الخاتمة

لما كتبت الفصول السالفة من هذا الكتاب لم يكن خبر القنابل الذرية قد أذيع على الناس، ولم تكن قاعدة الجيش الياباني في هيروشيما قد خربت هذا التخريب الواسع المدى، وفتك بأهلها ذلك الفتك الذريع بفعل قنبلة واحدة ألقتها القوة الجوية التابعة للجيش الأمريكي طبقًا لما أعلنه كل من رئيس جمهورية الولايات المتحدة، ورئيس الوزراء البريطانية في ٦ أغسطس سنة ١٩٤٥، ولم تكن قد ألقيت القنبلة الذرية الثانية على نجازاكي، فمحت من الوجود ما يقرب من ميلين مربعين من ذلك الميناء الياباني العظيم، ولم تكن حكومة اليابان قد استسلمت، وأشار الميكادو في إعلان استسلامها إلى أن القنبل الذرية كانت سببًا أساسيًّا من أسباب الاستسلام.

ومنذ أن ذاع خبر هذه الأمور بين الناس، إذا بهم يتساءلون عن هذا النبأ العظيم، ويريدون الوقوف على أسراره وخباياه، ويحفلون بما كانوا لا يحفلون به من قبل من العبارات والصيغ والمصطلحات العلمية، ويقيمون وزنًا لما لم يكونوا يقيمون له وزنًا من المسائل الأكاديمية، كتركيب الذرة، وعلاقة الذرة بالإشعاع، والمعنى العلمي للطاقة، والعلاقة بين الإلكترونيات والبروتونات، وما إلى من المسائل الفنّية التي لم يكن أحد عامتنا أو خاصتنا يعيرها اهتمامه الجدي، وإذا كانت العامة والخاصة في الشرق والغرب على السواء قد اهتزت نفوسهم لخبر القنابل الذرّيّة، ورغبوا في الاستزادة من العلم بأمر الذرة وتركيبها، وما احتوت عليه من قوة كامنة، فإنني أخشى أن ذلك لا يرجع إلى شغف حقيقي بالعلم، أو طلب المعرفة لذاتها، بل إن الباعث عليه شيء آخر غير طلب العلم، وغير الوصول إلى الحقيقة، ذلك أن الناس قد جرَوا على أن يقيسوا الأمور بمقياس القوّة، وأن يزنوها بميزان السلطان، فما كان قويًّا، ومن كان قويًّا حفل الناس به، وعنوا بأمره، وتولّاهم الفضول في كل ما يخصّه ويحيط به، فنابليون — مثلًا — كان رجلًا قويًّا، ولذلك فهو رجل عظيم، ومن أجل هذا فنحن نُعنى بأمره، وتمتد عنايتنا وتتسع، فلا تقف عند حد قوته الحربية، وما يتصل بشؤون ملكه وسلطانه، بل تتعدى ذلك إلى أتفه أموره وأحقرها، ثم تتجاوزه إلى ما يجب ألا نخوض فيه من شؤون حياته الخاصة، فحليلاته وخليلاته تتساوى في نظر الناس لتساويها في الانتساب إليه.

ولما كان مقياس القوة والسلطان هو المقياس الشائع بين الناس، فإن العلوم الطبيعية قد قفزت بين عشيّة وضُحاها إلى الصفِّ الأوّل في الأخبار العالمية، وصارت الطاقة الذريّة علمًا من أعلام السياسة الدولية، تؤلف لها اللجان، وتتفاوض فيها الحكومات، وينتقل رؤساؤها عبر المحيطات ليتحدثوا فيها، وينظموا أمورها، فإذا فشلوا اكفهر وجه السياسة، وادلهمت الخطوب والأحداث الدولية، وسرى حديث الحروب مسير البرق يؤذن بالرعد من بعده. وسط هذه الزوابع والأعاصير يجمل بالمفكر أن يتعرف على الحقائق، وأن يزنها بميزانها الحقيقي، فلا يسمح لذوي الأهواء والمصالح أن يخدعوه، أو يسلبوه منطقه بما يخلعون على الحقيقة من ألوان كاذبة، وما يحسنونه من سبك وتمويه يدخل على النفوس والعقول مدخل الحقيقة، وينطلي طلاء الحق والعدل.

