الفصل الثاني

خطرُ الحرب الذرية

علينا اليوم أن نتصوَّر التهديدَ الذي تُشكِّله احتمالية اندلاع حرب نووية بين روسيا السوفييتية والولايات المتحدة. وهي حربٌ لا مجالَ لتجنُّبها إلا إذ قررَت القوتان التخليَ عن الأسلحة الذرية.

كيف نشأ هذا الوضع؟

في العام ١٩٤٥، أنتجَت الولايات المتحدة قنبلةً ذريةً باليورانيوم ٢٣٥. وفي السادس من أغسطس ١٩٤٥، أُطلِقَت هذه القنبلةُ على هيروشيما، وفي التاسع من أغسطس أُلقيت على ناجازاكي.

أدَّى امتلاكُ أمريكا مثلَ هذه القنبلة إلى منحِها ميزةً عسكرية على غيرها من الدول الأخرى.

في يوليو من عام ١٩٤٩، امتلك الاتحاد السوفييتي أيضًا قنبلةً من هذا القبيل. وكانت قوَّتُها مساويةً لتلك التي جلَبَتها أمريكا إلى الوجود بين عامَي ١٩٤٦ و١٩٤٩. وهكذا كان السلام بين هاتين القوتين قائمًا على أساسِ الاحترامِ المتبادَل لقنبلةِ الدولةِ الأخرى.

في الثالث من أكتوبر عام ١٩٥٢، فجَّرت إنجلترا قنبلتها الذرية الأولى على جزيرة مونتيبيلو، على الساحل الشمالي الغربي لأستراليا.

بعد ذلك، ولضمان الحصولِ على ميزةٍ ما، اتخذَت الولايات المتحدة القرارَ بدعوة د. إدوارد تيلر لتصنيع القنبلة الهيدروجينية. وكان متوقَّعًا أن تتجاوز هذه القنبلةُ الهيدروجينية قوةَ قنبلة اليورانيوم بعدة أضعاف. وأُطلقت هذه القنبلة للمرة الأولى في مايو ١٩٥١، في إنيويتوك على جزيرة إيلوجلاب المرجانية الواقعة بالمحيط الهادئ، في أكتوبر من عام ١٩٥٢. وفي مارس ١٩٥٤، وفي جزر بيكيني، إحدى المجموعات الواقعة على جزر مجموعة جزر المارشال في المحيط الهادئ، انفجرَت القنبلة الهيدروجينية المتقَنة الصنع. وتبيَّن أن القوة الفعلية للانفجار كانت أقوى بكثيرٍ مما كان متوقعًا في البداية على أساس الحسابات.

ولكن في الوقتِ ذاتِه الذي بدأت فيه الولايات المتحدة، بدأ الاتحاد السوفييتي أيضًا في إنتاجِ قنابلَ هيدروجينية، وانفجرَت أول قنبلة منها في ١٢ أغسطس ١٩٥٣. حققت كلتا القوتين تقدُّمًا في آنٍ واحد. (اخترعت الولايات المتحدة القنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية، وعملَت فيما بعدُ على مبادئ تصنيع الصواريخ التي خدمت ألمانيا في تلك الأيام).

لم تَعُد الحرب تعتمد على مَقْدرة الطائرات الجوية القوية على حمل القنابل إلى أهدافها. فقد صار هناك الآن صواريخُ موجَّهةٌ يمكن إطلاقُها من نقطةِ انطلاقِها وتوجيهُها بدقةٍ إلى هدفٍ بعيد. تُطلق القذائف التي تحملها هذه الصواريخ بواسطةِ وَقود تُطوَّر فاعليته وكفاءته باستمرار. والقذيفة التي يحملها الصاروخ يمكن أن تكون قذيفةً عادية أو قذيفة تحوي رأسَ قذيفة يورانيوم أو رأس قنبلة هيدروجينية.

