب الشهير تيوفيل غوتيه إلا أن الشقاق وقع بينه وبين صاحبه القديم ألكساندر دوماس، ودام الخصام أعوامًا كثيرة؛ لأن غيرة الشعراء والعلماء بعضهم من بعض أشد من غيرة الأمراء.

وجفاه أيضًا حبيبه سنت بوف الماهر في فن الانتقاد، وقال عن مؤلفاته: بأنها ممزوجة بآراء السياسة الملكية، والديانة الكاثوليكية، والفلسفة السيمونية — وهي التي وضعها الكونت سن سيمون في آواخر القرن الثامن عشر، وفرض فيها تعلم الصنائع على كل فرد من أفراد الأمة، فلم يتبعه إلا القليل من الناس مثل كارنو والد رئيس الجمهورية الأسبق — فعمل برأيه ومع جلالة قدره جعل أحد أولاده نجارًا، والآخر مهندسًا وكلاهما من أكابر رجال الدولة، ثم ألف فيكتور هوكو رواية «لوكريس بورجيا»، وهي أخت قيصر بورجيا الشهير بالإسراف وفساد الأخلاق، وكانت بديعة الحسن ولها حديث غريب، فشخصت هذه الرواية في ٢ فبراير سنة ١٨٣٣، فأقبل الناس على استماعها، ثم شخصت مرارًا على المرسح الذي بباب سن مارتن، وكانت الممثلة التي شخصت دور الأميرة نيكروني هي ماد موازيل جوليت دروَّه التي سبَت الشعراء بحسنها وعقلها، فشغف فيكتور هوكو بحبها، وبعد أن تردد على بيتها كثيرًا أسكنها في بيته عند زوجته فلامه أحد أصحابه، فحرر إليه يعتذر بأن زوجته أذنت له وسامحته على ما فرط به من حب جوليت، ولم تزل زوجته تحبه وتعزه، واستمرت في صحبة الشاعر، ورافقته في منفاه، وكانت تحرر له القصائد وهو يملي عليها، ودامت معه إلى بعد وفاة زوجته ورافقته أيضًا في سن شيخوخته، ونشر فيكتور هوكو أيضًا رواية «ماري تيدور»، وهي ملكة الإنجليز، ورواية «أنجلو»، وهو أمير ظالم من أمراء الطليان، ورواية «ربوبلاس»، وهو اسم خادم الوزير الذي خدعت به ملكة إسبانيا، وكثيرًا ما تشخص اليوم على المراسح الفرنساوية هي ورواية «إيرناني»، ورواية «كلودكو»، وهي مما ترجم من مؤلفات هوكو إلى التركية، وفيها دفاع بليغ عن المحكوم عليهم بالإعدام وتشنيع هذا القصاص.

ومما نشره في هذا التاريخ من الأشعار الموسيقية غير أوراق الخريف «أغاني الشفق»، و«الأصوات الداخلية»، و«الأشعة والظلال»، وغير ذلك؛ فصار فيكتور هوكو بهذه التآليف يعد من فحول أدباء العصر، وانتسب لدوك أورليان وزوجته ووجه عليه لويس فيليب نشان الافتخار من درجة أوفيسيه، وأهداه صورته، وانتخبته الأكاديمي الفرنساوية عضوًا في جمعيتها بأكثرية صوتين فقط بعد أن عارض أعضاؤها زمانًا طويلًا في قبوله لشدة تمسكهم بالقواعد، وأساليب الإنشاء القديمة، ولم يدخلوه بينهم إلا بعد أن اشتهر فضله كالشمس في رابعة النهار.