وقد كان أحد الأغراض التي رميتُ إليها من وضع هذا الكتاب أن أدعو بني وطني، وسائر الناطقين بالضاد إلى الاهتمام بشأن العلم، والمسائل العلمية، وأن أبيّن لهم ما للعلوم من أثرٍ عظيمٍ في حياة الشعوب؛ لذلك طُفْتُ بنواحي الحياة، فعرجت على كل ناحية منها، وأبنت ما للعلم فيها من أثر واضح، وما يرجى منه من خيرٍ وإصلاح، وقد رحت أسوق الحجة تلو الحجة للتدليل على مكانة العلم وأهميته، ولم أكن أطمع أن يصل صوتي إلى أبعد من دائرة ضيقة، هي دائرة الخاصة، من ذوي العقول الراجحة، وقليل ما هم! أما العامة من الناس فلا يقنعهم المنطق، ولا يخضعون لسلطان العقل، ولذلك أسقطتهم من حسابي، وها هي القنابل الذرّيّة، تدوي فيتجاوب صداها في أنحاء الأرض، فتكون حُجّة بالغة تقتنع بها أبسط العقول، وتهتز لها أكثر النفوس سذاجة، فلم يعد اليوم حاجة إلى التدليل على أهمية العلم؛ لأن الدليل قد صار ملموسًا محسوسًا، وإذا كانت الحاجة إلى التدليل على أهمية العلم قد زالت، فقد حلّت محلّها حاجات؛ ذلك أن إطلاق الطاقة الذرية من عقالها، قد آذن بعصرٍ جديد من عصور المدنية البشرية، فنشأت حاجات مُلحّة إلى تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات المختلفة في هذا الظرف الجديد، هل ستستخدم الطاقة الذرية في تدعيم سلطان الأقوياء، والتحكم في رقاب الضعفاء؟ وهل يستمر الجشع والطمع الأشعبي متملِّكًا لنفوس البشر، فيعميهم عن الحق، ويصمّهم عن صوت العدل، أم أن عصر الطاقة الذرّية سيزيل الغشاوة عن العيون؛ فيبصر القوي، ويرى أن سعادته، ورفاهيته لا تكونان إلا بسعادة الضعيف ورفاهيته؟ هذه هي المسائل الجوهرية التي يجدر بالمفكر أن ينعم النظر فيها، والتي يجب على القادة والزُّعماء في كل دولة أن يولّوها عنايتهم، وأن يستمسكوا في حلّها بالعروة الوثقى؛ لكي لا تزِلّ قدمهم، فيسقطوا وتسقط معهم البشرية في هاوية سحيقة.

