حوار على الورق (٣)

ومرةً أخرى أعود إلى القرَّاء في رسائلهم، بادئًا برسالة السيد عبد المنعم محمد أبو ريا، التي يُشفق فيها على الفلسفة ممَّن يقولون عنها إنها ذهبت وذهب زمانها، فهو يقول:

اسمح لي أن أسألك، بصفتك أستاذًا كبيرًا من أساتذة الفلسفة في الجامعة، عمَّا يشيع بين كثير من الناس، في هذا العصر المادي، أنه لم يُصبح للفلسفة اليوم مكان، كما كان لها أيام أفلاطون وأرسطو، وما تلاها من عصور، وأن الفلسفة اليوم ليست إلا اللغو الفارغ.

فواضح أن الإجابة هنا، ليست موجهة إلى صاحب الرسالة نفسه، بقدْر ما هي موجهة إلى أولئك الناس — وهم «كثيرون» كما وصفهم صاحب الرسالة — ولهذا فلا بدَّ لي من أن أجيب إجابة تتناسب مع من لا يعرف عن الفلسفة لا كثيرًا ولا قليلًا، لعلِّي أستطيع أن أُضيء لهم ولو عُودًا واحدًا من أعواد الثقاب، لينزاح ما ينزاح من الظلام الذي يلفُّهم في عتمتِه فلا يرَون أكُفَّهم ولو بسطوها أمام أبصارهم.

والخطوة الأولى في طريق هذه الإجابة البسيطة المُيسرة هي أن أطلُب إليهم أن يتجاهلوا — مؤقتًا — كلمة «فلسفة»، وكأنها سقطت من معاجم اللغة ومُحَيَت من اللغة محوًا، حتى لا يشغلوا أنفسهم بلفظة، وسأبدأ حديثي معهم بعرض أفكارٍ مُعينة، واتجاهات واهتمامات في حياة الناس، وحتى إذا أقرُّوا أنها أشياء لا يستغني عنها الناس في تلك الحياة، ذكرتُ لهم عندئذٍ، وعندئذٍ فقط، أن تلك الأفكار والاتجاهات والاهتمامات هي بعض ما نُطلق عليه اسم «الفلسفة». ولستُ أنا أول من استخدم مثل هذا المدخل إلى موضوع الحديث، فلقد لجأ إلى مثله ذلك المُعلم الذي جاء به «مسيو جوردان» (في مسرحية موليير) ليُعلِّمه شيئًا عن الأدب، فلما بدأ المُعلم بتقسيم الأدب إلى شِعرٍ ونثر، وشرح له «النثر» شرحًا سهلًا بسيطًا، قال له جوردان وهو في عجبٍ ممَّا يسمعه: إذا كان النثر كلامًا كهذا الكلام الذي نُديره الآن بيننا، فهل كنتَ منذ أول حياتي أتكلَّم «نثرًا» وأنا لا أدري أنه كذلك؟

بل ليست هذه أول مرة أستخدِم فيها هذا المدخل إلى الحديث، فقد حدث لي ذات يوم — وكان على وجه التحديد يومًا من ربيع سنة ١٩٥٤م — إذ كنت يومئذٍ في أمريكا أستاذًا زائرًا في إحدى جامعاتها، حدث لي أن دُعيت إلى ندوةٍ خاصةٍ عقدها أستاذ للفلسفة قديم، جاوز الثمانين من عمره وتقاعد، لكنه لم يكفَّ عن مواصلة نشاطه العلمي في بيته، فيدعو إليه آنًا بعد آنٍ جماعة من صفوة العلماء والمُثقفين، ويدعو معهم زائرًا ليتحدَّث إليهم في موضوعٍ يختاره لهم. ولقد كنتُ أنا في ذلك اليوم هو من دعاه ليتحدَّث، وكان الموضوع الذي اختاره للحديث هو «الإسلام»! ولقد كنتُ على علمٍ بمدى ما يعرفونه عن الإسلام، وكم هو يوشك أن يكون عدمًا أو كالعدَم، لا بل إنني كذلك كنتُ على علمٍ تامٍّ بأن جهلهم بالإسلام مَقرون في أنفسهم بشعورٍ يميل بهم نحوَ الحُكم الظالم، ويكفيه ظلمًا أنه حُكْم على عقيدةٍ لا يعلمون عنها شيئًا.