يُقال إن الاتحاد السوفييتي يمتلك صواريخَ يصل مداها إلى أكثرَ من ٦٢٥ ميلًا، ولها مدًى محتملٌ يصل إلى أكثر من ١١٠٠ ميل.

ويُقال إن الولايات المتحدة تمتلك صواريخَ يصل مداها إلى ١٥٠٠ ميل.

لا يمكن الجزمُ بما إذا كان هناك ما يُسمَّى بالقذيفة الصاروخية العابرة للقارات بمدًى يصلُ إلى ٥٠٠٠ ميل. ويُعتَقد أن مشكلةَ إنتاجها في طريقها إلى الحل، وأن كلًّا من الشرق والغرب منشغل بإنتاجها.

وعلى الرغم من أنه ليس معروفًا بعدُ أن الصاروخ العابر للقارات قد اكتمل تصنيعه، فإن على أمريكا أن تستعد لإطلاق مثل هذه القذيفة عن طريق الغواصات إلى مدًى بعيد داخل البلاد. فهذه الصواريخ تنطلق بسرعة هائلة. ومن المتوقَّع ألا يستغرق الصاروخُ العابرُ للقارات أكثرَ من نصف الساعة لعبور المحيطِ بحمولةِ قنبلة يتراوحُ وزنها من طنٍّ إلى خمسة أطنان.

كيف لحربٍ ذريةٍ أن تُدار اليوم؟ في البداية هناك ما يُسمَّى الحرب المحلية، ولكنَّ ثمَّة اختلافًا طفيفًا اليوم بين الحرب المحلية والحرب العالمية. فالقذائف الصاروخية التي ستُستخدم يصل مداها إلى ١٥٠٠ ميل. فلا ينبغي الاستهانة بالدمار، حتى لو كان ناتجًا عن قنبلةٍ كالتي أُلقِيَت على هيروشيما، فضلًا عن قنبلة هيدروجينية.

من الصعبِ التنبؤ بتخلِّي عدوٍّ عن استخدام القنابل الذرية، أو القنابل الهيدروجينية الهائلة الأكثرِ إتقانًا، على المدن الكبرى من البداية. فالقنبلة الهيدروجينية ذات قوة أكثر تطورًا من القنبلة الذرية بألفِ ضعف.

ولذلك فمن الواردِ تمامًا أن تُستخدم كلٌّ من القذائف الصاروخية وقاذفات القنابل الضخمة معًا في الحروب الذرية مستقبلًا. فالقذائف الصاروخية لن تحلَّ محل قاذفات القنابل، بل بالأحرى ستُكملها.

سوف يصل مدى التأثير المباشر للقنبلة الهيدروجينية إلى عدة أميال. وستبلغ الحرارة ١٠٠ مليون درجةٍ مئوية. لك أن تتخيَّل الكمَّ الهائل من قاطني المدن الذين سيَلحقُ بهم الدمارُ بفعل ضغط الانفجار، وتطايُر شظايا من الزجاج، والحرارة واللهب، والموجات المشعَّة، حتى لو لم يستغرق الهجوم إلا مدة قصيرة. فالتلوُّث المشعُّ القاتل، الناتج عن الانفجار، سيصل مداه إلى نحو ٤٥٠٠٠ ميل مربَّع.

قال أحدُ جنرالات الولايات المتحدة لبعض أعضاء الكونجرس: «إذا أُلقيت مائةٌ وعشرُ قنابل هيدروجينية على الولايات المتحدة الأمريكية يفصل بين كلٍّ منها عشرُ دقائق، فستضمُّ قائمة الخسائر نحوَ سبعين مليون نسمة، بالإضافة إلى بضعة آلاف من الأميال المربَّعة ستكون بلا فائدةٍ لجيلٍ بأكمله. إن دولًا مثل إنجلترا، وألمانيا الغربية، وفرنسا، يمكن إبادتها بخمس عشرة إلى عشرين قنبلة هيدروجينية.»