لذلك سأتحدث إلى القارئ عن بعض الحقائق التي ترتبط بالطاقة الذرية ووسائل استنباطها؛ لكي يكون مُلمًّا بأصولها ومبادئها، فمن المعلوم أن المواد التي تقع تحت حسّنا يمكن تحليلها إلى نيف وتسعين عنصرًا، وأن هذه العناصر تتحد اتحادًا كيميائيًّا، فتنشأ عن ذلك مركبات مختلفة، كما أن العناصر والمركبات معًا تمتزج في درجات متفاوتة من الحرارة والضغط، فينشأ عن هذا الاتحاد والامتزاج ما نراه حولنا، ونحسّ به من المادة في صورها ومظاهرها التي لا حصر لعددها، وقد كان الأقدمون يعتقدون أن المادة مؤلّفة من أربعة عناصر فحسب؛ هي: الهواء، والماء، والنار، والتراب، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يبرهنوا على صحة هذا الزعم عن طريق التدليل العملي، أما العناصر التي أشرت إليها، وعددها نيف وتسعون فإن العلم يستطيع أن يبرهن على أنها هي التي تتألف منها المواد على اختلاف صورها، وتباين أشكالها، فكل قطعة من المادة، سواء أكانت يابسة أو سائلة أو غازية أو فيما بين ذلك يمكن تحليلها في المعامل الكيميائية، والبرهنة على أنها مؤلّفة من عدد معين من العناصر المعروفة، والتي عددها نيف وتسعون، وقد أثبت العلم أيضًا أن كل عنصر من العناصر مؤلّف من ذرات متشابهة تشابها يكاد يكون تامًّا من ناحية خواصها الكيميائية، فعنصر الأيدروجين مؤلَّف من ذرات الأيدروجين، وعنصر الأوكسجين مؤلَّف من ذرَّات الأوكسجين، وكذلك عنصر الكربون وعنصر الكبريت وعنصر الحديد وعنصر اليورانيوم وهكذا، وتختلف الذرَّات فيما بينها، فمنها الثقيل، ومنها الخفيف، وأخفُّ الذرات جميعًا ذرة الأيدروجين، ويبلغ وزنها نحو جزئين مليون مليون مليون مليون جزء من الجرام، ويبلغ وزن ذرة الهيليوم أربعة أضعاف هذا المقدار، وذرة الكربون ١٢ ضعفًا، وذرة الأوكسجين ١٦ ضعفًا على وجه التقريب، وهكذا.

هذا عن معنى الذرَّة، أمَّا عن الطاقة، فلفظٌ دخل في لغة العلم للتعبير عن معنى قريب من معناه في لغة الأدب. والأصل في الطاقة أنها الاستطاعة والمقدور، فما قدرتُ عليه كان في طاقتي، وما لم أقدر عليه خرج عنها، أمَّا معناه في لغة العلم، فهو نوع من المقدرة أيضًا، إلا أنها مقدرة الأجسام على إحداث الحركة.

فالجسم إذا كان متحرِّكًا كان قادرًا على تحريك غيره من الأجسام، ولذلك سُمي هذا النوع من الطاقة بالطاقة الكينيتكية أو طاقة الحركة، وهناك نوع آخر من الطاقة يُعرف بالطاقة الموضعية، أو الطاقة الكامنة؛ ذلك أن الجسم إذا كان في موضع مرتفع فإن ذلك يُكسبه مقدرة خاصة على اكتساب الحركة بالهبوط من مكانه المرتفع، فيكون ﮐ «جلمود صخرٍ حطّه السيل من عل»، وبذلك يكتسب الحركة، ويكسبها لغيره، ونحن لا يعنينا من أمر الطاقة تقسيمها الفني، وإنما الذي يعنينا أنها لفظ اصطلح على إطلاقه على كل منبع للحركة، وبالتالي على كل مصدر يصحّ أن يستغل، لإحداث الحركة الميكانيكية، أو لبذل الشغل على حدِّ الاصطلاح العلمي، فالمياه الجارية منبعٌ من منابع الطاقة؛ لأن من الممكن استغلال حركتها في إدارة المحرّكات الميكانيكية، والرياح كذلك مصدر من مصادر الطاقة؛ لأنه يمكن الاستعانة بها في إدارة الطواحين وغيرها، ولما كانت الحرارة مصدرًا من مصادر الحركة كما يحدث في الآلات البخارية، وآلات الاحتراق الداخلي، وما إليها، فقد اعتبرت الحرارة نوعًا من أنواع الطاقة، وما قيل عن الحرارة يُقال عن الكهرباء، كما يقال عن القوة المغنطيسية، وعن أشعة الشمس بما احتوته من أمواج مُختلفة الطول، بعضها ضوئي تراه العين، وبعضها فوق ضوئي، مما يؤثِّر في الألواح الفوتوغرافية، ولا تدركه الأبصار، وإذن فقد تغلغلت فكرة الطاقة في مناحي العالم الطبيعي حتى شملت كل متحرك، أو باعث على الحركة من حرارة، وضوء، وكهرباء، ومغنطيس، وقوى جاذبية، ولم تترك خارج ميدانها إلا المادة الساكنة، بحيث يصح أن يقال: إن الكون الطبيعي ينقسم قسمين: مادة، وطاقة، وقد كان علماء القرن التاسع عشر يظنون أن الطاقة حالة تحل بالمادة، فالكهربائية مثلًا عَرَضٌ من الأعراض، جوهره المادة؛ لأنك إذا حككت قطعة من حجر الكهرباء اكتسب الصفة التي بها يجذب الأجسام إليه، وقد تزول هذه الصفة عنه إذا لمسته بيدك، مما يدل على أن المادّة هي الجوهر، والكهرباء هي العرض، ولقد كان من أهم التطوّرات العلميّة في القرن العشرين أن البحث في تركيب الذرّة قد دلّنا على أن المادة مؤلّفة من كهرباء، وقد ثبت ذلك بالدليل الحي، وأُخذت صور فوتوغرافية للبروتونات، والإلكترونات المتحركة، وثبت أن كتلة الإلكترون وهي مقياس ما ماديته ناتجة عن حالته الكهربائية، وبذلك صارت المادة نفسها نوعًا من أنواع الطاقة، وصار لنا أن نتكلّم عن الطاقة المادّية كما نتحدث عن الطاقة الكهربائية، والحرارية، والكهربائية، والمغنطيسية، وما إليها.

