طقوس الأنفاس

١

ذات مرَّةٍ جاءت امرأةٌ عجوز تسعى من بعيد.

٢

لم يكن قد بَقِي لديها خُبز تأكله.

٣

الخُبز أكلَه العساكر.

٤

هنالك سَقطتْ في البالوعة، وكانت باردة،

٥

فلم تَعُد تُحسُّ بشيءٍ من الجوع.

٦

عندَها صمتَت الطُّيور الصغيرة في الغابة،
على أعالي الشَّجر.١
هدوء
فوق كلِّ القِمَم.
لا تكاد تُحسُّ
نفَسًا واحِدًا.

٧

جاء الطبيب الشرعي يَسعى من بعيد.

٨

قال: العجوز مُصرَّة على مظهرِها.

٩

عندها وارَوا العجوز الجائعة التراب.

١٠

وبهذا سكتَتِ المرأة العَجوز عن الكلام.

١١

أما الطبيب وحدَه فَراحَ يضحَك عليها.

١٢

كذلك صمَتَت الطيور الصغيرة في الغابة،
على أعالي الشجر.
هدوء
فوق كلِّ القِمَم.
لا تكاد تُحسُّ
نفسًا واحدًا.

١٣

وذات يومٍ جاء رجُلٌ وَحيدٌ من بعيد.

١٤

ولم يكن لديه أيُّ إحساسٍ بالنِّظام.

١٥

وجد في المسألة شيئًا على غَير ما يُرام.

١٦

وكان يَعدُّ نفسه صديقًا مُدافعًا عن العجوز.

١٧

قال: ينبغي أن يجِد الإنسان ما يأكله. (أليس كذلك يا حضرات؟)

١٨

عندَها صمَتَتِ الطيور الصغيرة في الغابة
على أعالي الشجر.
هدوء
فوق كلِّ القِمَم.
لا تكاد تُحسُّ
نفَسًا واحدًا.

١٩

وذات يومٍ جاء فجأةً مُفتِّش البوليس.

٢٠

وكان يحمِل في يده هراوةً من المَطَّاط.

٢١

ضرب بها الرجُل على مُؤخِّر رأسه حتى صار كالعَجين.

٢٢

وعندها سكتَ هذا الرجل أيضًا عن الكلام.

٢٣

لكن المُفتِّش قال بصوتٍ ردَّده الفضاء:

٢٤

والآن تَصمتُ الطيور الصغيرة في الغابة
على أعالي الشجر.
هدوء
فوق كلِّ القِمَم.
لا تكاد تُحسُّ
نفسًا واحدًا

٢٥

ثم جاء ذات يومٍ ثلاثة رجالٍ من ذوي اللُّحى من بعيد.

٢٦

قالوا: ليست القضيَّة قضية فرْدٍ واحدٍ وحيد.

٢٧

وأخذوا يُعيدون هذا القول، حتى صار له ضجيج.

٢٨

لكن ما لبِث الدُّود أن نفَذَ في لحمهم حتى وصلَ إلى عِظام الساق.

٢٩

وسكتَ الرجال ذَوو اللُّحى عن الكلام.

٣٠

عندها صمَتَتِ الطيور الصغيرة في الغابة
على أعالي الشجر.
هدوء
فوق كلِّ القِمَم.
لا تكاد تُحسُّ
نفَسًا واحدًا.

٣١

وذات يوم جاء رِجالٌ كثيرون من بعيد.

٣٢

أرادوا أن يتكلَّموا مع العساكر.

٣٣

لكن العساكر تكلَّموا بالرَّصاص.

٣٤

هنالك سكتَ الرجال جميعًا عن الكلام.

٣٥

ومع ذلك بَقَيتْ على جِباهِهم تَجعيدَةٌ واحدة.

٣٦

عندها صمَتَت الطيور الصغيرة في الغابة
على أعالي الشجر.
هدوء
فوق كلِّ القِمَم.
لا تكاد تُحسُّ
نفَسًا واحدًا.

٣٧

ثم جاء ذاتَ يومٍ دُبٌّ عظيم أحمر من بعيد.

٣٨

لم يَكُن يعرِف شيئًا عن العادات السائدة، ولا كانت به حاجة إلى مَعرِفَتها.

٣٩

على أنه لم يَكُن ابنَ الأمس، ولا مِن طبعِه أن يُهاجِم كلَّ حيوان.

٤٠

والتَهم الطيور الصغيرة في الغابة.

٤١

عندها تخلَّتِ الطيور الصغيرة عن صمْتِها
على أعالي الشجر.
ثَورة واحتجاج
فوق كلِّ القِمَم.
تُحسُّ الآن
نَفَسًا يضطرِب.
١  هذه الأبيات الخمسة تدور حول قصيدةٍ مشهورة لشاعر الألمان الأكبر جوته، وقد عدَّل برشت منها في هذه المُعارضة الساخِرة والقاسية لتلك القصيدة الشهيرة التي تقول: «فوق كلِّ القِمَم، هدوء، على أعالي الشجر، لا تكاد تُحسُّ نفَسًا واحدًا، الطيور الصغيرة صامِتة في الغابة، انتظر، فقريبًا ستستريح أنت أيضًا …» راجِع قِصَّة هذه القصيدة وتَحليلًا لها في كِتابي «البلد البعيد» دار الكاتِب العربي، القاهرة ١٩٦٧م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