وقد أشار الرئيس الأمريكي أيزنهاور عقبَ مشاهدةِ مناوراتٍ تحت هجوم ذري، إلى أن التدابير الدفاعية في الحرب الذرية مستقبلًا تُصبح عديمة الجدوى. ففي هذه الظروف كلُّ ما يمكن أن يفعله المرء هو الصلاة.

في الواقع لا يوجد الكثيرُ مما يمكن القيام به في ضوءِ هجومٍ بالقنابل الهيدروجينية سوى نُصح الجميع بالاختباء خلفَ أسوارٍ قويةٍ جدًّا من الحجر أو الأسمنت، والانبطاح أرضًا، وتغطية الجزء الخلفي من رءوسهم وأجسامهم، إن أمكَن، بالقماش. وبهذه الطريقة، قد يكون من الممكن الإفلاتُ من الفناء والموت بالإشعاع. وسيكون لزامًا أن يُقدَّم لهؤلاء الناجين طعامٌ وشرابٌ لم يلوِّثهما الإشعاعُ، ونقلُهم بعيدًا عن المنطقة المشعَّة.

من المستحيلِ إقامةُ أسوارٍ بهذا السُّمك لسكانِ مدينة كاملة. فمن أين لنا بالمواد والموارد؟ وكيف سيكون لدى السكان حتى الوقتُ للفرار؛ التماسًا للأمان في مثل هذه الحصون؟

في حربٍ ذرية، لن يكون هناك منتصرٌ ولا مهزوم. ففي أثناءِ قصفٍ كهذا سيُعاني كلا الجانبين المصيرَ نفسَه. سيحلُّ دمارٌ متواصل، فلا هدنة أو مقترحات سلام يمكنهما أن يضعا حدًّا له.

عندما يتعامل الناس مع الأسلحة الذرية، لا يمكن لأحدٍ أن يقول للآخر: «الآن يجب أن يُحسَم القتال»؛ بل فقط «الآن نريد أن ننتحر معًا، مُلحِقين الدمارَ أحدنا بالآخر على نحوٍ متبادَل …»

قال عضوٌ برلماني إنجليزي بمنطقٍ وجيه: «إن مَن يستخدم الأسلحة الذرية يُصبح عُرضة لمصير النحلة، أعني أنها عندما تلدغ، سوف تَهلِك حتمًا كونها استفادت من لدغتها»، ومَن يستخدم الأسلحة الذرية للدفاع عن الحرية سيخضع لمصيرٍ مماثل.

إن أولئك الذين يقودون حربًا ذرية من أجل الحرية سيموتون، أو سيُنهون حياتهم على نحوٍ مأساوي. وبدلًا من الحرية سيجدون الدمار. فالسُّحبُ المشعَّة الناجمة عن حربٍ ما بين الشرق والغرب سيكونُ من شأنها تعريضُ البشرية أينما كانت للخطر. ولن تكون ثمةَ حاجةٌ إلى استخدام المخزون المتبقِّي من القنابل الذرية والهيدروجينية. (إذ يوجد منها نحو ٥٠٠٠٠ قنبلة.)

لذلك فالحرب الذرية هي أكثرُ الأعمال حماقةً وجنونًا التي يمكن أن تحدث على الإطلاق. ولا بد من منعها بأي ثمن.

•••

ومما يُؤسَف له أن حربًا باردةً قد تصير حربًا ذرية. وهذا الخطر يتعاظم اليوم أكثرَ مما كان عليه في أيِّ وقتٍ مضى بسبب إمكانية استخدام الصواريخ البعيدة المدى.