وفي عام ١٩٠٥ قدم العلامة «ألبرت أينشتين» مقياسًا مضبوطًا للطّاقة المادّية، فالكيلو جرام الواحد من المادة يعدل بهذا المقياس نحو ٢٥٠٠٠ مليون كيلو واط/ساعة، ولما كانت شركة النور في القاهرة تورّد الكيلو واط/ساعة للمستهلكين بسعر ٢٢٫٦ مليمًا، فإن ثمن الطاقة المختزنة في كيلو جرام واحد من المادة يساوي على هذا الحساب ٥٦٥ مليون من الجنيهات، ولعل القارئ يعجب لهذا المقياس بين الطاقة والمادة، فوجود مقياس مشترك بين الشيئين معناه: أن كلًّا منهما يمكن تحويله إلى الآخر، فالجنيه الإنجليزي مثلًا يساوي ٩٧٫٥ قرشًا؛ لأن من الممكن في الأحوال العادية «بعد خصم العمولة على الأكثر» تحويل الجنيهات المصرية إلى إنجليزية وبالعكس، فهل أمكن تحويل المادة إلى طاقة؟ لو أن هذا السؤال طُرح قبل ٦ أغسطس سنة ١٩٤٥ لاضطررت أن أجيب عليه إجابة أكاديمية مؤكِّدًا أن عنصر اليورانيوم والراديوم والثوريوم وأمثالها تتحول مادتها إلى طاقة، فالجرام الواحد من الراديوم تنبعث منه في السنة من الطاقة ما يعادل نحو ١٫٤ كيلو واط/ساعة، وذلك على حساب مادته، بحيث يبلغ ما يفقده الكيلو جرام الواحد من الراديوم بسبب انبعاث هذه الطاقة نحو ٥٣ جزءًا من ألف جزء من المليجرام في السنة، وهو قدر ضئيل كما ترى، ولعلي كنت ألتجئ إلى النظرية التي يقول بها العلماء من أن مصدر أشعة الشمس هو تحول مادتها إلى طاقة بحيث يبلغ ما يتحوّل من مادة الشمس إلى أشعة ٢٥٠ مليونًا من الأطنان في الدقيقة، وهذا القدر على عظمه إن هو إلا قطرة في بحر بالنسبة إلى وزن الشمس، بحيث تمرّ ملايين السنين دون أن يكون له أثرٌ يُذكر.

