الفصل الثاني

علمانية الضمير

عادة ما يُنظر إلى تحرر الضمير من قيود الدين المؤسسي كنتيجة للعلمانية التي سادت في عصر التنوير، لكنه قد يُعتبر أيضًا — على نحوٍ أكثر تناقضًا — نتيجة غير مقصودة للحماس الإنجيلي الشديد في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وكانت هجمات كالفن على الضمير شديدة القسوة؛ حيث صوره من ناحية ناقدًا قاسيًا على يقين من أن الجنس البشري لا يستحق الخلاص، ومن ناحية أخرى مَلَكَة تعاني من العقاب والخوف وتعجز عن أداء المهام الموكلة إليها وترتجف هلعًا أمام الله. ولم يقتصر تأثير نظرية كالفن اللاهوتية على تجنب نظم الاعتراف والتوبة الخاصة بالكنيسة المؤسسية، بل أيضًا على تجنب الضمير بوصفه أداة فعالة للخلاص، مفضلًا أن يوكل تحديد أمر الخلاص إلى مدى إيمان الفرد بالمسيح. وهكذا فقد نُزعت صفة المؤسسية تمامًا عن الضمير في البروتستانتية الإنجيلية، ولم يعد حافزًا مؤيَّدًا من الكنيسة لإصلاح الذات وأعمال الخير. لقد تُرك الضمير وحيدًا كأنه شخص يائس يعمل مستقلًّا، أو ممثل ارتجالي يتناوب استعطاف الله والشعور بخشيته، فأحيانًا ما يشن هجومًا على صاحبه وأحيانًا أخرى يعترف صاغرًا بعجزه.

لكن العلاقة الخاصة بين الضمير والمعتقد الديني المؤسسي لم تنتهِ تمامًا بالطبع، فالضمير لا يحظى بدعم كبير في الطوائف المسيحية المنظمة حتى الآن فحسب، بل إن الله يظل كيانًا ضمنيًّا غامضًا بوصفه راعيًا أو كفيلًا في العديد من نظم الإيمان المعاصر التي تبدو علمانية. وحتى في وقتنا الحالي ما زالت العديد من المواقف المتعلقة بالضمير التي لا يناشَد فيها الله مباشرة تعتمد على التفويض الإلهي بوصفه قضية غائبة أو عقوبة نهائية. ومع ذلك، فعلى الرغم من أن الإله قد يوجد في مكان ما في جنبات المسرح المعاصر للضمير، فإن المشاركة الإلهية تتزايد النظرة إليها بوصفها «مرحلة أخيرة» أو إقرارًا رسميًّا لا نصل إليه أبدًا، مثله في ذلك مثل الأنواع الأخرى من المراحل المنطقية الأخيرة.

وقد أدى تفكك الروابط بين الشعائر الدينية والضمير الفردي إلى إيجاد وضع ملائم لظهور ضمير أكثر «دنيوية»، أو لعلنا نستطيع أن نقول «إعادة ظهوره»، فرغم كل شيء كان الضمير لدى الرومان اجتماعيًّا أكثر منه دينيًّا في بدايته، وهكذا فإن رؤية الضمير على أنه كيان مستقل جزئيًّا أو حتى كليًّا عن الوازع الديني كانت دائمًا مطروحة وموجودة. ومنذ أواخر القرن السابع عشر، بدأ الضمير العلماني في التنافس بشكل عملي مع الضمير المسيحي على التأثير على تنظيم شئون البشر.

لكن إذا كان الضمير سيعمل دون مساعدة الكنيسة المؤسسية وتحكيمها، ودون أن يحظى بمركز مضمون كمبعوث من الله، فإنه سيتعرض لخطورة التقليل من شأنه واعتباره شخصًا فضوليًّا متطفلًا أو واشيًا أو متعسفًا سليطَ اللسان. ويلزم للحفاظ على الضمير العلماني للأبد إعادة تأسيس المفاهيم وإعادة منحه سلطات واسعة كي يتمكن من التأثير في العالم. وقد تطورت مهمة إعادة منح السلطات على مستويات ثقافية متعددة وبدرجات مختلفة من الشدة، لكن قدرًا كبيرًا من العمل الشاق التوضيحي أُلقيَ على عاتق مجموعة متعاقبة من فلاسفة التنوير وكتَّاب المقالات ورجال الدين البارزين.

فصل الضمير عن الكنيسة

تلقى تحرير الضمير من إشراف أي طائفة دينية زخمًا منذ وقت مبكر من مناقشات القرن السابع عشر حول التسامح الديني المتسع مع مجموعة من المعتقدات الدينية. وكانت تلك المناقشات عادة توحيدية إلى حدٍّ بعيد، مثل «بحث عن السلطة المدنية في القضايا الكنسية» لجون ميلتون، لكن تلك المناقشات من أجل حرية الاختيار الديني والاعتقاد الديني أوجدت خلفية مناسبة للحرية الفكرية الموسعة من كل الأنواع، بما في ذلك الحرية المتزايدة للضمير.

ويظهر اتساع كبير للمناقشة في اتجاه الحرية العقلية في كتابات جون لوك بدءًا من رسالته التي تحمل عنوان «خطاب حول التسامح الديني» (١٦٨٩). ونظرًا لأن حجته في هذه الرسالة تنشأ عن القلق بشأن التعصب بين الطوائف المختلفة للدين المسيحي، فإنها من الصعب أن تعتبر نصًّا ضد الدين أو غير ديني. ومع ذلك فهي تقدم منظورًا واسعًا عن طريق تأسيس دفاعها عن حرية الضمير الديني على مفهوم الحقوق الطبيعية. ويتمثل اقتراح لوك في أن الصراع الطائفي الذي عانت منه إنجلترا مؤخرًا كثيرًا وكان ذا نتائج كارثية، لن يهدأ ما لم «تُجبر الكنائس على جعل التسامح الديني أساسًا لتحررها وتعليم الناس أن حرية الضمير حق طبيعي لكل فرد منهم أو من المنشقِّين على حدٍّ سواء». وعلى الرغم من أن الصراع الديني هو موضوع لوك، فإنه لا يقصر ما خلص إليه من نتائج على هذا المجال، بل إنه يرى أن النتائج المتعددة للضمير يجب أن تُعتبر طبيعية وألا تُمَس سواءٌ عن طريق السلطة المدنية أو السلطة الدينية لكنيسة معترف بها أو مسيطرة. وتظل الممارسة الدينية مجالًا خاصًّا من مجالات الضمير، لكن القانون المدني تتاح له ممارسة حقوقه ومسئولياته في هذا الشأن. وتعد الحدود بين الممارسة الدينية وإشراف الدولة ضبابية، حيث يظل الفرد المسيحي الذي يدفعه الاعتقاد الديني إلى انتهاك القانون المدني معرضًا للعقوبة المدنية وعليه أن يتقبل تلك العقوبة بوصفها نتيجة لاختياره أو لأفعاله. وما زال الإله حاضرًا في مكان ما في هذا الخليط، لكن القانون المدني بدأ يستأثر بالسلطة عن جدارة، ممليًا قواعد التسامح الديني والسلوك القويم. وكما تصور رسالة «خطاب حول التسامح الديني»، فإن هذا الضمير المختلط لا يمكن وصفه بأنه يعمل بطريقة «علمانية» تمامًا. وعلى الرغم من ذلك فإن لوك يضع نظامًا للاستخدام السليم للضمير في مجتمع يحكمه القانون المدني، وهو نظام يأخذ في الاعتبار رؤية الضمير بوصفه محفزًا من قِبل الله، لكنه لا يصر على مثل هذا التحفيز كي يعترف به ضميرًا.