في الماضي، تمسَّكَت الولايات المتحدة بمبدأ الانفراد بامتلاك الأسلحة الذرية، فضلًا عن الاتحاد السوفييتي. فلم يكن هناك أيُّ ميزة في إمداد الدول الأخرى بالقنابل الذرية والهيدروجينية؛ نظرًا إلى عدم درايتهم بما عساهم أن يفعلوا بها. ولكن مع مجيء قذائفَ صاروخيةٍ من نوعٍ أصغر وذات مدًى أبعد، فإن الوضعَ آخذٌ في التغيُّر. فاستخدام هذه الأسلحة الصغيرة أمرٌ ممكن بالنسبة إلى الدول الأصغر المتحالفة مع أمريكا. وهكذا تكون الولايات المتحدة قد حادت عن مبدئها بشأن عدم وضع الأسلحة الذرية في أيدي الدول الأخرى، وهو القرار الذي يحمل عواقبَ وخيمة.

على الجانب الآخر، من المفهوم أن أمريكا ترغبُ في تزويد دولِ حِلْف شمال الأطلسي (الناتو) بمثل هذه الأسلحة الجديدة؛ للدفاعِ ضدَّ الاتحاد السوفييتي. فوجود مثل هذه الأسلحة يُشكِّل تهديدًا جديدًا للاتحاد السوفييتي، مما يُمهِّد الطريق لاندلاعِ حربٍ ذرية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على الأراضي الأوروبية. وهذا الوضع لم يكن موجودًا من قبل. فالاتحاد السوفييتي الآن يقعُ داخل نطاقِ هذه الصواريخِ من الأراضي الأوروبية — امتدادًا إلى موسكو ومدينة كارخوف — حتى ١٥٠٠ ميل.

يمكن استخدامُ الصواريخِ المتوسطةِ المدى لأغراضٍ دفاعيةٍ من جانب تركيا وإيران ضدَّ الاتحاد السوفييتي، حيث يُمكنهما اختراق الاتحاد السوفييتي بعمقٍ باستخدام مِثل هذه الأسلحة الممنوحة من أمريكا، وفي المقابل، قد يُضطرُّ الاتحاد السوفييتي بدوره إلى وضعٍ يكون عليه فيه الدفاعُ عن نفسِه.

قد تسعى كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الآن إلى إقامة تحالفات مع الشرق الأوسط، عبْر تقديمِ الدعمِ المالي لهذه الدول. وأي مشاحنات قد تحدث يمكن أن تبدأ سرًّا؛ فالأحداث المجهولة في الشرق الأوسط يمكن أن تُعرِّض السلام في العالم للخطر.

•••

إن خطرَ اندلاعِ حربٍ ذريةٍ في ازديادٍ بفعل حقيقةِ أن لا تحذير سيُقدَّم عند نشوب حربٍ كهذه، والتي يمكن أن تنشأ من مجرَّدِ حادثٍ عارض. والطرَفُ الذي سيُهاجم أولًا ستكون له الأفضليةُ الأولى على الطرف الواقع عليه الهجوم، الأمر الذي سيُكبده على الفور خسائرَ ستحدُّ من مقدرته القتالية إلى حد كبير.

إن ضرورة وجود إنذار على مدار الساعة ضدَّ هجومٍ ما يحمل في طيَّاته خطرًا بالغًا بحدوثِ خطأ في تفسيرِ ما يظهر على شاشة الرادار، عندما يكون اتخاذ إجراءٍ فوريٍّ ضرورةً حتمية، مما يؤدي إلى نشوب حرب ذرية.

كان مَن لفَت الأنظارَ إلى هذا الخطرِ الجنرال الأمريكي كورتس لو ماي، حينما كان العالَم على شَفا وضعٍ كهذا في الآونة الأخيرة. فقد أشارت محطَّات رادار سلاح الطيران الأمريكي والقيادة الساحلية الأمريكية إلى أن اعتداءً بقاذفاتِ قنابل مجهولة في الطريق. وبناء على هذا التحذير، قرَّر الجنرال، الذي كان قائدًا لسلاح قاذفات القنابل الاستراتيجية، أن يأمر ببدءِ قصفٍ انتقامي. غير أنه تردَّد بعد ذلك إدراكًا منه لفداحةِ مسئوليته. وبعد مدةٍ وجيزة، اكتُشِف أن محطات الرادار قد ارتكبَت خطأً فنيًّا. ماذا كان سيحدث لو أن جنرالًا أقلَّ اتزانًا ورجاحةً كان في موقعه؟