فبدأت حديثي وكأنني سأتحدَّث عن شيءٍ آخر غير ما دُعيت للحديث فيه. وأخذتُ أرسم لهم صورة ثقافية حضارية نتمنَّى جميعًا أن تتَّجِه الإنسانية إلى تحقيقها. فما هي صورة الإنسان الفرد كما نُريد له جميعًا أن يكون؟ وما هي صورة الروابط التي نتمنَّى جميعًا أن تربط الأفراد في مجتمع؟ وهكذا مضيتُ في حديثي معهم، وكان موضوعنا هو مُستقبل الإنسان ومُستقبل الثقافة ومُستقبل الحضارة، حتى إذا ما بلغتُ بحديثي حدًّا ظفر منهم بالموافقة والرِّضا، قلتُ لهم: لكن هذه الصورة التي رسمتُها لكم أيها السيدات والسادة هي صورة الإسلام!

فقال أحدهم قولًا شديد الشَّبَه بما قاله مسيو جوردان لمُعلمه في مسرحية موليير قال: أكنَّا إذن طوال زماننا مُسلمين ونحن لا ندري؟ وهنا تذكرتُ ما كان الإمام محمد عبده قد قاله عندما زار إنجلترا، ورأى سلوك الناس هناك في معاملاتهم: جئتُ إلى إنجلترا لأرى إسلامًا بغير مُسلمين، وتركتُ في مصر مُسلمين بغير إسلام.

وعلى هذا النهج نفسه سأوجِّه حديثي إلى من يظنُّ أن الفلسفة قد ذهبتْ وذهب زمانها، وأنها لغو فارغ، فأقول: امحُ يا صاحبي من رأسك هذه اللفظة الكريهة، وتعالَ معي نتكلَّم فيما هو أهم، بادئين حوارنا بمعنى «الديمقراطية» التي نريد جميعًا أن نحياها بالطول والعرض والعُمق. إننا نريد للديمقراطية أن تكون أسلوب حُكم وطريقة حياة، وما أكثر ما نسمع القادة وهم يطلُبون منَّا «ممارسة» الديمقراطية في حياتنا بشتَّى جوانبها، ويطلُبون منا «ترسيخ» الديمقراطية في نفوسنا، و«تعميقها» في صدورنا إلى آخر ما يُردِّدونه قولًا وكتابةً كلَّما أصبح لهم صباح وأمسى بهم مساء، أليس كذلك؟

– نعم هو كذلك!

وإذا لم تُضلِّلني الذاكرة، فإني أذكر فيما كنَّا نُسميه بالميثاق خلال الستينيَّات، صورة جميلة أشبه بالصور الأدبية على أقلام الأدباء، وهي صورة تجعل الديمقراطية وكأنها طائر ذو جناحين، وذانك الجناحان هما «الحرية» من جانب و«العدالة» من الجانب الآخر. نعم كان الأمر كذلك.

ولكني أسألكم يا إخواني سؤالَين، عن هذه المعاني الثلاثة التي جسَّدت نفسها في طائرٍ بجناحيه والتي جعلناها، أو قُل هي التي نتمنَّى في المُستقبل البعيد أو القريب أن نجعلها محورًا لحياتنا. وأما السؤالان فهما: أولًا: تُرى من الذي قذف في رءوس الناس بهذه الأفكار الثلاثة حتى اعتنقوها وآمنوا بها، وجعلوها أملًا يريدون له أن يتحقق في حياتهم؟ أكان الذي أبدع هذا الطائر الجميل بجناحَيه عالمًا من علماء الكيمياء، أم كان من علماء الفيزياء؟ أكان زارعًا للأرض أم كان ممَّن يعملون في المصانع؟ أكان من العاملين في القطاع العام أو كان من العاملين في القطاع الخاص؟