وفي مقاله بعنوان «مقال عن الفهم البشري» (١٦٩٠) يعود لوك إلى موضوعات مشابهة في إطار أكثر علمانية وإثارة للجدل، ويفترض صورة مختلفة من القواعد للضمير، وهي أن يحكمه سمو العقل البشري واستخدامه. وهو يرفض الادِّعاءات غير المدروسة بأن الضمير ينبع من الإيمان الفطري (الذي يولد به الإنسان) أو أنه هدية مرسلة من الوحي الإلهي (أي إن الله هو من أرسله)، بل يذهب إلى أن العقل هو الحكم الذي يفصل في شرعيته، وعليه أن يفصل في ذلك الأمر بدلًا من ادِّعاء الوحي الإلهي. وهو لا ينكر إمكانية التنوير الإلهي المباشر، لكنه يؤكد أنه إذا أخفق ذلك التنوير في اجتياز اختبار العقل، فإن الادِّعاء بوجوده يصبح موضع ارتياب. وعلى أية حال، فالوحي الإلهي ليس المصدر الرئيس للقيم الأخلاقية، لكنه يؤكد قائلًا:

بنفس الطريقة التي يعلم بها كثير من الناس عن أمور أخرى، فهم يوافقون على العديد من القيم الأخلاقية ويقتنعون بالالتزامات التي تمليها عليهم. وقد يتفق معهم في الرأي آخرون من نفس التعليم والجماعة وعادات البلاد والذين تساهم معتقداتهم — أيًّا كانت الطريقة التي توصلوا بها إليها — في حث الضمير على العمل، وما هي إلا آراؤنا أو أحكامنا الخاصة عن الاستقامة الأخلاقية لأفعالنا أو فسادها.

وعلى الرغم من اختلافه مع توماس هوبز في معظم النقاط، فقد كان لوك يوافق على أن الضمير قائم على «الرأي»؛ ومن ثَمَّ فإنه لا يمكن أن يكون موحدًا أو متسلطًا بالضرورة في إملاءاته. ويبدو أن مسألة كون أحكام الضمير اليقظ غير كاملة ومرتبطة بالثقافة — وليست تامة أو فطرية — كانت واضحة له من خلال الملاحظة. وهو يستشهد بأمثلة مكررة معظمها بأسلوب ميشيل دي مونتين، والتي يترك الناس فيها أطفالهم الرضع في العراء لقتلهم أو يربونهم لأكل لحومهم وما إلى ذلك، ويستنتج من تلك الأمثلة أنه «إذا كان الضمير برهانًا على المبادئ الفطرية، فقد تكون مخالفة المبادئ المتفق عليها من المبادئ الفطرية، حيث إن بعض الناس يرتكبون من الأفعال ما يتجنبه آخرون بنفس الوازع من الضمير». وهو يؤكد مرارًا وتكرارًا على أننا نواجه «جرائم منكرة تُرتكب بلا ندم»؛ مما يوحي بأن الضمير ليس شيئًا واحدًا بالنسبة لجميع الأطراف ولا يمكن أن يصبح كذلك.

ولذلك فهو لا يثق «بالمتعصبين» الذين يسعون إلى فرض الاستنتاجات الخاصة بمعتقداتهم المتطرفة أو غير المتسامحة على الآخرين، ومهما كان المتعصب مقتنعًا بأن آراءه نتاج التنوير الإلهي، فمن المحتمل أن يجد الآخرين من ذوي المعتقدات المشابهة رغم اختلافها قليلًا يعارضونه:

إذا كان الضوء الذي يظن كل شخص أنه يحمله في عقله — وما هو في تلك الحالة إلا قوة اقتناعه — دليلًا على كونه من عند الله، فإن الآراء المعارضة لها نفس الحق في أن تُعتبر وحيًا، ولن يكون الله أبا الأنوار فحسب، بل أيضًا أبا الحقائق المتعارضة والمتناقضة.

وهو يستنتج من ذلك أن أي وحي مزعوم يجب تقييمه بِناءً على أسس معينة غير الاقتناع العاطفي، ويجب أيضًا باختصار أن «يُحكم عليه بالعقل». وغالبًا قد نجد عند البحث أن آراء أكثر الناس اقتناعًا «لم تُبْنَ على العقل أو الوحي الإلهي، لكنها تنشأ عن أوهام عقل متحمس أو متعجرف …». والعقل — وهو صورة من التجلي الطبيعي — هو الترياق الصحيح لتلك الأوهام شديدة التطرف، ويجب أن نفضل النتائج التي يتوصل إليها.

شهد لوك شخصيًّا الصراعات البيوريتانية-الأنجليكانية والصراعات البرلمانية-الملكية في إنجلترا في القرن السابع عشر، وهي سلسلة من الصراعات ادَّعت فيها أطراف شديدة التطرف ذات قناعات راسخة على حدٍّ سواء أن الضمير هو دليلها. ولما كان لوك يحتقر ادِّعاءات التنوير غير المدروسة وقدسية القناعات المطلقة، فقد شكل رؤية للضمير لا تعتمد فيها ممارسته أو تقييمه النهائي على العقاب الإلهي بأي حال من الأحوال، رغم تقبلها لإمكانية أن يقدم العقاب الإلهي دليلًا مؤيدًا للضمير. وبعد لوك، قد تدَّعي أي رؤية للضمير امتلاكها للتفويض الإلهي أو لا تدَّعي ذلك، لكن الأكيد أنها ليست مضطرة لبناء دعواها للاهتمام الأخلاقي على أيٍّ من تلك الادَّعاءات. ولأول مرة منذ عصر الرومان يعود الضمير للعالم، وتُعَد دعائمه الأساسية العادات والإجماع واستخدام العقل.

ثمة مكسب وخسارة هنا، حيث تتمثل الخسارة في أن فصل الضمير عن الوحي الإلهي وتحويله إلى ضمير متحيز يعتمد على الظروف ويخضع لاختبار العقل يجعل لوك ينتقص من سلطته المؤكدة، أما المكسب فيتمثل في ترسيخ الضمير بوصفه نظامًا محدودًا لكنه مؤثر لصنع المعاني في النطاق الأوسع من الشئون الإنسانية. إنه ضمير واضح لا مركزي؛ ضمير مجرد من غلافه من العصمة الزائفة من الخطأ، لكنه أيضًا ضمير مستعد للدخول في منافسة قوية في حلبة السلوك الدنيوي.