وسنة ١٨٣٩ ساح فيكتور هوكو في جبال الألب على حدود إيطاليا وسويسرا، وشاهد مناظرها البديعة وزار بعد سنتين ضفاف الرين، ودرس أحوال بلاد الألمان، وكتب سياحته في مجلدين نُشرا بعد موته، وألف أيضًا رواية «بورغراف» التاريخية وبيَّن فيها أخلاق أمراء الألمان في القرون الوسطى، فشخصت على المرسح الفرنساوي سنة ١٨٤٣، ولم يقبل عليها الجمهور ولا حصل منها أرباح للمشخصين، فتكدر الشاعر من سوء طالعه، وعدل عن تأليف الروايات، وترك رواية «التؤام» التي شرع في تأليفها بدون أن يكملها، وكانت الأفكار العمومية تحولت عن طريقة الأدب الجديدة (رومانتيك)، وعادت للإقبال على طريقة (كلاسيك) القديمة لظهور بعض المؤلفات الجديدة فيها، وبمناسبة ذلك هزأت بعض الجرائد الهزلية بفيكتور هوكو وصورته برأس كبير، وهو واقف أمام المرسح بجانب إعلان هذه الرواية ينظر إلى السماء، وقد طلع ذو ذنب وكأنه يناجي ربه وهو يقول: «لماذا جعلت للنجوم أذنابًا وتركت البورغراف بلا أذناب»، وتطلق كلمة بورغراف على ذوي الآراء السخيفة في ضروب السياسة، والمقصود تركت الرواية بلا جمهور يزدحم على باب المرسح، فيتألف منه ذنب طويل كما هي العادة في إقبال الناس على الروايات المهمة، واصطفافهم الواحد وراء الآخر لاشتراء أوراق الدخول.

وخرج فيكتور هوكو من باريس إلى جبال البيرنة على حدود إسبانيا يروض فيها أفكاره، ويزيل أكداره، ولم يلبث فيها كثيرًا حتى فاجأه مصابه ببنته، وكانت في التاسعة عشرة من عمرها، وقد فارقها وهي في أثواب العرس فخرجت بزوجها تتنزه في زورق على نهر السين في مدينة فيلكيه، فانقلب بهما الزورق وماتا غريقين قبل أن يمضي على زفافهما أربعة أشهر، وزوجها شارل فاكيري هو أخ الأديب المشهور أوغست فاكيري، فزاد كدر فيكتور هوكو، واختبر بهذه المصيبة آلام الحياة وهمومها ودخل الحزن قلبه ولعلمه أفانين الرثاء، فأجاد وأبدع في المراثي التي نظمها، وأكثرها مدرج في كتاب «التأملات». غير أنه من هول هاتين المصيبتين وهما موت ابنته، وعدم رواج روايته يئس في بادئ الأمر من هذا العالم الفاني، وانقطع رجاؤه بالله وضعف اعتقاده، ورفض الشعر مدة، وأقبل على الإشغال بالعلوم السياسية، ودرس المسائل الاجتماعية، فنشر كتابًا عنوانه «مكاتيب على الرين» حاول فيه حل مسألة الموازنة الأوروباوية، وتوهم تقسيم ممالك أوروبا بين فرنسا وبروسيا، وأراد تقليد لامارتين في الدخول لميدان السياسة — لأن الشاعر لامارتين بعد أن خدم طويلًا في كتابته السفارات الفرنساوية، وصار سفيرًا في طوسقانة وأتينة ترقى إلى مسند الوزارة، ولما زار الشرق نال شرف المثول بين يدي السلطان عبد المجيد خان، وحاز على الالتفات الشاهاني، وأحسن إليه بأبعدية «جفتلك» في ولاية أزمير، فأقام فيها وحرَّر تاريخ الممالك العثمانية في ثمانية مجلدات — ففتح لويس فيليب باب الحكومة لفيكتور هوكو، وعينه عضوًا لمجلس الأعيان سنة ١٨٤٥، فجلس مع أصحاب اليمين، وانضمَّ لحزب الأكثرية، وهو حزب الوزارة، وقال بقولهم، وتكلم في بعض المسائل فخطب خطبة في «ماركة الفابريكات»، وأخرى في «المسألة البولونية»، ومدح البابا الحر وطلب إرجاع عائلة بونابرت، فلم يكن لكلامه تأثير على أعضاء المجلس كما كان لأشعاره، ورواياته تأثير في نفوس الجمهور عند صدورها على المراسح من أفواه الممثلين، والمشخصات؛ لأنه لم ينل من القوة النطقية ما ناله من القلمية والفكرية.