وأما السؤال الثاني فهو: هل ترون أن تلك المعاني الثلاثة — على أهميتها التي رأيناها — مفهومة لنا أدقَّ الفهم وأوضحَه؟ وإذا كانت مفهومة لنا مثل هذا الفهم الدقيق الواضح، فلماذا نُغير في شرحها وتفسيرها كل يوم، بحيث تبدو وكأنها مَعانٍ هُلامية مضطرمة في أذهاننا؟ وإذا لم تكن مفهومة لنا، فلِمَن نلجأ يا ترى لنلتمِس عنده الشرح والتوضيح؟

الحق أننا لا ندري، فلا نحن نعرف أي علمٍ من العلوم هو الذي أفرز لنا تلك المعاني الثلاثة، ولا نحن نعرِف إلى أي ضربٍ من ضروب البشر نلجأ للشرح والتوضيح.

إذن فاستمِعوا إليَّ لأدلَّكم بقدْر ما يسمح لي بذلك عِلمي الضئيل، ووالله لا أقولها متواضعًا، وإنما هي الحقيقة العارية أنه عِلم ضئيل، وليس الأمر فيما سوف أقوله لكم مقصورًا على تلك المعاني الثلاثة التي ذكرناها — الديمقراطية والحرية والعدالة — بل هو كذلك يشمل عشراتٍ من المعاني الأخرى التي هي المَحاور الرئيسية في حياتنا، فأما التربة التي أنبتت هاتيك الزهرات اليوانع كلها، فهي ما نُطلق عليه اسم الفلسفة، وأما الرجل الذي يمكن أن يُعين على تحليل تلك المعاني الشريفة كلها ليبسُط لنا فحواها ومعناها، فهو الذي نُسميه باسم الفيلسوف.

فليست الفلسفة — أيها السيدات القارئات والسادة القارئون — ليست لغوًا من اللغو، ولا هي أشباح تطير مع دخان المداخن في الهواء، إنما هي تبدأ مما يجري على ألسنة الناس كلامًا وكتابة، هنا على هذه الأرض، نعم إنها تبدأ مما يجري على ألسنة الناس في بيوتهم، وفي مزارعهم ومتاجرهم، وفي ركوعهم وسجودهم، وفي سياستهم وفي أوقات فراغهم. أليس الناس في كل شئونهم يتكلَّمون عن الحق والعدل والجمال والخير والحُب والسِّلم والعِلم والفن والصداقة والانتماء والفرد والمجتمع والإيمان والطبيعة؟ ومن هذه المعاني وأمثالها — أيها السيدات القارئات والسادة القارئون — تبدأ الفلسفة سَيرها، أو قُل إن أولئك الذين شاء لهم ربهم أن يكونوا بفطرتهم ذوي شغفٍ بمعرفة هذه المعاني وأمثالها لا من أسطحها الظاهرة، بل من مضموناتها الدفينة في أجوافها، وهؤلاء هُم الفلاسفة، وأن هؤلاء الفلاسفة إذا ما تناوَلوا هذه الخيوط المُتفرِّقة تحليلًا وتمحيصًا وفهمًا، فهم لا يقِفون عند هذا الحد، بل يُحاولون بعد ذلك أن يلتمِسوا طريقًا لنسج هذه الخيوط في ديباجةٍ واحدة، فإذا وُفِّقوا كان المرسوم على تلك الديباجة هو صورة الكون عند هذا الفيلسوف أو ذاك!

وأما الكثرة الغالبة من الناس فهم برغم شعورهم بأهمية تلك المعاني الأساسية المحورية، فهم يكتفون منها بأسطحها المرئية بالعين من بعيد، ومن هنا كانت العِلة في أنهم يختصمون حولها. فالجميع يريد الحرية، لكنهم يتفرَّقون أحزابًا وشِيَعًا في معنى الحرية التي يريدون، وقُل هذا في كل المعاني الأخرى التي من هذا القبيل. وبعض السبب في أنهم مُتفقون على مظهر المعنى المُعين في جُملته، ولكنهم مختلفون في حقيقته وتفصيله، هو أنهم يكتفون من كل فكرةٍ بملمسِها الخارجي ولا يغوصُون إلى الجوف وما يحويه. وأما إذا شاء الله لأحدهم ألَّا يكتفي من الفكرة المُعينة بملمسها، ويُلح في أن يبقُر جوفها ليعرف ما هو كامِن فيه، فذلك هو الفيلسوف.