تبع لوك في بعض الجوانب أنتوني أشلي كوبر، الإيرل الثالث لشافتسبيري، الذي كان يؤمن بأن الناس يملكون «حاسة أخلاقية» فطرية، حتى وهو يرى أن تلك الحاسة قابلة للحكم عليها وتصحيحها عن طريق العقل. وفي كتابه الذي يحمل عنوان «خصائص البشر والأشياء والآراء والعصور» (١٧١١–١٧١٤)، وضح مفهوم «العاطفة الطبيعية» الذي يدعمه الاستبطان الذاتي بوصفه أساسيًّا للسلوك البشري. ويلقي شافتسبيري مسئولية ذلك الاستبطان على عاتق الضمير، وهو ملكة تحدد السلوك الذي يستحق العقاب، ويجب تمييزها عن حساب المرء البسيط لمصالحه الشخصية. والضمير بهذا التعريف شيء مشترك بين الجميع؛ فحتى مرتكبو الشر في رأيه يدركون أنهم يستحقون الشر في مقابل ذلك. وهو يعلق بموضوعية إلى حدٍّ ما قائلًا إن الضمير قد يُفهم على نحو أخلاقي أو ديني، لكنه يجد أن الضمير الديني يعتمد على الضمير الأخلاقي أو الفطري، وهكذا فهما لازمان له كي يعمل. ولأننا لدينا ما يجعلنا نخشى العقاب الإلهي عندما نعلم بالفعل أننا قد ارتكبنا فعلًا يستحق اللوم، فإن تقديرنا لأفعالنا له الأولوية على أية مخاوف قد نشعر بها حول الغضب الإلهي، أي إن تحديد السلوك الذي يستحق اللوم أمر شخصي خاص بنا يرتكز على معايير التقييم الفطري. ويُصوَّر الإله مُشاهدًا لعملية التقييم الذاتي التي نقوم بها؛ أو «كيانًا مُفترَضًا» يستحق التوقير بالفطرة، لكنه ليس طرفًا فاعلًا ذا شأن في العملية نفسها:

ومع ذلك، فإن [للضمير] قوته التي يستمدها من الانحراف الأخلاقي للأفعال وبشاعتها مع الاحترام الكامل للحضرة الإلهية والتوقير الفطري المستحَق لهذا الكيان المفترض. ففي مثل هذا الخيار يجب أن يكون للخزي الناتج عن الشر أو الرذيلة قوته المستقلة عن الخوف الزائد من مثل هذا الكيان وتوزيعه للثواب والعقاب في المستقبل.

وعلى الرغم من أن شافتسبيري يتحدث بقدر كبير من الاحترام الظاهر عن هذا الكيان، فإنه أيضًا يبذل جهدًا كبيرًا كي يبعده عن أي دور مهم، فهو يرى أننا نتخذ قرارنا النهائي بشأن أفعالنا «باستقلالية» عن قدرات الله المسيطرة الخاصة بالثواب أو العقاب. وفي حقيقة الأمر فإن الدين قد يكون له تأثير مشوه في نظام شافتسبيري، مثلما يحدث عندما نرتكب فعلًا يستحق العقاب نتيجة «لأية أوامر مزعومة من السلطات العليا». وبالإضافة إلى ذلك، فهو يؤكد أن تلك السلطات غير ضرورية سواءٌ للحث على أداء فعل ما أو تقييمه، بل إنه يقول أيضًا: «إذا ما استبعدنا كل الأفكار والشكوك في أي سلطات عليا للأبد»، فإن المذنبين سيظلون يعاقبون من وجهة نظرهم، حتى ولو كان ذلك بالمعنى الثانوي أو غير المباشر المتمثل في تعريض مصلحتهم أو سعادتهم للخطر. وعلى الرغم من أن ضمير شافتسبيري يصنف مع مفردات التوحيد المخففة إلى حدٍّ ما، فإنه ضمير دنيوي وعلماني تمامًا — يقيَّم من خلال التفاعل الاجتماعي ويعتمد على مفهوم الخزي الشخصي.

وقد كان لشافتسبيري بدوره تأثير كبير على جوزيف بتلر؛ وهو رجل دين تناول المسائل المتعلقة بالضمير في مؤلفه «خمسَ عشْرةَ موعظة ألقيت في كنيسة رولز» (عام ١٧٢٦). وعلى الرغم من أن سمعته قد تراجعت، إلا أنه قد يعتبر أكثر الخطباء شعبية في موضوع الضمير في إنجلترا في القرن الثامن عشر، وبالطبع أثرت آراؤه في الآراء السائدة عن الضمير والتي استمرت في القرن التاسع عشر وما زالت موجودة حتى اليوم. وهو يعترف بخشوع أن الضمير هبة من الله أو مَلَكة «غرسها بداخلنا حاكمنا الفعلي» و«خصصها لنا خالق طبيعتنا»، لكن يبدو أن تلك الهبة ما إن تُمنح حتى تتوقف عن الاعتماد على الله في استمرار أدائها لعملها. والضمير لدى بتلر هو صورة من «التفكير … واستحسان بعض المبادئ أو الأفعال واستنكار البعض الآخر». ويكمن هذا الضمير في طبيعتنا، ويجب أن يتيح عمله الصحيح غير المشوه لأي شخص تفضيل «الإنسانية على القسوة» باعتبار ذلك أمرًا طبيعيًّا.

وفي تحوُّل ذي مغزًى عن النظريات اللاهوتية الإنجيلية السابقة التي كانت تَعتبر الضمير هو ناموس الله المكتوب في قلب الإنسان، يرى بتلر أن هناك العديد من النزعات مكتوبة في قلوبنا — بعضها إلى الخير والبعض الآخر إلى الشر — ويضع الضمير في موضع الملَكة التي تقوم بوظيفة «الشاهد» على نزعاتنا وتتيح لنا التمييز بينها. وفي رأيه أن الأحكام التي تصدرها ضمائرنا جديرة بأن «تُدعَم وتؤيَّد» من الله، لكنه يعطي الله دورًا تقنيًّا أو تمهيديًّا فحسب، بالإضافة إلى التأثير الإضافي الذي تثيره رغبتنا الطبيعية في استحقاق رأي الله الإيجابي فينا (مثلما يرى شافتسبيري). وفي مزيد من التقييد للسبل التي يؤثر بها الله على قراراتنا الأخلاقية، يعارض بتلر أي «استبداد» للمؤسسات الدينية على الضمير. وعلى الرغم من أنه يؤمن بأن المؤسسة الدينية ضرورية لإنشاء الحكومة المدنية، فإنه يحاكي لوك في التماس التسامح الديني وعدم التدخل في شئون الضمير:

أي مؤسسة دينية بلا تسامح ديني تعتقد أنها لا يمكنها في قرارة نفسها الالتزام به هي في حد ذاتها دكتاتورية عامة؛ لأنها تزعم امتلاك سلطة مطلقة على الضمير، وسرعان ما تتسبب في أصناف أخرى من الاستبداد من نوع أسوأ.

