من مرثيَّات بوكو

تغيير العَجَلة١

أجلس على ناصِية الشَّارع.
السائق يُغيِّر العَجَلة.
لستُ سعيدًا بالمكان الذي جِئتُ منه.
لست سعيدًا بالمكان الذي أذهَبُ إليه.
لماذا أنظر إلى تغيير العَجَلة
نافِدَ صبر؟

الحل

بعد ثَورة السابِع عشر من يونيو٢
أمر سكرتير اتِّحاد الكُتَّاب
الواقع في شارع ستالين
بتوزيع منشورات كُتِبَ فيها
أنَّ الشعب قد استهتر بِثِقة الحكومة،
وأنه لن يستطيع أن يَستردَّها
إلا بالعمل المُضاعَف.
ألم يكُن الأبسط من ذلك
أن تقوم الحكومة بحلِّ الشعب
وتختار شعبًا آخر غيره؟

وقت ضائع

عرفتُ أنَّ مُدنًا قد بُنِيَت،
أنا لم أذهبْ إليها.
قلتُ لنفسي:
هذا شيء يتعلَّق بالإحصاء
لا بالتاريخ.
ما قِيمة المُدن التي تُبنى
بغير حِكمة الشعب؟

عادات لم نتخلَّص منها

الأطباق تُلقى بخُشونة
بحيث يَندلِق الحِساء.
بصوتٍ مُجلجِلٍ
يُدوِّي أمر القيادة:
إلى الطعام!
النَّسر البُروسي
يُلقِم أفواه الصغار
بالطعام.

الدُّخان

البيت الصغير تحت الشَّجَر على البُحيرة.
من سقفه يَتصاعَد الدُّخان.
إن غاب (الدُّحان) يومًا
فما أتعسَ البيت
والشجَر والبحيرة!

أشجار الصنوبر

في الصباح الباكِر
تكون أشجار الصنوبر نحاسية.
هكذا رأيتُها
قبل نِصف قرن،
قبل حَربَين عالمِيَّتين،
بعَينَين شابَّتَين.

أثناء قِراءة هُوراس

حتى الطُّوفان
لم يدُم إلى الأبد.
ذات يومٍ تسرَّبت
المياه السوداء.
حقًّا، ما أقلَّ المياه
التي استمرَّت زَمنًا أطول!

أصوات

في أواخِر الخريف،
تُعشِّش في أشجار الحور الفِضيَّة
أسرابٌ كثيفة من الغِربان.
لكنِّي لا أسمَع خلال الصيف كلِّه
— لأن المنطقة خالِية من الطيور —
سوى أصواتٍ آتيةٍ من البَشر.
وأنا راضٍ بهذا.

سماء هذا الصَّيف

عاليًا فوقَ البُحيرة تحلِّق قاذِفة قنابل.
من قوارِب التَّجديف يتطلَّع إليها
أطفالٌ ونساء وشَيخ هَرِم.
يَبدُون من بَعيدٍ أشبَهَ بالزرازير الصَّغيرة
التي تفتَح مَناقيرها
لالتقاط الغِذاء.

اسمَع أثناء الكلام!

لا تُردِّد دائمًا: معك الحقُّ يا مُعلِّم!
دَع التِّلميذ يعرِف هذا بنفسه!
لا تُجهِد الحقيقة أكثر ممَّا يجِب؛
إنها لا تَتَحمَّل هذا.
اسمَع أثناء الكلام!

عند سَماع أبياتٍ للشاعر «بِن»٣

عند سمَاع أبياتٍ من الشِّعر
لبِن المُولَع بالموت،
رأيتُ على وجوه العُمَّال تعبيرًا
لم يكُن له شأن بِبنْيَة البَيت،
ولكنَّه كان أثمنَ
من ابتسامة المُوناليزا.

انتقال «فِرقة برلين» إلى مسرح الشفباوردام

مَثَّلتُم هنا وسط الأنقاض،
فمَثِّلوا الآن في البيت الجميل.
لا للتَّسلِيَة وتزْجِيَة الوقت.
لينشأ منكم ومنَّا «نحن» محبَّة للسلام؛
كيما يبقى هذا البيت ويبقى غيره!

مسرح

في الضَّوء يظهرون:
الذين يُمكِن التأثير عليهم،
الذين يُمكِن إسعادُهم،
الذين يُمكِن تغييرهم.

مُتَع

النظرة الأولى من النَّافِذة في الصَّباح،
الكتاب القديم الذي عثَرَتْ عليه
الوجوه المُتحمِّسة،
الثلج، تغيُّر الفصول،
الصحيفة اليومية،
الكلب،
الديالكتيك،
الاستحمام، السباحة،
الموسيقى القديمة،
الحِذاء المُريح،
الفَهم،
المُوسيقى الجديدة،
الكِتابة، الزَّرع،
السفر،
الغناء،
المودَّة.

هنا الخريطة، وهناك الشارع

«هنا الخريطة، هناك الشارع
انظُر هنا المُنحنى، انظر هناك المُنحدَر!»
«أعطِني الخريطة، أُريد أن أمضي إلى هناك.
على ضَوء الخريطة.
يُمكن الإسراع في السير.»

في المُستقبل، عندما يتوفَّر الوقت الكافي

في المُستقبل، عندما يتوفَّر الوقت الكافي،
سوف نتدبَّر أفكار جميع المُفكِّرين من جميع العصور،
ونُشاهِد جميع اللَّوحات لجميع الفنَّانين العِظام،
ونضحك من جميع المُضحِكين،
ونتملَّق جميع النساء،
ونُعلِّم جميع الرجال.