إننا جميعًا نتساوى عند النظر إلى جبلٍ وهو بعيد، فكُلنا يراه في شكله الخارجي العام عند الأفق النائي، ولكن الذي يقترِب منه حتى يلمسه بأصابعه، هو وحده القادر على أن يَحكي لنا بعد ذلك عما رآه هناك من أنواع الصخور والنبات والحيوان والحشرات وكل شيء، ومثل ذلك الرجل في دُنيا الأفكار هو الفيلسوف. وإذا كانت هذه هي خصائصه، فهل ترَون أنه رجل لم تعُد حياة الناس في حاجةٍ إليه؟

إن تلك الفاعلية العقلية التي يُحاول بها الإنسان أن يفهم حياته وما ترتكز عليه في عِلمها وفي إيمانها، وفي غاياتها، بل وفي هواجسها وأحلامها، إنما هي فاعلية ننشط بها جميعًا، في لحظاتٍ مُتفرقةٍ وعلى درجاتٍ تتفاوت فينا ارتفاعًا وانخفاضًا. وهي في أرفع درجاتها تكون عند من نُطلق عليهم «فلاسفة» لأن هؤلاء إذ ينشُدون ذلك الفهم الذي ننشُده جميعًا. نراهم وقد أسعفتهم قدرتهم القادرة، وعقولهم الذكية النافذة لا يقتصرِون على فهمهم لِمَعانٍ مُتفرقةٍ ومحدودة المجال، بل يبسُطون أجنحتهم العريضة حتى تحتوي في حِماها على الكون بكل ما فيه، يُدرِجونه كله تحت فكرة رئيسية واحدة منها تتفرَّع كل التفسيرات المطلوبة لتعليل الجوانب المختلفة التي تُصادفنا وتُثير اهتمامنا.

وعند هذه النقطة أنتقل بالقارئ إلى رسالة جاءتني من السيد فيكتور وليم ميخائيل، أسوقها هي نفسها مثلًا يُبين لنا كيف أن الإنسان مهما كانت مِهنته في حياته العملية، لا يخلو أن ينشغِل حينًا بعد حين بمسألةٍ تمسُّ الحياة في صميمها، فيصُب عليها تلك الفاعلية العقلية لفهمها، على نحو ما أسلفتُ القول. وليس المُهم هو أن نطلق على رجلٍ يحاول مثل هذه المحاولات اسم «فيلسوف» أو لا نُطلقه، لكن المهم هو أن ذلك النوع من النشاط الذهني الراغب في الفهم، شيء لن يكون عنه غنًى في عصرنا ولا في أي عصرٍ حتى يرث الله الأرض وما عليها. فالسيد فيكتور قد شغلتْه فكرة العلاقة داخل الإنسان بين المسائل العلمية والمسائل الدينية، وأراد لنفسه أن تطمئنَّ أن ثمة توافقًا بين الخطَّين بالرغم من اختلافهما الظاهر من حيث المصدر ومن حيث المضمون، فهداه الله إلى فكرةٍ لها وجاهَتُها وهي فكرة التناغُم بين جانبَين مختلفين، تناغمًا يجعل أحد الجانبَين يتأثر بمِثل ما يتأثر الجانب الآخر، بالرغم من وقوع المؤثِّر على أحد الجانبين فقط دون الآخر، ويضرب لذلك أمثلة، فيقول إنَّ الموقف عندئذٍ يُشبه: «وترَين مشدودَين متساويَين متجانسَين متجاورَين، فإذا وُضِع ركاب من وَرَق على أحدهما، وهززْنا الوتَر الآخر شاهدنا الركاب يهتزُّ بنفس القدْر، وما ينطبق على الوترَين ينطبق على الشوكَتَين الرنانتَين المُتشابهتَين.»