قد يبدو أن بتلر يكرر قول كالفن فيما يتعلق بسوء الظن في سيطرة المؤسسات الدينية على الخيار الفردي، لكن بنغمة من الواضح أنها مختلفة. إلا أنه لا ينتقد القوة الجبرية للكنيسة فحسب، بل إنه أيضًا يتقدم إلى موقع كان ليفزع البروتستانتيين الإنجيليين السابقين عن طريق تقييد الاتصال بين الله وقلب الفرد المسيحي؛ ومن ثَمَّ تأسيس الاختيار على العقل وليس الوحي. ويعتقد بتلر أننا نعبر عن توقيرنا لله من خلال ممارسة سلطاتنا في الاختيار العقلاني، وهو موقف يدل على الإيمان بالله بالفعل ما كان أيٌّ من الإنجيليين ليعتبره دينيًّا على الإطلاق.

الضمير والإجماع الاجتماعي

أكد أهم فلاسفة القرن الثامن عشر تأكيدًا متزايدًا على مفاهيم العقل والعاطفة، وأخيرًا الإحساس، في الأمور المتعلقة بالاختيار الأخلاقي. إلا أن أي اختيار أخلاقي يتم بالكامل داخل عقل صاحبه يظل عرضة للدوران في حلقة مفرغة وعرضة للسفسطة. والعقل وحده — أو حتى بعد تطبيقه على الدليل التجريبي — غير كافٍ لمراقبة عمل الضمير، وخاصة عند تطبيقه بواسطة الفرد المستقل، فهو يظل عرضة للخطأ أو للتأثر بالمصلحة الشخصية عندما يُستخدم في غياب سلطة خارجية أو قيد. وإذا كان ذلك القيد لن يوفره إله متدخل بقوة، أو توفره أوامر الدين — ويعتقد كلٌّ من لوك وشافتسبيري أنه يجب ألا يحدث ذلك — فإن الميل نحو القواعد الاجتماعية والإجماع يوفر أساسًا بديلًا لنظرية السلوك الأخلاقي.

وقد تناول إيمانويل كانت هذه الفكرة باختصار مقتصد في كتابه الذي يحمل عنوان «ميتافيزيقا الأخلاق» (١٧٩٧). ومن وجهة نظره، فالضمير يدير «محكمة داخلية في الإنسان»، مخاطبًا إياه بصوت لا يملك حتى الفاسد إلا أن يستمع إليه، وهذا الصوت يعبر عن نزوع الإنسان لإصدار الأحكام، وهو مندمج في كيان الإنسان نفسه، لكن المشكلة في ذلك الصوت وفي المحكمة الداخلية بالكامل أن المرء لا يمكنه الحكم على نفسه بموضوعية، ولا يمكنه أداء أدوار المدَّعي وهيئة المحلفين والقاضي الحاسم دون أن يحدث تضاربٌ في المصالح. ونظرًا لصعوبة تقييم المرء لسلوكه، عليه أن يضمن وضعًا مميزًا خارج نطاق الاختيار الشخصي يمكن تقييم هذا الخيار منه. والحل الذي يقترحه كانت هو القول بأنه على الرغم من أن مسألة الضمير تخص المرء وحده، فإن نتائجها يجب أن تُعتبر كما لو كانت خاصة بشخص آخر:

نظرًا لأن المهمة التي تقع على عاتق ضمير المرء هي أن يفكر في شخص آخر بخلاف ذاته … بوصفه حَكمًا لأفعاله حتى لا يتعارض الضمير مع نفسه.

وهذا «الشخص الآخر» في النهج الذي يسير عليه كانت قد يكون حقيقيًّا أو مجرد شخص خيالي ينسجه العقل من وحي خياله، ويعد أعظم تجسيد له هو الله، لكن بوصفه مبدأً شخصيًّا وليس كيانًا مستقلًّا بذاته:

يجب أن يعمل ذلك الشخص الخيالي (الحَكَم المعتمد للضمير) على تحري القلوب، فالمحكمة قد نصبت «داخل» الإنسان، لكنه أيضًا عليه أن «يفرض كل الالتزامات»، أي أن يكون — أو يعتبر — شخصًا تنسب إليه كل الواجبات أيًّا كانت باعتبارها أوامره … ولما كان ذلك الكيان الافتراضي كليُّ القدرة هو الله، يجب أن يُعتبر الضمير هو المبدأ الشخصي المسئول أمام الله عن كل أفعال المرء.

وعلى الرغم من ذلك فهو يؤكد أن هذا مبدؤنا، ونحن ننشئه بأنفسنا: «في حقيقة الأمر فإن المفهوم الأخير متضمن دائمًا … في الوعي الذاتي الأخلاقي الخاص بالضمير.» وعلى الرغم من أننا نجتهد داخليًّا كي ننشئه، فإن هذا المفهوم النقدي يعتمد على مواد خارجية عن أنفسنا؛ ومن ثَمَّ فإنه وسيلة يتدفق بها الإجماع الاجتماعي والقيم الجماعية المشتركة عائدين إلى تقييم الاختيار أو الفعل الشخصي.

«محكمة» الضمير

في محكمة إنجلترا العليا التي يُطلق عليها أيضًا محكمة الضمير، يمكن دراسة كل وقائع القضية بقدر أقل من الإجراءات القانونية الشكلية. وهذا الارتباط بين المحكمة والضمير له إيحاءات عديدة. وأيًّا كانت نقائصه (اقرأ «المنزل الكئيب»!) فإن نظام العدالة في أفضل حالاته — مثله مثل الضمير في أفضل حالاته — يسعى إلى تحقيق التوازن بين الصرامة والرحمة. وقد كثرت التشبيهات القضائية على مدى تاريخ الضمير، حيث وظف الضمير مفاهيم الدفاع والمقاضاة وحكم المحلفين والحكم النهائي لتوضيح إجراءاته.