من المحتمل أن تتزايدَ مثلُ هذه الأخطارِ مستقبلًا؛ نظرًا إلى وجود الصواريخ الصغيرة التي تمرُّ عبر الجو بسرعة هائلة، ومن الصعب تحديدُ هُويتها، ومِن ثَمَّ تصبح احتمالاتُ الدفاع محدودةً للغاية. فمنظومة الدفاع ليس لديها سوى ثوانٍ فقط لتحديد الصواريخ التي تدنو، وشنِّ هجوم مضاد من خلال تفجير هذه الصواريخ قبل أن تتمكَّنَ من الوصول إلى أهدافها، وفي الوقت ذاته، إرسال قاذفات قنابل لتدمير المنصات التي أُطلِقت منها هذه الصواريخ.

إن مثل هذه القراراتِ لا يمكن أن تُترَك للدماغ البشري؛ لأنه يعمل ببطءٍ شديد. لا بد أن تُوكَل إلى الدماغ الإلكتروني. فإذا ظهر على شاشة الرادار أن صواريخ العدو في الطريق بالفعل، فإن الحسابات الخاصةَ ببُعدها ينبغي أن تتمَّ في جزءٍ من الثانية، بحيث يمكن البدء فورًا عن طريق إطلاق صواريخ دفاعية.

كل هذا يسير بصورةٍ تلقائية. ولعله إنجازٌ يُحسَب لنا أننا نعتمد الآن بالكامل على دماغ إلكتروني، وعلى الأخطاء والثغرات التي لا يمكن لأداةٍ كهذه أن تُعفَى منها. إن اتخاذ قرار عن طريق دماغ إلكتروني، وإن كانت أسرعَ، أمرٌ غير موثوق للدرجة مثل اتخاذ القرار بواسطة الدماغ البشري. ففي مرحلةٍ ما، قد تصبح الآلية المعقَّدة للدماغ الإلكتروني مَعيبة.

•••

إن هذه التطوراتِ تُفْضي حتمًا إلى تفاقمِ الوضع. فعلينا أن نأخذ في الاعتبارِ حقيقةَ أن الولايات المتحدة قد تمضي قُدمًا في تزويد الدول الأخرى بالأسلحة الذرية، اعتقادًا منها أنها لن تستخدمها بأنانيةٍ أو دون حذَر. والقوتان النوويتان الأخريان لديهما الحريةُ في أن يَحذُوَا حذْوَها.

ومع ذلك، من يستطيع أن يضمنَ أن هذه الدول المفضَّلة التي تملك مثلَ هذه الأسلحة قد لا يكون من بينها مَن هي كالخراف السوداء التي تتصرَّف بمفردها، دون اعتبارٍ للتَّبِعات؟ مَن سيمنعُها؟ من يستطيع أن يجعلها تتخلَّى عن استخدام الأسلحة الذرية، حتى لو قرَّرت دولٌ أخرى اتخاذَ مثل هذا القرارِ بالإجماع؟ إن السد يختلُّ وربما ينهار.

وقد باتت هذه المخاوفُ حقيقيةً للغاية، وهو ما يتبيَّن من بيانٍ صدر في ١٣ يناير ١٩٥٨، نيابةً عن ٩٢٣٥ من علماء منظمة الأمم المتحدة بشأن وقفِ التجارِب الذرية. وفيما يلي إحدى النقاط التي تناولها بيانهم:

ما دامت الأسلحة الذرية باقيةً في أيدي القُوى العظمى الثلاث، فإن التوصُّلَ إلى اتفاقٍ بشأن السيطرة عليها أمرٌ ممكن. أما إذا استمرت التجارب وامتدَّت إلى بلدانٍ أخرى تمتلك أسلحةً ذرية، فإن المخاطر والمسئوليات فيما يتعلقُ باندلاع حربٍ ذرية تُصبح أعظم وأفدَح. إن الخطر الكامن في اندلاعِ حربٍ ذرية مستقبلًا يتعاظم ويشتدُّ؛ ما يجعل التخليَ الفوري عن الأسلحة الذرية يصبح ضرورة حتميَّة ومطلقة.