ويُريد بأمثلته تلك أن يقول إنه إذا تشابهت البنية الأساسية في مجالَين، فالمؤثر الذي يؤثر في أحد المجالين، يجد صداه في المجال الثاني أيضًا. ومن هنا أمكن للفرد من الناس أن يتلقَّى ما يتلقَّاه من علوم ومن رسالاتٍ دينية مُوحًى بها من عند الله، إذا كان عند ذلك الفرد المُتلقي بنية ذهنية أو قلبية تتماثَل وتتناغَم مع ما يتلقَّاه.

هكذا أراد السيد فيكتور أن يفهم جانبًا من جوانب حياته الإدراكية فبذَلَ الجهد العقلي ليفهم، فهل نقول له: لا، أقلع عن التفكير فلا حاجة بك ولا بنا إلى فهم؟

وهذا ينقلنا إلى الحديث عن «المواهب» استجابةً لرسالة السيد سعيد سلَّام، الذي أرسل يقول: «نريد أن نُناقش قضية الموهبة ما هي، وما قيمتها الإنسانية والحضارية؟ وما ضمانات بقائها ونمائها؟ ثم ما الآثار المترتبة على تنميتِها ورعايتها أو على طمسِها وإهدارها؟»

فكما هو واضح من اسمها في العربية — ومن اسمها في الإنجليزية أيضًا — فكل مَوهبة هبة من الخالق جلَّ وعلا، نفحها لمن يحملها من عباده، ولا فضل لصاحبها في قيامها، ولا لَوم على فاقِدها، وتتعدَّد المواهب نوعًا، وتتفاوت قدْرًا، بتعدُّد الموهوبين وتفاوُتهم؛ فهذا موهبته في فنٍّ من الفنون، موسيقى أو شعر أو ما شئت، وذاك موهبته في حدَّة الذكاء الذي قد يظهر في القُدرة على الاستدلال الرياضي أو العلمي بصفةٍ عامة، وثالث موهبته في مهارة يديه ورابع في سرعة العدو، وخامس، وسادس، وسابع … والتعليم والتدريب يصقلان الموهبة، ولكنهما لا يُوجِدانها من العدَم. وإذا بلغت الموهبة ذروةً عُليا كانت هي ما نُسمِّيه بالعبقرية.

هذا كلام معروف ومفهوم، لكن الذي قد نجهله أو نتجاهله هو أن أصحاب المواهب العُليا في شتَّى فروعها، هم قلة قليلة جدًّا بالنسبة إلى سَواد الناس. ولمَّا كانت الموهبة في آخر التحليل، إنما هي القدرة على «الإبداع» أي القدرة على إيجاد الجديد الذي يُضاف إلى ما هو كائن، أو الذي يُغير ما هو كائن، كانت تلك القلة الموهوبة هي وحدَها القادرة على تجديد حياة الناس اتجاهًا وارتفاعًا. وأما الكثرة الغالبة من جمهور الناس فهي تَتْبَع. وإننا لنُضلِّل أنفسنا إذا تعمَّدنا ألا نفهم فهمًا جيدًا واضحًا ماذا يُراد حين يُقال إن القيادة والريادة والإبداع إنما هي للشعوب لا لفردٍ مُعينٍ أو لقلةٍ من أفراد، فحقيقة الأمر في ذلك هي أن الشعب في مجموعه قد تتأزَّم به الحياة في إحدى نواحيها، فيكون من شأن ذلك أن تتَّجِه الموهبة في أحد أفراده نحو ما قد تأزَّم به فيجيء على يديه الحلُّ الجديد. فإذا كانت قمة الجبل هي من طبيعة الجبل، لكنها «قمته»، وإذا كانت ذروة الموجة العالية هي من طبيعة الموجة، لكنها «ذروتها» فليس ثمة من تناقُضٍ بين أن يكون الموهوب قطعة من النسيج العضوي للشعب الذي هو فردٌ من أفراده، وبين أن يكون ذلك الفرد الموهوب ذا مكانة خاصة بالنسبة لسائر الأفراد.