كان الضمير لدى الرومان وثيق الارتباط بالمحاكمات القضائية، ففي أحد مرات ظهوره الأولى في المسيحية يبدي الضمير استعداده «للشهادة» على صفاتنا الداخلية (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس، الآية ١٢ من الإصحاح الأول). ويتخيل كالفن والبروتستانتيون الأوائل الضمير شاهدًا ملكًا لا يعرف الصفح يلقي القبض على المذنبين و«يسحبهم بوصفهم متهمين إلى قفص المحاكمة أمام الله.» وينقل السير توماس براون الدعوى القضائية إلى الداخل، متخيلًا «محكمة قائمة داخلنا تقوم بالاستجواب وتصدر أحكام البراءة والإدانة في محكمة الذات». ويضيف جوناثان سويفت إلى الاستعارة قائلًا إن الضمير «يمكن أن يطلق عليه بدقة مدعيًا وقاضيًا في الوقت ذاته»، وفي حقيقة الأمر هو ليس مجرد مدعٍ، لكنه مدعٍ مخيف، «فعندما يتهمنا ضميرنا نكون بالطبع مذنبين». ويرى إيمانويل كانت الضمير أيضًا قاضيًا، لكن مخاوفه تكمن في الاتجاه المضاد، فهو يخشى أن تشجع المصلحة الشخصية على التساهل الزائد: «فإذا اعتبرنا أن ثَمَّةَ إنسانًا يتهمه ضميره وهو في الوقت ذاته القاضي، فتلك طريقة عبثية لتمثيل المحكمة، فبهذه الطريقة سوف يخسر المدَّعي طوال الوقت.» ويتمثل الحل لديه في إعادة تسوية الملعب عن طريق دعوة صاحب الضمير إلى أن يفكر في «شخص آخر غير نفسه كي يكون حَكمًا على أفعاله».

إن الضمير مثل السلطة القضائية المستقلة؛ فلا نستطيع أن نتأكد من حكمه أبدًا، لكنه يمثل غاية آمالنا لجلسة استماع عادلة والحصول على البراءة في نهاية الأمر.

كان الشخص الذي وضع كل ذلك على أساس اجتماعي بطريقة لطيفة، وهو أساس لا يحتاج إلى إنكار مشاركة الله في الشئون المتعلقة بالضمير لكنه لا يتطلب إطلاقًا حضور الله — هو الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث. كان سميث معاصرًا لكانت وأصغر منه قليلًا، ويمكننا أن نجد نموذجًا سابقًا لنظرةِ كانْت للضمير بوصفه مشاهدًا موضوعيًّا في كتاب سميث الذي يحمل عنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية» (١٧٥٩)، وهو عمل كان كانت قد اطلع عليه بالطبع. ويعتبر سميث زعيم التغيير الجريء في أي تاريخ ناشئ للضمير؛ حيث وسع من مجاله عن طريق إعادة تأسيسه بِناءً على الحكم الأخلاقي والتعبير عن نظام للضمير مستقل تمامًا عن العقوبة الدينية. ولا يستبعد سميث الإله تمامًا من نظامه، لكنه يقدمه في صورة ضعيفة لا تتيح له السيطرة مستقلًّا فيما يتعلق بأحكام السلوك البشري، وهو يقر بأن حتى المشاهد الموضوعي — أو «نصف الإله الذي يكمن داخل النفس» — أحيانًا ما يخجل من الاستنكار العام لأفعال المرء.

وفي تلك الحالات، يكمن العزاء الفعلي الوحيد للإنسان الذليل المعذَّب في الاستئناف أمام محكمة أعلى، أمام قاضي العالم البصير بكل شيء الذي لا يمكن خداعه أبدًا.

لكن الأساس الذي يرتكز إليه إيماننا بذلك الإله يتطلب المزيد من البحث، حيث يقول سميث إن فكرة وجود عالم مستقبلي تصدر فيه الأحكام على نحو صائب بواسطة إله معصوم «تتملق عظمة الطبيعة البشرية» إلى حدٍّ لا يمكننا فيه أن نستغني عنها، أي إنه لا يصرِّح بالضبط لكنه يلمِّح إلى أن تلك النظرة الباعثة على العزاء لإله معصوم اختراع بشري. وهي في الحقيقة مسألة تتعلق بالأولويات، حيث تتقدم أفكار الإنسان عن المساءلة البشرية على أفكاره عن الإله وترشدها:

يجب عليه [الإنسان] أن يعتبر نفسه عرضة للمساءلة أمام رفاقه من البشر قبل أن يكوِّن فكرة عن الإله أو عن القوانين التي يستخدمها ذلك الرب في الحكم على سلوكه.

وقد سبق سميث كانت في القول بأننا «نحاول مراقبة سلوكنا كما نتخيل أن أي مُشاهد آخر عادل موضوعي قد يراقبه». وهذا الفحص الذاتي التأملي لم يخرج ببساطة من عقل الإنسان، لكنه بدوره اجتماعي: «فالإنسان وحده» كما يؤكد سميث «لا يمكنه التفكر في سلوكه»؛ وبِناءً على ذلك فليس الله أو العقل الفطري هو ما يقدم معيارًا للتقييم، لكنه المجتمع ووضع المرء فيه: «أدخله في المجتمع، وسوف يزود في الحال بالمرآة التي طلبها من قبل.» ويعد كيان المرء الأخلاقي مزدوج التكوين، حيث يتكون من الفرد وبالقدر ذاته من الآخر. وهو يقول بشأن الحكم على السلوك الشخصي:

إنني أقسم نفسي — إذا جاز التعبير — إلى شخصين … فأنا الباحث والقاضي أمثل شخصية مختلفة عن تلك الأنا الأخرى؛ أو الشخص الذي يخضع سلوكه للفحص والحكم. والأول هو المُشاهِد الذي أحاول مشاركته رأيه فيما يتعلق بسلوكي عن طريق وضع نفسي في موقفه وتخيُّل كيف كان الموقف سيبدو بالنسبة لي … وأما الثاني فهو الفاعل أو الشخص الذي أطلق عليه نفسي حقًّا والذي أحاول تكوين رأيٍ ما في سلوكه وأنا في ثوب شخصية المُشاهِد.

أُعيدَ تعريف الموضوعية حسب فهم سميث بأن ذاته الثانية تتحدث من منبر اجتماعي أكثر اتساعًا، يمثل المنظور الواسع ﻟ «رجل الإنسانية في أوروبا» الذي يمتلك في حوزته إجابات نموذجية موحدة. وهنا تقابلنا مشكلة، وهي أننا اليوم نشك في وجود مثل هذا الشخص، أو أنه حتى لو وُجد مثل هذا الشخص ذي الحس الإنساني المثالي، فإننا نشك في أن تعليمه ونوعه والمعايير الغربية التي يرجع إليها تؤهله بالضرورة كي يكون حَكمًا نهائيًّا على كل المواقف الأخلاقية التي تنشأ في عالم متغاير. ويبدو اقتراح سميث بأن «نفحص سلوكنا بالطريقة التي نظن أن أي مُشاهِد آخر عادل موضوعي قد يفحصه بها» جذابًا في تعهده بالرقابة الذاتية، لكن ذلك «المُشاهِد الموضوعي» يبدو عند الفحص إلى حدٍّ بعيد امتدادًا لقيم سميث الخاصة ويقل اعتباره وجهة نظر جديدة موضوعية لا غبار عليها. واستكمالًا لتلك السلسلة المهمة، تعد افتراضاته المطمئنة حول سهولة الوصول للموضوعية الكاملة غير مقنعة من وجهة نظر علم النفس الحديث أو علم الأخلاق الحديث.