ولما قوي حزب الجمهورية، وحدث انقلاب سنة ١٨٤٨، وأنزل لويس فيليب عن عرش الملك، وأعلنت حكومة الجمهورية الثانية على فرنسا انتُخب فيكتور هوكو عضوًا في مجلس الأمة من إبالة السين، وأسس في تلك السنة جريدة الوقائع (إيفينمان)، وكتب عليها «البغض الشديد للفوضوية، والهيام في الشعب والحنو عليه»، وكان يعينه في تحرير الجريدة ابناه شارل وفرنسوا، وأصدقاؤه من أفاضل المحررين مثل بول موريس، وأوغوست فاكيري، وتيوفيل غوتيه والبر لوقروا وغيرهم، وكان المترشح لرئاسة الجمهورية اثنين وهما نابوليون الثالث، والجنرال كافينياك فمالت جريدة الوقائع في خطتها السياسية لنابوليون؛ لأن فيكتور هوكو كان يترنم في قصائد «المدح في العمود»، ويطرب لذكر مجد نابوليون الأول؛ ولذا فإنه أحب في بادئ الأمر ابن أخيه نابوليون الثالث، وظن أنه يتقرب إليه ويكون مستشارًا له فرجحه في الانتخاب على الآخر، واكتسب نابوليون الثالث أكثرية الأصوات، وكانت تزيد على خمسة ملايين ونصف مليون، فأُعلن رئيسًا على الجمهورية، واستلم زمام الإدارة ولم يلتفت لفيكتور هوكو، فلما خاب ما أمله الشاعر انقلب عن أصحاب اليمين إلى أصحاب الشمال، وصار من أكبر رؤساء الحزب المخالف فاتهمه العقلاء بأنه مذبذب يتردد بين اليمين والشمال، ودافع عنه أصحابه بقولهم: إن الشاعر لا يهتم بالأحزاب، وإنما يرى مصلحة الأمة فيسير معها، وكان كلما خطب في المجلس خطبة شددوا عليه النكير وذكَّروه بسوابق أعماله وأشعاره، ولما تمت الرئاسة لنابوليون مالت نفسه للبس التاج، وشرع في إعداد المعدات وتهيئة الأسباب، فتظاهر فيكتور هوكو له بالعداوة، ونشر في تقبيح سياسته فصولًا، وعرَّض باسمه في جريدة الوقائع، فسماه نابوليون الصغير فاتهم مراقب الجرائد ابنيه المحررين لتلك الجريدة وحاكمهما وألقاهما في السجن، ثم استبد نابوليون بالأمر وأجرى حادثة ٢ ديسمبر سنة ١٨٥١، وألقى القبض على زعماء الحزب الجمهوري وجميع المتهمين بمخالفة السياسة الإمبراطورية، وكان اسم فيكتور هوكو في رأس قائمة المتهمين، فساعدته حبيبته الممثلة جوليت دروه على الاختفاء، واستحصلت له على تذكرة مرور، فخرج من باريس فارًّا؛ وهنا تم الدور الأول من أدوار حياته.

الدور الثاني: وهو مدة وجوده منفيًّا من سنة ١٨٥٢ إلى رجوعه لباريس سنة ١٨٧٠

بعد أن فرَّ فيكتور هوكو من باريس تجاوز الحدود الفرنساوية، وأتى بروكسل عاصمة البلجيك، وكان في غاية الضيق من قلة النقود، فحرر لزوجته يوصيها بالتدبير والتقتير، ويعرفها بأن مصروفه في الشهر لا يتجاوز مائة فرنك، وأقبل على التحرير، والتأليف وهو يستشيط غضبًا فنشر كتابه «نابوليون الصغير»، وكان أول صاعقة من الصواعق التي رماهُ بها، ثم نشر «تاريخ جرم»، فتهافت الناس في فرنسا وعموم أوروبا على مطالعة هذين الكتابين، فمنع نابوليون دخولهما لممالكه، وأمر سفيره في بروكسل بأن يطلب من حكومة البلجيك إبعاد فيكتور هوكو عنها، فلم تجسر الحكومة على ذلك إلا بعد أخذها قرار مجلس النواب، فدعته للخروج فذهب إلى جزيرة جرسي التابعة لإنكلترة، وهي جزيرة في بحر المانش بين فرنسا وجزائر بريطانيا العظمى، وجلب إليها عائلته، وكانت حبيبته جوليت سبقتهما، وأقامت معه في بروكسل، وشاركته في السراء والضراء، وكان في ضيق من جهة المعاش، ولم يكن معه إلا سبعة آلاف فرنك فعرَّف الجوع بقوله: «إن المخمصة تثقب في قلب الإنسان ثقبًا وتملأه بالحقد»، ونشر كتاب «القصاص» سنة ١٨٥٣، وكان صاعقة على نابوليون أشد من الأولى، وراج رواجًا عظيمًا في فرنسا وأوروبا، وربح ملتزم طبعه في بروكسل ربحًا وافرًا لم يعد منه على المؤلف إلَّا اليسير.