أقول: لو كان هذا السؤال طُرِح قبل ٦ أغسطس سنة ٤٥ لاضطررت إلى هذه الإجابة الأكاديمية، أما اليوم فيكفي في الإجابة أن أُشير إلى القنبلتين اللتين ألقيتا على هيروشيما ونجازاكي، فالطاقة الناشئة عن انفجار قنبلة هيروشيما تعدل ما ينشأ عن انفجار عشرين ألف طن من أشد أنواع الديناميت فتكًا، وهذا القدر المروِّع من أين أتى؟ إنه لم يأت من أي تفاعل كيميائي، بل استُخلِص من باطن الذرّة، وعلى حساب مادَّتِها، وقد قدرت نسبة ما تحول إلى طاقة من مادة اليورانيوم في قنبلة هيروشيما إلى وزن اليورانيوم كلّه بنحو جزء من ألف جزء، أي بواقع جرام عن كل كيلو جرام، ولما كان مقدار الطاقة التي ولدتها القنبلة يعادل نحو ٢٠٠ مليون كيلو واط/ساعة، فإن من مادة القنبلة، أو بعبارة أصح: الذي تحول إلى طاقة يساوي نحو ٨ جرامات، ثمانية جرامات من المادة لا تكفي لملء راحة اليد تحولت إلى طاقة، فأحدثت كل هذا الخراب والدمار!!

ومع أن الطاقة الذرية قد خرجت على العالم في صورة قنبلة إلّا أن البحث في الذرة وطاقتها ليس وليد اليوم، فالبحوث الذرّيّة مستمرّة متصلة الحلقات منذ أواخر القرن الماضي، بل إن هذه البحوث استمرار طبيعي للبحوث الكيميائية والطبيعية في القرن التاسع عشر، فالنظريّة الذريّة كما كانت تسمى إن هي إلا رأي علمي قال به دالتون، وأتباعه من علماء ذلك القرن؛ ليفسّروا قوانين التفاعلات الكيميائية، والقول بالذّرّة أو الجوهر الفرد مذهب فلسفي قديم يرجع إلى ما قبل ميلاد المسيح، ويتّصل بالفلسفة الإغريقية، وربما يكون أقدم من ذلك، فأنت ترى أن القول بالذرة والبحث في تركيب الذرة إن هما إلا مظهر من مظاهر تقدم العلم، شأنهما شأن غيرهما من الآراء والبحوث العلمية. وإذا جاز لنا أن نرجع المرحلة الحديثة من مراحل البحوث الذرية إلى وقت بالذات، فلعل هذا الوقت يكون العقد الأخير من القرن الماضي، حين كشف عن عنصر اليورانيوم، وعنصر الراديوم، وغيرهما من العناصر ذات النشاط الإشعاعي، وإذا أخذنا بهذا الاعتبار، فإن البحث في الطاقة الذرية قد مضى عليه نصف قرن من الزمان.

ولم يكن البحث في الطاقة الذريّة أمرًا سرِّيًّا يحوطه التكتم، ويسدل عليه ستارًا من الإبهام، بل العكس، فشأنه في ذلك شأن غيره من البحوث العلمية تنشر على الملأ في سائر أنحاء المعمورة، ثم يجتمع العلماء في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم فيتبادلون الرأي، ويدلي كل منهم دلوه في الدلاء، حيث يغترفون من بحر المعرفة، وهم يجدون في هذا لذة وفخرًا، فمن اهتدى إلى علم جديد نُشرت إضافته في المجلات العلميّة، ومنحته الجامعات والمجامع العلمية درجاتها وألقابها الفخريّة، وهكذا عمل العلماء، ولا يزالون يعملون على رفع منار العلم، ونشر رسالاته؛ ليكون نورًا تهتدي به البشرية، ونبراسًا يضئ النفوس والعقول.