وعلى الرغم من تلك الاعتراضات، فإن محاولته البحث عن معيار معتدل داخل الذات وخارجها، بالإضافة إلى تهذيب الميل الفردي بما يتفق مع حكم الإجماع الاجتماعي، تظل جديرة بالثناء. ولا تعد وجهة نظره مبالغة أو عاطفية على نحو مفرط، فما زال بإمكان ضميره الخدش والعض وقيادة الفرد نحو الإصلاح الذاتي كما فعلت ربات الانتقام بعد أن استيقظن في مسرحية أورستيا. وهكذا، فحتى من يرتكب جريمة في السر سوف يصدر على نفسه حكمًا معارضًا لوجهة نظر المشاهد الموضوعي: «فتلك الآلام الطبيعية للضمير الخائف هي الشياطين، أو ربات الانتقام، التي تطارد المذنبين في الحياة الدنيا.» وعلى الرغم من إدراك سميث للضمير بوصفه أمرًا متعلقًا بالشعور المرهف، فإنه يقدم وصفًا رائعًا لضمير يطمح إلى تأديب الذات، ضمير قوي يميل إلى التدخل ويشغل نفسه بالعواقب.

مشكلة المبادئ الأخلاقية العامة

يرفض فلاسفة التنوير المفهوم الضيق للضمير ويفتحون مجال البحث فيه لآفاق الإجماع الاجتماعي الأكثر اتساعًا، وهذا المنظور الواسع ضروري لتكوين تصور سليم عن الضمير، على الرغم من أنه يمثل صعوبة جديدة. فعن طريق قطع الصلة بين الدين والضمير تمامًا وإعادة ترسيخ الضمير في الإجماع الاجتماعي، يخاطر سميث وآخرون يشاركونه نفس الرأي بترك الفرد حي الضمير تحت رحمة تحيز الجمهور غير الخاضع للمساءلة. ومع ملء المبادئ الأخلاقية العلمانية للفراغ الذي خلقه الدور المتناقص لله وللدين في رعاية الضمير، ينشأ احتمال أن ينجرف الخيار الأخلاقي بتيار من الآراء الخارجية غير المفندة. وكان أساس الاحترام الأحدث للضمير وجوده نصيرًا للفرد المنعزل خلافًا للآراء الثابتة الإلزامية، وهكذا فمن الصعب أن يقنع المرء برؤية الضمير بوصفه مجرد تفسير لما «يعتقده الجميع». وقد تولى كلٌّ من لوثر وأبطال الإصلاح البروتستانتي الآخرين الدفاع عن حقوق الضمير الفردي أو حتى المنحرف (فيما يتعلق بالآراء السائدة) في مواجهة أشكال العبادة الثابتة ومؤسساتها على نحو رائع وفعال، لكن ما زال الخلاف التالي دفاعًا عن حقوق الضمير الفردي في مواجهة الآراء الراسخة في مجتمع علماني لم يحسم بعد.

بدأ ذلك المأزق يظهر في القرن التاسع عشر عندما انتشرت آراء في الضمير — بعضها متزمت والبعض الآخر عاطفي وشائع — في المجتمع المدني. وتبدو الرواية في القرن التاسع عشر أحيانًا مسرحًا رائجًا للضمير يستخدم فيه هذا المفهوم بكفاءة بوصفه آلية للحكم على الخيارات والأفعال في المجتمع الإنساني. وبوصفها قالبًا اجتماعيًّا، فإن الرواية مناسبة تمامًا لتناول مشكلة الضمير في المجتمع وميله لأن يتخذ دائمًا دور المؤيد للمبادئ الأخلاقية المتعارف عليها.

عندما كان بيب الصغير في رواية «آمال عظيمة» على وشك أن يسرق طعامًا ومبردًا من أجل ماجويتش الهارب كان لديه ضمير كهذا، ضمير يسبب له الكثير من المتاعب لكنه أداة أكثر تبلدًا وتقليدية من أن تكون ذات نفع له في تحليل ورطته. فبعد أن أخفى شريحة من الخبز في جيب سرواله كي ينجز المهمة التي كُلف بها، تعرض للهجوم بعنف:

يعد الضمير شيئًا رهيبًا عندما يتهم رجلًا أو طفلًا، لكن في حالة الطفل فعندما يتعاون هذا العبء الخفي مع عبء خفي آخر مخبأ في جيب سرواله، يعد ذلك عقابًا كبيرًا (ويمكنني أن أشهد بذلك).

وفي طريقه لتأدية مهمته، يجد نفسه متهمًا من كل ما في الطبيعة ويغرق في الهلاوس:

اعترضَ طريقي ثور أسود يرتدي ربطة عنق بيضاء — وكان له بالنسبة لضميري المستيقظ سيماء كهنوتية — ورمقني بثبات بعينين متصلبتين … حتى إنني انتحبت قائلًا: «لم يكن بوسعي فعل شيء يا سيدي، فلم آخذه لنفسي!»

وبالتأكيد كان بيب سيغدو أفضل حالًا بلا ضمير متمسك بالعرف كهذا على الإطلاق، فهو متشبع تمامًا بمبادئ أخلاقية عامة غير ناقدة وطائشة، حتى إنها تعوق قدرته على تحليل الموقف الغامض الذي وضع فيه بدلًا من أن تحسن منها.
fig4
شكل ٢-١: شخصية جيميني كريكيت تلهو بشارة الضمير («الضمير الرسمي»).1
ولاحقًا في نفس القرن يمثل هاكلبري فين — الشخصية التي رسمها مارك توين — ضحية أخرى للمبادئ الأخلاقية العامة والضمير التقليدي، حيث يبدو أن اشتراك هاك في فرار جيم من العبودية يعطيه أسبابًا لاتهام الذات أقل من بيب الذي قد يكون مذنبًا لسرقة طعام العائلة من أجل شخص يبدو أنه مجرم، لكن هاك يوجه الاتهام لنفسه بخليط من التفسيرات الأخلاقية التقليدية حول السرقة وحقوق الملكية والسلوك القويم والتدين الظاهري. وهنا يوبخ هاك نفسه على السماح للظروف وتعلقه الشخصي بجيم بأن يطغى على الأخلاقيات العامة في مساعدة جيم على الفرار:

من يلام على ذلك؟ يا للعار! أنا! لم أتمكن من انتزاع ذلك الأمر من ضميري بأية طريقة أو كيفية، وأصبح مثيرًا للضيق حتى عجزت عن الراحة، وعجزت عن البقاء ساكنًا في مكان واحد … وحاولت أن أوضح لنفسي أنني لا لوم عليَّ، فلم أساعد جيم على الفرار من مالكه الشرعي، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا، حيث يستيقظ ضميري كل مرة قائلًا: «لكنك كنت تعلم أنه يفر من أجل الحصول على حريته» … وهنا كان ضميري يؤنبني ويسألني: «ماذا فعلتْ لك الآنسة واتسون المسكينة حتى ترى عبدها الزنجي يرحل أمام عينيك ولا تتفوه بكلمة؟»