وأقول ذلك لأنني أُرتِّب عليه واجبًا ملزمًا للدولة في رسم سياستها في التعليم والتربية، وذلك الواجب المُلزم هو أن أخطط البناء التعليمي على أساسَين متوازيَين، أحدهما هو أن يتعلَّم الجميع، وأن تتساوى الحقوق والفُرَص لا نُميز أحدًا من أحد، وأما الأساس الآخر فهو أن أبحث خلال العملية التعليمية في كل مرحلةٍ من مراحلها، عن أصحاب المواهب، لأخصَّهم وحدَهم برعاية تتناسَب مع مواهبهم؛ لأن هؤلاء هم في نهاية الأمر الذين ستكون لهم الريادة في شتَّى ميادين الحياة. ولستُ أرى في مثل هذا الانتقاء ما يتنافى مع المُساواة بين جميع المواطنين؛ لأن الموهوبين وغير الموهوبين هم مصريون على السواء، وتُعرَض أمامهم الفرص مُتساوية، فإذا كان أحدٌ منهم موهوبًا في ناحيةٍ ما، فإنه يكون إنكارًا لنعمة الله، وجحودًا لحق الوطن أن نطمس ذلك الموهوب ليغُوص مع الآخرين إلى قاعٍ واحد. ولستُ أريد هنا، ولا أرضى أن أصوغ هذه الفكرة كما صاغها أحد الفلاسفة القدماء، إذ قال إن عملية التعليم ما هي إلا البحث وسط كومة الرَّمل — التي هي سائر أفراد الشعب — عن بضعة جواهر خفِيَت في ثنايا الرمل. لا، لستُ أقول شيئًا كهذا؛ لأنه يتضمَّن أن التعليم الذي يُصيب حبَّات الرمل، إنما هو تعليم بالمُصادفة، ما دامت الغاية المنشودة هي البحث عن الجواهر المُختفية، فلكل فردٍ من الشعب الحق في أن يتعلَّم بقدْر ما وسعت فطرته أن يتعلم، على ألا نُضحي بقدراتٍ أقوى من أجل قدراتٍ أضعف.

ولقد ذَكر لي صاحب السؤال عن «الموهبة» في رسالته، ما يدل على أنه استوحى سؤاله مما قرأه لي في مقالةٍ كان عنوانها «قراءة في كراسةٍ مجهولة»، وكان فيها حكاية والدٍ ينصح ولده أن يمضي في طريق حياته دءوبًا لا يُبالي ما سوف يتلقَّاه من ضربات الآخرين. وكان في المقالة ما يُوحي إلى قارئها بأننا في مُجتمعنا كثيرًا ما نعمل على قتْل الموهبة بوأدِها مع صاحبها في الظلام، مُفرقًا بين معنيَين مع معاني العدالة — وللعدالة معانٍ كثيرة — فعدالة من هو أقوى منصبًا، غير العدالة التي مُؤداها أن يوضَع كل فردٍ في مكانٍ من البناء الاجتماعي يناسِب قدراته. فإذا ساد المعنى الأول كان الأغلب أن يعمل صاحب المنصِب القوي على أن يُخفي في الظلام أولئك الذين إذا ظهروا هدَّدوه، وأحسَبُني لا أتجنَّى إذا قلتُ إن خبرتي تُشير إلى أن مثل هذا البطش كثير الحدوث في حياتنا، مما أنتج لنا نتيجتَين:

إحداهما: ارتحال الأكفاء بأعدادٍ ملحوظةٍ إلى حيث يستثمرون مواهبهم في غير وطنهم، فأمسك بزمام أمورنا في حالاتٍ كثيرة، أفراد ذوو قدراتٍ محدودة! وهي النتيجة الثانية.

إن الأمة تحيا في تاريخها، وما تاريخها إلا أصحاب المواهب من أبنائها وما صنعوه ليُخلِّدهم، فتَخلُد الأمة بخلودهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١