ولم يزل نابوليون الثالث يضطهد رجال الحزب الجمهوري، وينفيهم من الأرض، فعارضه فيكتور هوكو ونظم عدة قصائد في وصف حالة أولئك المضطهدين الذين أُخرجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا، فطلب سفير فرنسا في لوندره إخراج هوكو من جزيرة جرسي وإبعاده، فأخرجته الحكومة الإنكليزية إرضاءً لنابوليون، ولكنها لم تضيق عليه، فذهب إلى جزيرة كيرنيزي وهي بجوار الجزيرة الأولى في بحر المانش وتابعة مثلها للإنكليز، واشترى فيها دارًا خربةً مهجورةً مبنية على صخرة عالية مطلة على الأوقيانوس المحيط، وتسمى «هوت فيل هوس»، فرممها وسكنها واتخذ الطبقة العليا منها غرفة لأعماله، فكان يشتغل فيها بالنظم والتأليف، ويفكر في تقلبات الدهر وأحوال العالم، وبصره شاخص إلى لجة البحر المحيط، وكان يعينه في التحرير والمطالعة ابناهُ وزوجتاهُ وصاحبه الشاعر أوغست فاكيري، فنشر سنة ١٨٥٦ كتاب التأملات، وعرَّفه بسانحات البال، ثم أخذ يسلي همومه بمطالعة أخبار المتقدمين، ودرس سير الإنسان في مدارج الترقي والعمران، فنشر القسم الأول من كتاب «سير الدهور» سنة ١٨٥٩، ثم ألف قصته الشهيرة المترجمة ﺑ «البؤساء»، وكان له صديق حميم، وهو موسيو لوقروا ناظر البحرية في الوزارة الفرنساوية السابقة؛ أي وزارة الموسيو ميلين، فكان هذا الأديب يعين الشاعر على طبع مؤلفاته في البلاد الأجنبية، فلما بعث إليه بالمجلدين الأولين من كتاب البؤساء باعهما لملتزم الطبع في إنكلترة بمبلغ قدره ١٢٥ ألف فرنك ذهب إنكليزي.

ولما نشر هذا الكتاب سنة ١٨٦٢ أقبل المترجمون على ترجمته، ونشروه في تسع لغات من لغات أوروبا في آن واحد، وكان أصحاب المطابع تستدعي الموسيو لوقروا من جميع الجهات في إنكلترة، وألمانيا، والنمسا ليشتروا منه حق الترجمة والطبع، ولما ذهب إلى لوندره عند الكتبي الشهير في بترنوستر رود سأله بعنف: كم تطلب بحق نشر كتاب البؤساء في اللغة الإنكليزية؟

فأجابه: ثلاثة آلاف ليرة إنكليزية، فتناول دفتر الشِّك، وحرر المبلغ والاسم، وقال له:

– خذ نحن على وفاق

figure
فيكتور هوكو وحفيداه.