هذه هي طريقة العلم وتقاليده، وهذا هو سبيله، يعمل في وَضَح النهار، بل يعمل ليكون نهارًا، ومن المعلوم أن بعض النتائج العلمية قد ظلت تستخدم في الاختراعات المختلفة لقضاء حاجات معينة، ويقوم على هذه المخترعات قوم من المهندسين والفنيين، فيسجِّلون مخترعاتهم، وسائر الأجهزة والآلات التي يبتدعونها، فتتقدم الصناعة، ويرتفع معها مستوى الحياة، ومن المعلوم أيضًا أن بعض الشركات والمنشآت الصناعية تنفق على هذه البحوث الفنيّة، وتحتفظ لنفسها بحق استخدام ما تنتجه هذه البحوث من تحسينات وإضافات، فيعود ذلك بربحٍ وافر على هذه الشركات والمنشآت، كما أن بعض الحكومات تنفق الأموال في تحسين آلات الحرب وعدده من غواصات، ومدافع، وطائرات، ودبابات، وما إليها، وفي ابتكار أسلحة جديدة، فهذه البحوث الحربية لها صفة سرية، وهي تشبه في ذلك البحوث الفنية للشركات، والمؤسسات، والمنشآت الصناعية.

ومع أن البحوث الفنية والحربية تعتمد على نتائج العلم وتقدّمه إلّا أن العلماء لم يكن ليخطر ببالهم أن يتقاضوا أجرًا، أو ينالوا ربحًا من وراء أعمالهم العلميّة، فالعلم يعطي ولا يأخذ، وكل ما يتطلبه العالم أن يترك في هدوء مشتغلًا بعلمه وأبحاثه، وفي الحرب الماضية كان العلماء يضعون خدماتهم تحت تصرّف حكوماتهم بدافع حب الوطن، والغيرة على مصلحته، فساهموا بنصيب وافر في البحوث الحربية، وكانت لأعمالهم نتائج حاسمة، فلما أن جاءت هذه الحروب لبى العلماء داعي الوطن مرة أخرى، فوقّفوا علمهم ومجهوداتهم على نُصرة أممهم، وابتكروا العدد والأجهزة التي استخدمها المتحاربون في نضالهم، فمن ذلك جهاز (رادار) الذي يحدد مواضع الطائرات والسفن البعيدة بحيث تراها العين على بعد مئات الكيلو مترات، كما لو كانت تنظر في مرآة سحرية، ومن ذلك طريقة إزالة الضباب في المطارات بحيث تسهل الرؤية بعد استحالتها، فتطير الطائرات، وتنزل في سلام، أمّا تقوية الدروع في السفن والدبابات، وزيادة مدى المدافع، وزنة القنابل، والتحسين المستمر في الطائرات بحيث تزداد سرعة ومتانة وعِظمًا، فكل هذه أمور مشهورة معروفة لا حاجة بي إلى الإفاضة فيها.

وخلاصة القول أن العلماء كانوا ولا يزالون يهبون البشرية علمهم وبنات أفكارهم، ولا يَسألون عليها من أجر، ثم هم إلى جانب ذلك يساعدون أممهم في أوقات المحن والحروب، فيُقفون جهودهم على تحسين الأسلحة، ووسائل الدفاع، محتفظين بسرّيّة هذه الأعمال، بدافع الوطنية، وبحكم ما جُبلوا عليه من أمانة ومروءة، وإذا كان غيرهم يستفيد من نتائج علمهم فيطبقها في الصناعة وسائر مرافق الحياة العملية، فإن ذلك لا يعنيهم في قليل أو كثير، وإذا كان غيرهم يحتفظ بنتائج بحوثه الفنية والحربية والصناعية فيحوطها بالكتمان، ويعود ذلك عليه بالربح المادي الوفير، فإن هذا أيضًا ليس من شأنهم، وإذا كانت الحكومات تحتفظ بسرّيّة التقدّم الفني في أسلحتها، ومخترعاتها الحربيّة، وآلات الفتك والتدمير، فذلك أيضًا لا يضير العلم في شيء، بل يبقى العلم والعلماء محتفظين بتقاليدهم، عاملين في وضح النهار، ناشرين نتائج بحوثهم، مُعرضين عن المادة، قابعين في بروجهم العاجية، وأمر العلماء، وأمر غيرهم في ذلك يشبه اثنين يسيران في طريقين متوازنين، فالعلم يسير في طريقه، والحياة تسير في طريقها؛ لأن الطريقين متوازيان، لا يلتقيان، وهكذا ظن العلماء أو أرادوا أن يظنوا، إلى أن جاءت القنبلة الذرّيّة فنسفت ما بين الطريقين من حواجز، وأصبح على العلماء أن يلاقوا موكب الحياة.