صرصور الليل المتكلم

لم تنجح شخصية «صرصور الليل المتكلم»، وهي إحدى الشخصيات في رواية «بينوكيو» لكولودي التي كُتبت في القرن التاسع عشر، حيث أعطى بينوكيو العديد من النصائح المفيدة قبل أن تسحقه الدمية سريعة الغضب في الحائط بمطرقة خشبية. لكنه يعود في ثوب «جيميني كريكيت» في نسخة عام ١٩٤٠ التي أنتجَتها شركة ديزني، ويرتقي على يد الجنية الزرقاء إلى دور ضمير بينوكيو، وهي تذكره قائلة: «هو السيد المحافظ على معرفة الصواب والخطأ، والمستشار في لحظات الإغواء الشديد، والمرشد في الطريق المستقيم الضيق.» ويبدأ جيميني العمل للمرة الأولى عندما تخبر الجنية الزرقاء بينوكيو بأن عليه أن يتعلم الاختيار ما بين الصواب والخطأ، ويتساءل بينوكيو كيف له أن يعرف الفرق بينهما، فتجيبه بأن ضميره سوف يخبره، فيتساءل: «وما الضمير؟» مشيرًا إلى أن تلك المَلَكة عليها أن تُفعَّل أولًا، وهنا يظهر جيميني قائلًا: «ما الضمير؟ دعني أخبرك، الضمير هو ذلك الصوت الضعيف الخافت الذي لا يستمع الناس إليه.» ويعد جيميني متواضعًا على نحو ملائم فيما يتعلق بقدراته، فهو يتحمل الهزائم المتتالية والتقريع المتواصل (حيث يتوجه لامبويك لبينوكيو متسائلًا: «أتعني أنك تتلقى الأوامر من الجراد النطاط؟») لكنه يثابر ويحصل على شارة الضمير الذهبية تقديرًا لجهوده.

وقد يكون جزء من مثابرته متوارثًا؛ حيث إننا نقابل هذا الصوت لأول مرة في نسخة الملك جيمس من الإنجيل حيث يعتقل إيليا من أجل حماسه الزائد: «وبعد الحريق صدر صوت ضعيف خافت، وكان هكذا عندما سمعه إيليا، حتى إنه غطى وجهه بعباءة.» (الآية ١٢ و١٣ من الإصحاح التاسع عشر من سفر الملوك الأول). وفي المعتقدات البروتستانتية التفسيرية، فهذا هو صوت الله يتحدث في قناع الضمير. وترفع تلك الخلفية المحترمة من منزلة جيميني، مثلما يفعل نزوع غاندي إلى القول بأنه «لا يمكن للصوت البشري أن يصل إلى المسافة التي يغطيها صوت الضمير الضعيف الخافت».

يقرر هاك أن يبلغ عن جيم، وبينما كان يكتب رسالة يكشف فيها عن مكان جيم ينتابه شعور «طيب كما لو كان قد اغتسل من الخطيئة». لكنه عندما فكَّر مليًّا في الأمر قرر تمزيق الورقة متقبلًا اللعنة التي لا بد وأن تصاحب مسلكه الضال، واختتم كلامه قائلًا: «حسنًا، سوف أذهب إلى الجحيم.» ثم مزقها. ويستخدم هاك المفردات الأخلاقية الدينية، لكن بمعنًى خاطئ طوال الوقت، وتُعتبر حالته نموذجًا مثاليًّا للنقطة التي أثارها شافتسبيري حول إساءة استخدام الدين في الأمور المتعلقة بالضمير:

فخشية الله لأي سبب غير ارتكاب فعل يستحق اللوم هي في حقيقة الأمر خشية للطبيعة الشيطانية وليست الإلهية، ولا تعني خشية الجحيم أو الأهوال الإلهية الألف وجود الضمير أيضًا.

وهنا تقدَّم صورة مشوشة للعقاب الإلهي بوصفه القوة التي تنفذ الأعراف الاجتماعية المضلَّلة، وفي حقيقة الأمر فمن سخافة الرأي العام المتخفي في صورة الدين أن البطلين غير مزودين بضمائرهما الواهنة كي يقاوما. وتتطلب حالتا بيب وهاك أن نسعى للوصول إلى وجهة نظر تساعد الفرد المستعد لتحدي القيم السائدة اليوم، حتى عندما تتخذ تلك القيم هيئة الضمير ذاته. وفي كلٍّ من هاتين الحالتين، وتحديدًا في حالة هاك، يوجه ضمير أكثر صدقًا (حتى وإن كان مجهولًا) وأكثر عمقًا خياراتهما الفعلية متحديًا حتى الآراء الاجتماعية المتعارف عليها أو المتفق عليها. وقد يوصف هذا التحدي بأنه «أخلاقي» وصادر عن أخلاقيات الاختيار الشخصي وليس «معنويًّا» مستمدًّا من الافتراضات المجتمعية غير المدروسة.

ويذكرنا وضع فرد محاط بالمشكلات على خلاف مع ضمير خائف واهن بأن الإجماع السائد لا يعد بالضرورة أساسًا كافيًا للضمير، وأن الضمير الواقع تحت ضغط ليس حرًّا على الإطلاق، وأن الضمير كي يؤدي المهمة التي نحترمه من أجلها عليه أن يعمل مستقلًّا عن التحيزات ضيقة الأفق للآراء السائدة. ويحاول الفيلسوف النفعي جون ستيوارت ميل أن يبرهن على تلك المعتقدات على نحو مقنع، وربما يعد ميل أكثر واضعي النظريات حول الضمير مسئولية عن إدراكنا المعاصر لمهمته في حماية الأقلية من الأغلبية، وهو موقف غير شعبي لكنه مخلص صادر من قوة الأغلبية المعادية أو الرأي السائد. وهو يطلب التسامح، لكنه يتجاوز الخلافات السابقة التي وقعت باسمه جيدًا. ويبدو التسامح الديني المجرد في الأشكال التي دافع عنها لوك غير كافٍ بالنسبة له، فمن وجهة نظره يجب أن يمتد التسامح إلى كل أنواع الآراء السياسية والاجتماعية، وهو يعارض على حدٍّ سواء استبداد السلطة الدينية والسياسات الحكومية، معلنًا أن «كل ما يقمع الشخصية الفردية يعد طغيانًا أيًّا كان الاسم الذي يطلق عليه، وسواءٌ أكان يعترف بتطبيق إرادة الله أم أوامر الإنسان». ويتناول مقاله الذي يحمل عنوان «مقال عن الحرية» (١٨٥٩) صراحة «طبيعة السلطة التي يمكن للمجتمع ممارستها على الفرد بطريقة شرعية وحدودها»، فالاستقلال الفردي والمبادرة الفردية قد يقيدهما التحكم الخارجي عندما تتعارض المصلحة الفردية مع مصلحة الآخرين فحسب. وهو يؤكد أن الحرية الفردية:

… تشمل أولًا النطاق الداخلي للوعي، و«حرية الضمير» الملحة في أشمل معانيها، وحرية الفكر والإحساس، وحرية الرأي والشعور المطلقة في كل الموضوعات العملية أو النظرية أو العلمية أو الأخلاقية أو الدينية. وقد يبدو أن حرية التعبير عن الآراء ونشرها تقع ضمن مبدأ آخر، حيث إنها تنتمي لذلك الجزء من السلوك الفردي الذي يخص الآخرين، لكن لما كانت بنفس الأهمية تقريبًا التي تتمتع بها حرية الفكر ذاته وتعتمد إلى حدٍّ كبير على نفس الأسباب، فهي عمليًّا لا تنفصل عنها. وثانيًا، يتطلب المبدأ حرية التجربة والممارسة، وحرية وضع خطة لحياة المرء تناسب شخصيته، وحرية القيام بما نحب أن نفعله شريطة الخضوع للعواقب التالية دون أن يعوقنا الآخرون طالما ما نفعله لا يؤذيهم حتى وإن رأوا سلوكنا أحمق أو ضالًّا أو خاطئًا.

تحديد جنس الضمير

يقيم الأبطال المصورون في هذا الكتاب في مكان يشبه نادي الضمير الخاص بالسادة النبلاء، وهو مكان يغلب عليه الطابع الذكوري. ولم يتفاجأ السير توماس مور الذي سُجن من أجل خلجات ضميره عندما رفض التوقيع على قَسَم الخلافة عندما أخبرته ابنته مارجريت أنها قد وقَّعت عليه بالفعل، وهو عندما يقارنها بطريقة لطيفة — وفي الوقت ذاته صادمة — بحواء الفاتنة المغوية فإنه يفترض اعتبارات للضمير غير ذات صلة بحالتها.

لكن القرون الأخيرة شهدت تحريرًا للضمير الأنثوي، حيث تقبلت النساء مزاياه وأعباءه، مثل رواية برونتي «جين إير» التي يستجيب فيها كلٌّ من روتشستر وجين على نحو فردي لمتطلبات الضمير. ويمتلك روتشستر قوة تقليدية يمكن أن يطلق عليها «ذكورية» نظرًا لاكتفائها بالعقل وقربها الوثيق منه، ففي مقابلته الأولى الطويلة مع جين يهنئ نفسه على فصه الجبهي البارز قائلًا «إنني أملك ضميرًا» وهو يشير إلى «الأجزاء البارزة في رأسه التي يقال إنها تدل على وجود تلك المَلَكة». وهو يقر بامتلاك جين لضمير أيضًا، لكنه يعتبره ضعيفًا بالنسبة لموهبته. وعندما كان متنكرًا في صورة عرافة، قرأ خطوط جبينها مؤكدًا أنها تدل على إصرارها على اتباع إرشادات «ذلك الصوت الضعيف الخافت …»، لكن ضمير جين له وجود مؤكد خاص به، فهي تقول بعد أن قررت أن تهجر روتشستر رغم رغبتها في البقاء «تحول الضمير إلى طاغية يخنق العاطفة». وهذا الضمير واضح تمامًا، وصوته ليس خافتًا ولا ضعيفًا، وهو يقول لها «عليك أن تنطلقي سريعًا، فلن يساعدك أحد، وعليك أن تقتلعي عينك اليمنى وتبتري ذراعك اليمنى بنفسك». ثم يظهر ضميرها على هيئة امرأة متألقة في حلة أنيقة في ضوء القمر وتخاطبها بمزيد من الحدة قائلة: «فري من الإغواء يا بنيتي!» وتجيب جين قائلة «سوف أفعل يا أماه.» ويبدو جليًّا أن جين تمتلك ضميرًا مميزًا نشطًا، وهو يتجسد على هيئة أنثى.

والضمير كما يتخيله ميل هو أحد جوانب «الوعي»، وبالطبع فهو يقصد هنا وجهة نظر حرة طليقة وليس مجرد شعور مزعج بالواجب أو أيًّا من صفات الضمير الأخرى التي تنطوي على عقاب ذاتي. وهو يتناول مباشرة المأزق الذي مر به كلٌّ من هاك وبيب ومجموعة من الشركاء الآخرين في المجتمع الفيكتوري، معلنًا معارضته لأشكال متعددة من الطغيان التي لا تتضح في الدين والدولة فحسب، بل أيضًا في الاستبداد الأكثر انتشارًا للرأي الجمعي وتسلط العادات. وفي الحقيقة فإن ميل يحاول أن يبرهن على أن مضمون الضمير الحر لا توفره الكنيسة أو الدولة أو الرأي الجمعي، فالضمير مسألة تخص الفرد وحده، وتتضمن الموضوعات التي يتناولها ميل بحماس شديد دعم المنشقين عن الآراء التي يشترك فيها معظم الناس مثل ضرورة الإيمان بإله أو بالآخرة.
fig5
شكل ٢-٢: جون ستيوارت ميل.2

وقد أضاف أتباعه إلى تلك الآراء في القرن التالي أمورًا مثل الاعتراض وفقًا لما يمليه الضمير وحق المرء في عدم اتباع بلده في الحرب. وباختصار، يعتبر ميل مبادرًا مهمًّا بالرأي السائد الآن القائل إن الضمير يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفردية والاستثناء، بينما حقوق الضمير ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحماية آراء المهمشين والأقليات. وبالإضافة لاهتمامه بالضمير المعارض، يعمل ميل على مد الحماية من الاعتقاد إلى مجال الاختيار والفعل — إلى «فعل ما نحب» — طالما لا يؤذي أحدًا. (وهو هنا يبدأ مناقشة مستمرة سوف نتناول المزيد منها لاحقًا في الفصل الرابع.)

يعد المنهج الذي يمتد من لوك مرورًا بميل — والذي عمل على توسيع رقعة الحقوق والحماية للضمير الفردي في الشئون العلمانية والدينية على حدٍّ سواء — أحد الإنجازات العقلية والأخلاقية الرائعة للجنس البشري. لكن على الرغم من بلاغة هؤلاء المدافعين وقوتهم الإقناعية، فقد كان للضمير أيضًا منتقدوه ومن ينتقصون من قدره. وفي تلك الفترة من منتصف القرن التاسع عشر التي أشارت فيها كتابات ميل إلى تمكين الضمير بوصفه حصنًا للحرية والاستقلال الفردي، خضع الضمير لهجوم مستمر مركَّب مؤثر على يد بعض الكتَّاب والمفكرين المسئولين عن تشكيل فكر القرن العشرين.

هوامش

(1) © Disney.
(2) © Courtesy of the Library of Congress.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