فسَعَدَ حال فيكتور هوكو من جهة المعاش، وذهب عنه الضيق، فنظَّم داره، وغرس أرضها بالأشجار والرياحين، وطار ذكره في العالم المتمدن، وقصده الزوار، وكاتبه الرجال، وكان البعض يحرر عنوانه «فيكتور هوكو في الأوقيانوس»، فكانت المكاتيب تصله بهذا العنوان المبهم لسعة شهرته، واشتهر اسمه لاقترانه باسم نابوليون، وكبَّره البعد والاعتزال في مخيلات الناس حتى اعتقدوه من أكبر العقول البشرية، وكانت العيون ترقب طلوع مؤلفاته كما ترقب شمس الشتاء، وفي سنة ١٨٦٤ نشر كتاب «وليم شكسبير» في الفلسفة، وبعدها بسنة نشر ديوان «أغاني الشوارع والأحراج»، وفي سنة ١٨٦٦ نشر قصة «المشتغلين في البحر»، ووصف فيها ما يكابده الفلاحون من المشاق وما يتورطون فيه من الأخطار، وفي سنة ١٨٦٩ نشر قصة «الإنسان الضاحك»، ولم يأل جهدًا وهو في تلك الجزيرة عن الانتصار للأقوام الذين غدر بهم الزمان، ورماهم سوء الطالع بالخسران، وفعل ما فعله فولتير وهو في فيرين، فدافع عن عصاة أيرلاندة وعن مكسميليان إمبراطور المكسيك، وهو أخ إمبراطور النمسا أغراه نابوليون الثالث على لبس التاج، وأمده بالعساكر الفرنساوية ثم تخلى عنه، فحاكمه المكسيكيون وقتلوه.

ثم إن المسائل العائلية أخلَّت براحة الشاعر وأقلقت أفكاره، وذلك أن ابنته عادلة أحبت قومندان المركب المحافظ على الجزيرة، وتزوجت به رغمًا عن والدها، وذهبت معه إلى الهند منشأ الطاعون ومهب الريح الأصفر، فمات فيها وعادت لفرنسا مختلة الشعور سنة ١٨٧٢، فأدخلوها البيمارستان مثل عمها وهي التي ورثت أباها، وفي سنة ١٨٦٨ توفيت زوجة فيكتور هوكو في بروكسل بعد أن كفَّ بصرها، وذهب ابناه في السنة التالية إلى باريس مع صاحبهما أوغست فاكيري؛ لينشئوا فيها جريدة «رابل» وينددوا بالحكومة الإمبراطورية، وذهب فيكتور هوكو إلى بلاد سويسرا؛ ليحضر مؤتمر لوزان ويخطب فيه خطبته المشهورة، ولما جرت الانتخابات في أوائل سنة ١٨٧٠ نشر فيكتور هوكو رسالة اعتراضية عنوانها «لا»، ثم انتشبت الحرب بين فرنسا وبروسيا، ودارت الدائرة على نابوليون الثالث، فسلم سيفه في ميدان القتال إلى ملك بروسيا، وطار الخبر إلى باريس، فاجتمع رؤساء الحزب الجمهوري في دار البلدية، وأعلنوا الحكومة الجمهورية مكان الإمبراطورية في ٤ سبتمبر سنة ١٨٧٠، وهي حكومة الجمهورية الثالثة الحالية، ولم يعد مانع لفيكتور هوكو من الرجوع إلى فرنسا، وبذلك انتهت أيام نفيه.

الدور الثالث من حياة فيكتور هوكو، وهو دور شيخوخته أي: من رجوعه إلى فرنسا سنة ١٨٧٠ إلى وفاته سنة ١٨٨٥

بعد أن أقام فيكتور هوكو في منفاه ثماني عشرة سنة عاد إلى باريس مع من عاد من أركان الحزب الجمهوري، واستقبله أحباؤه وأشياعه، وأنزلوه على الرحب والسعة، فحرر خطابًا بليغًا للألمانيين يحضهم فيه على الصلح وترك الحرب، وكان من رأيه السياسي وضع اتفاق بين الأمة الفرنساوية والبروسيانية وتقسيم البلاد بينهما؛ فلم يصغِ الألمانيون لخطابه وظلوا هاجمين حتى بلغوا خنادق باريس، وألقوا الحصار عليها، فترك فيكتور هوكو القلم من يده، وأمسك السيف، وانتظم في سلك الجنود المحافظين من الأهالي، ودافع عن أوطانه، وتألم بآلام إخوانه، ولما احتلت العساكر البروسيانية باريس هاجر منها أهلها، واتخذت الحكومة الجمهورية مدينة بوردو مركزًا لها عوضًا عن باريس، وانتخبت أيالة السين فيكتور هوكو مبعوثًا لها في مجلس النواب، فلما قام يخطب عارضه أصحاب اليمين، وأكثروا اللغط، وأبوا الإنصات له، فقال لهم: «منذ ثلاثة أسابيع رفض المجلس الإصغاء لغاريبالدي، واليوم يرفض الإصغاء لي فأقدم استعفائي».