إن موقف الولايات المتحدة تجاه التخلِّي عن الأسلحة الذرية جديرٌ بالملاحظة. لا يمكن أن يكون هذا الموقف سوى أنها على قناعةٍ بأنها ينبغي أن تكون خارجةً عن القانون، ولكن في الوقتِ ذاتِه، في حالة عدم حدوث ذلك، فإنها تُناضل مع دولِ حلفِ الناتو الأخرى لكي تضعَ نفسها في أفضلِ وضعٍ عسكري. ومن ثَم تُصِرُّ أمريكا على أن الصواريخ التي تُقدِّمها إلى الدول الأخرى ينبغي أن تُقبل في أقربِ وقتٍ ممكن. وهي تسعى إلى اتخاذِ مثلِ هذا الوضعِ بُغْيةَ التمكُّن من حفظ السلام بترهيب خَصمِها. ولكنها ترى أن معظم دول حلف الناتو مترددةٌ في قَبول الأسلحة التي تُقدمها إليها؛ نظرًا إلى القوة المتزايدة للرأي العام المضاد.

سيكون من الأهمية بمكانٍ أن تتمكَّن الولايات المتحدة في هذا الوقت المصيري من اتخاذ قرارٍ مؤيد للتخلِّي عن الأسلحة الذرية من أجل القضاء على احتمالية نشوب حرب ذرية في النهاية. فنظرية السلام من خلال ترهيبِ خَصمٍ ما، بواسطة تعظيم التسلُّح، لن تُفضِيَ إلى شيء الآن سوى تصاعد خطر الحرب.

•••

ثمَّة بصيصٌ من الضوء في نهاية النفق؛ ففي ديسمبر ١٩٥٧، قدَّم وزير الخارجية البولندي، راباكي، اقتراحًا بأن تُشكِّل تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية والغربية منطقةً منزوعةَ السلاحِ الذرِّي. وهذا المقترَح حال قَبوله، وإمكانِ توسيع نطاق المناطق المنزوعة السلاح الذري لتشملَ الدول المجاورة، سيضمنُ الحفاظَ على السلام. وهكذا ستُصبح بداية النهاية للشبح الذي يُخيِّم على الاتحاد السوفييتي حقيقةً واقعة.

ثمَّة توافقٌ تام للرأي العام في أوروبا مع هذا الطرح المنطقي. فقد أصبح على قناعة، خلال الأشهر الأخيرة، بأن أوروبا لا يمكن بأيِّ حال أن تكون ساحةَ قتالٍ لحربٍ ذرية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. ولن يتزعزعَ عن هذه القناعة. لقد انقضى الزمن الذي يمكن فيه لدولةٍ أوروبية أن تُخطِّط سرًّا لترسيخِ نفسِها قوةً عُظمى من خلال تصنيع الأسلحة الذرية لاستخدامها الخاصِّ فقط. ولما كان الرأيُ العام لن يَقبل مطلقًا بمثلِ هذا الإجراء، فسيصبح من غير المنطقي حتى الإعدادُ سرًّا من أجل تنفيذ خطةٍ كهذه.

كذلك ولَّى العصر الذي يستطيع فيه جنرالات حلف الناتو والحكوماتُ الأوروبية اتخاذَ القرار بشأن إنشاء مواقع إطلاق وتخزين الأسلحة النووية. لقد صارت مخاطرُ الحرب الذرية وعواقبها الآن هي القرارات التي لم تَعُد قراراتٍ سياسيةً بحتة، ولا يمكن أن تسريَ إلا بموافقة الرأي العام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