كتب السير هنري ديل رئيس الجمعية الملكية في لندن، وهي أكبر مجمع علمي في الإمبراطورية البريطانية، كتب إلى جريدة التايمز يقول: «إن العلماء وإن كانوا قد حافظوا على سر القنبلة الذرّيّة أثناء مدة الحرب، مدفوعوين في ذلك بدافع الولاء، إلا أنه وقد انتهتْ الحرب ضد اليابان، فإنهم جميعًا يرغبون في أن يتخلصوا من هذا السرّ إلى الأبد، فنحن (مشيرًا إلى العلماء) قد تحمّلنا كثيرًا، ونقبل أن نتحمّل أي شيء لنضمن كسب الحرية، أما وقد كُسِبَت فإننا نطلب الحرية الني كسبناها». والسير هنري ديل عضو في اللجنة التي ألفتها الحكومة البريطانية للطاقة الذرية برياسة السير جون أندرسون، وهو إذ يتكلم باسم العلماء يعبر تعبيرًا صحيحًا عما يجول بخلد كلِّ عالم.

فالعلم نور يجب أن يشع، وكل محاولة لكتم العلم إمّا أن تفشل أو تقضي على تقدم العلم ذاته، وكتب الدكتور دورمات كامبل العالم الإنجليزي مُتسائلًا «هل حقيقة من الضروري أن نبذل كل هذه العناية في إخفاء أن فلق النواة الذي بنيت عليه القنبلة الذرية قد كشف عنه في ألمانيا؟» وهذا القول الأخير مثل ظاهر على تمسك العلماء بالحق، وتوخيهم جانب الصدق، فهذا العالم الإنجليزي مع ما بين أمته وبين الأمة الألمانية من عداء مستحكم يرتفع بنفسه وبأمته عن أي تمويه، أو مواربة في أمر تاريخ القنبلة الذرية، وإذا كان فلق النواة قد حدث في ألمانيا فلنعترف بذلك، ولو كان الألمان أعداءنا.

قلتُ إن القنبلة الذرية قد نسَفت ما بين طريق العلم وطريق الحياة من حواجز، والدليل على ذلك أن اللجنة التي يرأسها السير جون أندرسون أحد أعضاء الوزارة البريطانية تضم صفوة مختارة من العلماء، وهذه اللجنة تشرف على بحوث القنابل الذرية وصناعتها، ففي يدها من القوة ما يجعل لها كلمة مسموعة في الإمبراطورية بأسرها، بل وفي العالم أجمع.

فالعلماء إذا قد صاروا يساهمون بقسط وافرٍ في تقرير مصائر الشعوب، فما الذي ننتظر؟ هل يشع نور العلم على رجال السياسة فيهديهم إلى الصراط السوي، ويحل الحق والعدل محلّ الظلم والاستبداد في العلاقات بين الأمم، هل يتمسّك العلماء بمبادئهم، ويدافعون عن تقاليدهم فينقذوا البشريّة مما هي به من محن وآلام؟ هل يقوى ضوء الحقيقة على تبديد ظلمات الجاهلية، أم أن البشرية لا تزال بعيدة كل البعد عن ذلك الهدف الذي يبتغيه لها كل مخلص، بل كل عاقل؟

إن العلاقات بين الأمم اليوم تقوم على أساس بدائي من القوة الغاشمة، فالمهيمنون على الشؤون الاقتصادية يضعون الربح المادي فوق كل اعتبار آخر، فيتناحرون وقد قستْ قلوبهم، وخلتْ من كل رحمة، ورجال السياسة يخضعون لما يسمى بالعوامل الاقتصادية، ويتبعون في ذلك أساليب وأنماطًا تجافي الحق، وينفر منها العدل، وهم مقتنعون بأن هذه الأساليب التي يلقبونها بالأساليب السياسية هي وحدها التي يجوز استخدامها في الميدان السياسي، ومن الغريب أن رجال القانون، وهم حماة العدل والإنصاف بين الناس قد بنوا الكثير من تشريعهم على هذه الأسس الواقعية، مبتعدين عن المثالية، ومتأثّرين بالسلطان، فهل تطغي هذه القوى الاقتصادية والسياسية على العلماء، فيجرفهم السيل، ويندفعون في موكب الحياة بقوة ذلك التيار العظيم؟