تَحوُّل الأشياء

١

وكُنتُ عجوزًا، وكُنتُ شابًّا في بعضِ الأوقات.
كُنت عجوزًا في الصباح، وكُنتُ شابًّا في المساء،
وكُنت طِفلًا يتذكَّر أحزانَه،
وشيخًا بلا ذِكريات.

٢

كنتُ حزينًا، حين كنتُ شابًّا،
وأنا الآن حزين، بعدَ أن شِخت.
متى سيُمكِنني إذن أن أفرح؟
الأفضل في أسرَع وقت.

وقد تصوَّرتُ دائمًا

وقد تصوَّرت دائمًا:
أن أبسطَ الكلِمات يجِب أن يكفي.
عندما أقول (الحقيقة) عمَّا يجري في الواقع
فلا بُدَّ أن يتمزَّقَ قلبُ أيِّ إنسان.
أنك ستسقُط عندما تكفُّ عن المُقاومة،
ذلك شيءٌ سنتأكَّد منه حَتمًا.

لما كُنتُ راقِدًا في الغُرفة البيضاء

لما كنت راقدًا في الغرفة البيضاء بمُستشفى «الشاريتيه»،٤
وصحوتُ من نومي قبل طلوع النهار،
وسمِعتُ غناء الشَّحرور،
عرفتُ (الحقيقة) معرفةً أفضل.
كنتُ منذ وقتٍ غير قصير
قد تخلَّصتُ من الخَوف من المَوت؛
(إذ أدْرَكْتُ) أنَّني لن أفتقِد وجودَ شيء
ما دُمتُ أنا نفسي لن أكون موجودًا.
الآن نجحتُ في أن أفرَح (من كلِّ قلبي)
بكلِّ غناءٍ ستشدو به الشحارير من بعدي.

لو كُنَّا سنبقى إلى الأبد

لو كُنَّا سنبقى إلى الأبد
لتغيَّر كلُّ شيء.
لكن لأنَّنا زائلون
يبقى الكثير على حاله القديم.

أُغنية مُضادَّة لأُغنية «عن مودَّة العالم٥

هل معنى هذا أن نقنَع ونتواضَع
ونقول: «هذا هو الحال وليبقَ على ما هو عليه»؟
وأن نُفضِّل مُعاناة العطَش ونحن نرى الكئوس أمامنا
ونمُدَّ أيدينا للكئوس الفارِغة لا للمُمتلِئة؟
هل معنى هذا أن نبقى في الخارِج
ونقعُد في البرد دون أن يدعُونا أحد
لأنَّ السادة العِظام يروق لهم
أن يُملوا علينا ما يُصيبُنا من أحزانٍ ومسرَّات؟
بيد أن الأفضل في رأينا هو أن نثور،
ولا نَزهَد في فرحةٍ واحِدة مهما قلَّ شأنُها،
وأن نُقاوِم مُثيري المَواجِع والأحزان بكلِّ قوَّة.
ونُحاوِل أخيرًا أن نجعل العالَم بيتًا آمِنًا لنا.
١  القصائد التالِية تنضَوي تحت القصائد التي كتَبَها الشاعر خلال السنوات التِّسع التي سبَقت وفاته (١٩٤٧–١٩٥٦م) ولكن الشاعِر يضَعُها تحت عنوان «مرثيَّات بوكو» نِسبةً إلى البلدة السويسرية الهادِئة التي سبقَتِ الإشارة إليها في المُقدِّمة (انظر مقدمة الطبعة الثانية).
٢  أو التمرُّد المعروف الذي أشعل عُمَّال برلين الشرقية — في شهر يونيو سنة ١٩٥٣م — نيرانه التي رفضت قوَّات ألمانيا الشرقية حينذاك إخمادَها بالقوَّة، فتدخَّلت الدبَّابات السُّوفيتية وسحقَتْه. وقد كتَب الروائي الشهير جنتر جراس مسرحيةً بارِعة — وإن تكُن في تقديري مُريبة وغير منصفة! عن موقف برشت المُراوِغ من العُمَّال الذين لجئوا إليه في مسرحه لمُناصرة قضيَّتهم فخذَلَهم وأخذ يَستدرجُهم لإعادة تَمثيل أدوارِهم في أحداث التمرُّد بدلًا من الوقوف الحاسِم معهم.
٣  جونفريد بِن (١٨٨٦–١٩٥٦م) من أهمِّ الشُّعراء والرُّواد المُعبِّرين والمُنظِّرين للتَّعبيريَّة ثمَّ للحدَاثة في الأدَب الألماني الحديث سواء بقصائده أو مسرحياته أو مقالاته — يبدو لي أن برشت قد ظلَمَه كما ظلَم الكثيرين من مُعاصِريه (وعلى رأسهم توماس مان!) ولكن ربما يُلتَمس له العُذر لاختلاف مَوقِف المُعبِّر عن الألم الكَونيِّ عن مَوقف المُرتبِط بقضايا عصره. راجِع عن بِن كتابيَّ المُتواضِعَين عن التعبيرية وعن الشِّعر الألماني بعد الحرب العالمية الثانية (لحن الحُريَّة والصمت)، وكذلك مُختارات من شعره في كتابي ثورة الشعر الحديث، الطبعة الثانية، أبوللو، ١٩٩٨م.
٤  الكلمة الفرنسية الأصل تَعني الرَّحمة أو الإحسان وتدلُّ على جمعيَّة خيرية مَسيحيَّة تنتشِر مُستشفياتها في العالم (الشاريتيه)، وكان برشت يُعالَج في هذا المُستشفى بعد إلحاح المَرَض عليه في سنواته الأخيرة.
٥  تجِد هذه الأُغنية مع النُّصوص السابقة ضِمن القصائد من ١٩١٤–١٩٢٦م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