وغاريبالدي هو من القواد الذين حاربوا لأجل استقلال إيطاليا، وهاجم رومة العظمى وانتزعها من يد البابا، وسلمها إلى ملك إيطاليا ليتخذها عاصمة للملك، فلما انتشبت الحرب بين فرنسا، وبروسيا دخل متطوعًا في العسكر الفرنساوي، ودافع عن فرنسا أشد المدافعة، فانتُخب مبعوثًا في مجلس النواب مع كونه طلياني الأصل، وكانت الأكثرية في المجلس من حزب الملوكيين والرهبانيين فاتهموه بالكفر والإلحاد لتجاوزه على رومة، ونزعه سلطة البابا منها؛ ولذا لم يصغوا لكلامه.

وفي ذاك التاريخ أعيد طبع كتاب «القصاص» نكالًا من حزب الإمبراطورية، وكان يباع بالمائة ألف نسخة معًا، ولما كان ابن فيكتور هوكو المسمى شارل في بوردو دخل عند صاحبة له يقضي ليلته، فتوفي فجأة في فراشها وحزن أبوه حزنًا شديدًا، فجاء بجثته إلى باريس، ودفنها يوم حدوث ثورة الكومين، وانعطف بالحنو والرأفة على ولديه الأصغرين وهما جورج وجان، وبالغ في دلالهما حتى أثر هذا الدلال في أخلاقهما، وأصبحت جان لا تستطيع معاشرة زوجها حتى طلقها لشدة ميلها إلى اللهو والخلاعة، وبعد وفاة شارل تزوج الموسيو لوقروا بزوجته لتربية الولدين لإحياء بيت فيكتور هوكو، فتبناه الشاعر وأحبه حبًّا شديدًا.

ولزم فيكتور هوكو الحيادة في المسائل السياسية لحزنه على ولده، وفلذة كبده. غير أنه لم يطق الصبر على ما شاهده من فظائع الرعاع، فلامهم على قلبهم العمود المنصوب لنابوليون الأول، كما لام حكومة فرسايل على إطلاقها القنابل على قنطرة النصر المنصوبة له، وبرأ نابوليون الأول مما جناه ابن أخيه على البلاد من الحرب التي جلبت عليهم الويل والدمار، وذهب هوكو في أثناء تلك المعامع إلى بروكسل وإلى لوندره، ونشر كتابه المعنون «بألسنة المهولة» وشدد فيه النكير على دخول الأجانب لفرنسا، وعلى الفظائع التي أجراها الرعاع والسفلة وهم الكومين.

ثم عاد فيكتور هوكو لباريس وأنشأ فيها جريدة سماها «الشعب الحاكم»، وجعل ثمنها خمسة سنتيمات لكل نسخة ليتمكن الفقراء من مطالعتها، ولم يهدأ بال الشاعر برجوعه لأوطانه، واجتماعه على أحبائه وخلانه إلَّا وأصيب بموت ابنه الثاني فرانسوا، فصبر على مصائب العمر ونكبات الزمان، وسلم الأمر لله؛ لأنه كان من الموحدين، وعكف على النظم والنثر فنشر سنة ١٨٧٤ قصة عنوانها «ثلاث وتسعون»، وتكلم فيها عن الانقلاب الفرنساوي الكبير، وفي سنة ١٨٧٥ انتُخب فيكتور هوكو عضوًا لمجلس الأعيان (سينا)، فجلس في نهاية أصحاب الشمال، ولم يتكلم في المجلس إلا قليلًا مثل طلبه العفو عن مجرمي الكومين؛ والكومين هم القوة المحزبة، أو الإدارة العرفية التي تتشكل في العاصمة وتحدث انقلاب الدولة، ويحصل بسبب ذلك من تعدي الرعاع وتسلط السفلة ما تقشعر من سماعه الجلود، وقد تأسست هذه الإدارة المرهبة في باريس مرتين إحداهما سنة ١٧٩٢ والأخرى سنة ١٨٧١، واستمرت هذه السنة من ١٨ مارس إلى غاية مايو، وجرى في أثناء ذلك كثير من التعديات والمظالم، فكان فيكتور هو يشير في المجلس بالعفو عما مضى ولم يظهر له اقتدار كبير في السياسة، ولا في فن الخطابة مثل غامبتا وأمثاله من فحول السياسيين، وإنما صرف كل قواه في الاشتغال بعلوم الأدب والتاريخ، ونشر «الأقوال والأعمال»، و«أولادي»، و«معرفة ما يكون به الإنسان جدًّا».