إنني لن أحاول الإجابة عن هذا السؤال، ولكن شيئًا واحدًا محقق ألا وهو أن النصر النهائي معقود بلواء الحق والعدل، فإذا لم يتحقق هذا النصر في القرن العشرين فإنه سيتحقق حتمًا في يوم من الأيام، وإذا استسلم بعض العلماء للتيار، فإن البعض لا محالة باق على عهده، وتاريخ القرون الوسطى حافل بما قام به رجال العلم من تضحيات، وما قاسوه، وحلَّ بهم من نكال دفاعًا عن الحق، فاضطهدوا ومُثِّل بهم؛ وحرقوا، وعذبوا، ثم انتصرت مبادؤهم من بعدهم، واعترفت لهم الأجيال التي لم ترهم، ولم تستمع إليهم، فكان ذلك برهانًا على قوة ذلك القبس الذي أودعه الله في النفس البشرية، وإذا كانت الذرة المادية تحتوي على تلك القوة الهائلة فإن الذرة الروحية أعظم قوة وسلطانًا.

وهنا ينتهي بي المطاف إلى مصر والأمم العربية، وقد ذكرت في فصول هذا الكتاب أن قد مضى علينا ألف سنة، ضرب فيها على آذاننا، فبتنا في سبات عميق، وأبنت أن فرصتنا في الحياة لا تكون إلا إذا هممنا معتمدين من بعد الله على ما للعلم من قوة وسلطان في عصرنا الحديث، وهذه القنبلة الذرية تؤكد كلامي، وتقطع قول كلَّ خطيب، فعلى الحكومة والشعب والبرلمان أن تضع العلم في المقام الأول من حياة الأمة، وأن تعنى العناية كلها بالشئون العلمية، وتطبيقها في سائر المرافق القومية، وهذه القنبلة الذرية تؤلف لها الأمم لجانًا خاصة، فقد قرأنا أن فرنسا قد ألفت لجنة من علمائها للإشراف على مباحث الطاقة الذرية، ونحن أحوج ما نكون إلى تأليف مثل هذه اللجنة في مصر، على أن تكون لجنة قومية تعمل على تشجيع البحوث الذرية، وإمدادها بما تحتاج إليه من معامل، وعدد، وأموال، ورجال.

وفي مصر اليوم شباب متعطش للعلم، قادر على البحث العلمي إذا هو أحسن إرشاده وتوجيهه، فلنعمل إذن على إعداد جيل صالح يؤمن بالحق، ويستمد من إيمانه وعلمه قوة يستخدمها في الخير، فيعمل على رفع مستوى الحياة بين مواطنيه، ويسمو بنفسه وأغراضه نحو المثل العليا، ثم إن علينا أن نشترك في كل تنظيم دولي يقصد به الإشراف على استخدام الطاقة الذرية، فيكون لنا من العلم بهذه الطاقة، وأوجه استغلالها ما يجعل لنا كلمة مسموعة في المحافل الدولية، وعلينا أيضًا أن نُعنى باستخدام هذه الطاقة في مرافقنا الاقتصادية والعمرانية، وأن يساهم في ذلك بجهود علمائنا ومهندسينا فلا نأتي في الذيل إذا رتبت الأمم، بل نتبوّأ مكاننا كشعب يحفل تاريخه بكل مجيد في ميدان العلم والعمران، وإذا كان العلم قد امتزج بحياة الأمم في عصرنا الحديث بحيث لم يعدله معنى بدونها، فلنذكر أن الحياة قد امتزجت هي أيضًا بالعلم بحيث لم يعد لها معنى بغيره.

علي مصطفى مشرفة

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