عن مسرحية مُحاكمة لوكولُّوس (١٩٣٩م)١

ولَدِي سقَط في الحرب

ولدي
سقَط في الحرب.
كنتُ بائعةَ سمكٍ في السوق.٢
قِيل لنا يومًا إن السُّفُن العائدة
من الحرب في آسيا قد وَصلَتْ (للمِيناء).
جرَيْتُ من السُّوق ووقفتُ على شطِّ «التيبر» ساعات،
حتَّى أخلَوا السُّفن من الرُّكَّاب.
ولم يَكُن ولدي على ظهرِها.
وبِسبَبِ الزَّحمة في الميناء
هدَتْني في الليل الحُمَّى
في بُحران الهَذَيان.
رحتُ أُفتِّشُ عن ولدي.
وكلَّما أوغلتُ في البحث عنه،
ازدادَ شُعوري بالبردِ اللَّاسِع حتى متُّ
وجئتُ هنا إلى مَملَكة الظِّلال،
وواصلْتُ البحثَ.
ناديتُ عليه يا فابر
— إذا كان هذا هو اسمه —
فابر، يا وَلدي فابر،
يا من حُمِلتَ في بطني،
يا مَن رُبِّيت!
يا ولدي فابر!
وجريتُ جرَيتُ وسط الظِّلال والأشباح،
وأنا أُنادي على فابر
حتى أمسَكَني من كُمِّ رِدائي بوَّاب
يقِفُ هناك في مُعسكر ضحايا الحرب.
قال لي: أيَّتُها العجوز! هنا أكثر من فابر.
أبناء أمَّهاتٍ بلا حصر.
كثِيرون هُم ومُفتقدُون،
لكنَّهم نَسُوا أسماءهم؛
إذ لم يكُن لها من فائدةٍ
إلَّا أن يُرتِّبوهم في صفوف الجيش.
ولم يَعُد لها ضرورة في مملَكة الظِّلال.
وهم لا يُريدون أن يُقابِلوا أُمَّهاتهم
منذُ أن تَركنَهُم للحربِ الدَّموية.
وقفتُ هناك والرَّجُل لا يزال يُمسِك بكُمِّي.
ونِدائي وَقَفَ في حلْقي.
استدرتُ راجِعةً في صمتٍ؛
إذ لم تَبقَ في نفسي رغبة
في مُقابَلَة ولَدي وجهًا لوجه.
١  هكذا العِنوان كما جاء في الطبعة العربيَّة القديمة التي قدَّمتُها سنة ١٩٦٥م مع مسرحية الاستثناء والقاعدة. والأصحُّ هو استِجواب لوكولُّوس، وليس الفَرق كما ترى كبيرًا، والمسرحية تنتمِي للمرحلة التعليمية في إنتاج برشت، وكانت في الأصل تمثيليَّة إذاعية.
٢  حرفيًّا: في السُّوق الموجود بالفوروم، والمعروف أن الفوروم الرُّوماني هو المكان الذي يُوجَد به سوق المدينة ومركز الحياة السِّياسية والثقافية فيها. كما يتجمَّع فيه الشعب في المُناسَبات المُهمَّة للتَّشاوُر والاستماع لخُطَب السياسيِّين والقُوَّاد العسكريين … إلخ. وقد تطوَّر منذُ القرن الخامس ق.م في أشكالٍ مُختلِفة لا يتَّسِع المقام لذِكرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