وفي سنة ١٨٧٧ نشر القسم الثاني من «سير الدهور»، و«الأملاك العمومية التي تدفع الرسوم»، ونشر من سنة ٧٨ إلى سنة ١٨٨١ أربع منظومات فلسفية وهي «البابا»، و«الرحمة العالية»، و«الأديان والدين»، و«الحمار».

وحاز في شيخوخته احترامًا كبيرًا وثروة عظيمة زادت على ثلاثة ملايين فرنك، ولما بلغ الثمانين من عمره احتفل به أهالي باريس احتفالًا عظيمًا، وزينت له المدينة في ٢٦ شباط سنة ١٨٨١، ووفد عليه المهنئون من جميع الولايات والنواحي، وأكثر الممالك الأجنبية فاستقبلهم وهو واقف بين حفيده جورج وحفيدته جان وكان مغرمًا في حبهما، وفي حب جميع الأطفال، وقد خصهم بالذكر في أشعاره وتغزل بهم؛ ولذا كان في جملة الوفود المهنئين وفد من أجمل الأطفال الصغار يحملون له باقات الأزهار، ولم يبق أحد في باريس إلا ومرَّ ببابه، وصاح جمهورهم بالدعاء له فوقف في نافذته وحياهم كما يحيي الملك شعبه، ودموعه تذرف من شدة التأثر والإشفاق، وكان مشاهير الرجال وأمراء الناس وأعيانهم كلما جاءوا باريس زاروه في داره وحضروا مجلسه، وكان في جملة من زاره إمبراطور البرازيل، فكان الاحتفال ببلوغه الثمانين من أجمل الاحتفالات التي لم يسبق مثلها إلا للشاعر الفيلسوف فولتير قبل موته بقليل.

ونشر فيكتور هوكو في آخر أيامه منظومة طويلة سماها «رياح العقل الأربع»، ورواية «توركماده»، والقسم الثالث من «سير الدهور»، و«أرخبيل بحر المانش»، وغير ذلك من الآثار التي نُشرت بعد وفاته، وسيأتي وصفها في أواخر هذا الكتاب.

ولما توفي فيكتور هوكو سنة ١٨٨٥ لبست باريس عليه أثواب الحداد، والتبس فيها الأمر على الغرباء حتى لم يعلموا هل القوم في مأتم عظيم أم في عيد كبير، وجيءَ بجثته فوضعت في تابوت عالٍ تحت قنطرة النصر بعد أن كُسيت بالسواد، وزينت بالأزهار والرياحين، واصطف الشعراء حولها صفوفًا، واحتاط بهم الفرسان يحملون بأيديهم المشاعل، وسهروا عليه طول ليلتهم والناس يمرون أمام تابوته أفواجًا أفواجًا، ولما أصبح الصباح اجتمعت الجموع، وزينت الصفوف، وكانت أكثر المدن الفرنساوية والممالك الأجنبية قد بعثت بالوفود والأكاليل، فحملوا الجنازة من تحت قنطرة النصر إلى البانتيون، وصار له مشهد لم يسبق لشاعر قبله ولا لفولتير، وكانت وصية هوكو أن لا يحضر جنازته راهب ولا أحد من الأكليروس وأن يدفن كالفقراء؛ ولذا كانت العربة التي حملوه عليها من عربات الفقراء لا تناسب دبدبة هذا الاحتفال، ولم يجر له احتفال ديني بل كان الاحتفال بجنازته أهليًّا. ا.ﻫ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١